رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لم يكن متوقعاً أن يتوصل الفلسطينيون في سعيهم إلى المصالحة الوطنية، إلى تفاهم سياسي كامل قبل الشروع في حل ملفات الخلاف، لذلك بقي التناقض بين مساري المصالحة والمفاوضات مع إسرائيل، ليس في إمكان السلطة الفلسطينية، وبالتالي حركة "فتح" اعتبار خيار التفاوض منتهياً، حتى لو كان مجمداً، وليس في إمكان حركة "حماس" اعتبار نفسها معنية بالتفاوض، حتى لو كانت أعلنت موافقتها على مبدأ "المقاومة الشعبية" من دون أن تتخلى عن خيار المقاومة بمختلف الأساليب، أي بما فيها المسلحة.
عندما بدأت الاتصالات لعقد المصالحة، وبعد اتفاق مايو 2011م، في القاهرة ومع تقدم اللجان المختصة في التحضير لهذه المصالحة، كان الجميع يعرفون ولا يزالون أن البحث عن سبل لإحياء المفاوضات سيتواصل ومع ذلك يشتعل السجال بين الطرفين من وقت إلى آخر ضد التفاوض أو معه، ويمكن القول إن هذا الخلاف غير قابل للحل حتى لو شرع الطرفان في تطبيق إجراءات المصالحة.
أن تتمسك كل من "فتح" و"حماس"، بموقفيهما هذا مفهوم، وأن يكون هناك "توزيع أدوار" بينهما فهذا أفضل لكنه ليس كذلك، أما أن يكون هناك خداع للشعب الفلسطيني فهذا لم يعد جائزاً ولا مقبولاً، والشعب يرى أن لديه مصلحة في كلا الخيارين حتى لو أصبح الجمع بينهما صعباً، تحديداً بعد الانقسام الحاصل، وبالأخص بعدما أصبح هذا الانقسام صراعاً على السلطة، ولو كان لهذا الصراع أن يخدم القضية فلا بأس، إلا أنه أمعن في الإساءة إليها، فهو أضعف الفلسطينيين من دون أن يضيف إلى نضالهم ضد الاحتلال، لكنه منح الاحتلال أوراقاً وإمكانات لمزيد من العبث وإثارة الفرقة بين أبناء الشعب الفلسطيني.
على طريق المصالحة ينبغي أن يطرح الفلسطينيون الأسئلة الحقيقية والصعبة أكثر مما ينبغي الخوض في تفاوض كما لو أن الأمر يتعلق بخصمين يريد كل منهما تحقيق مصلحته الخاصة على حساب الآخر، مع أن المعادلة بالغة الوضوح معاً يمكن أن يحققا المصلحة الوطنية أو أن يحمياها في أسوأ الأحوال، أما إذا تحرك كل على حدة فهذه وصفة لخسارة وطنية مؤكدة، وحتى مع وجود إرادة حقيقية لدى العدو لإقامة سلام سيكون الانقسام معوقا للحصول على تسوية جيدة ومنصفة، والعكس صحيح أي أن المواجهة مع العدو في ظل الانقسام ستكون مجحفة وغير متكافئة، وهذا ما برهنته وقائع الأعوام الستة الماضية.
لعل أول شروط المصالحة وأصعبها أن "فتح" و"حماس"، محكومتان بالتكامل، وباعتراف كل منهما بما أنجزته الأخرى، أو ما يمكن أن تنجزه في إطار المصلحة الوطنية، فخلال العشرين عاما المنصرمة شهدت القضية الفلسطينية تحولين مهمين: أولهما جنوح العرب إلى خيار السلام وانتفاء استعدادهم للعودة إلى خيار الحرب حتى بعدما تبين الخداع الإسرائيلي-الأمريكي، والثاني هو الانتفاضات والثورات التي أطاحت وتطيح بأنظمة الاستبداد، مع ما خلفته من أوضاع اقتصادية صعبة ومراحل انتقالية صعبة وتبدل عميق في الخريطة السياسية دفع بالإسلاميين إلى السلطة، ورغم أن التحولات الأخيرة تفترض منطقيا أن يكون التغيير في مصلحة القضية الفلسطينية، فإن هذه النتيجة تبقى مجرد احتمال لن يعيد العرب بالضرورة إلى خيار الحرب.
