رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تداولت مواقع صورة لثوب طويل؛ تخيّل راسمه أنه يشبه ثوب آدم عليه السلام!
يا بني الكريم!
كان لباس والديك أول الأمر البراءة والغفلة عن معنى العورة، كما يحدث لوليدٍ يشم روح الحياة لأول وهلة، ولذا قال وهب بن منبه وغيره: "كان لباسهما النور"، وقال مجاهد: "نزع عنهما لباس التقوى".
وكأن لحظة الأكل من الشجرة فتقت معنى كامنًا من الغريزة في نظر بعضهم إلى بعض، وهو جزء من القدر الرباني في التوالد وامتداد الذرية.
ومال الإمام الطبري إلى التفسير باللّباس المطلق بغير إضافة إلى شيء متعارف عليه بين الناس، وعليه: فيجوز أن يكون ظفرًا أو شعرًا أو نورًا أو غير ذلك..
وأول لباس مستقل ظاهر لبسوه كان من ورق الجنة، وتمت صناعته بطريقة (الخَصْف)، مثل الخرز، ويشبه الخياطة، ويعني ضم أطراف الشيء بعضها إلى بعض ثم شبكها بعود أو نحوه..
لم يأخذوا من ورق الشجرة ذاتها، بل من ورق الجنة، قيل: لأنهما أمعنا في الهرب حياءً من الله بعدما لحظا انكشاف سوءاتهما، والله أحق أن يستحيا منه، ولكن إلى أين المفر؟!
وبهذا أصبح اللّباس سترًا يواري عورة الإنسان ويعبر عن احتشامه، حتى من نفسه وزوجه إذا لم تكن الحاجة تدعو إلى ذلك، وكان آدم وحواء يستتران من بعضهما بهذا الورق المخصوف!
كشف العورة بين الزوجين من غير داعٍ مستهجن، واللّباس يحقق الحشمة والسّتر، ويحقق الإغراء والجاذبية في الوقت ذاته!
وبهذا أصبح اللباس من أول مظاهر الإنسانية المترقية المتحضرة، ولذا كانوا يسمون يوم العيد (يَوْمُ الزِّينَةِ).
وصار إنسان الغابة يُعرف بالعري وعدم المبالاة بانكشاف سوءته، حتى جاءت الحضارة الحديثة فأدخلت عنصر (التزيين)، وجعلت فتنة التعري الجسدي عبر الاستعراض والرياضة والرقص والموضة وفنون الجسد.. فلسفةً تحتال فيها على اللباس العلوي الكريم؛ الذي ألهمه الله آدم وحواء.. التعري جزءٌ من الحضارة الحديثة وعرفٌ اجتماعي طاغٍ، والتنافس صار في أي الطالبات أو المذيعات أو العارضات أو الحاضرات أكثر تعريًا، وكلما قلت فتنة الجسد كشفت الأنثى عن المزيد إصرارًا على الإغراء والإغواء والحضور!
والشيطان يريد من الذرية ما أراد من الأبوين أن تنكشف عوراتهم وتنفرط شهواتهم، ويتشبهوا بالبهائم العجماء؛ التي تجري وراء غريزتها دون إدراك.
وبهذا أصبح اللباس رمزًا للفطرة الإنسانية منذ نشأتها الأولى، فهو كان مع آدم وحواء أول ما تفتقت فيهما روح الاجتماع والوصال واشتياق بعضهم لبعض، وتم التوازن بين الطين الأرضي والروح الملائكي..
وبهذا أصبح اللّباس جمالًا وزينة، ويكفي أنه من شجر الجنة.
وتوارث الأنبياء حب اللباس الجميل، حتى لبس خاتمهم -صلى الله عليه وسلم- الجُبَّة والحُلَّة والإزار والرداء والقميص، وكان أصحابه يحبون أن تكون ثيابهم حسنة ونعالهم حسنة، وخافوا أن يكون هذا من الكبر فقال لهم: «إِنَّ الله جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ»!
