رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في محاولة لإلقاء الضوء على العقلية التي تدير السياسات والقرارات العسكرية في الإدارات الأمريكية، أحاول أن اقتطف بعض الفقرات ذات الدلالات والمرتبطة بالمقال، حيث يقول الصحفي والكاتب الأمريكي (كريغ ويتلوك) في كتابه أوراق أفغانستان (تاريخ سري للحرب): إن الرواية الرسمية التي قدمت للشعب الامريكي عن الحرب في أفغانستان كانت كاذبة أو أنها على أفضل تقدير منمقة.
يسرد مؤلف الكتاب الأحداث الكثيرة والكبيرة في حرب أفغانستان بشيء من التفصيل لكل الحوادث التي وقعت هناك، وكيف أن الإدارات الامريكية كانت تحاول وبشتى الطرق إخفاء الحقائق والمأزق الذي تعيشه فيقول: بعد سنوات أدلى كثير من الموظفين الذين أدوا أدوارا مهمة في الحرب، بشهادات سرية اطلقوا فيها أحكاما قاسية على عملية اتخاذ القرار، واعترفوا أن واشنطن عانت لتحديد ما كانت تأمل إنجازه (في بلد لم يكن يفهمه) معظم موظفي الولايات المتحدة الذين خدموا في أفغانستان، ويسرد الصحفي الفساد الذي كانت تغض الطرف عنه الإدارات الأمريكية في حكومة أفغانستان التي جاءت بها لتحكم الشعب الأفغاني، وكيف أن ما يقال في العلن من إيجابيات حول التزام الحكومة الأفغانية آنذاك بالأمانة والنزاهة، لا علاقة له بواقع الفساد فيها، وكذلك السلبيات والفوضى التي شابت العمل العسكري في أفغانستان حينها، وهذا يعني أن ما يكون في صالحهم، ويمرر مصالحهم فهو أمر محمود ويغض الطرف عنه، أما غير ذلك فهو أمر منبوذ ويدعو الى الانتقام منه لأنه لا يتماشى مع أهدافهم الاستراتيجية!!! وأن المصداقية بشأن الأوضاع الميدانية لم تكن الهاجس الرئيس لدى القيادات بقدر ما كان التركيز على الصورة الوردية التي كانوا يمنون النفس بها لعدم إثارة الناس.
وللتوضيح يعرج الصحفي الى لقاء رئيس هيئة الأركان المشتركة مع احدى محطات التلفزة والذي قال:" لقد حققنا تقدما كبيرا، فمن الناحية الاستراتيجية يبدو أن الأمر سار بالفعل وفق ما كنا نأمل" ويعقب الصحفي بقوله: إلا أن هذا الكلام المطمئن المتفائل كان يغطي الحقيقة، فاستراتيجية الإدارة الأمريكية آنذاك آخذة في الاخفاق على الرغم من الاستثمارات الهائلة.
ويستمر الصحفي في إلقاء الضوء على الإخفاقات التي حصلت في أفغانستان والمحاولات المستميتة للإدارات الأمريكية في التغطية على تلك الإخفاقات ويقول: طلب المشرعون من مدير الاستخبارات القومية آنذاك تفسير تبني الوكالات الاستخبارية تلك النظرة السلبية في وقت يبدو فيه القادة العسكريون في غاية التفاؤل، أجاب بأن هذا الفصام نفسه نشأ في اثناء حرب فيتنام عندما كان مسؤولو الاستخبارات يعلمون أن الجيش الأمريكي قد علق في مستنقع، ولم يُرِد الجنرالات الاعتراف بذلك علنا، ويمضي الصحفي في ذكر الحقائق والوقائع الى أن يصل الى مرحلة الولاية الأولى للرئيس ترامب الذي القى فيه أولى خطاباته العسكرية في قاعة كونمي ومن بين ما قاله في ذلك الخطاب عن أفغانستان:" سوف نقتل الإرهابيين، وسوف يقاتل جنودنا لينتصروا، سوف نقاتل لننتصر، ومن الآن فصاعدا سوف يكون للنصر تعريف واضح وصريح ". ويوضح الصحفي أن حالة الانتصار الوهمي الذي كان يعيشه ترامب ما هي الا جزء من السلسلة الإيهامية التي سارت عليها الإدارات الأمريكية، ورغم أن البنتاغون منح ترامب صلاحيات جمة في استخدام القوة المفرطة ومنها القنابل، حيث يشير الى أن القوات الجوية القت قنبلة تزن 21600 طن وهي أكبر قنبلة استخدمت في حرب أفغانستان على الإطلاق، كان الاسم الرسمي الذي أطلقه البنتاغون على هذا السلاح هو “ذخيرة الهجوم الجوي الهائل"، لكن الجنود أطلقوا عليها لقب "أم القنابل".