لذلك فمن شأن الفلسطينيين الذين أدركوا بعد التحول الأول انهم مدعوون للاعتماد بنسبة كبيرة على أنفسهم، أن يحسنوا تحليل نتائج التحول الثاني فلا تندفع "حماس"، إلى اعتبار أن الموجة الإسلامية ترجح حظوظها لتسلم السلطة، ولا تبقى "فتح" معتمدة على العناصر التقليدية لقوتها رغم علمها أنها تراجعت وتآكلت، فمثل هذه الذهنية ربما تصلح في دول موجودة وغير واقعة تحت الاحتلال، أما في حال الفلسطينيين فليس المطلوب مزيداً من التسييس أو مزيداً من الأسلمة بل وضع كل طاقات الشعب في خدمة مهمة واحدة: التحرر من الاحتلال.
خلال الأسابيع الماضية، وبالتزامن مع ما سمي "لقاءات استكشافية" عقدت في عمان بين الفلسطينيين والإسرائيليين، برعاية أردنية وفي حضور ممثلين لـ"الرباعية" الدولية، نشب جدل بين رام الله وغزة وبين السلطة وفصائل المعارضة حول جدوى التفاوض من جهة، ومدى تأثيره السلبي على المصالحة من جهة أخرى، طبعاً هناك توجس وخشية دائمان من أن تخضع السلطة لضغوط، ومن أن تنشأ قناة تفاوض سرية، لا شك أن بعض السوابق يبرر ذلك، إلا أن الشروط التي وضعتها السلطة للتفاوض، وعرضتها لعلاقة متوترة مع الولايات المتحدة، باتت واضحة وغير قابلة للمساومة، بل ان السلطة بَنَتْ عليها تحركها نحو مجلس الأمن لنيل الاعتراف بالدولة الفلسطينية وعضويتها في الأمم المتحدة، وهو ما أثار غضباً أمريكياً وإسرائيلياً لاعتزام الفلسطينيين الخروج من أسر الشروط المفروضة عليهم في لعبة التفاوض، وهنا يطرح السؤال: هل لدى "حماس" وسائر الفصائل المعارضة بديل جاهز للمفاوضات أفضل من التحرك الدبلوماسي الذي اتبعته السلطة؟ إذا كان الجواب: نعم، البديل هو العودة إلى المقاومة، أي استخدام السلاح، فهذا يفترض مشاركة الجميع بلا استثناء وعلى أساس ألا يكون الأمر مجرد جولة دموية أخرى يبرهن فيها الإسرائيلي مرة أخرى تفوقه الناري، والإجرامي وهو ما أصبح معروفاً، بل أنه يحقق للإسرائيليين ما يرغبون فيه.
عدا ذلك، كان هناك اقتراح بالفصل بين مساري المصالحة والتفاوض، أي أن المضي إلى المصالحة يجب ألا يعرقل باحتمالات العودة إلى طاولة المفاوضات، إلا إذا كانت هناك إرادة للربط بينهما، لا شك أن الموقع التفاوضي للسلطة يمكن أن يقوى بالدفع المعنوي للمصالحة، كما أن العودة إلى التفاوض على الأسس التي تشترطها يقوي وضعها في صياغة المصالحة، لكن هذه المعادلة لا قيمة لها إذا لم تترجم في نهاية المطاف، بإجماع فلسطيني على أن ما يجري هو في إطار المصلحة الوطنية.
لذلك يفترض ألا تكون المصالحة من أدوات "التكتيك" والمناورة، بل يجب التسريع فيها بمعزل عما يحصل بالنسبة إلى المفاوضات.
بعيداً عن الأوهام، لابد من الاعتراف بأن عناصر خارجية كثيرة باتت متداخلة في مسار المصالحة، فالأمريكيون والإسرائيليون وبعض العرب يعملون على إبطاء المصالحة لئلا تجذب السلطة إلى خيار يحبط كل الجهود لإحياء المفاوضات، كما أن الصراع الدولي-الإيراني يلعب دورا ينعكس بشكل غير مباشر على شروط "حماس"، و"الجهاد"، للمصالحة لئلا تجذبهما مع الفصائل المتحالفة معهما إلى موقع القبول بالمفاوضات ونتائجها.
