رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
ليس مؤكداً بعد أن روسيا والصين اقتربتا من الموقف الدولي الواضح حيال الأزمة السورية، كانت موسكو رحبت بحماس ملحوظ بتعيين كوفي أنان مبعوثاً دولياً-عربياً، ولذلك فعندما طلب الرجل إجماعاً في مجلس الأمن على دعمه في مهمته كان لابد للروس أن يليّنوا سلبيتهم بعض الشيء. ومع ذلك لم تثمر الجهود في استصدار قرار عن المجلس بل اكتفى ببيان رئاسي، أي بكلام يسجل ويوثق لكنه غير ملزم، كانت روسيا رفضت صيغة قرار تتضمن إنذاراً للنظام السوري إن هو لم يتعاون مع جهود أنان، ما يعني لاحقاً البحث في عقوبات دولية، وربما فتحا لأبواب التدخلات، وشرعنتها، رغم تأكيدات متكررة بأن دول الغرب لا تعتزم التدخل كما فعلت في ليبيا.
واقعياً، وحده تدخل كهذا يمكن أن يحقق الهدف الذي يتوخاه الشعب السوري والمؤكد أن مثل هذا التدخل سيجر تداعيات تراوح بين الفوضى والحرب الأهلية وربما ارتدادات إقليمية، لذلك، بدا أخيراً أن "السيناريو اليمني" وفقاً للمبادرة الخليجية، المدعومة أمريكياً وأوروبياً، كفيل ببلورة حل وسط ووقف المحنة عند هذا الحد، إلا أن النظام لم يبد أي اهتمام بهذا السيناريو بعدما لوحت به القرارات الصادرة عن الجامعة العربية في الثاني والعشرين من يناير الماضي، وقد أدى موقفه هذا إلى دفع الجامعة إلى تدويل قراراتها، أما السؤال الذي طرح دائماً فهو: إذا كان النظام مطمئناً بفضل روسيا والصين، إلى أن التدخل العسكري الخارجي مستبعد، وإذا كان يرفض سيناريو نقل صلاحيات الرئيس إلى نائبه، وهو ما كانت موسكو أول من طرحه، فما الذي يريده إذن؟
الأرجح أن حتى روسيا لم تعد قادرة على تقدير موقف دمشق، خصوصا أن وزير خارجيتها سيرغي لافروف كرر خلال الأسبوع الماضي أن النظام ارتكب الكثير من الأخطاء التي عمقت الأزمة وزادتها تعقيداً، أما الصين فقد تكون تراقب الوضع لتعرف في أي لحظة عليها أن تنعطف، ولعل أكبر "الأخطاء" التي تشير إليها روسيا أن النظام لم يقدم ما يمكن أن يدعم بقاءه، إذا كان لا يزال يعتقد بأنه سيبقى، ثم أن الوضع الحالي، رغم صعوباته الشديدة، ربما يساعد موسكو على الدفاع عن فكرة بقاء النظام والترويج لحل سياسي من خلاله، لكن المزيد من الأخطاء سيعني بالضرورة أن الحليف الروسي سيضطر إلى تغيير جوهري في موقفه.
لاشك أن النظام يريد أن يبقى، بل يعتقد أنه مادام متفوقاً عسكرياً على خصومه فإنه قادر على فرض حل سياسي بدأه بتعديل الدستور وإجراء استفتاء مفبرك عليه، وسيكمله بانتخابات تشريعية وفقاً لهذا الدستور لكنه يعلم تماماً أن المسألة لم تكن يوماً مسألة معادلة عسكرية إذا كان المخرج محكوماً بحل سياسي، وإنما هي مسألة تنازلات عليه أن يقدم عليها، وليس مؤكداً أنها ستساعده – وقد تأخر الآن في إظهارها – على أن يكون جزءاً رئيسيا من الحل، أما في حال اشتدت عليه الضغوط إذا تخلت عنه روسيا بشكل أو بآخر، فإنه سيكتفي بالحليف الأخير الذي سيبقى إلى جانبه، أي إيران وعندئذ قد يعمد إلى سيناريو "إشعال المنطقة"، الذي طالما لوح به الرئيس السوري علما بأنه لن يحقق له الهدف، أي بقاء النظام، بل سيكون وصفة كفيلة بإنهائه نهاية سيئة.
