رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
دعني أحيطك علما ياسيدي الرئيس أنني واحد من كتيبة ظلت تدافع بقلمها وفكرها عن دور سوريا القومي وفي صدارة قوى الممانعة في مواجهة دوائر ظلت تسعى باستمرار إلى تقزيم هذا الدور وإجهاض فعاليته لمصلحة الكيان الصهيوني وقد زرت دمشق مرتين في عهد الراحل والدك الرئيس حافظ الأسد في مطلع التسعينيات من القرن الفائت بصحبة الزميل أحمد علي رئيس تحرير صحيفة الراية وقتذاك وعدت إلى الدوحة محملا بعشق هذه المدينة وتاريخها وكان من حسن حظنا أننا كنا أول من حصل على مضمون الموقف الرسمي السوري تجاه الخوص في عملية السلام وفقا لمحددات مدريد بعد أن أجرينا سلسلة من اللقاءات مع كبار مسؤولي هذه الفترة بعضها كان للنشر وبعضها الآخر كان للفهم.
ودعني أحيطك علما يا سيدي الرئيس أن سوريا تسكن في عمق وجداني فهي كانت الإقليم الشمالي للجمهورية العربية المتحدة في الفترة من العام 1958 وحتى العام 1961 وهي الفترة التي شهدت إطلاق أول دولة وحدوية في التاريخ العربي المعاصر ولكنها تعرضت لمؤامرات الداخل والخارج فتم إسكات صوتها مبكرا ولم يكتب لها الاستمرار خوفا من تأثيراتها الإستراتيجية خاصة على صعيد إدارة الصراع مع الكيان الصهيوني وشخصيا ما زلت أحمل في أعماقي فيضا من المشاعر لهذه الفترة خاصة لهذا الشعب الذي حمل سيارة الزعيم الخالد جمال عبد الناصر أبان إحدى زياراته لـ" الشام " وهو الاسم الذي يطلق على دمشق
وخلال فترة عملي بالدوحة التي استمرت زهاء العشرين عاما كانت السفارة السورية واحدة من أهم السفارات التي أتعامل معها بأريحية سواء على الصعيد المهني أو الصعيد الإنساني كنت أرتبط بعلاقات وثيقة مع معظم القائمين بالأعمال والسفراء خلال هذه الفترة انطلاقا من محبتي للإقليم الشمالي للجمهورية العربية المتحدة.
ظللت في كتاباتي متبنيا مواقف سوريا الوطنية والقومية ولا أخفيك أنك عندما جئت رئيسا لم أعترض كثيرا في قرارة نفسي رغم أنك كنت أول من كرس نظرية التوريث في النظم الجمهورية فقد كنت على قناعة بأن سوريا في حاجة إلى استقرار يجنبها السقوط في براثن اضطرابات داخلية تؤثر على هذه المواقف في ظل قيادتها المواجهة مع الكيان الصهيوني والتي كانت تأخذ أشكالا غير مباشرة وبالذات في لبنان.
كان يهمني ويهم غيري من الغيورين على الدور السوري الممانع المحافظة على الجيش السوري حتى يمتلك القدرة على تحرير الجولان المحتلة منذ أكثر من أربعين عاما في الزمان الذي يراه مناسبا.
ولا أخفيك أنني تفاءلت بك كثيرا بعد أن تابعت تصريحاتك وخطاباتك عن الإصلاح والدخول في مرحلة مغايرة باتجاه بناء نسق جديد يقوم على احترام حقوق الإنسان وتطهير البلاد من الفساد وتحقيق شكل ديمقراطي يتناسب مع الخصوصية السورية التي أقدرها وكنت أتطلع مع غيري من المحبين لسوريا :الوطن والدور. إلى بلورة هذه الرؤى في خطوات عملية وهو ما تم على استحياء للأسف ولكن كنا نحاول أن نعثر على مبرر بأن حالة المواجهة المستمرة التي تعيشها سوريا مع الكيان تتطلب التحرك بتأن في هذا الاتجاه.
لكنني يا سيدي الرئيس فوجئت مثل غيري - بعد أكثر من عقد على توليك الموقع الأول في سوريا - أن الأمور تراوح مكانها ولا أدري ما سر ترددك في الإقدام على خطوات تعيد التوهج إلى الشام وبقية مدن الوطن على نحو يصبغ الوجوه بالابتسامات بدلا من الخوف والشعور بالقهر الذي تمارسه الأجهزة الأمنية صحيح أن سطوتها في عهدك تخففت بعض الشيء من وضعيتها خلال حكم والدك حافظ الأسد لكن قرارها ظل هو المهيمن على المشهد السوري.
