رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
ضرب البرنامج النووي الإيراني هو الموضوع الأكثر جدلاً ليس بين القيادات السياسية والعسكرية الإسرائيلية فقط،وإنما على صعيد الشارع أيضاً.هذه القضية هي من قضايا الاختلاف بين وجهتي نظر متعارضتين: الأولى تقف مع توجيه الضربة،والأخرى تقف الضد من هذه المغامرة غير المحسوبة النتائج والتداعيات. لربما أن هذا الاختلاف يعتبر الأبرز في تاريخ الكيان الصهيوني.في كل الحروب التي خاضتها إسرائيل ضد الأمة العربية(وبمن فيها الفلسطينيون) كان هناك شبه إجماع إسرائيلي على القيام بها. وصولاً إلى تشكيل حكومة وحدة وطنية من كافة ألوان الطيف السياسي.الحرب المقترحة على إيران لا ولن تتميز بهذه الإيجابية. لذلك فإن الاختلاف يصب في صالح عدم توجيه الضربة.
نتنياهو من أول المتحمسين إلى الهجوم على المنشآت النووية الإيرانية،وإزالتها عن الخريطة.بحيث يكون من المتعذر على إيران استئناف نشاطاتها النووية.كما يهدف رئيس الوزراء الصهيوني إلى تحجيم دور إيران المتعاظم في المنطقة،والذي يشكل مع الدور التركي:لاعبينْ جديدينْ في منطقة الشرق الأوسط،وذلك عكس ما تطمح إليه الدولة الصهيونية:بأن يظل دورها هو الحاسم والمقرر في المنطقة وفق تصورات رسمتها مع الولايات المتحدة لشرق أوسط جديد. نتنياهو ومنذ نجاحه في تشكيل حكومة ائتلافية مع الأحزاب الدينية واليمينية(وصولاً إلى الفاشية) اعتبر البرنامج النووي الإيراني التحدي والخطر الأول الذي يجابه وجود إسرائيل.جاء ذلك في خطاب له في جامعة"بار إيلان". مؤخراً طلب نتنياهو من حكومته(وقد أقرّت ذلك) منحه صلاحيات مطلقة تسمح باتخاذه القرارات منفردا بما فيها قرار إعلان الحرب. ودون انتظار رأي الحكومة أو مجلس الوزراء المصغر(الذي غالباً ما يعمل في حالات الطوارئ والقضايا الساخنة).نتنياهو وفقاً للعديدين من المراقبين والكتّاب "أصبح ملكاً متوجاً على الدولة"،فلم يحصل ولا لمرة واحدة في تاريخ إسرائيل أن جرى إعطاء رئيس وزراء كل هذه الصلاحيات،فوفقاً لها يستطيع نتنياهو:تحديد جدول أعمال الوزارة،وحتى منع وزراء من طرح أسئلة في حالات معينة،إضافة إلى تأخير طرح ما لا يراه مناسباً من القضايا وعدم التصويت عليها،حتى يضمن الأغلبية التي يريدها،ومنع الوزراء من التعليق الإعلامي على الحدث المعني. إن أبرز من يقف مع نتنياهو في توجيه الضربة لإيران:إيهود باراك وزير الدفاع. رئيس الموساد السابق أفرايم هاليفي الذي قال في تصريح له:"لو كنت إيرانياً لعشت في خوف طيلة الأسابيع القادمة".من المؤيدين أيضاً:كافة الأحزاب اليمينية والدينية والفاشية الداخلة في الائتلاف. وغير أولئك أيضاً.