وكان يلبس أحسن ما يجد من الثياب، حتى إن عمر رأى حُلَّةً من الحرير فائقة الجمال تُباع في السوق، فاشتراها لرسول الله لما يعلم من حبه للجمال، ورغبةً أن يلبسها للعيد والجمعة والوفود، فبيَّن له النبي حرمة الحرير!
هل تثق بذوقك في شراء اللّباس الملائم لشخصيتك؟ وهل يثق أهلك بذوقك؟
وبهذا أصبح للباس وظيفة معنوية تشعر الإنسان بهويته البشرية، وميزته الإنسانية، وتذكره بالعهد والميثاق الإلهي: {يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَىَ ذَلِكَ خَيْرٌ} (26: الأعراف).
فثمَّ لباس ظاهر من الثياب الخاصة الشخصية أو العامة؛ التي هي الريش..
ولباس باطن من الطيبة والخير والصلاح والتقوى والحياء؛ كما قيل:
إذا المرء لم يلبس ثيابًا من التُّقى... تقلَّب عريانًا وإن كان كاسيا
وخير لباس المرء طاعة ربه... ولا خير فيمن كان لله عاصيا
السوءة الجسدية تستر باللباس الجميل المعبر عن تميز الإنسان عن شركائه في الحياة، والسوءة المعنوية بنقائص العقل أو أمراض القلب تستر بالتجمُّل والتكمُّل والترفُّع والتصبر والمجاهدة.
و(إنزال) اللِّباس قد يعني إنزال المادة التي يُصنع منها، أو المطر الذي ينبته، أو إنزال الامتنان به وإباحته وتشريعه للبشر.
ولذا كان الأصل في اللِّباس الحِلّ والجواز، وكان النبي -عليه السلام- يلبس لباس أهل زمانه، ولبس جبَّةً روميَّةً، وجلس على قطيفةٍ فَدَكِيَّةٍ، و"فَدَك" كان فيها اليهود، ولم يكن للمسلمين لباس يميزهم عن غيرهم، ولا كانوا يلبسون اللباس الخاص بطائفة ما، والمعبّر عن هويتها وثقافتها وخصوص مذهبها.
ولا كان للنبي لباس يميزه عن غيره، حتى كان الغريب يأتي المجلس فلا يعرف الرسول -صلى الله عليه وسلم- من غيره حتى يسأل: أَيُّكُمْ مُحَمَّدٌ؟!
ووقف مرةً على امْرَأَةٍ تَبْكِى عِنْدَ قَبْرٍ فَقَالَ: «اتَّقِى الله وَاصْبِرِي». قَالَتْ إِلَيْكَ عَنِّى، فَإِنَّكَ لَمْ تُصَبْ بِمُصِيبَتِي! ولم تعلم أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم.
والتميز عن عامة الناس ليس مطلبًا شرعيًا، وكان العلماء يكرهون ثياب الشهرة المبالغة في الغلاء والثّمانة، أو المبالغة في الرخص والزّهادة، وجاء في الباب أحاديث صحاح.
والعرف معتبر في هذا بحسب البيئة والمجتمع وما تواضع عليه الناس، والعرف اليوم سريع التغيُّر؛ بسبب التواصل الإنساني، والشبكات الاجتماعية، والقنوات، ومرحلة القرية الواحدة!
والأجيال تتجدد وتتغير أمزجتها؛ خاصة في مجتمعات الوفرة والغنى ومراكز الاستقطاب العالمي؛ كدول الخليج، وما كان من اللباس مرفوضًا بالأمس قد يغدو مقبولًا اجتماعيًا؛ لتوارد الشباب على استخدامه واستحسانه وهم أغلبية المجتمع..ما لم يكن من المحرَّمات الأصلية.
