رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لا حديث ولا صور على شاشات العالم سوى الذي يرد على الرأي العام الدولي من القاهرة ودمشق وبغداد وتونس وبنغازي وصحراء الجزائر بمشاهده الفاجعة وتداعياته المأساوية والمخاوف منه ومؤامرات القوى عليه وتأجيج الصراعات فيه. مشاهد مصرية من السويس وبورسعيد سقط فيها إلى حد كتابة المقال 32 من الضحايا على خلفية أحكام قضائية بالإعدام في قضية المباراة الدموية الشهيرة مع النادي الأهلي التي خلفت 74 قتيلا وعلى مسرح معركة لي الذراع بين الإسلاميين والليبراليين. وتجتاح حياتنا اليومية مشاهد إضافية من دمشق أصبحت مثل طاحونة القتل المعتادة لم تعد تعرف فيها من القاتل ومن المقتول وسط ركام المدن المدمرة وقوافل الهاربين من الجحيم. وجاءتنا أيضا وبالتوازي صور العراق الثائر الجديد وهي تحمل هتافات وشعارات سمعناها من قبل في بلدان الربيع يتصدى لها المالكي بما استطاع من ردع بلغ حد إطلاق النار على المتظاهرين في الفلوجة ذات التاريخ القريب الفاجع. ثم جاءت مشاهد من تونس تضخمها القناة الفضائية الفرنسية الثانية بتقديم الاستثناء على أنه "القاعدة" وتفزيع السياح الأوروبيين من بلاد عرفت بكونها وطن الياسمين والتسامح وطيب العيش والحوار فإذا بالتوانسة يفيقون على مقامات الأولياء الأثرية محروقة أو مهددة بالحرق بينما من ضمن هؤلاء الأولياء مجاهدون ومرابطون (مثل أبي سعيد وسيدي عمار وسيدي سالم وهم الذين تصدوا في تونس للحملة الصليبية الثامنة التي قادها ملك فرنسا لويس التاسع نهاية القرن الثالث عشر ميلادي) وحتى صحابة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) مثل مقام أبي زمعة البلوي بالقيروان. وأخيرا هطلت علينا مشاهد من ليبيا بتلك "البيكوبات" الحاملة للمدافع الرشاشة والصواريخ الموجهة للطيران والأر بي جي وهي تجوب شوارع بنغازي وطرابلس وتهدد الأمن وترفض جماعات البيكوبات تسليم سلاحها للدولة لأنها تنكر على السلطة الجديدة حق الشرعية في حين تسند لنفسها حق التكلم باسم الثورة وباسم الشعب الليبي بل وتسعى لتعويض أو تقويض الدولة. وأخيرا ملأت شاشاتنا صور احتجاز الرهائن الأبرياء في عين أميناس بالصحراء الجزائرية كتوابع سريعة لزوابع مالي التي حلت بها قوات فرنسية فإذا بنا نكتشف بأن ثلث المهاجمين هم تونسيون جيران الجزائر وبأن من بين الضحايا الرهائن تونسيون أيضا فندرك بيسر أن العنف لم تعد له حدود ولا يحمل جوازات سفر ولا يعترف بتأشيرات دخول ولا يقف عند معابر الجمارك للتفتيش والتحري.
هذه بعض صور المشهد العربي اليوم وهي لا تبعث على الاطمئنان ولا توحي بنهاية النفق المظلم (حسب تعبير وزير الاقتصاد التونسي المستقيل حسين الديماسي) بل تدعونا للتدبر والتساؤل ومساءلة النفس عما حدث للعرب وهم أمام أخطر امتحان عسير يقفون حائرين ينتظرون المزيد من التدخلات الأجنبية وتنفيذ مخططات التقسيم والتفتيت وضياع ما حققه آباؤهم وأجدادهم من مكاسب الحريات واستقلال الشعوب وتوحيد الأمة وصيانة الهوية. كل تلك الكنوز الغالية التي دفع من أجلها الأسبقون الأرواح وضحوا بالأنفس وبالنفيس أصبحت في مهب الريح.