نتنياهو يريد توريط الولايات المتحدة مع إسرائيل في هذا الهجوم. من خلال الحملة المنظمة التي يقوم بها اللوبي الصهيوني في أمريكا. والهادفة إلى تعظيم الدور الإيراني في تهديد إسرائيل والولايات المتحدة. وعدم انتظار نتائج الانتخابات الأمريكية حتى توجيه الضربة. فأوباما وإدارته الحالية مع تشديد العقوبات على إيران،وقد اتخذ الكونجرس الأمريكي مؤخراً سلسلة منها.لا يشك أحد في أن الرئيس أوباما سيصادق عليها وتعتمدها الإدارة الأمريكية الحالية. كذلك العديد من الدول الأوروبية. باستثناء بعض الدول(ربما) والتي تريد للانتخابات الأمريكية أن تجرى بسلاسة وألا ترى نفسها متورطة في حرب بسبب إسرائيل. وستكون أمام تحديات كبيرة أيضاً:احتمال أن تقوم إيران بإغلاق مضيق هرمز،ذلك سيؤدي إلى ارتفاع جنوني في أسعار النفط.إمكانية حدوث دمار شامل في المنطقة. فإيران ستضرب كافة الأهداف الأمريكية فيها.دمار في إسرائيل بسبب الصواريخ الإيرانية بعيدة المدى.إمكانية اشتراك حزب الله وسوريا في الحرب وما سيسببه ذلك من احتمالات ونتائج غير محسوبة.نتنياهو وإسرائيل عموماً يلعبان بورقة التنافس بين الحزبين الديمقراطي والجمهوري في الولايات المتحدة.وقد أعطى المرشح الجمهوري رومني ضوءاً أخضر لإسرائيل في ضرب المنشآت النووية الإيرانية. عندما زارها مؤخراً. بما يعني:أنه حتى لو قامت إسرائيل بتوجيه الضربة العسكرية لإيران. فلن تلقى لوماً ولا تعنيفاً من الولايات المتحدة.الأخيرة ربما ستجد نفسها مضطرة لمناصرة إسرائيل والمشاركة في العمليات العسكرية. فقد أعلن وزير الدفاع الأمريكي بانيتا في تصريح سابق له قبل شهرين:"بأن الولايات المتحدة لن تسمح لإيران بإغلاق مضيق هرمز". كتّاب ومحللون سياسيون أمريكيون يصبون في صالح مشاركة الولايات المتحدة في توجيه الضربة مثل الكاتب الأمريكي ديفيد كرست،الذي يضرب على وتر "المصالح الأمريكية في المنطقة"بما يتوجب حمايتها من خلال تغيير النظام في طهران أيضاً.وليس الاكتفاء فقط بضرب برنامجها النووي".
على الصعيد الإسرائيلي الداخلي:قررت الحكومة البدء بتدريبات سميت"بتحصين الجبهة الداخلة"تستمر لمدة أسبوع كامل وفي مركز هذه التدريبات،ضمان إرسال مئات آلاف الرسائل الإلكترونية وعبر الهواتف الخلوية،لإبلاغ الجمهور بالمطلوب في حالات الطوارئ.إضافة إلى التدريبات العسكرية التي يقوم بها الجيش الإسرائيلي وهي كثيرة تقام بين الفينة والأخرى.كذلك تدريبات الدفاع المدني وإمكانية مواجهة الصواريخ والأسلحة الكيماوية.حسب المصادر الإسرائيلية فإن كل هذه التدريبات تتدرج في إطار الاستعدادات لاحتمال شن عدوان على إيران.
من أهم المعارضين لتوجيه ضربة عسكرية إسرائيلية إلى إيران:حزب كاديما الذي يقوده وزير الدفاع الإسرائيلي السابق شاؤول موفاز،والذي انسحب مؤخراً من الائتلاف الحكومي.الحزب يقود حملة ساخنة ضد نتنياهو متهماً إياه بالتصرف بعدم المسؤولية في الملف الإيراني.من المعارضين أيضاً للحرب: رئيس دولة الكيان شمعون بيريز ورؤساء الموساد والشاباك وهيئة الأركان الذين يرفضون الهجوم والتفرد في اتخاذ قرار الحرب.هؤلاء أيضاً لهم وزنهم الكبير في الشارع الإسرائيلي. المعارضون للحرب هم ضد أن تخوضها إسرائيل منفردة لكنهم مع الضربة إذا تم تنسيق ذلك مع الولايات المتحدة ومشاركتها.