على افتراض أن هذا "الإشعال" للمنطقة هو فعلاً الورقة التي لا يزال النظام يناور بها، فإلامَ يمكن أن تفضي، أو بالأحرى إلى أين يريد أن يصل بها؟ إذا بلغ نقطة اللاعودة هذه يكون قد حسم أمره بعدم تسليم النظام، وبدفع الدولة إلى الانهيار، بما فيها الجيش، أما النواة الصلبة للنظام فستنكفئ إلى المنطقة الساحلية وتعزز الدفاعات التي أقيمت أخيراً بغية جعلها أشبه بمنطقة حكم ذاتي، أو دويلة، أو اقليم فيدرالي، أو أي صيغة يمكن روسيا أن تضمن لها الحماية بذريعة درء المذابح والتارات عن طوائف الأقليات التي ستلجأ إلى تلك المنطقة.
قد يبدو ذلك افتراضياً في اللحظة الراهنة، لكن أي تحليل استشرافي بمسار الأزمة لابد أن يضع مصير الأقليات على المحك، خصوصاً أن النظام بذل ويبذل كل جهد لاستخدامها في معركة بقائه، هذا لا يعني أن كل الأقليات معجبة بالنظام، إلا أن خياراتها خلال الأزمة ظلت ضئيلة، ثم أن الوحشية التي تعامل بها النظام مع الشارع الثائر عليه لا تنفك تدفع هذا الشارع إلى إفراز متطرفين يرون أن الوقت حان لكي يحسم المجتمع السوري أمره على طريقة "إما معنا وإما ضدنا"، من هنا فإن المجتمع الدولي يركز على مهمة كوفي أنان ويعتبرها الفرصة الأخيرة، فإذا استجاب النظام وتعاون معها ربما لا يزال هناك مجال لضبط المعارضين أو للضغط عليهم للانخراط في حل سياسي متوازن يحقق لهم معظم طموحاتهم ويحرم النظام من السطوة التي يمارس بها عدوانيته ضد الشعب.
المشكلة التي ستواجه أي حل هي نفسها التي اختار النظام أن يواجهها بالقوة والقمع منذ اليوم الأول. فإذا أوقف القتل لن يتمكن من منع التظاهرات المليونية التي يخشاها بل يعتبرها أكثر فاعلية وتحدياً من هجمات العسكريين المنشقين، فالمعادلة المختلة بين استخدام العنف المفرط مقابل التظاهرات السلمية هي التي أغرقت النظام في لجّة الأزمة ولم يعد يستطيع الخروج ولا إخراج البلد منها، هذه هي المعضلة الكأداء التي سيصطدم بها المبعوث الدولي – العربي، لأن منطق الأحداث وديناميتها على الأرض تجاوزا مهمته حتى من قبل التفكير في تعيينه، بحيث بات صعباً إن لم يكن مستحيلاً تصور حل وسط، فأمام أنان معارضة مثخنة بالخسائر البشرية ولا يمكنها التراجع إلا إذا حصلت على ما يعوضها ويحقق التغيير الذي تنشده، وأمامه في المقابل نظام خسر فعليا شرعية بقائه بفضل القتل الذي ارتكبه بلا حساب للعواقب، وبالتالي عليه أن يدفع ثمناً معتبراً ليتسنى له أن يكون شريكاً في الحل.