وصف ترامب بفخر الغارة بأنها مهمة أخرى ناجحة، وصرح مدى حسن إشرافه على الحرب مقارنة بالإدارات الأخرى وقال: إذا نظرتم الى ما حصل على مدار الأسابيع الثمانية الماضية وقارنتموه حقا بما كان يحدث خلال الأعوام الثمانية السابقة فسوف ترون أن ثمة فارقا هائلا.
الا أن هذا الانتصار الذي كان يبحث عنه ترامب لم يحصل وفي هذا الصدد يقول كريغ ويتلوك: ورغم وعود ترامب العلنية بتحقيق نصر صريح، فقد أمر الرئيس وزارة الخارجية والبنتاغون بالانخراط في مفاوضات مباشرة وجها لوجه مع طالبان والعثور على طريقة لإخراج القوات الأمريكية من أفغانستان من "دون أن يبدو الأمر كأنه هزيمة مذلة".
خلاصة القول إن الجعجعة الأمريكية بكل ما فيها من مبالغات وتهديد ووعيد ما هي إلا دليل على أن في الأمر " خفايا لا يستطيعون البوح بها لأنهم في مستنقع لا يستطيعون الخروج منه، وهذا هو واقع الحال الذي تعيشه المنطقة مع أمريكا وحليفتها الصهيونية، ونحن الآن ندفع ثمن هذه السياسات المتهورة غير المبنية على استراتيجيات واقعية، وإنما كانت أوهاما وردية خيالية أراد صاحبها أن يصبح بطلا يشار اليه بالبنان، الا انه سقط سقطة مدوية وغاص في الوحل، وبغض النظر عن ما تقوم به أمريكا الآن من تصرفات سواء بالقصف أو التهديد والوعيد أو بالحصار الاقتصادي فما هي إلا محاولات لإيجاد مخرج يحفظ لها ماء الوجه "من دون أن يبدو الأمر كأنه هزيمة مذلة" كما قال الصحفي. وهذا ما حدث في الحرب على فيتنام الذي أدى الى انسحاب القوات الأمريكية بصورة فيها الكثير من المهانة وربما مشهد المروحية على مبنى المخصص لموظفي الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية ومحطة وكالة المخابرات الأمريكية CIA وهي تجلي الجنود الأمريكيين، يوثق الوضع والحالة التي كانت عليها القوات الأمريكية، والمشهد نفسه تكرر في أفغانستان، وكذلك الحرب الكورية والتي انتهت بهدنة عسكرية وتقسيم شبه الجزيرة، وحرب أو غزو خليج الخنازير والتي كانت من أهدافها اسقاط الرئيس الكوبي كاسترو، والتي أدت الى استسلام الجنود الأمريكيين للقوات الكوبية. وما اشبه اليوم بالبارحة، فللحقيقة وجه آخر لا يراد لها الظهور، لأن خروجها الى العلن في وقتها يكسر هيبة الدولة العظمى والقوة التي لا تهزم.