أهم الصحف الإسرائيلية:"يديعوت أحرونوت". هآرتس". "معاريف" تكتب بشكل شبه يومي عن مخاطر الحرب".يديعوت أحرونوت"كتبت مثلاً عن المليارات الأخيرة التي رصدتها إسرائيل لتطوير سلاح الجو. لكنها تستطرد:"إنه ليس مضموناً أن الطائرات الإسرائيلية.قادرة على تنفيذ العملية كاملة،والعودة من دون أضرار إن كان على مستوى الأخيرة أو التزود بالوقود".وأضافت:إن هجوماً على المنشآت النووية الإيرانية هو أكثر تعقيداً من الهجوم على المنشآت النووية العراقية في العام 1981.هآرتس"كتبت عن أن أكثر من نصف السكان في إسرائيل من دون ملاجئ،حتى الكثير من الموجود لا يصلح للاستعمال".معاريف" نقلت تصريحاً لمسؤول في وزارة الصحة قال فيه:"إن عملية إقامة أقسام خاصة في المستشفيات محصنة وقادرة على مواجهة أسلحة كيماوية وغير تقليدية أخرى. تحتاج لثلاث سنوات أخرى".إدارة المطافئ صرّحت:بأنها ليس لديها القدرة لمواجهة سلسلة من الحرائق في آن واحد وكذا بالنسبة لدمار البينية التحتية.
مما سبق يتضح أن احتمالات القيام بضربة مساوية تقريباً للأخرى التي لا تتوقعها. لكن أصحاب الرؤوس الحامية في تل أبيب لا يعملون بمقتضى قوانين المنطق،الأمر الذي يجعل من احتمال الهجوم الإسرائيلي قائماً بنسبة أكبر من عدم حدوثها.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في نهاية كل عام، تعقد المؤسسات اجتماعاتها، وتراجع أرقامها، وتحدد أهدافها، ثم تصدر وثيقة أنيقة تضم المبادرات ومؤشرات الأداء. وبعد اعتمادها، يعود الموظفون إلى مكاتبهم، وتعود المؤسسة تدريجيًا إلى أسلوب عملها المعتاد. وعندما يحين موعد المراجعة، يتبين أن جزءًا كبيرًا من الخطة لم يُنفذ. غالبًا ما يوصف ذلك بأنه ضعف في التنفيذ، مع أن الخلل قد يبدأ من الخطة نفسها. فبعض الخطط تُعد لتبدو مقنعة عند عرضها، لا لتساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات واضحة. وقد تتحدث عن تحسين الكفاءة، ورفع رضا العملاء، وتسريع التحول الرقمي، من دون أن تحدد المشكلة الأساسية، أو الخيارات التي ستتبناها المؤسسة، أو الأعمال التي ستتوقف عنها. يرى المفكر الاستراتيجي ريتشارد روملت أن الاستراتيجية الجيدة تبدأ بتشخيص التحدي، ثم اختيار النهج المناسب للتعامل معه، وتحويل هذا النهج إلى أعمال مترابطة. لذلك لا تكفي قائمة طويلة من الأهداف لصنع خطة جيدة. فعندما تعلن المؤسسة أن لديها عشر أولويات، فهي غالبًا لم تحسم أولوياتها بعد؛ لأن التخطيط الحقيقي يعني تقديم بعض الملفات وتأجيل ملفات أخرى. وتبدأ المشكلة أحيانًا