رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
رغم أن انتفاضة ٣٠ يونيو لم تبح بأسرارها بعد، فإن مشروعها السياسي الذي صار متمثلا في مواجهة الإرهاب ما يستحق المناقشة والمراجعة.
(١)
الحدث أكبر بكثير مما نظن. ذلك أنه يمثل منعطفا بالغ الأهمية وعميق الأثر في تاريخ مصر. وهو ما يتعذر الإحاطة به في الوقت الراهن. ذلك أن الغموض سيظل يكتنف خلفيات وقائع ما جرى في ٣٠ يونيو والسياسات التي أعقبت ذلك التاريخ، في الأجل المنظور على الأقل. ولست أشك في أن أحداث تلك المرحلة ستظل مادة خصبة للباحثين والمؤرخين الذين قد تغريهم غوامضها بالمغامرة ومحاولة سبر أغوارها وتقصي حقائقها كما كانت، وقبل أن تعاد صياغتها لكي تتكيف مع الأوضاع المستجدة. وإلى أن يحدث ذلك سيظل الغموض سيد الموقف والمجهول أضعاف المعلوم. لذلك أزعم بأن الجزء الغاطس مما جرى في ٣٠ يونيو لا يزال أكبر بكثير مما طفا منه وظهر على سطح الواقع وأحدث تأثيره وأصداءه داخل مصر خارجها.
إن ثمة قائمة طويلة من العناوين ستتطلب جهدا خاصا من الباحثين والمؤرخين للكشف عن حقائقها وتتبع خيوطها. فليس معلوما مثلا نصيب الدولة العميقة ولا الدور الإقليمي في إيصال الأمور إلى ما وصلت إليه في ذلك التاريخ. وليست معروفة وجهة النظر الأخرى في حقائق مرحلة حكم الإخوان التي أفضت إلى عزل أول رئيس مدني في تاريخ مصر جاء بانتخابات حرة ونزيهة. كما أن العلاقة بين ثورة ٢٥ يناير وانتفاضة ٣٠ يونيو تحتاج إلى تحرير بعدما تبين أن الانتفاضة الأخيرة نالت من ثورة يناير بأكثر مما نالت من الإخوان. كما أن هناك علامات استفهام كثيرة حول دور عناصر النخبة فيما جرى والتحالفات التي دخلت فيها لتصفية حساباتها أو للقيام بدور في المجال العام، الأمر الذي دفعها إلى التخلي عن منظومة القيم والمبادئ التي دأبت على التبشير بها. ولا يقل أهمية عما سبق رصد التغير الذي طرأ على مدنية النظام السياسي المصري وأدى إلى إعادة تشكيله على هيئة جديدة. وكذلك تبيان حدود وطبيعة التغيير الذي طرأ على العقيدة العسكرية للقوات المسلحة في المرحلة الجديدة مما أدى إلى تحولها من حماية الحدود والتصدي لعدو الخارج إلى حماية النظام ومواجهة تهديدات الداخل.
جدير بالذكر في هذا السياق، أن الغموض لم يعد مقصورا على ما جرى في ٣٠ يناير، لأنه بات يكتنف أيضا بعض فصول تاريخ ما بعد الثورة. أعني بذلك إعدام ودفن تقريري لجنتي تقصي حقائق أحداث ثورة ٢٠١١ وفترة حكم المجلس العسكري عام ٢٠١٢. والأول أعدته لجنة من كبار القضاة والخبراء رأسها المستشار عادل قورة رئيس مجلس القضاء الأعلى الأسبق.. والثاني أعدته لجنة مماثلة رأسها المستشار عزت شرباص نائب رئيس محكمة النقض السابق.
إزاء ذلك فلعلي لا أبالغ إذا قلت إن انتفاضة ٣٠ يونيو تثير لدى الباحث في الوقت الراهن أسئلة بأكثر مما تقدم من أجوبة. وإذا تعذر علينا أن نتحدث عن الجزء الغاطس من المشهد، فإن ما ظهر منه يظل من الأهمية بمكان، ورغم أن غياب الرؤية يظل سمة أساسية لذلك الجزء الظاهر، إلا أننا نستطيع أن نلمس جهودا واضحة في المجالين الاقتصادي والسياسي، ولأن الأول له أهله وليس لي فيه باع، فبوسع مثلي أن يرى أن ملف الإرهاب أصبح أحد العناوين العريضة للأزمة السياسية، حتى بدا وكأن التصدي للإرهاب بات يمثل جوهر المشروع السياسي الذي خرج من عباءة انتفاضة ٣٠ يونيو، وهو ما يستحق أن نقف عنده ونقلب بعض صفحاته.