فحتى الذين يعتبرهم في صفه من بعثيين وأحزاب حليفة، فضلاً عن أقليات خائفة منه وعليه، باتوا جميعا يعرفون أن النظام لن يعود كما كان ولا في أي من السيناريوهات، بما فيها ذلك الذي يفترض إقامة إقليم ذاتي متمتع بضمانات أمنية دولية.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز لوحدة شعوب دول مجلس التعاون، ولصِلات الأخوة التي تربطنا باليمن والعراق. وأنها قمة شعبية نتحاور فيها، خليجيًا، بلغة كرة القدم. ولعل دور الإعلام هو الدور الأهم في ترسيخ مفاهيم وحدة المصير والعيش المشترك، وسأناقشه في نقاط كالتالي: 1 - على الخطاب الإعلامي أن يكون رياضيًا مطلقًا، فالَّلعبُ أداءٌ يُـظْهِـرُ مدى تقدُّم كرة القدم في الدول المشاركة. ولذلك، ينبغي أن يرتكز التحليل الرياضي على تبيين الجوانب الفنية، وعوامل القوة والضعف، والحالات التي أخطأ فيها المدربون واللاعبون والحكام، بحيث يُستفاد من ذلك في زيادة الوعي الرياضي وتثقيف العقل الجمعي للناشئة والشباب. 2 - لا أحد يستطيع منع التعصب المعتدل في تشجيع الجماهير لفرقها الوطنية، إلا أن دور الصحافة ووسائل الإعلام لا ينبغي أن يُمارس بهذه الصورة، وإنما يكون الرافعة التي يُستند إليها في تهذيب النفوس، وتقوية الروح الرياضية، والتقريب بين الشعوب. والملاحظ في بعض صحافتنا الخليجية أنها تُقوّي النزعات التعصبية بعناوينها ومقالاتها الرنانة التي لا تخدم إلا زيادة توزيعها، لكنها تُسهم في إضعاف الروح الرياضية وتؤثر سلبًا في نفوس بعض قرائها. 3 - حبذا لو استثمر الإعلام البطولة في الدعاية للاستثمار، وتشجيع التجارة البينية، والسياحة من خلال مقالات تستخدم خطابًا بسيطًا يتحدث عن الدول المشاركة واقتصاداتها وقوانينها التشجيعية لغير مواطنيها، فهذا مجال يخدم ما تسعى إليه الشعوب وقياداتها الحكيمة في دول مجلس التعاون. 4 - ما أروع لو تبنّى الإعلاميون الخليجيون خطابًا مرافقًا للخطاب الرياضي، فيه دعوة للمشاركة في البنى الرياضية الأكاديمية في دولنا، وتشجيع الهيئات الرياضية الرسمية على إيفاد الشباب للدراسة فيها، كأسباير على سبيل المثال، لأن الدارسين هم القادة الرياضيون والمجتمعيون في بلادهم، وستكون دراستهم مجالًا لتمتين الروابط بين شعوبنا مستقبلًا. كلمة أخيرة: نتمنى لمنتخبنا الوطني والمنتخبات المشاركة التوفيق، وتقديم صورة مشرقة عن كرة القدم في بلداننا، تُسهم في استكمال الصورة الحضارية التي ترسمها الجماهير.
5742
| 23 سبتمبر 2026
قد يدخل رجلان إلى اجتماع واحد، ويقدم كل منهما عرضًا متقاربًا في السعر والجودة، ثم يخرج أحدهما بصفقة جديدة، بينما يخرج الآخر من دونها. وقد لا يكون الفارق في العرض نفسه، بل في تفاصيل صغيرة: طريقة الاستقبال، ونبرة الحديث، والقدرة على الاستماع، واحترام الوقت، والشعور الذي تركه كل منهما لدى الحاضرين. فالناس في عالم الأعمال لا يشترون منتجًا أو خدمة فقط، بل يختارون أيضًا الشخص الذي يطمئنون إلى التعامل معه. وقد يربح رجل الأعمال صفقة بقوة السعر أو النفوذ، لكنه لا يضمن تكرارها إلا إذا شعر الطرف الآخر بالتقدير والثقة. ومن هنا يصبح حسن التعامل جزءًا من النجاح التجاري، لا مجرد صفة شخصية جميلة. وعندما نتحدث عن نجاح رجل الأعمال، تتجه الأنظار عادةً إلى حجم استثماراته وعدد مشروعاته وأرباحه. غير أن لديه رأس مال آخر لا يظهر في الميزانية: رصيده لدى الناس. هذا الرصيد يتكوّن من كلمة صادقة، ووعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموقف حُفظت فيه كرامة إنسان. وقد تفتح السمعة الطيبة لصاحبها فرصًا لا يصل إليها بالمال وحده. والاختبار الحقيقي لأخلاق رجل الأعمال لا يكون دائمًا في قاعة الاجتماعات الكبرى، بل في تعامله مع من لا ينتظر منهم مصلحة مباشرة: موظف الاستقبال، والسائق، والعامل، وصاحب الشركة الصغيرة. ففي هذه المواقف تظهر شخصية الإنسان بعيدًا عن المجاملات والمصالح. وقد ينسى الناس ما قيل في الاجتماع، لكنهم يتذكرون من استقبلهم باهتمام، ومن أنصت إليهم، ومن تركهم ينتظرون بلا اعتذار، أو ظل ينظر إلى هاتفه أثناء حديثهم. ومن أهم التفاصيل احترام الوقت والكلمة. قد يحدث ما يسبب التأخير، لكن الاعتذار والإبلاغ المبكر يصنعان فرقًا. وحين يقول رجل الأعمال إنه سيرد غدًا، أو يسدد مستحقًا في تاريخ محدد، تصبح كلمته جزءًا من سمعته. وإذا تعذر التنفيذ، فالمصارحة المبكرة أفضل من الصمت والتسويف. فالناس قد يتفهمون تغير الظروف، لكنهم لا يتقبلون تجاهلهم. وتزداد أهمية ذلك مع الموردين والشركات الصغيرة. فقد تكون الدفعة المتأخرة بندًا بسيطًا لدى مؤسسة كبيرة، لكنها قد تعني رواتب شهر كامل لدى شركة صغيرة. لذلك، لا ينبغي أن يستخدم القوي قدرته المالية للضغط على الأضعف أو تأخير حقوقه. فدفع المستحقات في مواعيدها ليس إجراءً ماليًا فقط، بل معيار يكشف عدالة المؤسسة وطريقة تفكير قيادتها. أما في التفاوض، فليس النجاح أن يخرج أحد الطرفين منتصرًا والآخر مثقلًا بالشعور بالغبن. صحيح أن كل طرف يسعى إلى أفضل شروط ممكنة، لكن الصفقة التي يشعر بعدها أحدهما بأنه استُغل قد تتم مرة واحدة ولا تتكرر. المفاوض الذكي لا يسأل فقط: كم ربحت؟ بل يسأل أيضًا: هل سيرغب الطرف الآخر في التعامل معي مجددًا؟ فالصفقة الجيدة تحفظ المصالح وتترك الباب مفتوحًا لعلاقة أطول. ومن حسن التعامل ألا تتغير أخلاق رجل الأعمال إذا لم تتم الصفقة. فقد لا يتفق الطرفان اليوم، لكنهما قد يلتقيان في فرصة أخرى غدًا. أما تجاهل الرسائل أو إظهار الضيق لمجرد أن الاتفاق لم يكتمل، فقد يغلق بابًا كان يمكن أن يُفتح لاحقًا. وتظهر شخصية رجل الأعمال بوضوح عند الخلاف. ففي أوقات النجاح يسهل إظهار الهدوء، لكن الأخلاق المهنية تُختبر عند تأخر المشروع، أو وقوع خسارة، أو تقصير موظف، أو اختلاف الشركاء. هنا يظهر الفرق بين الحزم والإهانة؛ فالحزم يعالج المشكلة ويحفظ مكانة الإنسان، أما الإهانة فتضيف إلى المشكلة مشكلة أخرى. يستطيع رجل الأعمال أن يرفض عرضًا، أو ينهي عقدًا، أو يتخذ قرارًا صعبًا من دون رفع صوته. ومن أكثر الأخطاء ضررًا توبيخ الموظف أمام زملائه أو العملاء. فإذا كان هناك خطأ يستحق التصحيح، فالأفضل مناقشته على انفراد، أما التقدير فيمكن أن يكون أمام الجميع. وقد ينسى الموظف