من طريقة إعداد الخطة. فقد تُكتب داخل إدارة التخطيط، أو بمساعدة مستشارين، ثم تُرسل إلى الإدارات الأخرى للتنفيذ. تبدو افتراضاتها منطقية على الورق، لكنها عند التطبيق تصطدم بإجراءات بطيئة، أو نقص في المهارات، أو أنظمة لا توفر المعلومات المطلوبة، أو أهداف متعارضة بين الإدارات. بل إن تضخم إدارات التخطيط والاستراتيجية قد يصبح جزءًا من المشكلة. فعندما يزيد عدد العاملين فيها على الحاجة الفعلية، تزداد الاجتماعات والنماذج والتقارير التي لا تضيف قيمة إلى القرار ولا تسهل التنفيذ. ومع الوقت، قد تنشأ وظائف وإجراءات هدفها تغذية منظومة التخطيط نفسها، فتتوسع بسبب المتطلبات التي تنتجها، لا بسبب حاجة العمل. وفي المقابل، تنشغل الإدارات التشغيلية بإعداد البيانات وحضور الاجتماعات بدلًا من التركيز على مهامها. وجود إدارة للتخطيط ضروري، لكن دورها ينبغي أن يكون تبسيط القرار وتحديد الأولويات، لا إضافة طبقات جديدة من التعقيد. ولا تعني المشاركة في التخطيط فتح القرار أمام الجميع، بل الاستماع في الوقت المناسب إلى من يعرفون تفاصيل العمل. هؤلاء يستطيعون كشف العقبات مبكرًا واقتراح وسائل أكثر واقعية للتنفيذ. كذلك يجب تحويل كل هدف إلى مسؤولية واضحة: من يملكه؟ وما الصلاحيات والميزانية المتاحة له؟ وما أول نتيجة يفترض أن تظهر؟ إذا بقيت هذه الأسئلة بلا إجابة، أصبح الهدف عبارة يرددها الجميع ولا يتحمل مسؤوليتها أحد. وقد تكون المسؤوليات واضحة داخل كل إدارة، ثم تضيع عند انتقال العمل من إدارة إلى أخرى. في مصانع البتروكيماويات مثلًا، تسعى إدارة الإنتاج إلى تشغيل الوحدات بأقصى طاقة، بينما تطلب إدارة الصيانة إيقاف وحدة لمعالجة مؤشرات مبكرة على تدهور معدة رئيسية. وفي الوقت نفسه، تؤجل الإدارة المالية بعض المصروفات، وتحاول المشتريات الحصول على قطع الغيار بأقل سعر. وقد يتزامن ذلك مع خطة لخفض التكلفة تعتمد على تقليص أعداد الموظفين ذوي الخبرة والاستعانة بعمالة المقاولين حتى في بعض أعمال الصيانة الأساسية. الاستعانة بالمقاولين قد تكون ضرورية ومفيدة، لكن الخطر يبدأ عندما يصبح السعر المنخفض هو المعيار الأهم، من دون التحقق الكافي من خبرة العمال وتدريبهم وقدرتهم على الالتزام بإجراءات العمل والسلامة. بهذا الأسلوب، قد تنجح كل إدارة وفق مؤشراتها الخاصة: يحقق الإنتاج الكميات المستهدفة، وتخفض المالية المصروفات، وتحصل المشتريات على سعر أقل، وتقلص الموارد البشرية عدد الموظفين. ومع ذلك، يصبح المصنع أكثر عرضة لضعف الصيانة، وتكرار