لم تبادر يا سيدي مع صحوة الشعوب العربية إلى تبني وعودك أنت لتتجاوب مع مطالب الشعب السوري التي بدأت كغيرها بالدعوة إلى تحقيق الإصلاحات الداخلية والتخلي عن بعض رموز الحكم التي تمارس الفساد بكل تجلياته فضلا عن القهر باسمك
طالبوك فلم تستجب ومع تصاعد المطالب سارعت بإدخال الجيش في مواجهة مع الشعب وتلك أم الخطايا فهذا الجيش هو جيش الشعب ومهمته الأولى محددة بالدفاع عن الوطن وتحرير الأجزاء التي ما زالت محتلة من قبل الكيان، سوق أركان النظام وأنت شخصيا لمقولة الجماعات الإرهابية المسلحة ولكن حتى مع صحة هذا التسويق فإن مواجهة هذه الجماعات لا تكون بتصويب فوهات المدافع والدبابات وكل الأسلحة الحديثة- والتي كنت أظن أن النظام يجهزها للمواجهة المنتظرة مع العدو القابع على بعد أميال محدودة من دمشق- إلى صدور الشعب الأعزل. وإنما تكون ببضع قوات من الأمن الداخلي ولكن يبدو أن هذه المقولة لم تكن إلا محاولة للالتفاف على المطالب الشعبية المتصاعدة بتحقيق الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان وبناء الدولة الحديثة التي لا تقوم على القهر.
أطلقت العنان لجند الشام ليقتلوا ويذبحوا أشقاءهم وخرجوا في طوابير ممتدة لاقتحام المدن والبلدات على نحو يشبه ما يفعله جند العدو في فلسطين والجولان ولبنان في فترات سابقة.
لماذا يا سيدي تقدم على ارتكاب أم الخطايا كيف نصدق أن جيش الشام سيكون قادرا على مواجهة العدو بعد أن أنهكته في مواجهات مع شعبه بما في ذلك الأطفال وتلك سبة في جبينك ياسيدي؟ وهو ما يدفعني إلى القول : إن هذا الفعل بالذات يصب في مصلحة العدو بالدرجة الأولى والذي ضمن حياديته في أول مواجهة قادمة معه وكنا – أنا وغيري من عشاق الشام - نظنه بمثابة الاحتياطي الإستراتيجي العربي في معاركنا الفاصلة مع الكيان والتي ستأتي بالتأكيد يوما ما.
إنني أخشى يا سيدي على جيش الشام إن استمر عنادك في الاستجابة لمطالب شعبك والتي لم تعد تقف عند حدود الإصلاحات الجزئية التي تجاوزتها الهتافات والدماء المسفوكة والشهداء الذين عطرت أرواحهم الذكية طرقات المدن والبلدات والقرى السورية.
أخشى أن يتوافق المجتمع الدولي على ضرب هذا الجيش وهو ما سيحقق مصلحة الكيان الصيهوني والولايات المتحدة بالدرجة الأولى بحجة أنه مستمر في قتل المدنيين وفقا للنموذج الليبي والذي يبدو أنك ماض فيه عمدا مع سبق الإصرار فأنت تتعامل مع شعبك بمنطق معمر القذافي باعتباره يستحق الإعدام والقتل مقابل بقائك في السلطة بيد أن إرادة الشعوب باتت -وفي ضوء التجربة المصرية والتونسية والليبية- غير قابلة للاختراق حتى ولو طال أمد القهر والقتل فيها.
إن الحتمية التاريخية تقول إنه ليس بوسع الحكام فرض سطوتهم على الشعوب بمنطق القوة فهي قادرة على تقديم المزيد من الشهداء مقابل استعادة حقها في امتلاك مقدراتها وهو ما يبدو أنك لم تستوعبه بعد وأخشى أن تفعل ذلك بعد فوات الأوان مثلما فعل كل من زين العابدين بن علي وحسني مبارك وكلاهما تعامل مع إرادة شعبه بمنطق التعالي والجفاء وانتهاك الحقوق.
