رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
إنّ من لا يستوعب حركة التاريخ في تجددها ومتغيراتها لا يستطيع إدراك حجم تحديات أيّة مرحلة ولا يقدر على استخلاص العبر، لذلك فالنظر إلى أي تجربة سياسية يخضع بالضرورة إلى فهم مقتضيات التاريخ التي ترى في الممارسة السياسية عملا إنسانيا يستجيب لطبيعة المجتمع وليس فعلا يتغذّى من النظريات التي لم تتولّد طبيعيا من تراكمات التجربة السياسية للمجتمع، فلا معنى لإسقاط نظريات سياسية «مستوردة» على مجتمع له خصوصياته المحلية وتجربته الذاتية. ليس في كيفية إدارة الشأن العام وإحكام العلاقة بين السلطة والشعب بل في سائر مجالات معاش هذا المجتمع، حيث يختص بمدوّنته القيمية وأعرافه النبيلة المتوارثة عبر الأجيال.
وهذا ما تشي به التعديلات الدستورية التي مرت بها بلادنا منذ صدور الدستور حتى الآن من مراكمة للخبرات وتأمّل في فاعلية الممارسة على أرض الواقع.
فالأمم الحية هي التي تتسم بمراجعة تجاربها، على ضوء مسيرتها، فتعدل وتضيف وتحذف ما تقتضيه مصلحتها. إذ لا يمكن أن تستمرّ في وجودها إلاّ بفضل هذه المراجعة.
* واذا كان هذا الأمر بالمطلق، فهو الأجدر في المرحلة التي نعيشها، والتي تتسم بسرعة المتغيرات على الأصعدة السياسية والاقتصادية والاجتماعية وبتزايد التحديات، فالعالم يتغير بوتيرة متسارعة، ويضع كل مجتمع أمام تحديات جديدة، ومن حق كلّ مجتمع أن يُقدّر طبيعة وشكل الاستجابة لهذه التحديات، وما دام المجتمع حرا وصاحب سيادة فلن يستعير تجارب مجتمعات أخرى ليطبّقها في معاشه، بل هو ينطلق لا محالة من أصالة تجربته التاريخية والحضارية ليكون له منواله المخصوص.
فبلادنا العزيزة منذ صدور الدستور حتى الآن اتسمت مسيرتها بإنجازات جمة وبتغييرات في كل المجالات، وأصبحنا جيلا متعلما وقادرا على تحمّل المسؤوليات وله كفاءة المشاركة في بناء البلاد.
*كما أن لدينا قيادة مدركة لمتطلبات التنمية المستدامة والاستقرار، ومدركة لحجم بلدنا الاقتصادي وتقدّر دورها في استقرار المنطقة والعالم ككل، وقد استطاعت بتناغمها مع متطلبات شعبها وسرعة التطورات في العالم أن تقود الدفة، وأن تقوم بدور بارز ومقدر في تسوية الأزمات والنزاعات بفضل الوساطة بين الأطراف المتنازعة، مما جعل دولة قطر تحتل مكانا على خريطة العمل من أجل إحلال الأمن والسلام في العالم بدور بارز ومعترف به في العديد من القضايا الشائكة، وجعل بلادنا محط أنظار العالم بنجاحها في حلحلة قضايا عديدة في منطقتنا وفي العالم ككل، وقوبل هذا الدور باعتراف العالم وتقديره لدبلوماسيتنا، كما كان لدبلوماسيتنا الناعمة دور كبير في تعزيز مكانة بلادنا، وتقديم ثقافتنا وخدمة قضايانا، والتعريف بقيمنا في نصرة المظلومين والوقوف مع الشعوب التي تتطلع لتحقيق كرامتها وحريتها.
*كما أن ذلك التناغم بين الحاكم والمحكوم القائم على الثقة على امتداد أجيال الحكم من زمن تأسيس الدولة إلى الان، والحرص على تحقيق العدل بين المواطنين كان له أيضا دوره في الاستقرار وتعزيز مسيرة البناء الناجحة على كل الأصعدة.
وما استضافة بلادنا للفعاليات الدولية بنجاح أبهر العالم مثل استضافة كأس العالم لكرة القدم بشكل لم يسبق، إلا دليل أثبتنا فيه قدراتنا على مجاراة نسق التطور الحضاري في العالم وأبرزنا فيه تلاحم الشعب مع القيادة وتقديم العرب وثقافتهم والثبات في وجه التحديات، وكان ذلك بمثابة الأنموذج المبهر للنجاح الذي تحققه دولتنا الفتية.