الأعطال، وأخطاء قد تمس السلامة. وقد يسبب توقف مفاجئ واحد خسائر تتجاوز جميع الوفورات. الخلل هنا ليس في أداء إدارة بعينها، بل في خطة جزأت أهداف المؤسسة ولم توازن بين خفض التكلفة والمحافظة على الخبرة وجودة الصيانة وسلامة الأصول. وتتعثر الخطط أيضًا عندما تضيف المؤسسة مبادرات جديدة من دون إيقاف أعمال قديمة، فتتوزع الموارد على عدد كبير من المشروعات ولا يحصل أي منها على ما يكفي. التخطيط الجاد لا يحدد ما ستفعله المؤسسة فقط، بل يحدد أيضًا ما ستتوقف عن فعله، ثم يوجه المال والكفاءات والوقت الإداري إلى الملفات الأهم. وتدعم ذلك دراسة حديثة لماكنزي شملت أكثر من أربعمائة شركة. فقد ظهر أن الفارق الأبرز لدى المؤسسات المتفوقة كان في تهيئة المنظمة للتنفيذ، ولا سيما تحويل الاستراتيجية إلى مبادرات محددة، وتوزيع المسؤوليات، وإعادة تخصيص المال والكفاءات والاهتمام الإداري. لذلك تظل الخطة التي لا تغير طريقة توزيع الموارد مجموعة من النوايا الجيدة مهما بدا عرضها مقنعًا. كذلك قد تُبنى الخطة على افتراضات غير مكتوبة، مثل استمرار الطلب أو توافر التمويل أو قدرة الأنظمة على دعم التنفيذ. ولهذا ينبغي تحديد الافتراضات الأساسية ومراقبتها من خلال مؤشرات مبكرة. فإذا تغيرت الظروف، يصبح تعديل الخطة تصحيحًا طبيعيًا للمسار، لا اعترافًا بالفشل. ولا تكفي لوحة مؤشرات ملونة لضمان التنفيذ. فكثير من اجتماعات المتابعة تنشغل بنسبة الإنجاز، لكنها تتجنب الأسئلة التي تحتاج إلى قرار: لماذا تأخر العمل؟ ما العائق الذي لا يستطيع الفريق إزالته؟ وهل ما زال المشروع يخدم الأولوية الأساسية؟ الاجتماع المفيد لا يراقب التنفيذ فقط، بل يزيل عوائقه ويتخذ القرارات اللازمة لاستمراره. ولتحويل الخطة إلى أداة عمل، يمكن اختصار كل مبادرة في صفحة واحدة تجيب عن سبعة أسئلة: ما النتيجة المطلوبة؟ لماذا تُعد مهمة؟ من يملكها؟ ما القرارات والموارد اللازمة؟ ما الإدارات التي يعتمد عليها التنفيذ؟ ما العلامات المبكرة للتقدم أو التعثر؟ ومتى نراجع قرار الاستمرار أو التعديل أو الإيقاف؟ الخطة الجيدة لا تتنبأ بالمستقبل بدقة، فهذا مستحيل، لكنها تساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات متناسقة في ظل مستقبل غير مؤكد. وهي لا تُقاس بجمال عرضها أو بعدد مبادراتها، بل بما تغيره فعليًا في توزيع الوقت والمال والمسؤوليات. فإذا لم يعرف الموظف ما الذي سيفعله بصورة مختلفة في صباح اليوم التالي لاعتماد الخطة، فالأرجح أن المؤسسة لم تنته من التخطيط بعد.