يا سيدي أسرع بقيادة ثورة ضد نظامك، انس مسألة الإصلاحات، قل لشعبك إنك أخطأت وإنك ترغب في إنهاء أوضاع قادت إلى قتل أبنائه، حاسب من أضلوك وضللوك وأبعدوك عن نبض الشعب فسكنت قمة عالية بينما شعبك يقبع في وديان القهر والصمت والأرض الجرز ( التي لا تنبت) تعاليت عليهم بعد أن ضخمك المحيطون بك وأدخلوك الدائرة الجهنمية التي يسكنها معك أشقاء وأصهار لك ونخبة من المستفيدين.
ياسيدي ثر أنت. تحرك باتجاه الجماهير الثائرة. اذهب إليها. عانقها. تبن مطالبها. قل لهم : إنك منهم. وإلا فاذهب قبل أن يجتاحك طوفانها مثلما فعلوا مع عقيد ليبيا ظل ينظر لشعبه باعتباره مجموعة من الجرزان ولكنه بعد ستة أشهر فحسب من عدم الفهم والتصديق أصبح جرزا لا يقدر على إبراز رأسه من جحره الذي لا يعلمه أحد.
السطر الأخير:
في آخر أيام الشهر
أدعوك يا الله
أن تتقبل مني صوما وقياما
ودعاء وجهته لمقامك الأعلى
أن تحمي أمتك الثكلى
المسكونة بقهر الحكام القتلة
المأجورين على سفك دماء عبادك
انصرهم يا الله
اهزم عدوهم يا جبار
كما هزمت من قبل فرعون وهامان
لا تذر في دنيانا من يقبض على سلطة دون عدل
لا تبقي من يحول دوننا والحرية
اخفض مقامه امنحه الذل
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
يفترض أن يشعر الموظف بالاطمئنان عندما يدخل المدقق الداخلي إلى إدارته؛ فهو لا يأتي لإدانة أحد، بل للتأكد من سلامة الإجراءات، وحماية المؤسسة من المخاطر، ومساعدة المسؤولين على اكتشاف الخلل وتصحيحه قبل أن يتحول إلى أزمة. لكن هذا الاطمئنان يتبدل إلى خوف عندما يفقد التدقيق استقلاله، ويتحول من عين تحمي المؤسسة إلى عصا غليظة في يد الرئيس التنفيذي، يلوّح بها في وجه مَن لا يرتاح إليهم. لا يحدث ذلك عادة بقرار معلن، بل يبدأ بهدوء؛ إدارة تخضع لعمليات تدقيق متكررة، بينما تبقى إدارات أخرى بعيدة عن خططه، وملاحظة بسيطة تُضخّم هنا، في حين تمر ملاحظات أكبر هناك، وملفات قديمة تُفتح فجأة، وأسئلة توحي بأن الحكم قد صدر قبل بدء التدقيق. عندها لا تعود المشكلة في وجوده، بل في اختيار مَن يُدقَّق عليه، ومتى، ولماذا، وكيف تُفسر الوقائع وتُعرض النتائج. يحتاج الرئيس التنفيذي إلى تدقيق داخلي قوي؛ لأنه يساعده على رؤية ما قد لا يصل إليه عبر التقارير الإدارية. لكنه لا ينبغي أن يمتلك سلطة توجيهه نحو أشخاص بعينهم، أو إبعاده عن آخرين، أو التأثير في صياغة ملاحظاته. فعندما يختار مَن يخضع للتدقيق، ويتابع تفاصيله، ثم يستخدم نتائجه في قراراته تجاه الموظفين، تختلط الإدارة بالرقابة، وتضيع المسافة التي تمنح التدقيق صدقيته. وقد لا يحتاج الرئيس التنفيذي إلى إصدار توجيه صريح؛ فمدير التدقيق قد يقرأ ميوله، ويدرك مَن ينسجم معهم ومَن لا يرتاح إلى آرائهم، ثم يوجه التدقيق نحو الطرف غير المرغوب فيه، وينتقي من الوقائع ما ينسجم مع توجه الرئيس، أملاً في كسب ثقته وتعزيز موقعه. وهنا لا يعود مدير التدقيق خاضعاً للتأثير فحسب، بل يصبح شريكاً في صناعة الصورة التي يرغب الرئيس التنفيذي في رؤيتها. وكلما قدّم تقريراً يضعف شخصاً لا