وبديهي أن هذا التداخل يحول دون الفصل بين المسارين، لكنه يعني أولاً وأخيراً أن الحوار الداخلي الفلسطيني لم يحسم الموقف من المفاوضات، وأن الانقسام لا يزال في مربعه الأول، في المقابل، ينفرد الجانب الإسرائيلي بموقف بالغ الوضوح والوقاحة، فهو لا يريد المفاوضات ولا المصالحة، ويعمل على عرقلتهما، إذ أن واقع الانقسام الفلسطيني يناسب جداً حكومة مجرمي الحرب ولا ترغب في تغييره.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
حين نتحدث عن قوة الوطن نفكر في اقتصاده ومؤسساته ومكانته بين الدول. لكن ما مسؤوليتنا تجاه كل هذا؟ وما الذي نقدمه نحن الذين نعيش في هذا الوطن ونستفيد من أمنه وفرصه وما تحقق فيه؟ هذا ما فكرت فيه وأنا أقرأ خطاب سمو الأمير الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمام مجلس الشورى. توقفت عند العلاقة بين صمود الدولة وكفاءة مؤسساتها ومسؤولية أفرادها. فكل واحد منا يتخذ قرارات تؤثر في غيره. ومن مجموع هذه الأدوار يتشكل جانب من قوة الوطن. نستيقظ كل صباح ونذهب إلى أعمالنا. يذهب أبناؤنا إلى مدارسهم ونجد احتياجاتنا متاحة ونكمل يومنا. ومع الوقت نعتاد هذا الانتظام حتى ننسى ما يتطلبه من جهد وتخطيط. لكن وقت التحديات تظهر قيمة الاستعداد وتنكشف أهمية ما بنيناه قبلها. وهنا أسأل نفسي عن علاقتنا بالاستقرار الذي نعيشه. هل ندرك مسؤوليتنا في المحافظة عليه؟ أعتقد أن الإجابة تظهر في تعاملنا مع واجباتنا ومع الموارد التي بين أيدينا ومع مصالح الناس التي ترتبط بقراراتنا. وحين دعا الخطاب إلى مراجعة البرامج وفق أثرها في المجتمع والاقتصاد استوقفني سؤال. ماذا تحقق للناس بسبب ما نفعله؟ قد ننشغل بإثبات أننا أنجزنا المطلوب. لكن هل عالجنا حاجة؟ وهل أحسنا استخدام ما لدينا؟ وهل نقبل تغيير ما لم يحقق الغرض منه؟ هذه المراجعة تحتاج إلى صدق مع أنفسنا. فقد نستمر في أمر لأننا اعتدناه. لكن المسؤولية تقتضي أن نسأل عن جدواه وأن نقدم المصلحة العامة على راحة الاستمرار. وتظهر أمانة المسؤولية أيضا في تقييم الأداء. حين نعطي الجهد حقه ونربط الفرص بالكفاءة نعزز ثقة الإنسان بمؤسسته. فالإنصاف يؤثر في شعوره بقيمة عمله وفي استعداده لتقديم المزيد. أما التعليم فأراه سؤالا عن الإنسان الذي نريد أن يشارك في بناء قطر. هل نمنح أبناءنا مساحة للسؤال والتجربة وتحمل نتائج اختياراتهم؟ وهل نساعدهم على فهم احتياجات وطنهم واستخدام معرفتهم لخدمته مع الحفاظ على لغتهم وهويتهم. ويمتد هذا الاهتمام بالإنسان إلى دور مجلس الشورى في مناقشة قضايا المجتمع. فالتشريعات تمس حياتنا اليوم وتؤثر في فرص أبنائنا غدا. كما أن تمسك قطر بالحوار والحلول السلمية يتصل بأمن الناس وقدرتهم على بناء مستقبلهم. بعد خطاب سمو الأمير بقي معي سؤال واحد. نحن نعرف ما نتمناه لقطر. لكن ما الذي نقدمه من أجلها؟ الإجابة تبدأ من موقع كل منا ومن مسؤوليته التي يؤديها وهو يعرف أن أثرها يصل إلى غيره.