8991
| 20 سبتمبر 2026
قد يدخل رجلان إلى اجتماع واحد، ويقدم كل منهما عرضًا متقاربًا في السعر والجودة، ثم يخرج أحدهما بصفقة جديدة، بينما يخرج الآخر من دونها. وقد لا يكون الفارق في العرض نفسه، بل في تفاصيل صغيرة: طريقة الاستقبال، ونبرة الحديث، والقدرة على الاستماع، واحترام الوقت، والشعور الذي تركه كل منهما لدى الحاضرين. فالناس في عالم الأعمال لا يشترون منتجًا أو خدمة فقط، بل يختارون أيضًا الشخص الذي يطمئنون إلى التعامل معه. وقد يربح رجل الأعمال صفقة بقوة السعر أو النفوذ، لكنه لا يضمن تكرارها إلا إذا شعر الطرف الآخر بالتقدير والثقة. ومن هنا يصبح حسن التعامل جزءًا من النجاح التجاري، لا مجرد صفة شخصية جميلة. وعندما نتحدث عن نجاح رجل الأعمال، تتجه الأنظار عادةً إلى حجم استثماراته وعدد مشروعاته وأرباحه. غير أن لديه رأس مال آخر لا يظهر في الميزانية: رصيده لدى الناس. هذا الرصيد يتكوّن من كلمة صادقة، ووعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموقف حُفظت فيه كرامة إنسان. وقد تفتح السمعة الطيبة لصاحبها فرصًا لا يصل إليها بالمال وحده. والاختبار الحقيقي لأخلاق رجل الأعمال لا يكون دائمًا في قاعة الاجتماعات الكبرى، بل في تعامله مع من لا ينتظر منهم مصلحة مباشرة: موظف الاستقبال، والسائق، والعامل، وصاحب الشركة الصغيرة. ففي هذه المواقف تظهر شخصية الإنسان بعيدًا عن المجاملات والمصالح. وقد ينسى الناس ما قيل في الاجتماع، لكنهم يتذكرون من استقبلهم باهتمام، ومن أنصت إليهم، ومن تركهم ينتظرون بلا اعتذار، أو ظل ينظر إلى هاتفه أثناء حديثهم. ومن أهم التفاصيل احترام الوقت والكلمة. قد يحدث ما يسبب التأخير، لكن الاعتذار والإبلاغ المبكر يصنعان فرقًا. وحين يقول رجل الأعمال إنه سيرد غدًا، أو يسدد مستحقًا في تاريخ محدد، تصبح كلمته جزءًا من سمعته. وإذا تعذر التنفيذ، فالمصارحة المبكرة أفضل من الصمت والتسويف. فالناس قد يتفهمون تغير الظروف، لكنهم لا يتقبلون تجاهلهم. وتزداد أهمية ذلك مع الموردين والشركات الصغيرة. فقد تكون الدفعة المتأخرة بندًا بسيطًا لدى مؤسسة كبيرة، لكنها قد تعني رواتب شهر كامل لدى شركة صغيرة. لذلك، لا ينبغي أن يستخدم القوي قدرته المالية للضغط على الأضعف أو تأخير حقوقه. فدفع المستحقات في مواعيدها ليس إجراءً ماليًا فقط، بل معيار يكشف عدالة المؤسسة وطريقة تفكير قيادتها. أما في التفاوض، فليس النجاح أن يخرج أحد الطرفين منتصرًا والآخر مثقلًا بالشعور بالغبن. صحيح أن كل طرف يسعى إلى أفضل شروط ممكنة، لكن الصفقة التي يشعر بعدها أحدهما بأنه استُغل قد تتم مرة واحدة ولا تتكرر. المفاوض الذكي لا يسأل فقط: كم ربحت؟ بل يسأل أيضًا: هل سيرغب الطرف الآخر في التعامل معي مجددًا؟ فالصفقة الجيدة تحفظ المصالح وتترك الباب مفتوحًا لعلاقة أطول. ومن حسن التعامل ألا تتغير أخلاق رجل الأعمال إذا لم تتم الصفقة. فقد لا يتفق الطرفان اليوم، لكنهما قد يلتقيان في فرصة أخرى غدًا. أما تجاهل الرسائل أو إظهار الضيق لمجرد أن الاتفاق لم يكتمل، فقد يغلق بابًا كان يمكن أن يُفتح لاحقًا. وتظهر شخصية رجل الأعمال بوضوح عند الخلاف. ففي أوقات النجاح يسهل إظهار الهدوء، لكن الأخلاق المهنية تُختبر عند تأخر المشروع، أو وقوع خسارة، أو تقصير موظف، أو اختلاف الشركاء. هنا يظهر الفرق بين الحزم والإهانة؛ فالحزم يعالج المشكلة ويحفظ مكانة الإنسان، أما الإهانة فتضيف إلى المشكلة