رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. خالد وليد محمود

• متخصص بالسياسة السيبرانية

مساحة إعلانية

مقالات

171

د. خالد وليد محمود

ما الذي يكشفه مؤشر حيوية الذكاء الاصطناعي العالمي لعام 2025؟

30 ديسمبر 2025 , 01:29ص

يعكس مؤشر حيوية الذكاء الاصطناعي العالمي لعام 2025 (Global AI Vibrancy Index) الصادر عن جامعة ستانفورد Stanford University تحوّل الذكاء الاصطناعي من كونه مجالًا تقنيًا ناشئًا إلى أحد أهم محددات القوة في النظام الدولي المعاصر. فالمؤشر لا يكتفي بقياس حجم الابتكار أو عدد الأوراق البحثية، بل يقدّم تقييمًا شاملًا لديناميكية النظم الوطنية للذكاء الاصطناعي، وقدرتها على تحويل البحث العلمي والاستثمار والتقنيات المتقدمة إلى أثر اقتصادي واجتماعي وسياسي ملموس.

تكشف نتائج المؤشر عن هيمنة واضحة للدول ذات الدخل المرتفع على المراتب الأولى، وهي هيمنة لا يمكن فصلها عن التراكم الطويل في الاستثمار في البحث والتطوير، وقوة أنظمتها الجامعية، وتقدّم بنيتها التحتية الرقمية، وقدرتها على توفير الحوسبة المتقدمة والبيانات على نطاق واسع. في هذا السياق، تحافظ الولايات المتحدة على موقع الصدارة العالمية، مستفيدة من تفوقها في الاستثمار الخاص، وتطوير النماذج المتقدمة، واستقطاب المواهب، تليها الصين التي تواصل توسيع قاعدتها البحثية ونشر الذكاء الاصطناعي ضمن إستراتيجية دولة منسقة، ثم الهند التي تمثل حالة استثنائية بوصفها الدولة الوحيدة من فئة الدخل المتوسط إلى الأدنى التي نجحت في دخول قائمة أفضل ثلاثين دولة عالميًا، مستندة إلى حجم قوتها العاملة التقنية واتساع قاعدة البحث والتطبيقات الرقمية الحكومية.

في المقابل، يبرز صعود دول من فئة الدخل المتوسط إلى الأعلى، مثل البرازيل وماليزيا، إلى جانب الصين، من خلال اعتمادها مزيجًا من المبادرات الحكومية، والإستراتيجيات الوطنية للذكاء الاصطناعي، والنشاط المتزايد للقطاع الخاص، في محاولة لتقليص الفجوة مع الدول المتقدمة. غير أن المؤشر يوضح أن هذا الصعود لا يزال يواجه قيودًا بنيوية، تتعلق بكلفة الحوسبة المتقدمة، وتركيز الاستثمارات، وصعوبة الوصول إلى منظومات البيانات العالمية.

الأهم في دلالات المؤشر هو تأكيده أن التنافسية في مجال الذكاء الاصطناعي لم تعد مسألة تفوق تقني أو سباق ابتكار فحسب، بل أصبحت تعبيرًا عن قدرة الدول على بناء نظم متكاملة تشمل جذب المواهب ورؤوس الأموال، وصياغة الأطر التنظيمية، وضمان الاستخدام المسؤول، ونشر التقنيات على نطاق واسع داخل الاقتصاد والمجتمع. فالدول المتقدمة في هذا المجال لا تكتفي بالابتكار بوتيرة أسرع، بل باتت تملك القدرة على التأثير في المعايير العالمية، وتحديد قواعد الحوكمة، وصوغ الأطر الأخلاقية والتنظيمية التي سيضطر الآخرون إلى التكيّف معها.

وتتجاوز هذه الريادة أبعادها الاقتصادية لتترجم بشكل متزايد إلى قوة جيوسياسية. إذ تهيمن الدول الرائدة في الذكاء الاصطناعي على قطاعات إستراتيجية حيوية مثل الدفاع والطاقة والتمويل والخدمات اللوجستية والمنصات الرقمية، كما تتحكم في تدفقات البيانات والبنية التحتية للحوسبة، وهي عناصر باتت تشكل العمود الفقري للقوة في القرن الحادي والعشرين. من هذا المنظور، لا يمكن فصل مؤشر حيوية الذكاء الاصطناعي عن خرائط النفوذ العالمي، ولا عن إعادة تشكيل موازين القوة بين الدول.

وعليه، يقدّم المؤشر رسالة واضحة مفادها أن النجاح في سباق الذكاء الاصطناعي لا يتحقق عبر مبادرات معزولة أو استثمارات ظرفية، بل يتطلب قدرة الدولة على تنسيق البحث، ورأس المال، والسياسات العامة، والبنية التحتية، والثقة المجتمعية ضمن رؤية وطنية شاملة. أما الدول المتأخرة، فإن التحدي الحقيقي أمامها لا يكمن في اللحاق التدريجي بالروّاد، بل في البحث عن مسارات قفز نوعي، عبر التعاون الإقليمي، وبناء سيادة رقمية حتى لو جزئية، والاستثمار المركّز في المواهب، إذا ما أرادت تجنّب التحول إلى مجرد مستهلك للتقنيات والمعايير التي يصوغها الآخرون.

مساحة إعلانية