يرتاح إليه الرئيس، ازداد قرباً ونفوذاً، حتى تصبح قوته مستمدة من رضا الرئيس، لا من استقلاله المهني أو ثقة لجنة التدقيق. وقد يبدأ بقياس أهميته بقدرته على العثور على الملاحظات التي يريدها الرئيس التنفيذي، لا بقدرته على تقديم الحقيقة المتوازنة، فتختلط المصلحة الشخصية بالمسؤولية المهنية، ويصبح التدقيق وسيلة يستخدمها مدير التدقيق لتعزيز موقعه وإثبات ولائه. فأخطر مدير للتدقيق ليس مَن يستجيب للضغط فقط، بل مَن يسبقه، ويتوقع رغبة صاحب السلطة، ثم يستخدم صلاحياته لتحقيقها. ويكفي أن يعرف الموظف أن اختلافه مع الرئيس التنفيذي قد يعقبه تدقيق مفاجئ، أو فتح ملفات قديمة، أو تضخيم هفوة صغيرة، حتى يفهم الرسالة من دون أن ينطق بها أحد: الصمت أكثر أماناً من إبداء الرأي، والموافقة أقل كلفة من الاعتراض. ولا يتوقف الخطر عند اختيار مَن يخضع للتدقيق، بل يمتد إلى قراءة الوقائع وعرضها. فالمعلومة الواحدة قد تُكتب بوصفها ملاحظة إجرائية قابلة للتصحيح، وقد تظهر، إذا أُخرجت من سياقها، كمخالفة جسيمة. وربما يُهمَل ما يبرر القرار، أو تُقتطع مراسلة من سياقها، أو تُستخدم عبارات لا تتناسب مع حجم الملاحظة، فيبدو الخطأ البسيط كأنه تقصير متعمد. وهنا يصبح التقرير أداة لصناعة الانطباع، لا لكشف الحقيقة. فليس ضرورياً أن يتضمن معلومة كاذبة حتى يكون ظالماً؛ قد تكون وقائعه صحيحة، لكن ترتيبها، وانتقاء بعضها وإهمال الآخر، والمبالغة في تفسيرها، قد تصنع صورة مختلفة عن الواقع. فالحقيقة لا تُشوَّه بالكذب وحده، بل عندما يُقال جزء منها ويُحجب ما يفسرها. ومن أخطر صور ذلك استخدام لغة غير متوازنة؛ فيُوصف الخطأ غير المقصود بأنه «تجاوز»، والاجتهاد الإداري بأنه «مخالفة»، والاختلاف في التقدير بأنه «عدم تعاون». ثم تتحول الملاحظة الصغيرة إلى قضية تمس كفاءة الموظف ونزاهته وسمعته المهنية. ولا يقع الضرر على الموظف المستهدف وحده، بل يمتد إلى المؤسسة. فعندما يرى الموظفون زميلاً كفؤاً تُفتح ملفاته لأنه اختلف مع الرئيس التنفيذي، يتعلمون أن السلامة ليست في الالتزام بالنظام، بل في تجنب الاختلاف. ويصبح الولاء للشخص أهم من الولاء للمؤسسة، وتختفي المبادرة، وتصمت أصوات كان يمكن أن تنبه إلى أخطاء حقيقية. وهنا تظهر مسؤولية المدقق الداخلي. فالمهنية لا تعني تنفيذ كل ما يُطلب منه بلا سؤال. عليه أن يسأل: هل تستند المهمة إلى تقييم موضوعي للمخاطر؟ هل تُطبق المعايير نفسها على الجميع؟ هل نحاول اكتشاف الحقيقة، أم نبحث عن أدلة تؤيد حكماً اتُّخذ مسبقاً؟ إن استقلال المدقق يُختبر عندما يستطيع القول إن الوقائع لا تبرر الاستهداف، أو إن الخلل مؤسسي ولا يتحمله شخص واحد. والتدقيق العادل لا يبحث عما يدين الموظف، بل عما يفسر الواقعة كاملة. يستمع إلى جميع الأطراف، ويفرق بين الخطأ الفردي والخلل المؤسسي، وبين سوء النية وضعف الإجراء، ويوازن بين الملاحظة وأثرها. فالتقرير المهني لا يضخّم ليرضي مَن طلب التدقيق، ولا يخفف لحماية صاحب النفوذ؛ بل يضع الحقيقة كما هي، لا أكبر ولا أصغر. لكن مطالبة المدقق بالشجاعة