مشكلة أخرى. يستطيع رجل الأعمال أن يرفض عرضًا، أو ينهي عقدًا، أو يتخذ قرارًا صعبًا من دون رفع صوته. ومن أكثر الأخطاء ضررًا توبيخ الموظف أمام زملائه أو العملاء. فإذا كان هناك خطأ يستحق التصحيح، فالأفضل مناقشته على انفراد، أما التقدير فيمكن أن يكون أمام الجميع. وقد ينسى الموظف مكافأة حصل عليها، لكنه يتذكر طويلًا مديرًا حفظ له مكانته في موقف صعب. وهنا يأتي الإتيكيت بوصفه تعبيرًا عن التقدير، لا مجموعة من المظاهر المتكلفة. فهو لا يقتصر على أناقة الملبس أو ترتيب الجلوس، بل يبدأ بأن يعرف رجل الأعمال أسماء ضيوفه وصفاتهم، ويقف لاستقبالهم، ويعرّف الحاضرين بعضهم إلى بعض، ويضع هاتفه جانبًا، ولا يقاطع المتحدث أو يحتكر الحوار. ومن اللباقة ألا يبدأ اللقاء بالحديث المباشر عن الصفقة، بل يترك مساحة قصيرة للترحيب والتعارف، ويختار مكانًا يناسب ضيوفه، ويراعي اختلاف الثقافات والعادات، ثم يشكرهم بعد اللقاء. وفي الاجتماعات، لا يترك الانطباع الأفضل من يتحدث أكثر، بل من يعرف متى يتكلم ومتى يستمع؛ فالإنصات الحقيقي قد يكشف فرصة لم تكن ظاهرة في العرض المكتوب. ولا تكتمل جودة التعامل من دون حفظ الأسرار. ففي مجالس الأعمال تناقش أوضاع مالية وخطط مستقبلية وخلافات داخلية. ومن ينقل هذه المعلومات ليبدو واسع الاطلاع قد يجذب الانتباه مؤقتًا، لكنه يفقد ثقة الناس تدريجيًا. فمن يتحدث أمامك عن أسرار غيرك، سيجعلك تتساءل: ماذا سيقول عني عندما أغادر؟ وعلى رجل الأعمال أن يختار من يمثله بعناية. فقد يكون هو لبقًا، لكن مديرًا متعاليًا أو مساعدًا سيئ الأسلوب يستطيع أن يهدم في دقائق صورة بُنيت خلال سنوات. فالناس ينسبون تصرف الموظف إلى المؤسسة وصاحبها، ولذلك يجب أن يصبح حسن التعامل ثقافة واضحة، لا سلوكًا يظهر في حضور المالك ويختفي في غيابه. ومع ذلك، فإن حسن التعامل لا يعني المجاملة على حساب المصلحة أو العدالة. فلا يصح توظيف شخص غير مؤهل إرضاءً لصديق، أو منح عقد لمن لا يستحقه، أو السكوت عن تقصير متكرر. يمكن الاعتذار عن طلب، ورفض وساطة، وإنهاء تعاون، من دون خصومة أو إساءة. فالوضوح المهذب أفضل من موافقة مؤقتة تنتهي بخلاف أكبر. ولعل من المفيد أن يراجع رجل الأعمال نفسه بعد كل لقاء مهم، فيسأل: هل كنت واضحًا؟ هل استمعت جيدًا؟ هل راعيت وقت الآخرين ومكانتهم؟ وهل سيشعرون بالارتياح إذا تعاملوا معي مرة أخرى حتى لو لم تتم الصفقة؟ هذه الأسئلة البسيطة قد تكشف ما لا يظهر في التقارير والأرقام. في النهاية، لا تُبنى السمعة بحملة إعلامية، بل بمواقف صغيرة تتكرر كل يوم: وعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموظف عومل بإنصاف، ومورد لم تُستغل حاجته، وضيف شعر بأن وقته محل تقدير. رجل الأعمال الناجح لا يسأل فقط: ماذا ربحت من هذه الصفقة؟ بل يسأل أيضًا: ما الانطباع الذي تركته بعد انتهائها؟ فالصفقة قد تضيف رقمًا إلى أرباح العام، أما الثقة فتضيف إلى اسمه قيمة لا تظهر في الميزانية، لكنها تفتح له أبوابًا قبل أن يطرقها. وفي عالم تتقارب فيه الأسعار والمنتجات، قد تصبح طريقة التعامل هي الميزة التي لا يستطيع المنافسون تقليدها بسهولة. وقد سمعت من والدي، أحمد حامد المرواني، رحمه الله، هذه الحكمة الشعبية: «تاخذ بالطيب من الناس اللي ما تقدر تاخذه بالقوة». وهي حكمة تختصر الكثير في عالم الأعمال؛ فما يُبنى بالاحترام يدوم، وما يُنتزع بالقوة قد يتحقق مرة، لكنه لا يصنع ثقة ولا علاقة طويلة.