إن جيل اليوم مهدد بفقدان الأمن والأمان وبخراب الأوطان حين نقرأ الأحداث العربية بعيون الصدق مع النفس فنرى أن المصريين أكثر انقساما من الأمس وأن السوريين أشد ويلا من الزمن الذي ثاروا عليه وأن العراقيين على كف عفريت الطائفية بينما لم يكن العراقي في عهد الملك الهاشمي فيصل قبل 1958 يسأل عن جاره العراقي هل هو شيعي أم سني وهل هو مسلم أم مسيحي وأن التونسي الذي عاش 15 قرنا في وفاق مع هويته العربية الإسلامية انتقل إلى فضاء مخيف وعنيف من محاكم التفتيش الفكرية والعقدية على هامش التاريخ وبتناقض صارخ مع العقل وبعيدا عن مشاغل المواطن العادي المستقيل من السياسة والجاري وراء لقمة العيش واستعادة الكرامة والحرية والشغل والعدالة الاجتماعية.و أن الجزائري الذي قدم منذ 1840 بثورة الأمير عبد القادر أكبر ملاحم المقاومة أصبح اليوم مهددا في صحرائه وفي أمنه بوافدين عرب وأفارقة منتمين إلى ملل ونحل مستحدثة.
لو كان من بين القراء الأفاضل من يعارض هذا التوصيف الموضوعي للمشهد العربي في مقالي هذا فليدلني على بارقة تفاؤل تبدد ظلام تشاؤمي وأنا لا أنكر أن الحرية مكسب ثمين حققته انتفاضات الشعوب لكنه مكسب مهدد بالمخاطر الكبرى حين يتحول إلى فوضى عارمة تبدأ بتجاوز الإشارات الحمراء في الطريق وتنتهي بإهانة كل رموز السلطة بالمسخرات الإعلامية المضحكة الهابطة وصولا إلى حالة عربية عامة من العبث بكل مكاسب الحضارة وحالة عربية عامة من انعدام الأخلاق السياسية والإخلال بالقيم المواطنية والمدنية تحت حجج الحرية فكل حرية بلا ضوابط هي الفوضى واسمها الحقيقي هو العدمية أي سلوك الروافض الجدد المؤدي إلى تدمير الدولة وتقويض القانون وتعريض بلداننا للغزو الأجنبي حين يلجأ الناس رغما عنهم لخيار الدولة المولى عليها ولكنها أمنة يفضلونها لا قدر الله على دولة حرة لكنها لا توفر لا الخبز ولا الكرامة ولا الأمان.
إنني أناشد الشعوب العربية ونخبها مهما كان انتماؤها حاكمة كانت أو معارضة أن تعي خطورة هذه اللحظة وأن تدرك أنها أمام امتحان التاريخ وأن مصائر الملايين من الناس الطيبين الأصلاء بين أيديهم وأنه في هذا الامتحان يكرم المرء أو يهان.
بلوك تشين.. الصندوق الأسود
قامت فكرة (بلوك تشين: Blockchain) في عام ١٩٩١ وتعني بالعربية (سلسلة الكتل) على نظام تخزين الوثائق المختومة في... اقرأ المزيد
105
| 15 فبراير 2026
عيد الورود الحمراء
بالأمس وصلني إشعار من رزنامة التاريخ على هاتفي فظننت أنني لربما قد نسيت موعدا طبيا هاما أو اجتماع... اقرأ المزيد
111
| 15 فبراير 2026
مسيرة 45 عاما وترجل الفارس
يعمل الإنسان ويكد في هذه الحياة، ولكن لابد أن يأتي ذلك اليوم الذي لابد فيه أن يحط رحاله... اقرأ المزيد
117
| 15 فبراير 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
عمل الغرب جاهدًا على أن يزرع في شعوب العالم أنه النموذج الأخلاقي والقيمي الأرقى، قوانين متقدمة، حقوق الإنسان، تحرير المرأة، عدالة اجتماعية، وإنسانية لا تعرف التمييز، هكذا طرح الغرب نفسه بتلك المنظومة القيمية التي حاول فرضها كمعايير عالمية، وجعل لنفسه حق التدخل في شؤون الدول التي لا تساير تلك المنظومة المُعلنة. بيد أن وثائق جيفري إبستين التي كشف عنها وأحدثت زلزالًا تتجاوز آثاره كونها حالة جنائية، إلى النظر إليها والتعامل معها على أنها جرائم سياسية وأخلاقية، تزاوجت في تنفيذها السلطة والمال والنفوذ. تلك الوثائق قد نسفت ادعاءات الغرب في تفوقه الأخلاقي، وأبرزت أن هذه القيم التي يترنم بها قيم نسبية مرهونة بالمصالح