(٢)
عناوين الصحف المصرية الصادرة يوم السبت الماضي (٢٧/٦) تمثل مدخلا مناسبا لتقييم التفكير المصري في الموضوع. ذلك أنها أبرزت بصورة لافتة للأنظار أخبار العمليات الإرهابية التي وقعت يوم الجمعة في الكويت وتونس وفرنسا (الأخيرة تبين وراءها حسابات خاصة)، وقد ركز الخط العام للعناوين وصياغة الخبر على عالمية الإرهاب، على نحو أريد له أن يكرس الانطباع بأن ما يجري في مصر ليس ناشئا عن عوامل داخلية، ولكنه من أصداء الوباء الذي أصاب أقطارا أخرى في أنحاء العالم. بما يعني أن ثمة خطرا بات يهدد الكون ويستدعي تضافر الجهود وإعطاء الأولوية بغير حساب أو عقاب للاعتبارات الأمنية، لأننا أصبحنا أمام خطر مصيري يضعنا أمام تحدي "أن نكون أو لا نكون".
وجدت في هذا التناول نوعا من التعميم والتبسيط الذي لا يعنى برصد التمايزات التي تعبر عن خصوصية الأوضاع في كل بلد، الأمر الذي يحدد عوامل القوة والضعف في بنية العناصر التي تمارسه. وكنت قد أشرت إلى ذلك المعنى من قبل، حين نبهت إلى أن الصراع طائفي في العراق وقبلي في ليبيا، وهو صراع سياسي في مصر. أما في سوريا فهو ثورة شعبية ضد نظام مستبد وغاشم. وفي تونس نزعة تكفيرية معادية للغرب تسعى لإفشال الحكومة لإقامة إمارتها الخاصة مستفيدة من هشاشة الأوضاع في البلاد. وهو في اليمن انقلاب اتفقت فيه مصالح بعض قوى الداخل مع مصالح وحسابات دولة إقليمية خارجية هي إيران.. إلخ.
وغني عن البيان أن لفت الانتباه إلى ضرورة إدراك تلك الخصوصية لا يراد به التهوين من شأن الصراع، ولكنه التعرف على جذوره وطبيعته في كل بلد لإنجاح جهود حسمه لصالح استقرار المجتمع وأمنه.
(٣)
يحز في نفسي أن أستشهد في هذا المقام بالخبث الإسرائيلي في التعامل مع الوضع القائم في قطاع غزة الذي تتولى حركة حماس إدارته منذ ثماني سنوات. ذلك أن حماس مصنفة في الخطاب السياسي والإعلامي الإسرائيلي باعتبارها عدوا عنيدا ومنظمة إرهابية وتخريبية و... و..إلخ. ومعلوم للكافة قصص اغتيال إسرائيل لقادة الحركة واجتياحاتها المستمرة للقطاع. التي أسفرت عن تدميره وتشريد عشرات الآلاف من سكانه. رغم تلك الخلفية الدامية إلا أن ثمة جدلا مسموعا في إسرائيل يدعو إلى تفكير جديد في التعامل مع حماس والقطاع. لم يغير القادة الإسرائيليون رأيهم في الحركة ولا يزالون يسيئون الظن بها ويعتبرون أن كتائب القسام (ذراعها العسكرية) لم تتوقف عن إعداد العدة لجولة جديدة من القتال ضد إسرائيل، التي لم تتوقف من جانبها عن التأهب لتأديب حماس وردعها. وفي حين أن الطرفين لم يتوقفا في أي وقت عن الاستعداد لجولات قادمة من القتال. مع ذلك فإن الإسرائيليين أدركوا أن حركة حماس تواجه مشكلة داخلية في القطاع، تمثلت في تنامي مؤشرات التصعيد ضد الدولة العبرية من جانب عناصر السلفية الجهادية الذين انخرط بعضهم في تأييد جماعة داعش (في عام ٢٠٠٩ أعلنت مجموعة من السلفيين إقامة إمارة إسلامية في القطاع، واعتبرت مسجد ابن تيمية في غزة مقرا للقيادة العسكرية للإمارة الجديدة، ودعا زعيمها الذي حمل اسم أبو النور المقدسي إلى الجهاد ضد حماس. الأمر الذي أدى إلى حدوث اشتباك مع سلطات الأمن أسفر عن مقتل ٢١ شخصا من عناصر الجماعة). وفي الوقت الراهن فإن عناصر تلك المجموعة دأبت على إطلاق الصواريخ ضد إسرائيل بين الحين والآخر. لاستعجال المواجهة العسكرية وإفساد جهود التهدئة الحاصلة.