مكافأة حصل عليها، لكنه يتذكر طويلًا مديرًا حفظ له مكانته في موقف صعب. وهنا يأتي الإتيكيت بوصفه تعبيرًا عن التقدير، لا مجموعة من المظاهر المتكلفة. فهو لا يقتصر على أناقة الملبس أو ترتيب الجلوس، بل يبدأ بأن يعرف رجل الأعمال أسماء ضيوفه وصفاتهم، ويقف لاستقبالهم، ويعرّف الحاضرين بعضهم إلى بعض، ويضع هاتفه جانبًا، ولا يقاطع المتحدث أو يحتكر الحوار. ومن اللباقة ألا يبدأ اللقاء بالحديث المباشر عن الصفقة، بل يترك مساحة قصيرة للترحيب والتعارف، ويختار مكانًا يناسب ضيوفه، ويراعي اختلاف الثقافات والعادات، ثم يشكرهم بعد اللقاء. وفي الاجتماعات، لا يترك الانطباع الأفضل من يتحدث أكثر، بل من يعرف متى يتكلم ومتى يستمع؛ فالإنصات الحقيقي قد يكشف فرصة لم تكن ظاهرة في العرض المكتوب. ولا تكتمل جودة التعامل من دون حفظ الأسرار. ففي مجالس الأعمال تناقش أوضاع مالية وخطط مستقبلية وخلافات داخلية. ومن ينقل هذه المعلومات ليبدو واسع الاطلاع قد يجذب الانتباه مؤقتًا، لكنه يفقد ثقة الناس تدريجيًا. فمن يتحدث أمامك عن أسرار غيرك، سيجعلك تتساءل: ماذا سيقول عني عندما أغادر؟ وعلى رجل الأعمال أن يختار من يمثله بعناية. فقد يكون هو لبقًا، لكن مديرًا متعاليًا أو مساعدًا سيئ الأسلوب يستطيع أن يهدم في دقائق صورة بُنيت خلال سنوات. فالناس ينسبون تصرف الموظف إلى المؤسسة وصاحبها، ولذلك يجب أن يصبح حسن التعامل ثقافة واضحة، لا سلوكًا يظهر في حضور المالك ويختفي في غيابه. ومع ذلك، فإن حسن التعامل لا يعني المجاملة على حساب المصلحة أو العدالة. فلا يصح توظيف شخص غير مؤهل إرضاءً لصديق، أو منح عقد لمن لا يستحقه، أو السكوت عن تقصير متكرر. يمكن الاعتذار عن طلب، ورفض وساطة، وإنهاء تعاون، من دون خصومة أو إساءة. فالوضوح المهذب أفضل من موافقة مؤقتة تنتهي بخلاف أكبر. ولعل من المفيد أن يراجع رجل الأعمال نفسه بعد كل لقاء مهم، فيسأل: هل كنت واضحًا؟ هل استمعت جيدًا؟ هل راعيت وقت الآخرين ومكانتهم؟ وهل سيشعرون بالارتياح إذا تعاملوا معي مرة أخرى حتى لو لم تتم الصفقة؟ هذه الأسئلة البسيطة قد تكشف ما لا يظهر في التقارير والأرقام. في النهاية، لا تُبنى السمعة بحملة إعلامية، بل بمواقف صغيرة تتكرر كل يوم: وعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموظف عومل بإنصاف، ومورد لم تُستغل حاجته، وضيف شعر بأن وقته محل تقدير. رجل الأعمال الناجح لا يسأل فقط: ماذا ربحت من هذه الصفقة؟ بل يسأل أيضًا: ما الانطباع الذي تركته بعد انتهائها؟ فالصفقة قد تضيف رقمًا إلى أرباح العام، أما الثقة فتضيف إلى اسمه قيمة لا تظهر في الميزانية، لكنها تفتح له أبوابًا قبل أن يطرقها. وفي عالم تتقارب فيه الأسعار والمنتجات، قد تصبح طريقة التعامل هي الميزة التي لا يستطيع المنافسون تقليدها بسهولة. وقد سمعت من والدي، أحمد حامد المرواني، رحمه الله، هذه الحكمة الشعبية: «تاخذ بالطيب من الناس اللي ما تقدر تاخذه بالقوة». وهي حكمة تختصر الكثير في عالم الأعمال؛ فما يُبنى بالاحترام يدوم، وما يُنتزع بالقوة قد يتحقق مرة، لكنه لا يصنع ثقة ولا علاقة طويلة.