* والآن تأتي التعديلات الدستورية لتؤكد استعداد بلادنا بقيادتها الشابة والنشطة على الاستعداد للمرونة والتغيير المطلوبين للاستقرار والازدهار والسلم الاجتماعي.
وكلنا نعلم الأزمات الكبرى التي يمرّ بها العالم وتمرّ بها منطقتنا العربية على وجه الخصوص والتي تستلزم منا الحذر والحرص على التلاحم وتقييم تجربتنا في الشورى، واتخاذ ما يلزم من تغييرات ولذلك كانت التعديلات الدستورية التي تقدم بها قائد المسيرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني في مجلس الشورى منذ عدة أيام، وقد أقرها مجلس الشورى الموقر في جلسته أمس الاول بالاجتماع وستطرح للاستفتاء للشعب ليقول كلمته النهائية.
* والناظر في التعديلات يرى موضوعيتها وضرورة الأخذ بها والتصويت بنعم عليها،
فالمواطنة ماعادت تفرق بين مواطن وآخر، وهذا إنجاز يجب أن نصوت عليه ونوثقه وهو يعكس روح التآلف والتعاون والتضامن بين المواطنين فيما بينهم وبين قيادتهم، وهو ديدن العلاقة بين الحاكم والمحكوم في دولتنا عبر المراحل منذ ولادة الدولة حتى يومنا هذا.
كذلك فإننا مجتمع متجانس ونعرف بعضنا بعضا، كما نثق في قيادتنا التي تمثلنا خير تمثيل في اختيار مجلس الشورى، بما يجعل منه مجلسا فعالا، ولدينا جيل متعلم وواع ومدرك لواقعه ولمحيطه الخليجي والعربي والدولي، ونحن على ثقة أن قيادتنا ستختار أفضل القيادات لعضوية الشورى، بما يعكس طبيعة بلادنا وثقافتنا وعقيدتنا ومتطلبات التنمية المستدامة، ليقوم بمهمته على خير وجه، وليضع يده في يد القيادة لبناء البلاد، ومواجهة التحديات والسير إلى شاطئ الأمان بنجاح وبسلام اجتماعي وبتضامن للمحافظة على هذا البلد المعطاء.
* وأضيف أن مبدأ الشورى متأصل في مجتمعنا، حيث أهل المشورة والخبرة يجدون قنوات مفتوحة عبر مجتمعنا وعلاقاتنا الاجتماعية ومجالسنا التي هي جزء من حياتنا اليومية، ولقاء مفتوح ومتاح بين القيادة والناس.
لذلك سنقول وبصوت عال للاستفتاء بنعم كبيرة تعكس وحدة القيادة والشعب كما تترجم الإرادة في وحدة بلادنا واستقرارها وسيادة قرارها ونجاح دورها في العالم كقوة خير وسلام وعطاء.
إن حرص القيادة بطرح التعديلات على الاستفتاء،، لدليل على ثقتها في شعبها وحرصها على سماع صوته، والاستفتاء سيد القوانين. كما أنّ هذه الخطوة علامة على شجاعة وجرأة القيادة في تعديل ما ينبغي تعديله وفق فهمها العميق لطبيعة المرحلة التاريخية.