لا تكفي؛ فالشجاعة الفردية تحتاج إلى نظام يحميها. ومن الصعب أن يكون المدقق مستقلاً إذا كان الرئيس التنفيذي يستطيع التأثير في تعيينه وتقييمه ومكافآته وميزانيته ومستقبله. ولهذا لا تكون الاستقلالية شعاراً، بل ترتيبات واضحة تجعل الارتباط الوظيفي لمدير التدقيق الداخلي بلجنة التدقيق المنبثقة عن مجلس الإدارة. فهي التي تعتمد ميثاقه وخطته وموارده، وتتابع أداءه، وتحمي وصوله إلى المجلس، وتلتقي به بعيداً عن الإدارة التنفيذية. ولا يعني ذلك عزل التدقيق عن الرئيس التنفيذي؛ فالتعاون بينهما ضروري، لكن التعاون شيء والتبعية شيء آخر. للرئيس التنفيذي أن يطلب فحص خطر أو ملاحظة، لكن لا ينبغي له تحديد النتيجة، أو تقييد نطاق التدقيق، أو منع وصول التقرير إلى لجنة التدقيق، أو تحويله إلى أداة لمعاقبة مَن يختلفون معه. كما يجب ألا تبدأ خطط التدقيق بالأسماء، بل بالمخاطر، وأن تكون هناك معايير واضحة لاختيار مهامه، وحق عادل للجهة الخاضعة له في تقديم ردها وأدلتها، ومراجعة مستقلة لجودة عمله. فمَن يراجع الآخرين يجب أن يكون مستعداً لأن تُراجع منهجيته وأحكامه أيضاً. إن التدقيق القوي قد يكشف أخطاء مؤلمة، لكنه يفعل ذلك بعدالة. أما استخدامه لتخويف الموظفين، فقد ينجح في إسكات الأصوات، لكنه يفشل في حماية المؤسسة. وربما يمنح الرئيس التنفيذي شعوراً مؤقتاً بالسيطرة، ومدير التدقيق نفوذاً مؤقتاً، لكنه يترك ثقافة خائفة وموظفين يتجنبون قول الحقيقة. التدقيق الداخلي لم يُنشأ ليكون سيفاً في يد الإدارة، ولا سلماً يصعد به مديره نحو مزيد من النفوذ، بل ضميراً مهنياً للمؤسسة. والضمير لا يختار مَن يحاسبه بناءً على القرب أو الخصومة، ولا يغيّر صوته بحسب قوة الأشخاص. فأخطر ما يصيب التدقيق ليس أن يفشل في اكتشاف الأخطاء، بل أن يتحول إلى أداة لتخويف الموظفين، ولَيِّ الحقائق، وتضخيم الهفوات، وإسكات الحقيقة.
10593
| 06 سبتمبر 2026
ليس المطلوب أن نضع الحكم الوطني في منطقةٍ محرَّمة لا يجوز الاقتراب منها بالنقد، كما أن المطلوب، في المقابل، ألا يتحول الخطأ في قرارٍ تحكيمي إلى مبررٍ للنيل من الحكم أو التشكيك في قدراته ومكانته. وبين الموقفين مساحةٌ واسعة من الإنصاف، هي التي نحتاج إليها حين نتحدث عن حكامنا الوطنيين. الحكم جزءٌ من منظومة كرة القدم، يخطئ ويصيب، ويخضع قراره للتقييم كما يخضع اللاعب والمدرب والإداري. لكن الفارق أن تقييم القرار ينبغي ألا يتحول إلى محاكمة للشخص، خصوصًا حين يكون الحديث عن حكامٍ وصلوا إلى مستويات متقدمة، وأثبتوا حضورهم في البطولات الخليجية والقارية والدولية. وجود تقنية الـVAR منح المنظومة التحكيمية أدواتٍ أكثر دقة للمراجعة والتدقيق، لكنه لم يُلغِ الاجتهاد البشري، ولم يجعل القرار التحكيمي آليًا. فما زالت هناك قراءة للواقعة، وتقدير للحالة، وفهمٌ للقانون، ثم قرارٌ يتحمل الحكم مسؤوليته. ولذلك فإن حماية الحكم نفسيًا لا تعني إعفاءه من المسؤولية، وإنما تعني أن نختلف معه دون أن نهدم ثقته بنفسه. وهنا تأتي مسؤولية الإعلام والأندية والإداريين. من حق