والنفوذ، ذلك لأنها ليست خطيئة فردية، بل هي جريمة منظمة ممنهجة ممتدة متشابكة. أظهرت الوثائق أن القيم تتبدد أمام إغراءات المال والسلطة، ولم يكن إبستين مجرد رجل يستغل النظام القضائي والإعلامي والسياسي من أجل تحقيق أطماعه في استعباد النساء والأطفال، بل هو صنيعة ونتاج منظومة الفساد الأخلاقي والقيمي. سيكون من السطحية والسخف أن تختزل هذه الفضيحة في شخص إبستين، فهو مجرد حلقة في سلسلة طويلة من الانتهاكات التي شهدها الغرب، ولذا جرى التهاون القضائي مع الرجل لأنه يعلم جيدًا أن من كان في مثل موضعه من السلطة والمال لن يُحاكم بنفس المعايير التي يحاكم بها غيره. لم يتجل السقوط الأخلاقي للغرب من خلال الفضيحة ذاتها وما ارتبطت به من أسماء ما يمكن أن نسميه «إدارة العالم» فحسب، بل من خلال تأخير الكشف عنها، فلم تكن هذه الحقائق مجهولة، بل كانت مؤجلة، فأصبحت هذه الحقيقة مجرد توثيق لحسابات النهاية، فالعدالة الحقيقية هي تلك التي تأتي في الوقت المناسب، فلماذا لم يتم الكشف عنها حينها؟ كأن الحقيقة قد سمح لها بالظهور فقط بعدما أصبحت فاقدة للقدرة على التغيير.ثم لنا أن نتساءل عن سر التهاون القضائي مع إبستين، وما تفسير حادث موته في السجن بكل ما يتعلق به من سلوكيات مريبة كتعطيل الكاميرات وغياب المراقبة لشخصية من المفترض أن تحظى بالرقابة الصارمة؟ الوثائق كشفت أن العدالة طبقية وانتقائية في النموذج الغربي، وليست سوى عمليات تفاوضية على الصياغة، وعلى ما يقال وما يترك، تجلى ذلك في الصفقات القانونية التي أبرمت، والتخفيف غير المبرر في الأحكام القضائية الصادرة، وتأجيل المحاسبة، بما يجعلنا نقول إن القانون يفسر وفقا لموقع المتهم لا حجم الجريمة، وهذا يؤكد انهيار ركيزة المساواة أمام القانون التي هي إحدى أهم ركائز أية منظومة قيمية. الوثائق كذلك عرّت الإعلام الغربي الذي يفاخر بالحرية والاستقلالية والشفافية والموضوعية وأظهرت ضلوعه في التواطؤ لخدمة السلطة والمال، وذلك بالتغطية على الجريمة، وأبرز طبيعته الاستهلاكية التي يقاس نجاحها بالمشاهدات وعوائد الإعلانات، كما أظهرت كذلك خضوع هذا الإعلام لنفوذ المال والسياسة وتمحوره حول حماية الأقوياء.. حتى في التناول الإعلامي للقضية، جرى التعامل الانتقائي الطبقي، حيث تم تهميش الضحايا وكأنهم مجرد أرقام تُذكر في السياق العام للجريمة، أو خلفية حزينة للأسماء اللامعة. من دواعي السخرية أن هذه الإدارة العالمية التي ضربت بحقوق الإنسان عرض الحائط، هي نفسها التي نصّبت نفسها مراقبًا على حقوق المرأة والطفل والحريات في عالمنا العربي والإسلامي، هي نفسها التي تتدخل في تربية أطفالنا وتسعى لتجريم تأديب الأبناء، وتؤجج الحركات النسوية لدفعها للتمرد على قيم وثقافات المجتمعات، وتبتز الحكومات بملفات الحرية وحقوق الإنسان، بما يؤكد أن الغرب يتعامل مع القيم باعتبارها سلاحًا سياسيًا. فصل الأخلاق عن السلطة، والفصل بين الخطاب السياسي والممارسة، يقوض الثقة الداخلية في الغرب ذاته، فأنّى لمجتمع يؤمن بتلك المنظومة وهو يراها تتهاوى أمام السلطة والمال، ويوقفه حائرًا أمام ذلك الثراء الذي يهب الحصانة. لعل هذا الحدث الجلل يجعل المُختطفين ببريق الغرب ويترنمون بتفوقه القيمي يراجعون أنفسهم، ويفصلون في الدعوة إلى السير على خطى الغرب بين ما يمكن أن نأخذه عنه من تقدم علمي وتكنولوجي ونحوهما، وما لسنا بحاجة إليه من قيم وأخلاقيات لنا السبق والسمو فيها، فالغرب إنما تقدم بسبب الأخذ بأسباب القوة والتقدم، لا من خلال منظومته القيمية والأخلاقية النسبية.
