رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
يخطأ من لا يعتبر بالزلازل التي هزت العالم العربي منذ أسابيع قليلة وكان مركزها تونس وهي زلازل بلغت سبعة على سلم ريختر الحضاري ومثل سائر الزلازل لا تنجو من مراحل توابع من جراء فقدان البوصلة. لكني أظل مؤمنا كما كتبت وأعلنت ذلك منذ زمن بعيد بأن مخاطر الحرية أفضل ألف مرة من مخاطر الاستبداد وأن تسونامي الديمقراطية أرفق من فيضانات القمع.
واليوم تجد النخب العربية هنا وهناك نفسها أمام واقع حصري جديد واستثنائي وأحيانا تفيق من سباتها لتكتشف أنها تمسك بالسلطة أو بجزء منها وهي لم تتهيأ بالقدر الكافي لتحمل الأمانة الثقيلة وفي أغلب الأحيان والأوطان تجد نفسها مضطرة لتطهير إسطبلات الأنظمة الفاسدة بعد عقود من غياب السياسة والشفافية والحريات.
وإني أعرف شخصيا معارضين من أصدقائي كانوا في السجون والمنافي ثم أصبحوا يمسكون ببعض خيوط القرار واكتشفوا اليوم أن أطيافا شابة من شعوبهم تطالبهم بالإصلاح والتغيير وتجسيد طموحات الثورات ولكنهم وهم يجلسون على نفس كراسي من سبقوهم يجدون أنهم لا يملكون عصا سحرية فالموارد شحيحة أو مفقودة والدولة هشة أو مهزوزة والأمن سراب أو تخبط! وأدرك الكثير منهم بأن شباب الثورة لا يعترف بسقف معقول في التدرج والإصلاح ولعل الإحباط أصاب بعض هؤلاء فاستقالوا أو فضلوا الوقوف على مسافة من الأحداث حتى يتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود في مسيرة التاريخ الحديث.
ولهذه الأسباب سأظل أدعو إلى الوفاق الوطني في تونس ومصر وليبيا واليمن وسوريا والبحرين بعد إنهاء عهد الظلم والفساد وتغول المخابرات أي بعد إقرار عهد السياسة في معناها النبيل وعهد الحرية في أبعادها الشخصية والمدنية والجماعية. والوفاق هو الوقاية ضد الحقد وتصفية الحسابات الضيقة وملاحقة الخصوم بما يشبه محاكم التفتيش. ولا ننسى أن الثورات الصادقة كان من غاياتها الوفاق وتأسيس الأمان وإقرار العدالة.
أحترم آراء الإخوة العرب الكرام الذين لا يرون فائدة من الأيدي الممدودة للمصافحة والذين يبررون مواقفهم بإخفاق التجارب الماضية بين السلط العربية ومخالفيها، لكن السياسة تتغير بتغير الظروف المحيطة بالوطن وفي صلب الوطن، فليس من المنطقي تأبيد وتحنيط العلاقات بين السلط وأطياف المجتمع المدني في مرحلة تاريخية بعينها دون أن تعتريها عوامل داخلية وخارجية تدفعها للتغيير وإعادة الصياغة. فنحن لا بد أن نتكيف مع هذه المتغيرات ولا نقنط من تغليب العقل على العواطف ولو كانت شرعية وجياشة، في مرحلة نراها جديدة من تاريخ عالمنا العربي، بفضل المراجعات الضرورية والحكيمة في الضفتين وإعادة النظر في نتائج المواقف هنا وهناك. فالسياسة كما يقول أحد زعماء فرنسا هي النتائج إلى جانب كونها هي المبادئ. وأنا أتساءل عما يمكن أن نحرك به السواكن، دون أن يفقد أحد ماء الوجه أو يتخلى عن ثوابته، لأننا بالسعي إلى المصالحة الممكنة نتخذ من الشعب شاهد حق، فهو المؤهل وحده لأداء الشهادة أمام التاريخ، في معزل عن الأيديولوجيات الجامدة والحسابات الشخصية وتراكمات الماضي الثقيلة.