النادي أن يحتج، ومن حق الإعلام أن ينتقد، لكن من واجب الجميع أن يضعوا النقد في إطاره الصحيح، وأن تكون القنوات الرسمية هي الطريق الطبيعي للاعتراض، لا التصريحات التي تُقال تحت تأثير الانفعال. وفي تقديري، فإن النقد المقبول هو الذي يناقش القرار التحكيمي ويبيّن الخطأ وأسبابه، أما حين يتجاوز النقد القرار إلى التشكيك في الحكم وقدراته ومكانته، فإنه يفقد قيمته ويتحول من نقدٍ للقرار إلى إساءةٍ للشخص. وأرى أن مشروع الحكم الوطني لا يمكن أن يتطور من دون بيئة تمنحه الثقة، وفي الوقت نفسه لا تعفيه من النقد والمساءلة. فهو يحتاج إلى دعمٍ مستمر، وإلى نقدٍ يطوّر ولا يهدم، وإلى لجنة حكامٍ تؤكد ثقتها في حكامها وتدافع عن حقهم في الاحترام. نحن لا نطالب بأن يكون الحكم فوق النقد، بل نطالب بأن يكون النقد بحجم الخطأ، وأن تبقى كرامة الحكم محفوظة. فحكامنا الوطنيون ليسوا خصومًا لأنديتنا، بل شركاء في نجاح كرتنا، والاختلاف معهم لا ينبغي أن يجرّدهم من حقهم في الاعتزاز بما حققوه، ولا نحن من حقنا أن نتخلى عن الاعتزاز بهم.
3666
| 10 سبتمبر 2026
لم تعد أزمة مضيق هرمز حدثاً سياسياً أو عسكرياً بعيداً عن حياة الناس، فقد امتد أثرها إلى حركة السفن وتكاليف الشحن والتأمين وسرعة وصول البضائع إلى دول المنطقة. ومع استمرار الاضطراب، ارتفعت أسعار بعض السلع، وقد يمتد الارتفاع إلى سلع أخرى إذا طالت الأزمة. وجانب من هذا الغلاء له أسباب حقيقية، فعبور السفن في منطقة عالية المخاطر يرفع أقساط التأمين، وقد يدفع شركات الشحن إلى فرض رسوم إضافية. كما أن تأخر وصول البضائع يزيد تكاليف التخزين والتمويل، وقد يضطر المستورد إلى استخدام طريق أطول أو وسيلة نقل أكثر كلفة حتى يحافظ على توافر السلعة. لكن ارتفاع هذه التكاليف لا يعني أن تصبح أزمة هرمز مبرراً مفتوحاً لزيادة أسعار جميع السلع وبأي نسبة. فليست كل السلع تمر بالطريق نفسه، ولا تمثل كلفة الشحن النسبة ذاتها من سعر كل سلعة. كما أن بعض البضائع المعروضة حالياً وصلت إلى قطر قبل ارتفاع تكاليف النقل والتأمين. ومن هنا يظهر ما يمكن تسميته «غلاء هرمز»، أي الزيادة التي فرضتها الأزمة فعلاً. غير أن هناك فرقاً بين هذه الزيادة الحقيقية وبين استغلال الظروف لرفع الأسعار بما يتجاوز ارتفاع التكلفة. فقد يسارع بعض التجار إلى رفع الأسعار بنسب تتجاوز الزيادة الفعلية أو المتوقعة في تكلفة استبدال المخزون، أو يرفعون أسعار سلع لم تتأثر مباشرة، مستفيدين من توقع المستهلك أن كل شيء سيصبح أغلى. ولا يعني ذلك اتهام التجار والمستوردين عموماً؛ فكثير منهم يواجهون ظروفاً صعبة ويحاولون المحافظة على تدفق البضائع رغم ارتفاع المخاطر. لكن حماية التاجر الجاد لا تتعارض مع مساءلة من يستغل الأزمة لتوسيع هامش ربحه. والفاصل بين الحالتين هو قدرة التاجر على إثبات مقدار الزيادة التي تحملها فعلاً. وقد تحركت الجهات المختصة في قطر مبكراً لمواجهة آثار الأزمة. فدعت غرفة قطر، بالتعاون مع الهيئة العامة للجمارك، شركات الشحن والنقل إلى استخدام المسار البري عبر المملكة