شرف لا ندعيه
لن يتوقف الصهاينة عن التهديد والوعيد لكل من يخالفهم أو يرفض سلوكهم العدواني الفاشي الإجرامي أو يحاول فضح... اقرأ المزيد
372
| 15 أغسطس 2026
هل ندرك الخطر؟
الخليج يعيش أصعب مراحله السياسية والاقتصادية نظراً للظروف التي فُرضت عليه من قِبَل أمريكا والكيان الصهيوني المحتل، هذا... اقرأ المزيد
315
| 08 أغسطس 2026
هزلت..!
ما يجري في هذا العالم من متناقضات ينبئ بأمور كارثية تؤدي إلى نفق مظلم لا يمكن الخروج منه... اقرأ المزيد
387
| 01 أغسطس 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
يفترض أن يشعر الموظف بالاطمئنان عندما يدخل المدقق الداخلي إلى إدارته؛ فهو لا يأتي لإدانة أحد، بل للتأكد من سلامة الإجراءات، وحماية المؤسسة من المخاطر، ومساعدة المسؤولين على اكتشاف الخلل وتصحيحه قبل أن يتحول إلى أزمة. لكن هذا الاطمئنان يتبدل إلى خوف عندما يفقد التدقيق استقلاله، ويتحول من عين تحمي المؤسسة إلى عصا غليظة في يد الرئيس التنفيذي، يلوّح بها في وجه مَن لا يرتاح إليهم. لا يحدث ذلك عادة بقرار معلن، بل يبدأ بهدوء؛ إدارة تخضع لعمليات تدقيق متكررة، بينما تبقى إدارات أخرى بعيدة عن خططه، وملاحظة بسيطة تُضخّم هنا، في حين تمر ملاحظات أكبر هناك، وملفات قديمة تُفتح فجأة، وأسئلة توحي بأن الحكم قد صدر قبل بدء التدقيق. عندها لا تعود المشكلة في وجوده، بل في اختيار مَن يُدقَّق عليه، ومتى، ولماذا، وكيف تُفسر الوقائع وتُعرض النتائج. يحتاج الرئيس التنفيذي إلى تدقيق داخلي قوي؛ لأنه يساعده على رؤية ما قد لا يصل إليه عبر التقارير الإدارية. لكنه لا ينبغي أن يمتلك سلطة توجيهه نحو أشخاص بعينهم، أو إبعاده عن آخرين، أو التأثير في صياغة ملاحظاته. فعندما يختار مَن يخضع للتدقيق، ويتابع تفاصيله، ثم يستخدم نتائجه في قراراته تجاه الموظفين، تختلط الإدارة بالرقابة، وتضيع المسافة التي تمنح التدقيق صدقيته. وقد لا يحتاج الرئيس التنفيذي إلى إصدار توجيه صريح؛ فمدير التدقيق قد يقرأ ميوله، ويدرك مَن ينسجم معهم ومَن لا يرتاح إلى آرائهم، ثم يوجه التدقيق نحو الطرف غير المرغوب فيه، وينتقي من الوقائع ما ينسجم مع توجه الرئيس، أملاً في كسب ثقته وتعزيز موقعه. وهنا لا يعود مدير التدقيق خاضعاً للتأثير فحسب، بل يصبح شريكاً في صناعة الصورة التي يرغب الرئيس التنفيذي في رؤيتها. وكلما قدّم تقريراً يضعف شخصاً لا يرتاح إليه الرئيس، ازداد قرباً ونفوذاً، حتى تصبح قوته مستمدة من رضا الرئيس، لا من استقلاله المهني أو ثقة لجنة التدقيق. وقد يبدأ بقياس أهميته بقدرته على العثور على الملاحظات التي يريدها الرئيس التنفيذي، لا بقدرته على تقديم الحقيقة المتوازنة، فتختلط المصلحة الشخصية بالمسؤولية المهنية، ويصبح التدقيق