بعضهم يلبس أفخر الثياب للتجمُّعات، ويذهب للصلاة بثياب النوم، وهذه غفلة عن وظيفة اللباس {يَا بَنِي آدَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ} (31: الأعراف)، ومَنْ نزلت عليه هذه الآية صلى مراتٍ حاسر الرأس؛ كما دلَّت عليه أحاديث صحاح، وذلك مقبول شرعًا وعرفًا في كثير من المجتمعات.
ليس من الفاضل أن أتميز كطالب علم أو داعية بعباءة في أطرافها (الزري) العريض المذهّب، وأطل عليهم عبر شاشة لأحدثهم عن الزهد في الدنيا!
وقد كتب عني أحدهم يومًا مقالًا ناقدًا بهذا الخصوص فأغضبني، وقلت: هل انتهت قضايانا ولم يبق سوى بشت الداعية؟، ثم تقبّلت الفكرة بعد، واستذكرت أن العاقل يأخذ الحكمة ولا يضره من أين خرجت، ولا يتساءل عن الدوافع والنيات والمقاصد..النصيحة مقبولة ما دامت وافقت صوابًا بكل حال، وإذا كنت أزعم أني داعية فلأدرب الآخرين بفعلي على الأريحية والسعة وقبول الآخر وتجاوز التصنيف والمرادّات السطحية!
اللِّباس الجميل فضل ونعمة، والاعتدال فضيلة، ولذا جاء في حديثٍ حسن: «الْبَذَاذَةُ مِنَ الإِيمَانِ» (أخرجه أبو داود، وابن ماجه، وصحَّحه الحافظ ابن حجر في "فتح الباري" (10/368) ) .
و(البَذَاذَةُ): هي التّواضع في اللّباس ورثاثة الهيئة، وترك الزّينة، والرّضا بالدّون من الثّياب.
والشرع قد يأتي بخيارات متعددة تناسب اختلاف طبائع الناس وميولهم، فأبو ذر يختلف عن تميم الداري!
وقد اشترى تميم ثوبًا بألف فكان يصلي فيه (رواه الطبراني بسندٍ صحيح).
ليس اللباس الخشن بمستحب، ولا هو لباس التقوى كما ظن قوم، ولا لبس الصوف بمشروع بخصوصه كما يظن بعض الصوفية..
والله يحب أن يُرى أثرُ نعمته على عبده، وهو لا يحب المسرفين، ولا يحب المبالغين في البحث عن النفيس، ولا لابسي الحرير والذهب من الرجال، ولا يحب المتشددين المحرِّمين بغير علم..{قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ الله الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِي لِلَّذِينَ آمَنُواْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} (32:الأعراف).
الحياء والحشمة للمرأة أوجب وألصق وأليق، واليوم نشكو من إسبال الرجال وتشمير النساء، وكشف المؤمنة البالغة لشعرها لغير ضرورة محرَّم ومعصية، وهو مثل مخالفات يرتكبها الرجال علانية ويخالفون فيها شريعة الله، وليس ذلك بكفر، ولا مدعاة للوصم بالفجور، ولا هو مبيح للاعتداء عليهم، والوقوع في أعراضهم، وإهدار حقوقهم..