العربية السعودية ونظام النقل الدولي البري «TIR»، مع تخصيص مسار سريع وتسريع التخليص من خلال نظام النديب الإلكتروني. وفي الوقت نفسه، كثفت وزارة التجارة والصناعة رقابتها على الأسواق، فنفذت بين 28 فبراير و22 مارس 2026 نحو 50 ألف جولة تفتيشية طارئة، وضبطت منشآت مخالفة وأغلقت منشأتين، في رسالة واضحة بأن ارتفاع التكلفة لا يمنح أحداً الحق في استغلال الأزمة. كما تمتلك قطر قاعدة بيانات للأسعار، بعد إلزام المنشآت التجارية والصناعية بتسجيل أسعار السلع والخدمات وتحديثها إلكترونياً. وهناك أيضاً سلع وخدمات لا يجوز رفع أسعارها من دون موافقة الجهة المختصة. وبذلك تتوافر أدوات لمقارنة الأسعار قبل الأزمة وبعدها، وربط أي زيادة بفواتير الاستيراد والشحن والتأمين. إلا أن استمرار الأزمة يتطلب البناء على هذه الإجراءات، والانتقال من الاستجابة العاجلة إلى خطة أطول مدى. وينبغي أن تسير هذه الخطة في اتجاهين متوازيين: منع استغلال الأزمة داخل السوق، وخفض تكلفة وصول البضائع إلى قطر عبر الطرق البديلة. ففتح الطريق البري خطوة مهمة، لكن نجاحه لا يقاس بوصول البضاعة فقط، بل بالتكلفة التي تصل بها. فإذا كانت كلفة الطريق البديل مرتفعة جداً، فسيدفع المستهلك ثمنها في النهاية. لذلك من المهم مقارنة تكاليف الاستيراد عبر المسارات المختلفة، واختيار الطريق الأنسب لكل نوع من السلع. ومن المهم أيضاً منح الأولوية في النقل والتخليص للغذاء والدواء والسلع الأساسية، وتقليل فترات انتظار الشاحنات عند المنافذ؛ لأن كل يوم إضافي يرفع تكاليف النقل والتبريد والتخزين. ويمكن دراسة تخفيف بعض الرسوم مؤقتاً، متى ثبت أن ذلك سينعكس على السعر النهائي، لا أن يتحول إلى زيادة في هامش الربح. أما داخل السوق، فينبغي أن تركز الرقابة على العلاقة بين ارتفاع التكلفة وارتفاع سعر البيع. فإذا أثبت المستورد أن تكلفة وصول سلعة معينة ارتفعت بنسبة محددة، فمن الطبيعي أن ينعكس جزء من ذلك على سعرها. أما إذا ارتفع السعر بنسبة أكبر كثيراً، فمن حق الجهة الرقابية أن تطلب تفسير الفارق. وفي المقابل، يجب الحذر من تثبيت جميع الأسعار بصورة جامدة؛ لأن إجبار المستورد على البيع بأقل من تكلفته قد يدفعه إلى تقليل الاستيراد، فتتحول مشكلة الغلاء إلى نقص في السلع. فالرقابة الناجحة تقبل الزيادة المبررة، وتكبح الزيادة التي تستغل الأزمة، وتحافظ في الوقت نفسه على استمرار الإمدادات. لقد أثبتت قطر في أزمات سابقة قدرتها على تنويع مصادر الاستيراد وبناء مخزون إستراتيجي والمحافظة على استقرار الأسواق. والمطلوب اليوم هو تطوير الإجراءات الحالية إلى خطة مستمرة لطرق استيراد بديلة ذات تكلفة مقبولة، مع رقابة تمنع استخدام اسم هرمز لفرض زيادات لا تبررها الأرقام. إن مواجهة «غلاء هرمز» تقوم على مسارين لا ينفصلان: تسهيل وصول البضائع إلى قطر بأقل تكلفة ممكنة، ومنع تضخيم هذه التكلفة عندما تنتقل إلى المستهلك. وبهذا التوازن يمكن حماية المستهلك، ومساندة التاجر الجاد، والمحافظة على استقرار السوق في وقت واحد.
3114
| 13 سبتمبر 2026