4899
| 22 سبتمبر 2026
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز لوحدة شعوب دول مجلس التعاون، ولصِلات الأخوة التي تربطنا باليمن والعراق. وأنها قمة شعبية نتحاور فيها، خليجيًا، بلغة كرة القدم. ولعل دور الإعلام هو الدور الأهم في ترسيخ مفاهيم وحدة المصير والعيش المشترك، وسأناقشه في نقاط كالتالي: 1 - على الخطاب الإعلامي أن يكون رياضيًا مطلقًا، فالَّلعبُ أداءٌ يُـظْهِـرُ مدى تقدُّم كرة القدم في الدول المشاركة. ولذلك، ينبغي أن يرتكز التحليل الرياضي على تبيين الجوانب الفنية، وعوامل القوة والضعف، والحالات التي أخطأ فيها المدربون واللاعبون والحكام، بحيث يُستفاد من ذلك في زيادة الوعي الرياضي وتثقيف العقل الجمعي للناشئة والشباب. 2 - لا أحد يستطيع منع التعصب المعتدل في تشجيع الجماهير لفرقها الوطنية، إلا أن دور الصحافة ووسائل الإعلام لا ينبغي أن يُمارس بهذه الصورة، وإنما يكون الرافعة التي يُستند إليها في تهذيب النفوس، وتقوية الروح الرياضية، والتقريب بين الشعوب. والملاحظ في بعض صحافتنا الخليجية أنها تُقوّي النزعات التعصبية بعناوينها ومقالاتها الرنانة التي لا تخدم إلا زيادة توزيعها، لكنها تُسهم في إضعاف الروح الرياضية وتؤثر سلبًا في نفوس بعض قرائها. 3 - حبذا لو استثمر الإعلام البطولة في الدعاية للاستثمار، وتشجيع التجارة البينية، والسياحة من خلال مقالات تستخدم خطابًا بسيطًا يتحدث عن الدول المشاركة واقتصاداتها وقوانينها التشجيعية لغير مواطنيها، فهذا مجال يخدم ما تسعى إليه الشعوب وقياداتها الحكيمة في دول مجلس التعاون. 4 - ما أروع لو تبنّى الإعلاميون الخليجيون خطابًا مرافقًا للخطاب الرياضي، فيه دعوة للمشاركة في البنى الرياضية الأكاديمية في دولنا، وتشجيع الهيئات الرياضية الرسمية على إيفاد الشباب للدراسة فيها، كأسباير على سبيل المثال، لأن الدارسين هم القادة الرياضيون والمجتمعيون في بلادهم، وستكون دراستهم مجالًا لتمتين الروابط بين شعوبنا مستقبلًا. كلمة أخيرة: نتمنى لمنتخبنا الوطني والمنتخبات المشاركة التوفيق، وتقديم صورة مشرقة عن كرة القدم في بلداننا، تُسهم في استكمال الصورة الحضارية التي ترسمها الجماهير.
4278
| 23 سبتمبر 2026