المناقشات في أوساط القيادات الأمنية والعسكرية الإسرائيلية أدركت الفرق بين حماس وداعش واعتبرت أن حماس خيار سيئ ولكن داعش خيار أسوأ. عندئذ انحازوا إلى الخيار السيئ، حيث اعتبروا أن داعش قد تكون البديل إذا تم إسقاط نظام حماس، لذلك أيدت الأغلبية اتباع سياسة من شقين أحدهما يتمثل في السعى للاتفاق مع حماس على هدنة لمدة خمس سنوات مثلا، والثاني يدعو إلى تيسير جهود إعمار القطاع للتخفيف من معاناة سكانه، التي تدفع بعض الشبان إلى التطرف والالتحاق بجماعة داعش. هذه الأفكار أعلنها عدد من القادة الإسرائيليين على القناة الأولى منهم رئيس الموساد السابق آفرايم هاليفي ورئيس أركان الجيش السابق دان حالوتس ورئيس الأبحاث في الاستخبارات العسكرية إيلي بن مئير.
بالإضافة إلى ذلك فحين تزايدت حالات اعتداء الشبان الفلسطينيين على بعض المستوطنين، فإن الأجهزة الأمنية الإسرائيلية حاولت أن تعطيها حجمها، حيث ظلت تركز جهدها على التحقق مما إذا كانت تلك مبادرات فردية من فلسطينيين غاضبين، أم أنها عمليات مرتبة من قبل خلايا المقاومة.
خلاصة الكلام أن الإسرائيليين رغم إدراكهم أن كل هؤلاء أعداء لها، إلا أنهم لم يضعوهم جميعا في سلة واحدة، لكنهم حاولوا أن يميزوا بينهم وأن يعطوا كل طرف حجمه، واهتدوا بذلك في إدارة الصراع على نحو أزعم أنه اتسم بذكاء لا ينكر.
(٤)
في مقالة نشرت لي في ١٠/٢/٢٠١٥ كنت قد دعوت إلى ضرورية تفكيك الإرهاب في مصر، بمعنى تحديد طبيعة وحجم العناصر المشاركة فيه. ودللت على أن العمليات الإرهابية الحقيقية والكبيرة قامت بها مجموعات من أنصار بيت المقدس وما سمي بأجناد مصر، وهو ما أشارت إليه البيانات الصادرة عن تلك الجهات والتحقيقات والمرافعات التي تمت أثناء المحاكمات. إلا أن الخطاب التعبوي وظف الأحداث سياسيا ونسب كل العمليات إلى الإخوان مسترشدا في ذلك بمقتضيات الصراع السياسي. وفي بعض الحالات ذهب الخطاب التعبوي إلى أبعد حين وضع الجميع في سلة واحدة، واعتبر تنظيمات مثل داعش والقاعدة وأنصار بيت المقدس وجبهة النصر والإخوان وبوكو حرام مجرد واجهات لمؤامرة واحدة خارجة من عباءة الإسلام السياسي (وزير الخارجية المصري أدلى بتصريحات بهذا المعنى). وكان ذلك أحد أشكال التبسيط التي طمست الفوارق بين الجماعات وألغت خصوصية كل منها. الأمر الذي من شأنه استدراج الدولة المصرية إلى حرب مفتوحة لا آخر لها داخل الحدود وخارجها، في حين أن التعامل الجاد مع الظاهرة كان يقتضي بذل بعض الجهد لإدراك التمايزات بين هذه الجماعات للإفادة منها وإنجاح الجهود التي تبذل للقضاء على الإرهاب.