أما إذا استعرضنا التضحيات التي تحملها هذا أو ذاك من النشطاء وأصحاب الرأي فإننا لا نرى في المزايدة على بعضنا البعض إلا إهدارا للحوار الأمين ومضيعة للوقت الثمين، لأن كل الفرقاء لهم رصيد من التضحية متواز بشكل أو بآخر، وجميعهم من ذوي الوطنية والمبادئ العليا ومحبة أوطانهم، وإذا ما اختلفنا حول الطرق والمناهج فنحن من أبناء الوطن الواحد الذي سيبقى بعدنا لأطفالنا. ويعلم الله أني بحكم السن والتركيبة الفكرية ومعابر الحياة كنت شديد الصلة بشخصيات من داخل النظام في بلدان عربية عديدة أعتبرهم قمما في الاستقامة والإيمان والوطنية، كما أني أيضا وفي ظروف أخرى من حياتي كنت وثيق الصلة بشخصيات مختلفة مع السلطة ولكنها قمم في علو الأخلاق ورفعة الهمة وأمانة الضمير. وطالما قلت لنفسي من باب الأمانة الفكرية أيضا: يا لها من مكاسب غالية ومن منجزات رائدة ستحققها اليوم مجتمعاتنا العربية لو توفقنا إلى كسر حواجز الخوف وسوء التفاهم بين هؤلاء وأولئك، قاطعين مسالك النميمة والأحقاد الدفينة ورهن مصير الوطن في المواقف المتشنجة، فاتحين بعض أبواب الحوار الموصدة منذ ربع قرن.
إن غايتنا هي رفض منطق الأبيض والأسود في تصنيف النخب العربية، وهو المنطق الذي أسميه منطق الفسطاطين (فسطاط الخير وفسطاط الشر!) وهو المنطق الذي يجعل الناس على ضفتي نهر من الماء الطامي كل ضفة تلوح بأنها تمسك بالحقيقة وتتهم الضفة الأخرى بالضلال، مع أن العقل يقتضي محاولة مد جسر على نهر الوطن. فمن يلومنا على محاولة مد جسر على النهر، داعين الناس في الضفتين للعبور واللقاء على الجسر لو توفرت نوايا الخير ووضع حد ولو تدريجيا للفرقة والشقاق والقطيعة.
ثم إن الأيام القريبة القادمة هي التي ستحكم لنا أو علينا، والصبر الجميل صفة من صفات المسلم ومن صفات الوطني المخلص. فلماذا التنابز بألقاب أيديولوجية لا تخدم مصلحة بلادنا بينما لو قرأنا تاريخ الثورات والتحولات الكبرى التي سبقتنا لتعلمنا منها أن كثيرا منها صودرت وكثيرا منها أجهضت وكثيرا منها أنجبت دكتاتوريات حين تتغلب الأحقاد على المبادئ وحين تعلو أصوات الانتقام على أصوات الحكمة! تلك من سنن الله الخالدة.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
تهاوي هياكل الظلم والظلام واللاإنسانية أرثت عوالق ما زالت تتساقط في فضاء واقع ما زالت فيه ترسبات أحداث الإبادة في غزة حاضرة في الذهنية الإنسانية وجاءت إفصاحات ابستين لتتعالق معها وتخلق علاقات كانت خافية على المراقبين ومغلفة في عالم المصالح والمنافع، هذا التهاوي وترسباته يعطي دلالات على عالم يباد وعالم ينشأ من خلال الأحداث وتداعياتها ليتكوّن على ارض واقع جديد، فما حدث لأطفال أمريكا لا يختلف عما حدث لأطفال غزة تشويها وقتلا من قبل عقلية ترى انهم غير بشر وسترى البشرية أن عقلية وذهنية ما قام به ابستين وشركاؤه مماثل لما يحدث في فلسطين وأطفال ونساء غزة من إجرام وقتل وإبادة وفي الكثير من الأحيان في احتفالات تبرز نفسيات عدمت الإنسانية. تساقط فتات الإفصاحات والفيديوهات كما يتساقط