2529
| 16 أكتوبر 2026
في دوري نجوم بنك الدوحة، لم تعد المشكلة في حجم الإنفاق على المحترفين بقدر ما أصبحت في نوعية الاختيارات. أسماء تصل بسير ذاتية لامعة وتجارب سابقة تمنح الجماهير الأمل، ثم يبدأ الموسم لنكتشف أن الفارق بين ما كنا ننتظره وما نشاهده داخل الملعب أكبر بكثير مما ينبغي. السؤال هنا ليس: كم دفع النادي؟ بل: ماذا أخذ مقابل ما دفعه؟ لسنا ضد التعاقد مع أسماء كبيرة، ولا نقلل من قيمة الخبرة، لكننا ضد تحويل السيرة الذاتية إلى شهادة ضمان، وأن يصبح الاسم أهم من الحاجة الفنية. فالمحترف جاء ليصنع الفارق، لا ليكون مجرد اسم في قائمة الفريق أو مادة للترويج عند الإعلان عن الصفقة. المشكلة أن بعض التعاقدات لا تبدو مقنعة منذ البداية، سواء من حيث ملاءمة اللاعب لاحتياجات الفريق أو قدرته على تقديم الإضافة الفنية المنتظرة. والأكثر إثارة للاستغراب أن الأخطاء تتكرر، وكأن بعض الأندية لم تستفد من تجاربها السابقة، ولم تراجع آليات الاختيار والتقييم بالشكل المطلوب. وتكشف المفارقة بين محترفي السد والغرافة، بما تحمله بعض التعاقدات من أسماء كبيرة وتكاليف مرتفعة، ومحترفي الشحانية ولوسيل الذين يقدمون مردودًا فنيًا مقنعًا بإمكانات أكثر واقعية، عن خلل يستحق التوقف أمامه في آليات الاختيار والاستقطاب. فكيف تنفق بعض الأندية مبالغ كبيرة على أسماء لامعة، ثم لا تجد منها العائد الفني المنتظر، في حين تنجح أندية بإمكانات أقل في الحصول على مردود أفضل؟ هنا لا تكون المشكلة في المال، بل في القرار الذي يسبق التعاقد، وفيمن يتحمل مسؤولية الاختيار. وهنا لا يمكن تحميل اللاعب وحده المسؤولية؛ فهناك إدارة تتولى التفاوض، وجهاز فني يحدد الاحتياجات، ومنظومة يفترض أن تقيّم وتختار وفق معايير فنية واضحة. ونجاح الصفقة أو فشلها يجب ألا يُقاس باسم اللاعب أو تاريخه فقط، بل بمدى الحاجة إليه، وانسجامه مع الفريق، وحجم الإضافة التي يقدمها داخل الملعب. وعندما يفشل التعاقد في تحقيق أهدافه، فمن حق الجماهير أن تعرف أين كان الخلل، ومن المسؤول عن القرار. لسنا بحاجة إلى محترفين أكثر شهرة بقدر حاجتنا إلى محترفين أكثر تأثيرًا. وهذه ليست رفاهية، بل مسؤولية تجاه الأندية والجماهير والبطولة نفسها. فإلى متى تبقى بعض التعاقدات أكبر من مردودها، وتبقى المحاسبة أصغر من حجم الخطأ؟
2283
| 15 أكتوبر 2026
قد يربح استثمارك، ثم تكتشف أن من يديره اختاره لأن عمولته أعلى، رغم وجود خيار أنسب لاحتياجاتك. هل يكفي الربح لتطمئن إلى أنه أدى الأمانة؟ هذا السؤال يفتح بابًا مهمًا لفهم المسؤولية التي يتحملها كل من يُؤتمن على إدارة مصالح الآخرين. في قلب هذه المسؤولية يأتي مفهوم Fiduciary Duty، الذي يمكن تبسيطه بأنه واجب الأمانة والولاء والعناية تجاه من ائتمنك. فمن يُمنح صلاحية إدارة أموال أو مصالح، عليه أن يستخدمها لخدمتها، وأن يدرس قراراته بعناية، وأن يُفصح عن أي مصلحة شخصية قد تؤثر في اختياره. ولفهم المبدأ، يكفي طرح سؤالين: هل درس المسؤول القرار كما ينبغي؟ وهل اتخذه لخدمة المصلحة التي كُلّف بحمايتها؟ يتعلق السؤال الأول بالعناية، والثاني بالولاء. فقد يكون المدير أمينًا، لكنه يوافق على استثمار كبير دون فهم مخاطره. وقد يكون خبيرًا، لكنه يستخدم معرفته لتوجيه عقد نحو شركة ينتفع منها. ولذلك تحتاج الإدارة المسؤولة إلى الأمانة والكفاءة معًا. وتظهر أهمية هذا الواجب لأن صاحب المال لا يستطيع متابعة كل قرار. فالمساهم لا يحضر اجتماعات الإدارة اليومية، والعميل لا يعرف جميع تفاصيل المنتجات الاستثمارية، بينما يمتلك المسؤول معلومات وصلاحيات تمنحه تأثيرًا واسعًا. وكلما اتسعت هذه المسافة، ازدادت الحاجة إلى قواعد تحدد كيف تُستخدم السلطة وكيف يُساءل صاحبها. والأمانة هنا تتجاوز الامتناع عن السرقة. فقد يضر المسؤول بمن ائتمنه دون أن يأخذ مالًا من حسابه مباشرة؛ كأن يخفي مصلحته في صفقة، أو يستغل فرصة تخص المؤسسة لحسابه، أو يهمل دراسة التزامات تتحمل المؤسسة نتائجها لسنوات. لذلك ينبغي أن يمتد الاهتمام إلى أسباب القرار وطريقة اتخاذه، إلى جانب نتيجته. في الولايات المتحدة، يقدم عمل مستشاري الاستثمار مثالًا واضحًا. فالمستشارون الخاضعون لقانون مستشاري الاستثمار الاتحادي ملتزمون بواجبَي العناية والولاء تجاه عملائهم، بما يقتضي تقديم المشورة في مصلحة العميل وفهم أهدافه وظروفه. وهذا تطبيق محدد للمبدأ، إذ تختلف الالتزامات بحسب طبيعة الدور والعلاقة القانونية. لنفترض أن متقاعدًا يريد دخلًا منتظمًا، ويحتاج إلى جزء من مدخراته خلال عام. ينبغي للمستشار أن يفهم هذه الحاجة قبل أن يوصي باستثمار طويل الأجل يصعب الخروج منه. وعليه أن يدرس المخاطر والتكاليف وقدرة العميل على تحمل الخسارة. فالمنتج الذي يناسب شخصًا يستطيع الانتظار عشر سنوات قد لا يناسب من يحتاج أمواله قريبًا، مهما بدا عائده جذابًا. أما إذا كان المستشار يحصل على منفعة مرتبطة بتوصيته، فإن ذلك يثير تعارضًا محتملًا بين مصلحته ومصلحة العميل. وتوضح الإرشادات الأمريكية ضرورة إزالة التعارض، أو الإفصاح عنه بصورة كاملة وواضحة تتيح للعميل الموافقة عن علم، مع استمرار الالتزام بمصلحته. وإذا تعذر الإفصاح بما يسمح بموافقة واعية، وجب إزالة التعارض أو تخفيفه على نحو يتيح ذلك. وجود عمولة لا يجعل كل توصية خاطئة، لكن إخفاءها أو إخفاء أثرها يحرم العميل من معلومة قد تغير قراره. ولذلك، قبل أن تمنح أحدًا سلطة إدارة أموالك، اسأله كيف يتقاضى أجره، وما المصالح التي قد تؤثر في قراراته. واسأله أيضًا: لماذا اخترت هذا الاستثمار؟ ما تكلفته؟ وما البدائل التي درستها؟ تساعد هذه الأسئلة على جعل العلاقة أوضح منذ البداية. وفي قطر، توجد أحكام قانونية تحقق جوانب أساسية من هذا الغرض. ففي الأحكام المنظمة لمجلس إدارة شركة المساهمة بقانون الشركات التجارية رقم 11 لسنة 2015 وتعديلاته، تُلزم المادة 109 رئيس وأعضاء مجلس الإدارة وأعضاء الإدارة التنفيذية العليا بالإفصاح عن مصالحهم المباشرة وغير المباشرة في صفقات الشركة وتعاملاتها. كما تمنع صاحب المصلحة من حضور الجلسات التي تناقش الموضوع المتعلق به أو التصويت عليه. وتنظم المادة 