4926
| 22 سبتمبر 2026
جميل هذا التعاون الذي بدأته مؤسسة حمد الطبية في تحويل المواطنين للعلاج في مستشفيات القطاع الخاص، وهي خطوة تستحق الإشادة؛ لما تحققه من تخفيف الضغط على المستشفيات الحكومية، وتسهيل حصول المواطنين على الخدمات العلاجية، فضلًا عن دعم القطاع الصحي الخاص وتنشيط الحركة الاقتصادية. إنها منظومة يستفيد منها الجميع: الدولة والمواطن والمستشفى. منذ أيام، كانت لي تجربة شخصية بعد تحويلي من مؤسسة حمد الطبية إلى مستشفى «ذا فيو» لمتابعة حالتي مع أحد الأطباء. والحقيقة أن المستشفى يتمتع بمستوى راقٍ من حيث المبنى والتجهيزات والخدمات، لكنني خرجت بملاحظتين مهمتين أتمنى أن تأخذهما مؤسسة حمد الطبية بعين الاعتبار. الأولى: ربط الملفات الطبية. لا يُعقل أن يدخل المريض على الطبيب في المستشفى الخاص ليبدأ بسرد تاريخه المرضي من الصفر، وكأنه يروي قصة قصيرة! فقد ينسى بعض التفاصيل، أو يعجز عن شرح حالته بدقة، خصوصًا إذا كانت لديه أمراض مزمنة أو عمليات سابقة أو يتناول أدوية متعددة. المريض المحوَّل من مؤسسة حمد الطبية إلى القطاع الخاص يجب أن ينتقل بملفه الطبي وتاريخه العلاجي، لا أن يبدأ رحلته العلاجية من الصفر. لذلك، من الضروري أن تتضمن اتفاقيات التعاون ربطًا إلكترونيًا آمنًا يتيح للطبيب المعالج الاطلاع على الملف الصحي للمريض، بما يشمل تاريخه المرضي ونتائج فحوصاته وعملياته السابقة والأدوية التي يتناولها، وفق الضوابط المعتمدة لحماية خصوصية المرضى. فهذا الربط لا يضمن استمرارية الرعاية وسلامة المريض فحسب، بل يوفّر أيضًا وقت الطبيب، الذي قد تكون عيادته مزدحمة بالمراجعين، ويساعده على فهم الحالة بصورة أشمل وأدق، واتخاذ القرار العلاجي المناسب دون إضاعة الوقت في استعادة معلومات يفترض أن تكون متاحة أمامه منذ البداية. الثانية: توفير خدمة الترجمة الطبية ليس كل المواطنين يجيدون اللغة الإنجليزية، وليس كل من يتحدث بها قادرًا على فهم المصطلحات الطبية الدقيقة. ومع وجود أطباء لا يتحدثون العربية، تصبح الترجمة الطبية المتخصصة ضرورة لضمان فهم المريض لتشخيصه وخطته العلاجية وتعليمات الطبيب، لا مجرد خدمة إضافية. ومن المهم أن تتوافر هذه الخدمة عند الحاجة، من خلال مترجمين مؤهلين قادرين على نقل المعلومات الطبية بدقة، حتى لا يؤدي سوء الفهم إلى أخطاء في تناول الأدوية أو اتباع التعليمات العلاجية. إن نجاح هذه المبادرة لا يقتصر على تحويل المريض إلى مستشفى خاص، بل يتطلب ضمان استمرارية الرعاية الطبية وسهولة التواصل بين الطبيب والمريض. شكرًا لمؤسسة حمد الطبية على هذه الخطوة، وأتمنى أن تؤخذ هاتان الملاحظتان بعين الاعتبار لاستكمال منظومة التعاون وتحقيق الفائدة المرجوة منها للجميع.
3075
| 24 سبتمبر 2026