فتات الأحياء المائية في وسط المياه ليتراكم ويخلق شعابا في الطبيعة هي مأوى للكائنات الحية المائية ولكن فتات إفصاحات ابستين والكيان يكوّنان حطاما لشعاب سامة شيطانية مظلمة لا يعيش فيها إلا الشياطين. أين سيتموضع العالم وإلى أي مدى سيعاد تشكيل الضمير العالمي وكيف ستتشكل المفاهيم وتتحول العداءات من الإسلاموفوبيا إلى محبة، كيف ستتمحور مفاهيم الإسلاموفوبيا والهولوكوست ومعاداة السامية وغيرها وفلسطين والفلسطينيين وكيف سيرى الناس معاناة فلسطين وغزة والضفة، من سيسقط ومن سيحاكم، وكيف سيتعامل الناس مع الدين والمبادئ، ولتقع ترسبات فظائع ابستين والنخبة أينما تقع فبعد أن تبددت هالة الظلام والهيمنة ستكون تداعياتها هي المحرك للتغيير في ذهنية العالم لتنشئ وعيا أمميا جديدا ينهي زمن الظلام. تزامن هذا التكاثف مع حشد عظيم في منطقة الخليج وجهود إبراز عظيم القوة حتى تتمكن الإدارة الأمريكية من الحصول على أفضل صفقة مع إيران. جمعت الإدارة الأمريكية كل ما لدى أمريكا من قدرات وإمكانات وبعثتها للخليج في موجات الموجة الأولى مع التهديد والوعيد إلى الغزو والنفير، وبعد ذلك التهديد والوعيد اصبح طريق التفاوض ممهدا بعد ان كان بعيد المنال، فكانت المرحلة الأولى في تحديد الموقع والمكان ووضع إطار للمفاوضات يبدو أن الإيرانيين قادرون على تحديد المكان مثل عمان، ففي الإطار التفاوضي ما زالت إيران تقول إن التفاوض والحديث عن النووي فقط كإطار عام وما زالت الخارجية الأمريكية تتحدث عن أربعة مطالب النووي وبرنامج الصواريخ البالستية واحترام سيادة الدول وعدم دعم الميليشيات. وان كانت الإدارة الأمريكية قد استفادت من رفع الضغوط على الإيرانيين وعلى نتنياهو وعلى كل من في المنطقة وصرفت الأنظار عن ملفات ابستين ففي ذهن الإدارة الأمريكية تكون قد حققت ما تصبو اليه من العودة للتفاوض وتجاوز ابستين ومن ثم أيضا سحب القوات الأمريكية إلى الولايات المتحدة فتكون مناطق النفوذ والجغرافيا قد حددت ما بين الولايات المتحدة وجغرافيا أمريكا الشمالية والجنوبية والصين وتايوان وروسيا والدونباس فإعادة رسم الخرائط قد يكون أساس التفاهمات والمواجهة الأمريكية الإيرانية لتحديد الخط الأهم خط الردع في منطقة الشرق الأوسط منطقة النفوذ ونكون على أبواب إعادة تشكيل النظام العالمي ليكون متعدد الأقطاب وقد نرى ضغطا من قبل الصين وروسيا على الولايات المتحدة للعودة للالتزام بالقانون الدولي ومنظمات الأمم المتحدة وتطبيق القانون الدولي مع تحملهم التداعيات المالية وهذا يعني الضربة النهائية في كفن الكيان.
8700
| 23 فبراير 2026