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
قديماً كان فرعون يقتل أبناء بني إسرائيل خوفاً من أن يخرج منهم من يهدد ملكه، فكان يستضعفهم ويستعبدهم في الوقت الذي كان فيه موسى عليه السلام وهو واحد منهم ينشأ داخل قصر فرعون يتنفس هواه ويأكل ويشرب ويتعلم فيه. مفارقة تهز الخيال أتوقف هنا معكم أمام سُنة عجيبة من سنن التاريخ، فقد تنشغل قوة عظمى بما يحدث خارج أسوارها بينما التغيير الحقيقي ينمو ببطء داخل أسوارها. وهنا تبدأ القصة فهل يا ترى هناك تشابه؟ فمنذ مطلع هذا القرن ارتبط اسم الولايات المتحدة بحروب وصراعات امتدت عبر رقعة واسعة من العالم الإسلامي أفغانستان والعراق وباكستان وسوريا واليمن وليبيا وغيرها هذا ما ظهر لنا وما خفي عنا أعظم. سقط مئات الآلاف من المدنيين الأبرياء في حروب ما بعد 11 سبتمبر وتشير التقديرات إلى أن مجموع الوفيات المباشرة وغير المباشرة المرتبطة بتلك الحروب بلغ ملايين البشر. دول دُمرت وشعوب شُردت لكن في الجانب الآخر من المحيط وفي داخل أمريكا نفسها كان مشهد مختلف تمامًا يتشكل ببطء بهدوء ومن داخل النظام نفسه كان أبناء الفئات التي ظلت طويلًا بعيدة عن مركز السلطة يكبرون داخل القصر، ففي زمن ليس بعيدًا من التاريخ الأمريكي كان الرجل الأسود يناضل من أجل حقه في الجلوس كإنسان حيث يجلس الأبيض، والدراسة حيث يدرس الأبيض، كان محتقراً إلى درجة أنه لا يسمح له بدخول المدن والجامعات والأحياء التي يعيش فيها البشر بزعمهم. ثم جاء عام 2008 ودخل رجل أسود البيت الأبيض، ليس عاملًا فيه ولا زائرًا، بل رئيسًا للولايات المتحدة الأمريكية (باراك حسين أوباما). صحيح أن أوباما مسيحي وليس مسلمًا ولكن علينا ألا نفقد رمزية المشهد، رجل أسود أبوه أفريقي مسلم النشأة واسمه الأوسط (حسين) وصل إلى المنصب الذي كان محتكراً تاريخيًا على رجال بيض يبدو جزءًا ثابتًا من صورة أمريكا. كان ذلك أول شرخ كبير في الصورة التقليدية لمن يمكنه أن يحكم أمريكا، ثم جاءت مرحلة أصعب (11 سبتمبر). تحول المسلم بعدها في الخطاب الأمريكي إلى موضع خوف وشك، أصبح الإسلام حاضرًا يوميًا تقريبًا في ملفات الإرهاب والأمن والحروب والهجرة. وبعد ربع قرن تقريبًا من حادثة برجي التجارة حدث ما كان يبدو مستحيلًا، مسلم يحكم نيويورك !! زهران ممداني ليس مدينة هامشية صغيرة، بل نيويورك نفسها المدينة التي تحمل في ذاكرتها هجمات 11 سبتمبر. دخل ممداني من الباب الذي لا يستطيع أحد إغلاقه في وجهه ورغم أنوف المعارضين هل توقفت القصة هنا؟ لا لم تتوقف ففي ميشيغان قريباً هنا خرج اسم آخر عبدالرحمن السيد اسم عربي واضح مسلم من أصول مصرية فاز قبل بضعة أيام بتمثيل الحزب الديمقراطي في انتخابات مجلس الشيوخ عن ولاية ميشيغان، ليصبح مرشح الحزب في مواجهة الجمهوري مايك روجرز على مقعد له أهميته في تحديد ميزان القوة داخل مجلس الشيوخ وسن تشريعات الولايات المتحدة الأمريكية بكل حدودها. وهنا ينبغي ألا ننظر إلى الأشخاص الثلاثة منفصلين أوباما ممداني عبدالرحمن السيد ضعهم على خط زمني واحد وستجد أمامك شيئًا أكبر من ثلاث قصص نجاح انتخابية. ستجد أمريكا تتغير، ليس لأن المسلمين أصبحوا أغلبية فهم ما زالوا أقلية صغيرة وليس لأن العنصرية أو الإسلاموفوبيا انتهتا لا فهما موجودتان وليس لأن السياسة الخارجية الأمريكية تغيرت تجاه العالم الإسلامي. المفارقة أعمق من ذلك، فأمريكا التي كانت قوتها العسكرية تقاتل خارج أسوارها في عواصم ومدن كثيرة إسلامية وغير إسلامية وعربية وغير عربية كان المسلمون وأبناء المهاجرين داخلها يتحركون في الاتجاه المعاكس نحو مؤسساتها نحو جامعاتها نحو إعلامها نحو مجالسها المحلية نحو الكونغرس، نحو مواقع صناعة القرار والأرقام تقول إن هذا التحول لم يصل نهايته بعد فالتقديرات الديموغرافية تتوقع استمرار نمو عدد المسلمين في الولايات المتحدة خلال العقود المقبلة ووزنهم الاجتماعي والسياسي سيكبر معه. وهنا يصبح السؤال مختلفًا تمامًا !! ماذا سيحدث عندما يكبر الجيل الثاني والثالث والرابع من المسلمين الأمريكان؟ هؤلاء ليسوا مهاجرين يقفون أمام بوابة أمريكا ينتظرون فيزة دخول إنهم أمريكيون ولدوا فيها درسوا في مدارسها يتحدثون لغتها بلهجات ولاياتها يدفعون ضرائبها يدخلون جيشها وجامعاتها ومحاكمها وإعلامها ثم يترشحون لمناصبها وهذا تحديدًا ما يجعل قصة عبدالرحمن السيد مهمة حتى لو خسر انتخابات نوفمبر المقبلة لأن المسألة ليست عبدالرحمن وحده إذا خسر سيأتي غيره وإذا خسر الآخر سيأتي ثالث فالتغيرات الاجتماعية الكبرى لا تقاس بانتخابات واحدة وإنما بالاتجاه الذي تسير إليه الأجيال قبل عقود كان السؤال هل يمكن أن يحكم رجل أسود أمريكا؟ وحدث ثم جاء السؤال هل يمكن لمسلم أن يحكم نيويورك؟ وحدث والسؤال اليوم هل يستطيع مسلم اسمه عبدالرحمن السيد الوصول إلى مجلس الشيوخ؟ نعم بات ذلك ممكنا لكن السؤال الذي يأتي بعد كل هذه الأسئلة أخطر وأكبر؟! هل يمكن أن يأتي اليوم الذي يحكم فيه مسلم الولايات المتحدة الأمريكية نفسها؟ اليوم قد يضحك البعض من السؤال لكن التاريخ مليء بأشياء ضحك الناس من مجرد تصورها قبل أن تصبح واقعًا وهنا نعود بالذاكرة إلى ذلك الطفل الذي كان يكبر داخل قصر فرعون بينما جنود فرعون يبحثون عن أطفال بني إسرائيل خارجه أحيانًا تنشغل الإمبراطوريات بما تخشاه خارج أسوارها بينما يكون المستقبل قد بدأ بالفعل داخلها. وربما بعد خمسين عامًا عندما يقرأ مؤرخ ما قصة أمريكا في بداية القرن الحادي والعشرين لن تكون المفارقة الكبرى عنده فقط أن أمريكا حاربت طويلًا بلاد المسلمين قد يكتب جملة أكثر إثارة: بينما كانت أمريكا تخوض حروبها في العالم ومع الإسلام كان أبناء المسلمين وغيرهم يشقون طريقهم بصمت إلى قلب الولايات المتحدة.