إن البعض لا يرون في مشهد الصراع سوى طرفيه المتمثلين في السلطة والجماعات، لكنهم لا يرون أن ثمة ملايين من البشر لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، ولكنهم يريدون أن يعيشوا في أمان وسلام، وطموحهم وأشواقهم تتطلع إلى مشروع يتجاوز مكافحة الإرهاب التي تصلح جولة في الصراع السياسي ولكنها لا تصلح خريطة لبناء المستقبل.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
3423
| 02 أكتوبر 2026
كنا نخاف على أبنائنا من الغريب والبعيد فأتين لهم بالغريب والبعيد داخل منزلهم وغرف نومهم.. في بعض بيوتنا الخادمة تعرف أبناءنا أكثر منا والسائق يقضي معهم وقتا أكثر من آبائهم، والخادمة تعرف متى يستيقظ الطفل وماذا يحب أن يأكل ومتى يغضب وكيف يرضى وماذا يخيفه وأين ملابسه وماذا يريد …. ويعرف السائق مدرسته وأصدقاءه ومواعيده وأحاديثه ومزاجه ومشكلاته والأخطر أسراره التي يخفيها عن الجميع وربما يعينه عليها الخدم، أما الأب والأم فقد يحصلان في نهاية اليوم على تقرير مختصر مضمونه: أكل؟ نعم رجع من المدرسة؟ نعم نام؟ نعم وبكل بساطة تتحول الأبوة والأمومة من معايشة وتربية إلى مجرد متابعة وتمويل، وهذه ليست مبالغة عاطفية هذا واقع يعيشه المجتمع وإليكم بعض الأرقام اللي تنبه على خطورة هالشي ومنها: معهد البحوث الاجتماعية والاقتصادية المسحية بجامعة قطر اجرى مسحا وشمل 607 أسر قطرية كان نحو ثلثي الأسر التي شملها المسح لديها عاملان منزليان أو أكثر !!! وفي تقرير منفصل ذُكر فيه أن العمالة المنزلية في قطر بلغ 170 ألف تقريبا وأغلبهم من العنصر النسائي … إذن الموضوع ليس حالات فردية، الموضوع متغلغل في كل المجتمع نحن أمام ظاهرة اجتماعية تستحق أن نتحدث عنها بصراحة. وسؤال صريح: ما حجم المساحة التي أعطيناها للخدم داخل حياة أبنائنا وبيوتنا؟ فالخادمة ليست المشكلة، والسائق ليس المشكلة.. المشكلة تبدأ عندما نطلب منهما من حيث ندري أو لا ندري أن يؤديا وظائفنا بدلاً عنا.. الخادمة جاءت لتساعد الأسرة لا لتصنع شخصية الطفل وتكون المسؤولة عن اكل ولبس وغرفة الزوج، والسائق جاء ليقود السيارة لا ليصبح الرفيق اليومي للابن والعائلة وسأقف هنا ولن أتعمق اكثر لانني خصصت هذا المقال عن الابناء. دعونا نرتبها بشكل أبسط: الخادمة توقظه الخادمة تطعمه الخادمة تلبسه السائق يوصله السائق يعيده الخادمة تستقبله الهاتف يسليه الألعاب الإلكترونية تبعده ثم يأتي الأب والأم في آخر المساء ويسألان: ليش عيالنا ما يجلسون معنا؟ والسؤال الحقيقي ربما يجب أن يكون: متى جلسنا نحن معهم أصلًا؟ نحن أمام جيل يتوفر له كل شيء ماديًا، لكنه يعاني فقرًا في الاحتكاك الأسري والاجتماعي غرفة مستقلة هاتف حديث ألعاب مدارس ممتازة خادمة سائق ملابس مصروف كل شيء موجود إلا شيء واحد: الأب والأم في التفاصيل اليومية وهنا لا أتحدث فقط عن العاطفة، بل عن الهوية فالطفل القطري أو الخليجي أو العربي لا يولد وهو يعرف تلقائيًا كيف يسلم على الكبير، وكيف يستقبل الضيف، وكيف يجلس في المجلس، وكيف يحترم كبار السن، وكيف يصل رحمه، وكيف يعرف أبناء عمه وخاله، وكيف يتحدث مع الناس، وكيف يؤدي واجبه في الأفراح والأتراح. هذه ليست معلومات تُحمّل في رأسه كما نحمل تطبيقًا على الهاتف. هذه ثقافة تُعاش يرى أباه فيقلد يرى أمه فيتعلم منها يجلس مع جده يسمع حديث أقربائه يستقبل الضيوف يسلم يسمع يخطئ فيُصحح له وهكذا