رمضان في الوعي الإسلامي ليس مجرد شهر عبادة فردية معزولة عن حركة الحياة، بل زمن تاريخي متخم بالدلالات، تداخلت فيه الروح مع الفعل، والإيمان مع الحركة، حتى أصبح عبر القرون موسماً تتجدد فيه طاقة الأمة وتتعاظم قدرتها على الإنجازات والفتوح والتوسع. ومن يتأمل مسار التاريخ يدرك أن ارتباط رمضان بالتحولات الكبرى لم يكن مصادفة زمنية، بل نتيجة طبيعية لحالة نفسية وروحية خاصة يولدها الصيام من انضباط داخلي، وصبر طويل، وشعور وفهم عميق بالغاية والمعنى. لقد كانت غزوة بدر في 17 رمضان سنة 2 هـ بقيادة النبي محمد صلى الله عليه وسلم النموذج الأول لهذا المعنى، قلة العدد وضعف الإمكانات لم يمنعا تحقق النصر، لأن العامل الحاسم لم يكن مادياً خالصاً، بل معنوياً أيضاً. ثم جاء فتح مكة في 20 رمضان سنة 8 هـ بقيادة النبي صلى الله عليه وسلم ليؤكد أن النصر قد يتحقق بأقل قدر من القتال عندما تبلغ القوة الأخلاقية والسياسية ذروتها. وفي العهد الراشد استمر هذا النسق، فشهد رمضان معركة البويب سنة 13 هـ بقيادة المثنى بن حارثة الشيباني ضد الفرس، وفتح مصر الذي اكتمل في رمضان سنة 20 هـ بقيادة عمرو بن العاص، وهي أحداث رسخت التوسع الإسلامي ووسعت آفاق الدولة. ويبرز رمضان سنة 92 هـ بوصفه عاماً استثنائياً، إذ تزامن فيه التوسع الإسلامي شرقاً وغرباً معاً. فتح السند بقيادة محمد بن القاسم الثقفي، وفتح الأندلس عبر معركة وادي لكة بقيادة طارق بن زياد تحت ولاية موسى بن نصير. هنا يتجلى البعد الحضاري لرمضان بوضوح، فالأمر لم يكن مجرد انتصارات عسكرية عابرة، بل بدايات لتشكل عوالم ثقافية جديدة امتدت قروناً. حتى الأحداث التي لم تقع معاركها الحاسمة في رمضان مباشرة، مثل القادسية بقيادة سعد بن أبي وقاص أو اليرموك بقيادة خالد بن الوليد، ارتبطت به من حيث التعبئة والاستعداد والسياق العام، مما يعكس أن الشهر كان موسماً طبيعياً للحشد النفسي والمعنوي. وفي أوروبا ارتبطت الحملات الإسلامية التي بلغت جنوب فرنسا في زمن بلاط الشهداء بقيادة عبد الرحمن الغافقي بروح التوسع التي غذّاها هذا المناخ الإيماني. وفي العصر العباسي ظهر المعنى نفسه في فتح عمورية سنة 223 هـ بقيادة الخليفة المعتصم بالله، حيث تحولت الاستجابة لصرخة امرأة مسلمة إلى حملة عسكرية كبرى أعادت هيبة الدولة. ثم بلغ الارتباط بين رمضان والمصير ذروته في عين جالوت سنة 658 هـ بقيادة السلطان المملوكي سيف الدين قطز ومعه القائد الظاهر بيبرس، حين أوقف المسلمون المدّ المغولي بقيادة كتبغا. وتكرر المشهد في شقحب سنة 702 هـ بقيادة السلطان الناصر محمد بن قلاوون بمشاركة القائد بيبرس الجاشنكير ضد المغول بقيادة قتلغ شاه. ولم ينقطع هذا الخيط في التاريخ الحديث، فقد جاءت حرب العاشر من رمضان سنة 1393 هـ بقيادة الرئيس المصري محمد أنور السادات عسكرياً عبر قيادة الفريق سعد الدين الشاذلي والقيادات الميدانية، لتؤكد أن الصيام لا يعوق الفعل بل قد يضاعف القدرة عليه عندما تقترن الإرادة بالتخطيط والعلم. إن الجامع بين هذه الوقائع ليس الشهر ذاته بقدر ما هو الإنسان الذي يصنع فيه نفسه من جديد. فالصوم مدرسة ضبط، والقيام مدرسة صبر، والقرآن مدرسة وعي، وعندما تجتمع هذه العناصر تتولد طاقة حضارية قادرة على التغيير. لذلك ظل رمضان في الذاكرة الإسلامية شهراً للعبادة والعمل معاً، لا زمن انسحاب من الحياة، بل موسم إعادة شحن للقوة الكامنة في الإنسان، وتذكيراً بأن أعظم الانتصارات تبدأ من الداخل ثم تمتد لتصنع التاريخ.