3408
| 11 أغسطس 2026
لا تتراجع المؤسسات عادة بسبب قرار واحد، لكنها قد تبدأ في فقدان قوتها عندما يتغير معيار اختيار القيادات. فقد يبدو تعيين مدير جديد إجراءً اعتياديًا، لكنه من أكثر القرارات تأثيرًا في مستقبل أي مؤسسة، لأن المدير لا يقود فريقه اليوم فحسب، بل يشارك في اختيار من سيقود المؤسسة غدًا. في كتابه «حياة في الإدارة»، لم يقدم الدكتور غازي القصيبي نظريات مجردة، بقدر ما نقل خلاصة تجربة طويلة في مواقع المسؤولية، مؤكدًا أن نجاح المؤسسات لا تصنعه الشعارات، بل القرارات اليومية. ولعل قرار اختيار القيادات هو القرار الأبعد أثرًا. في المؤسسات الناجحة، يكون السؤال عند كل ترقية واضحًا: من هو الأكثر قدرة على تحقيق نتائج أفضل؟ لكن الواقع يكشف أن هذا ليس دائمًا السؤال الذي يحسم القرار. ففي بعض الأحيان يتقدم معيار آخر بهدوء، وهو مدى ارتياح المدير لمن سيعمل معه، أو اعتقاده أن التعامل معه سيكون أسهل وأكثر انسجامًا. ولا خلاف على أهمية الانسجام داخل فرق العمل، لكنه لا ينبغي أن يكون بديلًا عن الكفاءة. وتشير أبحاث البروفيسورة روزابيث موس كانتر، أستاذة الإدارة في كلية هارفارد للأعمال، إلى أن بعض المديرين يميلون بطبيعتهم إلى اختيار أشخاص يشبهونهم في طريقة التفكير، أو يشعرون معهم براحة أكبر. وهذا سلوك إنساني مفهوم، لكنه قد يتحول إلى نقطة ضعف عندما يصبح العامل الحاسم في التعيين والترقية. غير أن المشكلة لا تكمن في قرار واحد، بل في تكراره. فالمدير الذي يفضل شخصًا أقل قدرة على القيادة، أو يختار من لا يمثل له تحديًا مهنيًا، يمنحه في الوقت نفسه فرصة اختيار قيادات المستقبل. وإذا كرر المدير الجديد الأسلوب نفسه، ثم كرره من يأتي بعده، فإن طريقة الاختيار تنتقل تدريجيًا عبر الهرم الإداري. ولنتخيل رئيسًا تنفيذيًا اختار نائبًا أقل قدرة على القيادة، ثم اختار النائب مديرًا بالطريقة نفسها، ثم اختار المدير رئيس قسم بالمعيار ذاته. قد تبدو كل ترقية مقبولة إذا نظرنا إليها منفردة، لكن الصورة الكاملة بعد سنوات تختلف تمامًا. فالمؤسسة لا تفقد كفاءتها دفعة واحدة، بل يتراجع مستوى القيادة فيها تدريجيًا مع كل قرار لا يكون معياره الأول القدرة على الإضافة. وتبدأ آثار ذلك بالظهور بهدوء. فالعمل يستمر، والاجتماعات تعقد، والتقارير تصل في مواعيدها، وقد يبدو كل شيء طبيعيًا. لكن خلف هذا الهدوء تقل المبادرات، وتصبح الأفكار الجديدة أقل، ويختفي النقاش المهني الذي يساعد على اكتشاف المشكلات قبل أن تتحول إلى أزمات. وفي كثير من المؤسسات الخليجية لا تغادر الكفاءات وظائفها، لكنها تتوقف تدريجيًا عن تقديم أفضل ما لديها. تؤدي واجباتها بإتقان، لكنها تتردد في طرح الأفكار أو تحمل مسؤوليات إضافية، لأنها لم تعد ترى أن المبادرة هي الطريق إلى التقدير. وتؤكد أبحاث البروفيسورة إيمي إدموندسون أن المؤسسات الأكثر نجاحًا ليست تلك التي تخلو من الأخطاء، بل تلك التي يشعر العاملون فيها بالأمان عند إبداء آرائهم، وطرح