تتشكل الشخصية لكن إذا أخرجنا الطفل من هذه الدائرة، ثم وضعناه سنوات طويلة بين غرفة مغلقة وهاتف وخادمة وسائق، فلا ينبغي أن نتفاجأ عندما يصبح غريبًا عن التفاصيل التي صنعت مجتمعنا نحن ربما لا نخسر بعض العادات فقط، بل نخسر طريقة انتقالها من جيل إلى جيل البحوث في الخليج ناقشت بالفعل تأثير الاعتماد على الخادمات بوصفهن مقدمات رعاية للأطفال. دراسة منشورة في Journal of Early Childhood Research تناولت هذا النمط في الخليج وأشارت إلى مخاوف وآثار على النمو الاجتماعي والعاطفي عندما تحل الخادمة محل مقدم الرعاية المؤهل أو الأسرة لفترات واسعة. ودراسات أحدث في الإمارات تبحث اليوم حتى أثر وجود الخادمات والمربيات في البيئة اللغوية المبكرة للطفل، لأن من يقضي مع الطفل ساعات طويلة يصبح، طبيعيًا، جزءًا من البيئة التي يكتسب منها لغته وسلوكه وثقافته وهنا يجب أن نكون منصفين ليس كل طفل لديه خادمة سيعاني مشكلة وليس وجود السائق سببًا في فساد التربية وليس كل رعاية غير أبوية سيئة المشكلة في الإفراط في التفويض أن يتحول المساعد إلى بديل نشتكي: عيالنا ما يعرفون الناس ولا الناس تعرفهم طيب هل أخذناهم معنا؟ أبناؤنا انعزاليون ولكن من الذي صنع لهم حياة يستطيعون فيها قضاء يوم كامل داخل غرفة دون حاجة إلى أحد؟ نحن السبب وهناك سؤال أكثر إحراجًا: هل أصبحنا نستخدم الخادمة والسائق أحيانًا كي نتخلص من مشقة الأبوة والأمومة، ثم نشتكي لاحقًا من نتائج غيابنا؟ الأبوة ليست دفع الفواتير والأمومة ليست متابعة كاميرا المنزل عن بُعد لا توجد خادمة، مهما بلغت أمانتها وحبها للأطفال، تستطيع أن تؤدي الدور الثقافي والعاطفي والاجتماعي للأم فلا نظلم الخادمة ونحمّلها مسؤولية تربية لم نمارسها نحن ولا نلوم السائق لأنه أصبح قريبًا من أبنائنا، إذا كنا نحن الذين منحناه ساعات لم نمنحها لهم الحل أن نعيدهما إلى مكانهما الطبيعي في المنزل: مساعدين للأسرة، لا بديلين عنها الطفل الذي لا نعطيه هويته في البيت، سيبحث عن هوية في مكان آخر والطفل الذي لا نعطه وقتنا، سيعطي وقته لمن يمنحه الاهتمام والطفل الذي لا نملأ ذاكرته بنا، سيملؤها غيرنا وربما بعد سنوات نجلس في مجلس ونشتكي: (( عيال اليوم تغيّروا )) الحقيقة الأكثر إيلامًا قد تكون: ليسوا هم فقط الذين تغيّروا.. نحن أيضًا تغيّرنا في طريقة تربيتهم. شكراً ميري.. شكراً كومار
3165
| 06 أكتوبر 2026
التوظيف بين وزارات الدولة وشركات الوساطة بات اليوم سؤالًا مشروعًا يحتاج إلى إجابة واضحة. فدولة صغيرة بعدد سكانها مثل قطر لا يمكن أن تكتفي بالكوادر الوطنية وحدها لتغطية كل التخصصات والمهن، ومن الطبيعي أن تستعين بالمقيمين والوافدين لسد النقص، خصوصًا في الوظائف التي قد لا يقبل عليها المواطن لاعتبارات مهنية أو ثقافية. لكن ما يحدث في الواقع أن بعض الوزارات والجهات الحكومية، بحكم القوانين والإجراءات التنظيمية، لا تستطيع التعاقد المباشر مع المقيمين رغم وجود حاجة فعلية لهم، فتضطر إلى اللجوء لشركات توظيف خاصة تقوم بدور الوسيط؛ فتوقّع العقود مع الموظفين ثم تعيرهم للوزارات، لكنها تقتطع من رواتبهم أحيانًا ما يقارب النصف تحت مسمى “عمولة” أو “رسوم إدارية”. وهنا يبرز الخلل: الوزارة تدفع ميزانيتها كاملة، والشركة تستحوذ على النصيب الأكبر، والموظف، الذي يقوم بالعمل فعليًا، لا يحصل إلا على النصف أو أقل، في بلد ترتفع فيه تكاليف المعيشة. فيبقى السؤال: كيف يعيش؟ وكيف يعيل أسرته؟ وكيف يدرّس أبناءه؟ والمفارقة أن كل جهاز حكومي لديه أصلًا إدارة متكاملة للتوظيف والموارد البشرية، تضم موظفين مختصين ومؤهلين للقيام بمهام الاستقطاب والاختيار والتعيين. فما الحكمة إذن من وضع التحكم في يد طرف ثالث، بينما الجهة الحكومية مؤهلة وقادرة على القيام بمهامها؟ ولماذا يُترك الموظف والمجتمع ليتحملا الكلفة، بينما المستفيد الأكبر هم أصحاب هذه الشركات؟ والأكثر إثارة للتساؤل أن شركات التوظيف التي تدور في هذا المجال محدودة ومعروفة، وهنا يحق للناس أن يسألوا: من أصحاب هذه الشركات؟ ومن المستفيد من بقاء هذا الباب مفتوحًا؟ وهل نحن أمام تنظيم إداري يخدم المصلحة العامة، أم أمام منفذ ربحي يستفيد منه قلة على حساب حاجة الدولة وجهد الموظف؟ وهذه العقود لا تظلم الموظف في الراتب فقط، بل تمتد إلى حقوقه الأساسية؛ فقد يُخصم من راتبه إذا مرض رغم تقديم شهادة طبية معتمدة، لأنه لا يتمتع بإجازات مرضية أو سنوية مدفوعة، ولا بضمانات وظيفية واضحة، ولا زيادات سنوية، ولا مكافأة نهاية خدمة، بل قد يتأخر راتبه أحيانًا إلى ما بعد بداية الشهر. والأخطر أن بعض الجهات الحكومية تستفيد من خبرات وكفاءات تعمل داخل مؤسساتها وتتحمل مسؤوليات كبيرة، لكنها تتركها تحت رحمة مكاتب وشركات وسيطة، تحقق أرباحًا عالية من جهد الموظف وخبرته، بينما يتحمل هو وحده مخاطر الخصم وعدم الاستقرار والاستبدال. ومن الناحية الشرعية والأخلاقية، فإن هذا النوع من العقود يثير تساؤلات جدية؛ فالوسيط من حقه أن يأخذ أجرًا معلومًا ومحددًا مقابل خدمته، لكن أن يتحول الأمر إلى اقتطاع مستمر من راتب الموظف طوال سنوات خدمته، فهذا يقترب من شبهة أكل أموال الناس بغير وجه حق، ويفتح بابًا واسعًا للاستغلال. والمسؤولية هنا لا تقع على الشركة وحدها، بل تشمل أيضًا الجهة الرسمية التي سمحت بهذا النموذج أو تغاضت عنه. أما من ناحية التخطيط، فالمنطق يقول إن الهدف من هذه الإجراءات هو إعطاء الأولوية للمواطن، وهذا هدف مفهوم ومشروع، لكن لا يجوز أن يتحول الأمر إلى التفاف إداري يرهق المقيم، ويضر بصورة العدالة، ويكلف الدولة أحيانًا أكثر مما لو تم التعاقد المباشر بشفافية ووضوح. نحن لسنا ضد التعاقدات، ولا ضد القطاع الخاص، ولا ضد ربح الشركات، لكننا ضد أن يكون الربح على حساب كرامة الإنسان وحقوقه الأساسية. فالكفاءة والخبرة ليست سلعة في مناقصة، والإنسان ليس رقمًا في فاتورة شهرية، يتم الاستغناء عنه أو استبداله متى انتهت الحاجة إليه. الحل ليس معقدًا: التعاقد المباشر مع المقيمين في الوظائف التي لا يتوافر لها مواطنون، ضمن عقود واضحة تحفظ الحقوق، مع تقييد دور شركات الوساطة بحيث تكتفي بأجر مقطوع ومعلوم لمرة واحدة، بدلًا من الاقتطاع الدائم من رواتب الناس. وهذا المقال موجّه إلى وزارة العمل، وديوان الخدمة المدنية والتطوير الحكومي، ووزارة المالية، وديوان المحاسبة، ومجلس الشورى، وكل جهة معنية بمراجعة عقود التوظيف، وحماية المال العام، وصون حقوق العاملين. فالمسألة في جوهرها تحتاج إلى مراجعة قانونية وشرعية وإدارية، حتى يكون التوظيف في قطر قائمًا على العدل لا على الالتفاف، وعلى الاستقرار لا على الاستغلال، وبما يحفظ حق الدولة، وحق الشركة، وحق الموظف، لأن الاستثمار الحقيقي لأي مؤسسة يبدأ من احترام الإنسان وخبرته واستقراره.
1218
| 01 أكتوبر 2026