1596
| 25 فبراير 2026
في رمضان، حين يخفُّ صخبُ العالم وتعلو همساتُ الروح، تتبدّى حقيقةٌ لا تخطئها البصيرة: أن الزمن لا يستقيم على حال، وأن الحياة لا تعرف السكون ولا الجمود. الدهر نهرٌ جارٍ، لا يستقر على ضفة، ولا يكرر إنتاج موجةً مرت. وما الأمس إلا ظلٌّ انزوى، وما الغد إلا وعدٌ يتشكّل في رحم الغيب. بقاء الحال من المحال… ليست عبارةً تُقال، بل قانونٌ يسري في الذرّة كما يسري في الفرد والمجتمعات والدول، في القلب كما في العروش. الإنسان يتقلّب كما يتقلّب الليل والنهار؛ عافيةٌ تعقبها شدة، وغنىً يعقبه فقر، وسلطانٌ يليه أفول، وربما فرج لا يعقبه ضيق بل فتح من الله ونصر. من سنن الله الخالدة التدافع، ولولا هذا التدافع، وهذا الاختلاف الذي فطر الله الناس عليه، لتوقّفت عجلة الوجود، وتجمدت المعاني في قوالبها. رمضان يعلّمنا فلسفة الحركة في أروع صورها. نجوع فنشعر بضعفنا، ثم نفطر فندرك قيمة النعمة، وفضل الله علينا بالعافية.. نقوم الليل فتتهدّل أجسادنا، ثم تستقيم أرواحنا. هو تدريبٌ على تقبّل التحوّل، وعلى أن نعيش اللحظة مدركين أنها لن تعود. في سورة يوسف، تتجلى هذه السنّة في رؤيا ملكٍ أرقته صورةُ الزمن وهو يأكل بعضه بعضًا: ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَىٰ سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ﴾. لم تكن الرؤيا سوى تجسيدٍ لسنن التحول، ولدورة الحياة: خصبٌ يعقبه جدب، ووفرةٌ يعقبها قحط، ثم عامٌ يغاث فيه الناس. هكذا يكتب الله الفصول، لا على صفحة الطبيعة فحسب، بل على صفحة القلوب أيضًا. يوسف عليه السلام لم يقرأ الرؤيا قراءةَ متصوّفٍ يستسلم للغيب، بل قراءةَ حكيمٍ، بتدبر ويستعدّ له. علّم الناس أن التغيير لا يُدفع، لكنه يُدار. وأن الرخاء ليس زمنَ الدعة والترف، بل زمنَ الادّخار. وأن الشدة ليست نهاية، بل جسرٌ إلى عامٍ يُعصر فيه العنب وتفيض فيه السنابل، ويعم الخير الجميع. من هنا نفهم قول الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه وكرم وجهه: «الدهر يومان، يومٌ لك ويومٌ عليك، فإذا كان لك فلا تبطر، وإذا كان عليك فاصبر». إنها معادلة التوازن: تواضعٌ عند الامتلاك، وثباتٌ عند الفقد. فالبطر يعمي، واليأس يقصم، وكلاهما انحراف عن سنّة التدافع. وقد قالوا: «إنَّ مع اليومِ … غدًا»، لأن الخير والشر يتعاقبان كما يتعاقب المدّ والجزر، والفرج والضيق. ولأن اللحظة التي تضيق اليوم قد تتسع غدًا بما لم يخطر على قلب بشر، وقد يحصل العكس. يا من يظنّ أن الفرح دائم، تذكّر أن الشمس تميل إلى المغيب. ويا من يظنّ أن الحزن أبديّ، تذكّر أن الفجر لا يتخلّف عن موعده. الزمن ليس خصمًا، بل معلّم؛ يأخذ بيد من يفهم حكمته، ويؤدّب من يركن إلى وهم الثبات. رمضان إذن ليس شهر العبادة فحسب، بل شهر الفلسفة الهادئة؛ شهرٌ نُعيد فيه ترتيب علاقتنا بالزمن، كيفما تكون تقلباته، ونتعلم أن نعيش بين قطبين: بين الشكر والصبر، بين العمل والتوكّل، بين التخطيط والرضا. فالدهر يومان… والمؤمن العاقل هو من يقرأ يومه قراءة عابر سبيل، المتدبر، المتحوط لا قراءة المالك، ويتعامل مع النعمة كأمانة، ومع المحنة كرسالة. وبين هذا وذاك، يبقى اليقين الأعظم: أن الأرزاق بيد الله، وأن الأيام دول، وأن في تقلّبها سرًّا من أسرار الرحمة، لو دام لنا الرخاء لفسدت النفوس، ولو دام الضيق لانكسرت الأرواح. فالحمد لله على يومٍ لنا…نشكر والحمد لله على يومٍ علينا…نصبر فكلاهما طريقٌ إليه سبحانه … كيفما تكون الحال …. ختم الله بالصالحات أيامكم
861
| 26 فبراير 2026