15207
| 08 فبراير 2026
راقب المشهد في أي مجمع تجاري في عطلة نهاية الأسبوع. ستري عائلة خليجية صغيرة تتمشى. الأب والأم يمشيان في الأمام بكامل أناقتهما، وخلفهما بمسافة مترين تمشي «المربية» وهي تحمل الطفل، وتدفع العربة، وتحمل حقيبة الحفاضات. وإذا بكى الطفل، لمن يمد يده؟ إلى المربية. وإذا نطق كلماته الأولى، بأي لغة (أو لهجة مكسرة) يتحدث؟ بلغة المربية. هذا المشهد، رغم تكراره حتى أصبح مألوفاً، هو «جرح» غائر في كرامة الأسرة الخليجية. نحن، وبدافع الحاجة والرفاهية وانشغالنا في وظائفنا، لم نستقدم عمالة لتساعدنا في «أعمال المنزل» فحسب، بل ارتكبنا خطأً استراتيجياً فادحاً: لقد قمنا بـ «تعهيد» (Outsourcing) مهمة التربية. لقد سلمنا «مفاتيح» عقول وقلوب أطفالنا لأشخاص غرباء. المشكلة ليست في وجود المساعدة، فالدين والواقع يبيحان ذلك. المشكلة تكمن في «تداخل الأدوار»..... «الدريول» (السائق) لم يعد مجرد سائق يوصل الأبناء، بل أصبح هو «الأب البديل» في السيارة، يسمع أحاديثهم، ويختار موسيقاهم، وربما يغطّي على أخطائهم. و»المربية» لم تعد منظفة، بل أصبحت «الأم البديلة» التي تطعم، وتناغي، وتمسح الدمعة، وتلقن القيم (أو غيابها). نحن نشتكي اليوم من أن أبناءنا «تغيروا»، وأن لغتهم العربية ركيكة، وأن «السنع» عندهم ضعيف. ولكن، كيف نلومهم ومعلمهم الأول في سنوات التأسيس (من 0 إلى 7 سنوات) لا يملك أياً من هذه القيم؟ كيف نطلب من طفل أن يكون «ابن قبيلة» أو «ابن عائلة» وهو يتربى على يد ثقافة مختلفة تماماً في الدين واللغة والعادات؟ إن «السيادة» لا تكون فقط على الحدود الجغرافية للدولة، بل تبدأ من «السيادة على المنزل». هناك مناطق «محرمة» لا يجب أن يدخلها الغريب مهما كنا مشغولين. أن تروي قصة قبل النوم، هذا «مفتاح» لا يُسلم للمربية. أن توصل ابنتك المراهقة وتستمع لثرثرتها في السيارة، هذه «فرصة ذهبية» لا تتركها للسائق. وإذا كنا نتفق جميعاً على أن القيم هي أول الهرم التربوي، فلا خلاف على أن القرآن الكريم يتربع على قمة هذا الهرم بلا منازع. وهنا، يجب أن نتوقف للمصارحة: هل يكفي أن نوكل مهمة ربط أبنائنا بكتاب الله إلى «المحفّظ» أو «المحفّظة» فقط؟ نحن لا ندعو -بالتأكيد- لترك حلقات التحفيظ، ولكن العقد لا يكتمل في صدور أبنائنا إلا إذا وضعنا نحن لمساته. كيف تهون علينا أنفسنا أن يسبقنا غريبٌ إلى تعليم فلذة أكبادنا «سورة الفاتحة»؟ هذه السورة هي «أم الكتاب»، وهي الأساس في حياة كل مسلم، ولا تجوز الصلاة إلا بها. ألا تطمع أن يكون لك أنت «أجر» كل مرة يقرأها ابنك طوال حياته؟ ألا تغار أن يكون هذا الحبل السري الروحي موصولاً بغيرك؟ لن يكتمل «عقد القرآن» في صدور أبنائنا ما لم نضع نحن، الآباء والأمهات، لبناته الأولى. فلتكن أصواتنا هي أول ما يتردد في آذانهم بآيات الله، ليكبروا وهم يحملون «القرآن» في صدورهم، و»صوت الوالدين» في ذاكرتهم. الرفاهية الحقيقية ليست في أن يخدمك الناس، بل في أن تملك الوقت والجهد لتخدم أهل بيتك، وتصنع ذكرياتهم. الطفل لن يتذكر نظافة الأرضية التي مسحتها الخادمة، لكنه سيتذكر طوال عمره «لمسة يدك» وأنت تمسح على رأسه، وصوتك وأنت تعلمه «المرجلة» أو «الحياء» أو «الفاتحة». دعونا نستعيد «مفاتيح» بيوتنا. لتبقَ المساعدة للمساعدة في «شؤون البيت» (التنظيف، الغسيل)، أما «شؤون القلب» و»شؤون العقل» و»شؤون الروح»، فهذه مملكتكم الخاصة التي لا تقبل الشراكة. لا تجعلوا أطفالكم «أيتاماً» والوالدان على قيد الحياة.
1875
| 12 فبراير 2026
يطرح اليوم الرياضي إشكالية المفهوم قبل إشكالية الممارسة، إذ إن تحديد موقعه الوظيفي داخل البنية المجتمعية يسبق بالضرورة أي حديث عن أشكاله التنظيمية أو مظاهره الظاهرة. فإدراجه ضمن منطق الفعالية الزمنية المحدودة يُفرغه من قيمته، بينما يقتضي الفهم الرشيد التعامل معه كأداة توجيهية لإعادة بناء الثقافة الرياضية على أسس واعية ومستدامة. على مستوى الفرد، لا يمكن اختزال دور اليوم الرياضي في المشاركة الشكلية أو الامتثال المؤقت. بل يفترض أن يشكّل لحظة وعي نقدي تُعيد تعريف العلاقة بين الجسد والمسؤولية الذاتية. فالنشاط البدني، في هذا الإطار، لا يُنظر إليه كخيار ترفيهي، بل كواجب مرتبط بالصحة العامة، والانضباط الشخصي، والقدرة على الإنتاج والاستمرار. ومن ثم، فإن القيمة الحقيقية لليوم الرياضي تتجلى في قدرة الفرد على تحويله من تجربة عابرة إلى التزام سلوكي طويل الأمد، وإلا تحوّل إلى ممارسة رمزية فاقدة للأثر. أما الأندية الرياضية، فيقع على عاتقها دور بنيوي يتجاوز التنظيم اللوجستي إلى الدور التنويري. فهي مطالبة بأن تكون وسيطًا معرفيًا يربط بين الممارسة الرياضية وبناء الشخصية، وبين التدريب والوعي، لا أن تكتفي بتوفير النشاط دون تنظيم فكري. كما ينبغي أن تتحمل الأندية مسؤولية استيعاب المجتمع خارج دائرة النخبة، عبر برامج مستمرة تستهدف الفئات غير النشطة، وتحوّل اليوم الرياضي إلى بوابة انخراط لا إلى ذروة موسمية. كلمة أخيرة: إن اليوم الرياضي يستمد قيمته من كونه لحظة تأسيس وعي لا لحظة استهلاك نشاط، ومن قدرته على إعادة توجيه الأدوار الفردية والمؤسسية نحو ممارسة رياضية واعية، مستمرة، ومتصلة بأهداف المجتمع الكبرى، لا من مظاهره الآنية أو زخمه المؤقت.
1653
| 10 فبراير 2026