رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
كشفت وقائع الأيام الثلاثة الماضية أن هناك جيلا جديدا ولد من معانات العامين الماضيين تجاوز في أدائه وإصراره وقدراته حاله منذ عامين، وأن ظاهرة القتل لم تثنه عن الإصرار، وأنه لا يسلم أمره لأحد، وأنه لا يهاب الرصاص، وأنه صنع من موقفه اللحظي بوتقة تصهر المجتمع لينتج قياداته الطبيعية، وتجاوز كل المطروح عليه من أسماء أو أدوات أو بدائل، وكشف بإرادته عجز الجميع، سلطة أو معارضة، عن استيعاب طبيعة المرحلة وتواضع القدرات بما لا يسمح لأي منهم بثقة الجيل الجديد.
هذا الجيل لا يقبل أن يفوض أحدا للحديث باسمه، ويريد أن يمارس كامل التجربة، ويقول بأن المفاضلة بين الاختيارات هي ناتج تجربته، لأنه يمارسها بأسلوبه. ويرفض هذا الجيل القيادة الفرد، ويقول إن الاختيار لا يقوم على سمعة أو تاريخ، ولكنه يقوم على امتلاك القدرات، والاحتياج والمهام هي مصدر توصيف القدرات المطلوبة، وبالتبعية تحديد مواصفات الأشخاص الذين يوكل إليهم العمل. ولديه ثقة على نحو ما في أن الزمن لصالحه، فانفتح أمامه باب الصبر وما ينتج عن الصبر من إبداعات.
إن حجم مظاهرات يوم 25 يناير 2013 يؤكد أن العامين المنقضيين لم ينالا من عضد الشعب وإرادته، بل كانا لحظة في عمر الشعب، انقضت وأكمل الشعب نداءات الحرية، وكأنها استطراد طبيعي ليوم 11 فبراير 2011، أن شعبا يملك قدرة الاستمرار هكذا شعب يستحق الحياة، وشعب يملك قدرة التمييز بهذا الوعي بين مطالبه ونداءاته وبين واقع السلطة التي تحكمه، شعب يستحق الانتصار.
جمعني الحوار باثنين من هذا الجيل شاب وشابة العمر واحد والمهن مختلفة، والحصيلة النهائية أن الوطن هو حياتهما.
تلقيت مساء الجمعة 25 يناير اتصالا من الشاب يصرخ: "إن هناك خداعا وتقاعسا في حركة المسيرات، لا يوجد حشد مناسب أمام قصر الاتحادية، وأن المئات هناك يتعرضون لقصف شديد بقنابل الغاز المسيل للدموع، وأنه نوع جديد وشديد ــ وكنا قد جربناه اليوم السابق على الاتصال ــ وأنه إن لم يتم غدا شيء فإن الثورة تكون قد تعرضت لأكبر حالة من التفريط". لم أكن أملك تجاه حديثه غير مطلب الثبات، وعدم تعجل الحكم على الموقف، لأنها البداية، وأن الاستمرار هو جزء رئيسي من الرسالة، ولا يجب أن ندع تكتيك الإهمال والتجاهل الذي يتبعه النظام يؤتي ثماره.
ليعود نفس الشاب، للاتصال مساء يوم الأحد في أعقاب بيان الرئيس المنتخب والذي أعلن فيه الطوارئ وحظر التجول بمنطقة القناة، لأجد حاله قد تبدل قائلا: "أشعر أننا نجحنا في كشف عجزهم، وأن الخطاب ينم عن خوف وتردد وعجز عن الاستيعاب وعدم قدرة على مواجهة الأحداث، ليكمل: أنا متفائل وأعتقد أننا نجحنا، والمهم الاستمرار".
هكذا يقيم هذا الجيل الأحداث من واقع وجوده فيها، وفي اليوم التالي جمعني حديث مع شابة من ذات الجيل، قالت في معرض تقييمها للحالة التي تمر بها الثورة: "في 25 يناير 2011 كانت هناك صرخة الشباب الذي يرفض الظلم والتعذيب والفساد ولا يرى النظام يتيح مستقبلا لهم، وواكبت صرخة الشباب صرخة شعب من معاناته في الحياة، وحالة الغلاء وانعدام الأمل في المستقبل، والتقاء الصرختين صنع الثورة وشعار عيش حرية عدالة اجتماعية"
وتكمل: "لا تنتظر من أحد أن يتحمل المسؤولية، فالثورة لم تحدث التغيير بعد، فالتغيير يحتاج الكثير في ظل بيئة سليمة تبحث بصدق عن حلول من خلال مصادرها (وهم أهلها) حينها فقط يمكن أن يكون لأي كلام أو نقد معنى. كل يوم يؤكد أن انتظار فارس على حصان يحل لنا مشاكلنا لن يحدث، فإما أن نكون بقدر المسؤولية، التي وفقنا الله إليها حيث أصبحنا نعرف، وإلا فإن ما يحدث سيظل يحدث إلى أن نكون بقدرها".
وتغلب الطبيعة الإنسانية عليها لتبدي جزعها الشديد من حالة الحرق والقتل والعنف المصاحبة ليوم الجمعة الماضي.