ولنعلم أنّ الشعوب الحية والجديرة بالحياة هي التي تقف من وقت لآخر لتقوّم تجربتها، ولتنطلق من جديد في مسيرة النجاح والاستقرار بينما الشعوب والأمم التي تتراخى عن أداء دورها التاريخي سرعان ما تفقد قدرتها على التجدّد والاستمرار.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
في نسخة استثنائية من كأس الأمم الإفريقية، أثبتت الكرة العربية حضورها بقوة بعدما بلغ كل من المغرب، ومصر، والجزائر الدور ربع النهائي، في مشهد يعكس تطور الأداء والانضباط التكتيكي للمنتخبات العربية وقدرتها على المنافسة على أعلى مستوى. هذا النجاح لم يأتِ بالصدفة، بل كان نتيجة تخطيط واضح، وعقلية محترفة، وروح تنافسية جعلت الفرق العربية قوة لا يمكن تجاهلها في البطولة. الروح التي تتحلى بها هذه المنتخبات تتجاوز مجرد الأداء البدني أو التكتيكي، فهي روح الانتماء والفخر بالعلم والهوية. يظهر ذلك في كل مباراة، حيث يتحد اللاعبون من أجل هدف واحد، ويقدمون أقصى ما لديهم، حتى في أصعب اللحظات. هذه الروح الجماعية تمنح المغرب، ومصر، والجزائر القدرة على الصمود أمام المنافسين الأقوياء، وتحويل التحديات إلى فرص لإظهار الإبداع والقوة على أرض الملعب. أما الشراسة، فهي السمة الأبرز لهذه الفرق. على أرض الملعب، يقاتل اللاعبون على كل كرة، بعزيمة وإصرار لا يلين، كأن كل لحظة من عُمْر المباراة هي الفرصة الأخيرة. هذه الشراسة ليست مجرد قوة، بل تعبير عن الانضباط والالتزام بالاستراتيجية، وحرصهم على الدفاع عن سمعة الكرة العربية. مع كل تدخل، وكل هجمة مرتدة، يظهر أن هذه الفرق لا تعرف الاستسلام، وقادرة على قلب الموازين مهما كانت صعوبة المنافس. أما الطموح فهو المحرك الحقيقي لهذه الفرق. الطموح لا يقتصر على الوصول إلى ربع النهائي، بل يمتد إلى حلم أكبر، وهو رفع الكأس وإثبات أن الكرة العربية قادرة على منافسة عمالقة القارة. ويظهر في التحضير الشامل، والاستراتيجية المحكمة، وجهود كل لاعب لإتقان مهاراته والمساهمة بانسجام مع الفريق. ويتجسد هذا الطموح أيضًا في حضور نجوم صنعوا الفارق داخل المستطيل الأخضر؛ حيث قاد إبراهيم دياز المنتخب المغربي بلمسته الحاسمة وتألقه اللافت كهداف للبطولة، بينما جسّد محمد صلاح مع منتخب مصر روح القيادة والخبرة والحسم في اللحظات المفصلية، وفي الجزائر يظهر عادل بولبينة كعنصر هجومي فعّال، يمنح الفريق سرعة وجرأة في التقدّم، ويترجم حضوره بأهداف استثنائية على أعلى مستوى، وهو ما يؤكّد أن النجومية الحقيقية لا تكتمل إلا داخل منظومة جماعية متماسكة. كلمة أخيرة: النجاح العربي في البطولة ليس مجرد نتيجة مباريات، بل انعكاس للروح، للشراسة، وللطموح المستمر نحو القمة. ومن هذا المنطلق، يمكن القول إن المغرب، ومصر، والجزائر لم تعد مجرد فرق مشاركة، بل قوة لا يمكن تجاهلها، تحمل رسالة واضحة لكل منافس: نحن هنا لننافس، لنلهم، ولننتصر.
1284
| 08 يناير 2026