وسيلة يستخدمها مدير التدقيق لتعزيز موقعه وإثبات ولائه. فأخطر مدير للتدقيق ليس مَن يستجيب للضغط فقط، بل مَن يسبقه، ويتوقع رغبة صاحب السلطة، ثم يستخدم صلاحياته لتحقيقها. ويكفي أن يعرف الموظف أن اختلافه مع الرئيس التنفيذي قد يعقبه تدقيق مفاجئ، أو فتح ملفات قديمة، أو تضخيم هفوة صغيرة، حتى يفهم الرسالة من دون أن ينطق بها أحد: الصمت أكثر أماناً من إبداء الرأي، والموافقة أقل كلفة من الاعتراض. ولا يتوقف الخطر عند اختيار مَن يخضع للتدقيق، بل يمتد إلى قراءة الوقائع وعرضها. فالمعلومة الواحدة قد تُكتب بوصفها ملاحظة إجرائية قابلة للتصحيح، وقد تظهر، إذا أُخرجت من سياقها، كمخالفة جسيمة. وربما يُهمَل ما يبرر القرار، أو تُقتطع مراسلة من سياقها، أو تُستخدم عبارات لا تتناسب مع حجم الملاحظة، فيبدو الخطأ البسيط كأنه تقصير متعمد. وهنا يصبح التقرير أداة لصناعة الانطباع، لا لكشف الحقيقة. فليس ضرورياً أن يتضمن معلومة كاذبة حتى يكون ظالماً؛ قد تكون وقائعه صحيحة، لكن ترتيبها، وانتقاء بعضها وإهمال الآخر، والمبالغة في تفسيرها، قد تصنع صورة مختلفة عن الواقع. فالحقيقة لا تُشوَّه بالكذب وحده، بل عندما يُقال جزء منها ويُحجب ما يفسرها. ومن أخطر صور ذلك استخدام لغة غير متوازنة؛ فيُوصف الخطأ غير المقصود بأنه «تجاوز»، والاجتهاد الإداري بأنه «مخالفة»، والاختلاف في التقدير بأنه «عدم تعاون». ثم تتحول الملاحظة الصغيرة إلى قضية تمس كفاءة الموظف ونزاهته وسمعته المهنية. ولا يقع الضرر على الموظف المستهدف وحده، بل يمتد إلى المؤسسة. فعندما يرى الموظفون زميلاً كفؤاً تُفتح ملفاته لأنه اختلف مع الرئيس التنفيذي، يتعلمون أن السلامة ليست في الالتزام بالنظام، بل في تجنب الاختلاف. ويصبح الولاء للشخص أهم من الولاء للمؤسسة، وتختفي المبادرة، وتصمت أصوات كان يمكن أن تنبه إلى أخطاء حقيقية. وهنا تظهر مسؤولية المدقق الداخلي. فالمهنية لا تعني تنفيذ كل ما يُطلب منه بلا سؤال. عليه أن يسأل: هل تستند المهمة إلى تقييم موضوعي للمخاطر؟ هل تُطبق المعايير نفسها على الجميع؟ هل نحاول اكتشاف الحقيقة، أم نبحث عن أدلة تؤيد حكماً اتُّخذ مسبقاً؟ إن استقلال المدقق يُختبر عندما يستطيع القول إن الوقائع لا تبرر الاستهداف، أو إن الخلل مؤسسي ولا يتحمله شخص واحد. والتدقيق العادل لا يبحث عما يدين الموظف، بل عما يفسر الواقعة كاملة. يستمع إلى جميع الأطراف، ويفرق بين الخطأ الفردي والخلل المؤسسي، وبين سوء النية وضعف الإجراء، ويوازن بين الملاحظة وأثرها. فالتقرير المهني لا يضخّم ليرضي مَن طلب التدقيق، ولا يخفف لحماية صاحب النفوذ؛ بل يضع الحقيقة كما هي، لا أكبر ولا أصغر. لكن مطالبة المدقق بالشجاعة لا تكفي؛ فالشجاعة الفردية تحتاج إلى نظام