الأسئلة، والتنبيه إلى المشكلات دون خوف. فعندما يتردد المدير في مناقشة رئيسه، أو يتردد الموظف في عرض وجهة نظر مختلفة، لا تختفي الأخطاء، وإنما يتأخر اكتشافها، فتتراجع جودة القرارات لأن المعلومات التي تصل إلى الإدارة العليا لم تعد تعكس الواقع كاملًا. كما توصل الباحث جيم كولينز، بعد دراسة الشركات التي انتقلت من الأداء الجيد إلى الأداء الاستثنائي، إلى أن نقطة التحول لم تبدأ بخطة استراتيجية جديدة، بل باختيار الأشخاص المناسبين للمواقع المناسبة. أما بيتر دركر، الذي يعده كثيرون الأب المؤسس للإدارة الحديثة، فكان يرى أن القائد الناجح هو من يبني مؤسسة قادرة على الاستمرار من خلال إعداد قيادات تتحمل المسؤولية وتتخذ القرار. ولا يعني ذلك أن كل مدير يفضل الشخص الأقل كفاءة، أو أن كل مؤسسة تقع في هذا الخطأ. لكن التجارب والدراسات تشير إلى أن معايير اختيار القيادات تترك آثارًا تتجاوز الأشخاص أنفسهم، لأنها تحدد طبيعة القيادات التي ستتولى المسؤولية في المراحل اللاحقة. وقد لا تظهر نتائج هذه القرارات في عام أو عامين، لكنها تتراكم مع الزمن. فكل مدير يُختار اليوم سيشارك غدًا في اختيار مديرين آخرين، وهؤلاء سيختارون من يأتي بعدهم. وهكذا تتشكل ثقافة المؤسسة، إما على أساس الكفاءة والقدرة على الإضافة، أو على أساس البحث عمن يجعل العمل أكثر راحة وأقل اختلافًا. وفي النهاية، لا يُقاس نجاح القائد بعدد من يوافقونه، بل بقدرته على اكتشاف الكفاءات وتمكينها ومنحها الفرصة للنمو. فالقائد الحقيقي لا يختار من يجعل مهمته أسهل، بل من يجعل مؤسسته أقوى.
1590
| 09 أغسطس 2026
منذ أن رفع الإنسان عينيه نحو السماء، لم يتوقف عن سؤال محوري يتكرر بصور مختلفة: أين نقف؟ وعلى أي أرض نسير؟ قد يبدو السؤال بسيطاً في ظاهره، لكنه في الحقيقة من أكثر الأسئلة التي حيّرت الفلاسفة، وأربكت العلماء، وأشعلت الجدل بين الحضارات. والأعجب من ذلك أن هذا الاستفهام ما زال حتى اليوم يثير انقساماً فكرياً واسعاً، رغم كل ما بلغته البشرية من تقدم هائل في علوم الفضاء والاستشعار عن بُعد. فهل الأرض كرة كاملة؟ أم أنها مفلطحة عند القطبين وأقرب إلى الشكل البيضاوي؟ أم أن هناك من يرى أنها ليست كذلك أصلًا، وإنما هي سطح واسع لم نفهم تمام كنهه بعد؟ إن المتأمل المنصف لا يستهين بأي سؤال، ولا يقدس رأياً لمجرد شيوعه؛ فتاريخ العلم كله قائم على مراجعة المسلّمات. لقد كان الناس يعتقدون أن الشمس تدور حول الأرض ثم تبدلت الصورة، وظنوا أن الذرة أصغر جزء في الكون حتى انقسمت إلى عالم أعجب، وكانوا يرون الزمن ثابتاً حتى جاء أينشتاين ليجعله قابلاً للتمدد والانكماش. وهذا يدلك على أن العلم ليس كتاباً أُغلق، بل رحلة استكشاف لا تنتهي. النموذج العلمي السائد تتبنى المؤسسات العلمية في العالم أن الأرض ليست كرة تامة، بل جسم مفلطح قليلًا عند القطبين ومنتفخ عند خط الاستواء، وهو ما يُعرف في الفيزياء بـ "القطع الناقص الدوراني" ويستند هذا النموذج إلى صور الأقمار الصناعية، وحسابات الجاذبية، وملاحة الطائرات والسفن، والقياسات الدقيقة مما جعله الأكثر قبولاً في المجتمع العلمي. لماذا يستمر الجدل؟ في المقابل، ترى فئة أخرى أن كثيراً مما يُقدَّم للناس يعتمد على الثقة بالمؤسسات أكثر من اعتماده على التجربة الشخصية المباشرة. ويطرح أصحاب هذا الاتجاه أسئلة من قبيل: كيف يشعر الإنسان بوجود دوران الأرض؟ ولماذا يبدو الأفق مستقيماً؟ وهل تعكس جميع الصور الفضائية الواقع كما هو؟ قد يختلف الباحث مع هذه التساؤلات أو يوافقها، لكنها تبقى جزءاً من حركة الفكر الإنساني التي لا يجوز مصادرتها بالسخرية؛ فالعلم الحقيقي لا يخاف من السؤال. المقاربة القرآنية ومن اللافت أن القرآن الكريم لم يجعل الشكل الهندسي للأرض قضية إيمانية، ولم يربط الهداية بأبعادها؛ بل وجَّه الإنسان إلى ما هو أعظم وأشمل: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾. دعا القرآن إلى التفكر في التكوين، ولم يفرض نموذجاً هندسياً محدداً. ولهذا نجد ألفاظاً مثل "مدّ الأرض"، "دحاها"، و"سطحت"، وهي تعابير تناولها المفسرون بطرائق متعددة دون أن يجعلوا منها سبباً للتنازع أو الخلاف. عالم الأراضين السبع… أبعاد تتجاوز الإدراك ومما يزيد الأمر ذهولاً وتأملاً، أن النص القرآني لم يقف عند حدود هذه الأرض التي نعيش عليها ونقيس أبعادها، بل أشار إلى أبعاد وعوالم أخرى بوضوح في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾. إن هذا التماثل بين السماوات والأراضين يفتح الباب أمام أسئلة أكثر عمقاً وأشد إبصاراً: هل أرضنا هذه مجرد طبقة واحدة من منظومة أعظم؟ وهل الأراضين الأُخرى طبقات جيولوجية داخلية، أم أبعاد كونية موازية لا نراها بأعيننا ولا تدركها مراصدنا؟ لقد أشار المفسرون الأوائل - كابن عباس رضي الله عنهما - إلى أن في كل أرض خلقاً وعوالم لا نعرف حقيقتها. واليوم، تقترب الفيزياء النظرية الحديثة من هذا المفهوم حين تتحدث عن "الأبعاد المتعددة" و"الأكوان الموازية"، مما يثبت أن محاولة حصر "الأرض" في شكل هندسي مجرد (كرة أو سطح) قد يكون تبسيطاً قاصراً لواقع كوني معقد جداً لم نكتشف منه إلا القشور. هل الحقيقة أكبر مما نتصور؟ يخبرنا التاريخ أن الإنسان كثيراً ما ظن أنه وصل إلى نهاية المعرفة، ثم اكتشف أنه كان في بدايتها فقط. فلعل أجيال القرن القادم سيبتسمون لبعض نقاشاتنا اليوم كما نبتسم نحن لنظريات القرون الوسطى، وربما يكتشف العلم مستقبلاً أن توصيف الأرض أعقد بكثير من مجرد حصرها في كلمات مثل "كرة" أو "بيضة" أو "سطح"؛ فالطبيعة لا تُختصر في المصطلحات. إن المشكلة الحقيقية ليست في شكل الأرض، بل في شكل العقول؛ فهناك من يحوّل الرأي العلمي إلى عقيدة جامدة لا تُناقش، وهناك من يتخذ النظرية غير المثبتة يقيناً مطلقاً، وكلا الطرفين يبتعد عن روح البحث العلمي السليم. فالقيمة الكبرى ليست في الوصول إلى الشكل النهائي، بل في بقاء العقل حراً يجمع بين الإيمان، والتواضع، والبرهان.
1014
| 06 أغسطس 2026