امشِ في الرواق الفاخر لأي مجمع تجاري حديث في مدننا، ستلاحظ شيئاً غريباً، الهدوء هنا مختلف، والرائحة مختلفة، وحتى طريقة المشي تتغير، أنت لست في سوق تشتري منه حاجاتك، بل أنت في «معبد» جديد تغذيه ثقافة الاستعراض، طقوسه الماركات، وقرابينه البطاقات الائتمانية. في الماضي القريب، كنا نشتري السيارة لتوصلنا، والساعة لتعرفنا الوقت، والثوب ليسترنا ويجملنا، كانت الأشياء تخدمنا. كنا أسياداً، وهي مجرد أدوات، لكن شيئاً ما تغير في نظام تشغيل حياتنا اليومية. لقد تحولنا، بوعي أو بدونه، من مستهلكين للحاجات، إلى ممثلين على خشبة مسرح مفتوح اسمه وسائل التواصل الاجتماعي، أصبحنا لا نشتري الشيء لنستمتع به، بل لنصوره. أصبح السؤال الأول قبل أن نطلب القهوة أو نشتري الحقيبة: «هل شكلها حلو في التصوير؟». هذه «الثقافة الاستعراضية» قلبت المعادلة، لم تعد الأشياء تخدمنا، بل أصبحنا نحن موظفين عند هذه الماركات، ندفع دم قلوبنا ونستدين من البنوك، لنقوم نحن بالدعاية المجانية لشعار شركة عالمية، فقط لنقول للناس: «أنا موجود.. أنا ناجح.. أنا أنتمي لهذه الطبقة». لقد أصبحنا نعيش «حياة الفاترينات». المشكلة ليست في الرفاهية، باقتصاد، فالله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده، المشكلة هي حين تتحول الرفاهية من متعة إلى قيد، حين تشعر بضيق في صدرك لأنك لا تملك «الترند» الجديد. حين يضغط الشاب على والده المتقاعد، أو تستدين الفتاة، لشراء كماليات هي في الحقيقة أغلال ذهبية. لقد تم صناعة رغباتنا بذكاء، حتى نسينا تعريف الوجاهة الحقيقي. في مجالسنا القديمة، كانت قيمتك بعلومك الغانمة، بأخلاقك، بوقفتك مع الصديق، ورجاحة عقلك. لم يكن أحد يسأل عن ماركة نعالك أو سعر ساعتك ليعرف «من أنت». أما اليوم، فتحاول الإعلانات والمؤثرون إقناعنا بأن قيمتك تساوي ما تلبس وما تركب. وأن الخروج من ثقافة الاستعراض يعني أنك متأخر عن الركب. نحن بحاجة لوقفة صادقة مع النفس، نحتاج أن نتحرر من هذا السباق الذي لا خط نهاية له. السباق الذي يجعلك تلهث خلف كل جديد، ولا تصل أبداً للرضا. القيمة الحقيقية للإنسان تنبع من الداخل، لا من الخارج، «الرزة» الحقيقية هي عزة النفس، والثقة، والقناعة. جرب أن تعيش يوماً لنفسك، لا لعدسة الكاميرا، اشرب قهوتك وهي ساخنة قبل أن تبرد وأنت تبحث عن زاوية التصوير، البس ما يريحك لا ما يبهرهم. كن أنت سيد أشيائك، ولا تجعل الأشياء سيدة عليك، ففي النهاية، كل هذه الماركات ستبلى وتتغير، ولن يبقى إلا أنت ومعدنك الأصيل.
1089
| 07 يناير 2026
في عالم يتغيّر بإيقاع غير مسبوق، ما زال نظامنا التعليمي يتعامل مع الزمن كأنه ثابت، وكأن عدد السنوات هو الضامن الوحيد للنضج والمعرفة. نحن نحسن عدّ السنوات، لكننا لا نراجع كفاءتها. نُطيل المراحل، لا لأن المعرفة تحتاج هذا الطول، بل لأن النظام لم يُسأل منذ زمن: هل ما زال توقيتنا مناسبًا لعصر يتسارع في كل شيء؟ الطفل اليوم يمتلك قدرة حقيقية على التعلّم والفهم والربط واكتساب المهارات الأساسية. ومع ذلك، نؤجّل بداية التعليم الجاد باسم الحذر، ثم نضيف سنوات لاحقة باسم التنظيم، ثم نقف أمام سوق العمل متسائلين: لماذا تتسع الفجوة بين التعليم والوظيفة؟ ولماذا يحتاج الخريج إلى تدريب إضافي قبل أن يصبح منتجًا؟ نتحدّث كثيرًا عن الفجوة بين التعليم وسوق العمل لكن قليلين فقط يطرحون السؤال الجوهري: ماذا لو لم تكن هذه الفجوة في نهاية المسار… بل في طوله؟ هل فعلا نحتاج جميع سنوات المراحل الدراسية بعدد سنواتها المقررة من أجيال مضت ؟ التعليم ليس عدد سنوات، بل كفاءة زمن. ليس المهم كم نُدرّس، بل متى وكيف ولماذا. حين نُطيل الطريق دون مراجعة أثره، لا ننتج معرفة أعمق بالضرورة، بل نؤجّل الإنتاج، ونؤخر الاستقلال المهني، ونضيف عبئًا زمنيًا على رأس المال البشري. ماذا لو أن جزءًا كبيرًا مما نحاول تعويضه عبر التدريب بعد التخرّج يمكن اختصاره أصلًا من سنوات دراسية مهدرة، لا تضيف كفاءة حقيقية، ولا تُعجّل النضج المهني، بل تؤجّل دخول الشباب إلى دورة الإنتاج. وهنا تظهر المفارقة الأهم: حين يلتحق الخريج مهنيًا في سن أصغر، لا يعني ذلك نقصًا في النضج، بل بداية مبكرة لتكوينه الحقيقي. النضج المعرفي والمهاري يتسارع في بيئة العمل. كلما دخل الشاب إلى السوق أبكر وهو يمتلك أساسًا علميًا ومهاريًا منضبطًا، بدأت قدرته على تحمّل أعباء العمل، واتخاذ القرار، وإدارة الوقت، والعمل تحت الضغط في التكوّن مبكرًا. التجربة المهنية لا تنتظر اكتمال العمر، بل تصنع النضج نفسه. وهكذا، فإن خريجًا يبدأ مساره في سن أصغر لا يصبح فقط منتجًا أسرع، بل يصل إلى مستويات أعلى من الكفاءة في وقت أقصر، لأن سنوات الخبرة تتراكم مبكرًا، وتتحول المهارات النظرية إلى ممارسة عملية في مرحلة عمرية أكثر مرونة وقدرة على التعلّم والتكيّف في الاقتصاد الحديث، الزمن ليس عنصرًا محايدًا. كل سنة إضافية خارج سوق العمل هي تكلفة غير منظورة على الفرد والأسرة والدولة. وكل سنة تأخير في التخرّج هي سنة تأخير في الإسهام والابتكار والإحلال الوظيفي وتراكم الخبرة الوطنية. ومع ذلك، ما زلنا نتعامل مع سنوات التعليم كأنها مُسلّمات لا تُمسّ ولا تُراجع؟ حين نبدأ التعليم مبكرًا، ونضغط المراحل دون المساس بالجودة، ونحوّل جزءًا من المحتوى النظري إلى مهارات عملية متدرجة، فإننا لا نختصر الوقت فحسب، بل نغيّر طبيعة العلاقة بين التعليم والإنتاج. الطالب لا يصل إلى الجامعة بعد سنوات طويلة من التلقين، بل بعد مسار أكثر تركيزًا، وأكثر ارتباطًا بالواقع، وأكثر قابلية للتحويل إلى مهارة سوقية. هذا ليس تقليصًا للتعليم، بل إعادة هندسة له حيث تتراكم المهارات في وقت أبكر، ويبدأ الاندماج المهني في مرحلة أقرب، وتُختصر تلك السنوات الرمادية التي لاتضيف كثيرا إلى الجاهزية المهنية. تسريع عجلة الإنتاجية لا يتحقق فقط عبر التكنولوجيا أو الاستثمارات، بل عبر إدارة الزمن البشري بذكاء. حين يدخل الشاب إلى سوق العمل أبكر وهو يمتلك أساسًا معرفيًا ومهاريًا متينًا، تبدأ دورة الإنتاج أسرع، ويبدأ التعلّم الحقيقي في الميدان مبكرًا، وتتحول سنوات الخبرة من عبء مؤجّل إلى رصيد متراكم. أما الإحلال في رأس المال البشري وهو أحد أكبر تحديات الاقتصادات الحديثة فلا يمكن تسريعه إذا ظلّت بوابة الدخول إلى السوق طويلة وممتدة. كل سنة إضافية في المسار التعليمي هي تأخير في ضخّ الدماء الجديدة إلى القطاعات، وتأخير في نقل الخبرة بين الأجيال، وتأخير في تمكين الكفاءات الوطنية من تولّي أدوارها. لسنا بحاجة إلى خريجين أكبر سنًا، بل إلى خريجين أكثر جاهزية. ولا نحتاج مسارًا أطول، بل مسارًا أذكى. كما لا نحتاج إلى ترميم الفجوة بعد أن تتشكّل، بل إلى منع تشكّلها من الأصل عبر إعادة النظر في زمن التعليم نفسه. حين لا يكون الوقت في صالح التعليم، يصبح الانتظار قرارًا لا ضرورة. ويغدو السؤال الحقيقي ليس: كم نُدرّس؟ بل: هل ما زال توقيتنا يخدم الإنسان والاقتصاد والمستقبل؟ التاريخ لا يتذكّر من حافظ على المدة، بل من امتلك الجرأة على مراجعتها.
1023
| 07 يناير 2026