108 عدم منافسة هؤلاء للشركة دون موافقة الجمعية العامة، بينما تقرر المادة 113 مسؤولية رئيس وأعضاء المجلس عن الأضرار الناشئة عن الغش وإساءة استعمال السلطة ومخالفة القانون أو النظام الأساسي والخطأ الجسيم في الأداء. وتختلف التفاصيل القانونية بحسب نوع الشركة وصفة المسؤول. وتمتد الحماية إلى القضاء. فالمادة 109 تتيح للمساهمين، وفق شروطها ومع مراعاة حقوق الغير حسن النية، المطالبة ببطلان صفقات والتعويض عن المخالفات، وتُلزم المخالف برد المنفعة التي حققها إلى الشركة. وتتيح المادة 115 للشركة رفع دعوى المسؤولية عن الأخطاء التي تضر بمجموع المساهمين، بقرار من الجمعية العامة العادية. كما تسمح المادة 116 للمساهم برفع الدعوى منفردًا إذا لم ترفعها الشركة وكان الخطأ يُلحق به ضرر خاص كمساهم، بشرط إخطارها. وإذا صدر حكم لصالحه، تلتزم الشركة بتعويضه عن نفقات ومصاريف التقاضي. ولتقريب الصورة، تخيّل أن شركة تريد شراء معدات، وأحد أعضاء مجلس إدارتها شريك في الشركة التي قدمت العرض. قد يكون العرض جيدًا، لكن مصلحته فيه يجب أن تكون معلومة. ووفق الأحكام المنطبقة، يفصح عنها ويتنحى عن حضور المناقشة والتصويت، وتُستكمل الموافقات المطلوبة. ثم يقيّم الآخرون العرض وفق السعر والجودة والخدمة، ويوثقون أسباب اختيارهم. فالإفصاح عن المصلحة الشخصية لا يمنح المسؤول حرية تمرير القرار، بل يتيح إخضاعه للمراجعة والموافقات المطلوبة. وهناك سؤال مفيد للمراجعة الذاتية قبل اتخاذ القرار: لو لم تكن لي منفعة شخصية، هل كنت سأتخذ القرار نفسه؟ هذا السؤال لا يغني عن الإجراءات القانونية، لكنه يساعد المسؤول على ملاحظة تأثير مصلحته في حكمه، خصوصًا حين يجد نفسه يدافع عن خيار لا يستطيع تبريره بمعايير واضحة. ولكي تصبح هذه الحماية جزءًا من العمل اليومي، تحتاج المؤسسة إلى سجل للمصالح يُحدّث عند تغيرها، وطريقة واضحة للإفصاح، ومحاضر تثبت التنحي، ومراجعة للصفقات التي تتداخل فيها المصالح. ويحتاج المسؤول إلى فهم حدود صلاحياته، كما يحتاج المساهم إلى معرفة حقوقه ووسائل المطالبة بها. فالنص القانوني يزداد أثره حين يتحول إلى إجراءات يعرفها الناس ويطبقونها. ومع ذلك، يجب التمييز بين الخسارة والإخلال بالأمانة. فقد يُدرس مشروع بعناية ثم تتغير ظروف السوق، وقد تحقق صفقة ربحًا رغم إخفاء مصلحة شخصية فيها. لذلك ينظر التقييم السليم إلى العناية التي بُذلت، والمعلومات المتاحة، والالتزامات ذات الصلة، إلى جانب النتيجة. فهذا التوازن يحمي أصحاب الأموال، ويتيح للإدارة اتخاذ قرارات مهنية مسؤولة. حين تُسلَّم أموال الناس ومصالحهم إلى مسؤول، فإنهم يمنحونه صلاحية التصرف وثقة تستحق الحماية. ولهذا يجب أن تكون الأمانة التزامًا واضحًا، تدعمه قواعد للإفصاح، ورقابة تكشف التجاوز، وحق في التقاضي يتيح المطالبة بالإنصاف. فالمؤسسة التي تحمي أصحاب الأموال تجعل المسؤول قادرًا على تفسير قراراته، وتُلزمه بتحمل تبعات إخلاله. ومن يملك سلطة القرار في أموال الآخرين، لا يملك حق تقديم مصلحته على مصالحهم.
1188
| 11 أكتوبر 2026