يحميها. ومن الصعب أن يكون المدقق مستقلاً إذا كان الرئيس التنفيذي يستطيع التأثير في تعيينه وتقييمه ومكافآته وميزانيته ومستقبله. ولهذا لا تكون الاستقلالية شعاراً، بل ترتيبات واضحة تجعل الارتباط الوظيفي لمدير التدقيق الداخلي بلجنة التدقيق المنبثقة عن مجلس الإدارة. فهي التي تعتمد ميثاقه وخطته وموارده، وتتابع أداءه، وتحمي وصوله إلى المجلس، وتلتقي به بعيداً عن الإدارة التنفيذية. ولا يعني ذلك عزل التدقيق عن الرئيس التنفيذي؛ فالتعاون بينهما ضروري، لكن التعاون شيء والتبعية شيء آخر. للرئيس التنفيذي أن يطلب فحص خطر أو ملاحظة، لكن لا ينبغي له تحديد النتيجة، أو تقييد نطاق التدقيق، أو منع وصول التقرير إلى لجنة التدقيق، أو تحويله إلى أداة لمعاقبة مَن يختلفون معه. كما يجب ألا تبدأ خطط التدقيق بالأسماء، بل بالمخاطر، وأن تكون هناك معايير واضحة لاختيار مهامه، وحق عادل للجهة الخاضعة له في تقديم ردها وأدلتها، ومراجعة مستقلة لجودة عمله. فمَن يراجع الآخرين يجب أن يكون مستعداً لأن تُراجع منهجيته وأحكامه أيضاً. إن التدقيق القوي قد يكشف أخطاء مؤلمة، لكنه يفعل ذلك بعدالة. أما استخدامه لتخويف الموظفين، فقد ينجح في إسكات الأصوات، لكنه يفشل في حماية المؤسسة. وربما يمنح الرئيس التنفيذي شعوراً مؤقتاً بالسيطرة، ومدير التدقيق نفوذاً مؤقتاً، لكنه يترك ثقافة خائفة وموظفين يتجنبون قول الحقيقة. التدقيق الداخلي لم يُنشأ ليكون سيفاً في يد الإدارة، ولا سلماً يصعد به مديره نحو مزيد من النفوذ، بل ضميراً مهنياً للمؤسسة. والضمير لا يختار مَن يحاسبه بناءً على القرب أو الخصومة، ولا يغيّر صوته بحسب قوة الأشخاص. فأخطر ما يصيب التدقيق ليس أن يفشل في اكتشاف الأخطاء، بل أن يتحول إلى أداة لتخويف الموظفين، ولَيِّ الحقائق، وتضخيم الهفوات، وإسكات الحقيقة.
10593
| 06 سبتمبر 2026
ليس المطلوب أن نضع الحكم الوطني في منطقةٍ محرَّمة لا يجوز الاقتراب منها بالنقد، كما أن المطلوب، في المقابل، ألا يتحول الخطأ في قرارٍ تحكيمي إلى مبررٍ للنيل من الحكم أو التشكيك في قدراته ومكانته. وبين الموقفين مساحةٌ واسعة من الإنصاف، هي التي نحتاج إليها حين نتحدث عن حكامنا الوطنيين. الحكم جزءٌ من منظومة كرة القدم، يخطئ ويصيب، ويخضع قراره للتقييم كما يخضع اللاعب والمدرب والإداري. لكن الفارق أن تقييم القرار ينبغي ألا يتحول إلى محاكمة للشخص، خصوصًا حين يكون الحديث عن حكامٍ وصلوا إلى مستويات متقدمة، وأثبتوا حضورهم في البطولات الخليجية والقارية والدولية. وجود تقنية الـVAR منح المنظومة التحكيمية أدواتٍ أكثر دقة للمراجعة والتدقيق، لكنه لم يُلغِ الاجتهاد البشري، ولم يجعل القرار التحكيمي آليًا. فما زالت هناك قراءة للواقعة، وتقدير للحالة، وفهمٌ للقانون، ثم قرارٌ يتحمل الحكم مسؤوليته. ولذلك فإن حماية الحكم نفسيًا لا تعني إعفاءه من المسؤولية، وإنما تعني أن نختلف معه دون أن نهدم ثقته بنفسه. وهنا تأتي مسؤولية الإعلام والأندية والإداريين. من حق النادي أن يحتج، ومن حق الإعلام أن ينتقد، لكن من واجب الجميع أن يضعوا النقد في إطاره الصحيح، وأن تكون القنوات الرسمية هي الطريق الطبيعي للاعتراض، لا التصريحات التي تُقال تحت تأثير الانفعال. وفي تقديري، فإن النقد المقبول هو الذي يناقش القرار التحكيمي ويبيّن الخطأ وأسبابه، أما حين يتجاوز النقد القرار إلى التشكيك في الحكم وقدراته ومكانته، فإنه يفقد قيمته ويتحول من نقدٍ للقرار إلى إساءةٍ للشخص. وأرى أن مشروع الحكم الوطني لا يمكن أن يتطور من دون بيئة تمنحه الثقة، وفي الوقت نفسه لا تعفيه من النقد والمساءلة. فهو يحتاج إلى دعمٍ مستمر، وإلى نقدٍ يطوّر ولا يهدم، وإلى لجنة حكامٍ تؤكد ثقتها في حكامها وتدافع عن حقهم في الاحترام. نحن لا نطالب بأن يكون الحكم فوق النقد، بل نطالب بأن يكون النقد بحجم الخطأ، وأن تبقى كرامة الحكم محفوظة. فحكامنا الوطنيون ليسوا خصومًا لأنديتنا، بل شركاء في نجاح كرتنا، والاختلاف معهم لا ينبغي أن يجرّدهم من حقهم في الاعتزاز بما حققوه، ولا نحن من حقنا أن نتخلى عن الاعتزاز بهم.
3666
| 10 سبتمبر 2026
اجتماعٌ لا يحتاج إلى رسائل تذكير، ولا دعوات رسمية، ولا بصمة حضور، ولا إذن انصراف. يأتي إليه المسلم مقبلًا بإرادته، يغتسل ويتطيب ويأتي ثم يجلس منصتًا لا يتحدث لأنه جاء ليستمع فقط. إنها صلاة الجمعة، ذلك الاجتماع الإيماني والاجتماعي والإنساني العظيم، وأحد أكبر التجمعات الأسبوعية المنتظمة في العالم. ولكن ماذا نقدم للمسلم في هذه الدقائق الثمينة؟ المسلم يأتي إلى الجمعة ليُذكَّر بدينه، ولكن أيضًا ليجد من ينير بصيرته، ويفهم واقعه، ويلامس همومه، ويحدثه عن أسرته وأبنائه ومجتمعه، وعن المتغيرات التي تحيط به، ثم يربط كل ذلك بالقرآن والسنة وقيم الإسلام. ولهذا فإن خطيب الجمعة ليس مجرد شخص يتحدث من فوق المنبر ويلقي خطابًا. نحن بحاجة إلى خطيب فصيح، متمكن، حاضر الذهن، حسن الإلقاء، سليم اللغة، يعرف كيف ينطق العربية ويستخدم مفرداتها، ويعرف المجتمع الذي يخاطبه وقضاياه وتحدياته. ومن هنا أقولها بكل وضوح: من غير المقبول أن نجد في بعض مساجدنا خطباء لا يتقنون اللغة العربية إتقانًا يليق بمنبر الجمعة، وتظهر في ألسنتهم أخطاء لغوية واضحة، أو تكون لغتهم وإلقاؤهم ضعيفين إلى درجة يفقد معها المنبر جانبًا كبيرًا من هيبته وتأثيره. وهنا يقع السؤال مباشرة على وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية: كيف يُكلف خطيب للجمعة وهو غير متمكن من اللغة التي سيخاطب بها الناس أو لسانه أعجمي؟ المسألة هنا لا علاقة لها بجنسية الخطيب أو أصله، فالعلم والفضل والكفاءة لا تحمل جواز سفر، وكم من عالم غير عربي خدم العربية والإسلام خدمة عظيمة. ولكن عندما تكون المهمة خطابة، والأداة الأولى للخطيب هي اللغة فلا يمكن أن تصبح سلامة العربية وفصاحة اللسان أمرًا ثانويًا في الاختيار. نحن نتحدث عن جمهور عربي يستمع وينتظر كلمة واضحة مؤثرة. فكيف نقبل بخطيب يتعثر في العربية أو يخطئ فيها، بينما لدينا في قطر شباب قطريون متخصصون في الشريعة والعلوم الإسلامية واللغة العربية والجامعات تخرج كل سنة أعدادًا كبيرة!! ومنهم من حقق مراكز متقدمة في مسابقات القرآن والعلوم الشرعية والخطابة؟ هذه مفارقة تستحق من وزارة الأوقاف وقفة حقيقية. ومن حقنا أن نسأل: ما معايير اختيار خطباء الجمعة؟ أم أن امتلاك المعرفة الشرعية وحده يكفي للصعود إلى المنبر؟ فليس كل صاحب علم خطيبًا، كما أن حفظ النص أو قراءته لا يصنع خطيبًا. الخطيب يحتاج إلى العلم نعم، ولكنه يحتاج كذلك إلى لغة سليمة، وصوت حاضر، وقدرة على الإقناع، وفهم للمجتمع، ومعرفة بما يشغل الناس. لأن الخطبة ليست امتحانًا في الحفظ، وإنما رسالة يراد لها أن تصل. ووزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية تبذل جهودًا كبيرة ومقدرة في خدمة المساجد والدعوة، وهذا لا يمنع من نقد موضع الخلل، بل إن الحرص على هذه الجهود هو ما يدفعنا إلى السؤال: لماذا لا يكون هناك مشروع وطني واضح لاكتشاف وتأهيل الخطيب القطري وتحفيزه؟ لماذا لا نرى خريجي الشريعة والدراسات الإسلامية من شبابنا على جميع المنابر، ونؤهل أصحاب الأصوات واللغة والحضور منهم، ونفتح أمامهم المنابر، ونصنع جيلًا من الخطباء القطريين القادرين على مخاطبة مجتمعهم؟ ابن البلد يعرف مجتمعه، ويعيش تحولاته، ويفهم لغة شبابه، ويعرف القضايا التي تدخل بيوتنا وتؤثر في أسرنا، وإذا اجتمع لديه العلم الشرعي مع الفصاحة والموهبة والتأهيل، فإنه قادر على أن يجعل المنبر أقرب إلى الناس وأكثر تأثيرًا فيهم. لدينا كل يوم جمعة فرصة استثنائية لا تملكها كثير من المؤسسات: آلاف الناس يجلسون بإرادتهم ليستمعوا وفيهم المسؤول والمدير والوزير والمؤثر والقاضي والمعلم والعسكري والرياضي … إلخ. فلا يجوز أن نهدر هذه الفرصة بخطبة ضعيفة أو لغة مكسرة أو أداء لا يصل إلى القلوب. إن منبر الجمعة أكبر من أن يكون مجرد وظيفة تُسد بها حاجة مسجد، والخطابة أكبر من أن تكون قراءة ورقة لمدة دقائق. فإذا كنا نختار بعناية من يتحدث باسم مؤسسة أمام عشرات الأشخاص، أفلا يستحق أن نختار من يتحدث من فوق منبر الجمعة أمام آلاف المسلمين كل أسبوع أن يكون اختياره أكثر دقة؟ هذه مسؤولية، وهذه أمانة، والمنبر يستحق الأفضل.
2550
| 08 سبتمبر 2026