وأرد عليها متفقا في أن كل المطروح لا يمكن القبول به بديلا للنظام القائم، ولكن الأحداث التي تشارك فيها كل هذه التجمعات وبامتداد محافظات مصر، تجعل كل المواجهات الجارية فرن انصهار بين الشعب بقواه صاحبة الحق في الغد، وحالة الانصهار هذه ستنتج قياداتها الطبيعية، التي تملك القدرة بوعيها وانحيازها على التعبير عن الثورة وتحمل مسؤولية التصدي لمهامها، وأن التعامل مع المجتمعات والبشر تعامل مع أخصب مكونات البشرية وأكثرها تعقيدا، وأن ما استوعبه الشعب والتحديات التي واجهها، تماثل قراءة آلاف الكتب، وكتابة آلاف المقالات، ولولا هذه التحديات والمعاناة، وانكشاف الحقائق ما كان يمكن لشعب أن يضع جميع المراقبين في حالة من الحيرة وعدم القدرة على توقع خطوته التالية، بل إن التساؤل الدائم على الألسن: من هم المتظاهرون؟ وماذا بالضبط يريدون؟ ومتى يتوقفون عن أفعال العنف هذه؟ يؤكد أن ما يفعله المتظاهرون يتجاوز القدرة على التخمين والتوقع، وهنا تكمن عبقرية هذا الشعب، أنه يصنع قياداته الجديدة ويستكشفها ويكمل تعرية القائم من نخبة وأحزاب.
ثورة هذا الجيل الجديد، والمنهج الذي يتبعه، يتطلب من الأجيال التي سبقته أن تستوعب كيف يرى الأشياء وموقفه وقدرته على الحركة والإبداع، وليت تلك الأجيال أن تنقل إلى جيل الثورة أفضل ما امتلكت دون منّ أو محاولة سيطرة عليه وتوظيفه لمصالح أو مهام تنحرف به عن طريق الثورة.
والثورة حقيقتها معرفة تعيد صياغة الواقع، والمعرفة علم وانحياز وتجربة.
ولقاء الشباب بعلمه مع الشعب يوفر الانحياز، ولقاؤه بأجيال سبقته ولا تمن عليه يوفر له خبرة تاريخ تجارب سبقت، له أن يأخذ منها ما يشاء أو يدع، ولكن واجبه ألا يتجاهل دروس عمر أمة، هكذا تستمر الثورة لتحقق غاياتها.
وكأن القدر يأبى إلا أن يضع السلطة في حالة المقارنة لغير صالحها، وليكشف وجها مشوها للتعبير عن الثورة.
شهد يوم الجمعة استشهاد قرابة العشرة من المواطنين، وأعلنت الرئاسة أن مرسي سيلقي بيانا، ولكنه أرسل في الثانية من فجر السبت على تويتر ثلاثة تويتات تعزية، ليصبح الأمر مجال تندر، ويمضي يوم السبت ليصنع مأساة في بورسعيد بعد النطق بأحكام وصلت إلى الحكم بإعدام 21 من المتهمين في مذبحة فبراير 2012 التي راح ضحيتها 75 شهيدا في مباراة لكرة القدم ببورسعيد، والغريب أن المحكوم عليهم بالإعدام بينهم واحد ممن كانوا ضحايا، وبينهم 6 هاربين و5 أفرجت عنهم النيابة وخمسة آخرون دون الثامنة عشرة عاما، ولا تعليق على الحكم، ولكن المأساة تتكرر بعد النطق بالحكم، ويسقط 37 شهيدا بالرصاص في بورسعيد، وتشتعل المدينة، وظهر الأحد أثناء تشييع جنازة عدد من الشهداء تهاجم الشرطة الجنازة ويسقط 3 شهداء وفي الليل يصل نبأ وفاة 5 مواطنين آخرين من الإصابات الخطرة التي كانت بالمستشفى ليصل العدد إلى قرابة 45 شهيدا، وكأن هناك من يريد أن يحقق تساويا بين ضحايا فبراير 2012 وضحايا يناير 2013 في مأساة لكرة القدم، وهي بالقطع غير هذا على الإطلاق.
يتكرر التناقض، ليعلن مرسي بعد تهديد ووعيد في خطاب مساء الأحد حالة الطوارئ في مدن القناة السويس والإسماعيلية وبورسعيد، وحظر التجول من التاسعة مساء إلى السادسة صباحا، ويتضمن الخطاب ضرورة احترام أحكام القضاء ورفض العنف والاعتداء على المؤسسات والمباني، متناسيا أن أول من اعتدى على القضاء هو مرسي ذاته في إعلانه الدستوري الأخير، وهو من غض الطرف عن حصار جماعة الإخوان للمحكمة الدستورية يوم 2 ديسمبر وهو يوم الحكم في طعون على اللجنة التأسيسية للدستور وقانون انتخاب مجلس الشورى وينكشف أمام الكافة أن الكيل بمكيالين أو هو فقدان الذاكرة واستمراء التخفي خلف شعارات يستدعيها عند الحاجة، ويتجاهلها عندما لا تتوافق ورغباته.
تاريخ منطقة القناة هو تاريخ الدم والاستشهاد، سواء حين حفرها، أو أثناء الاحتلال البريطاني، ثم في الحروب المصرية ضد العدوان الثلاثي أو ضد إسرائيل على مدى سبع سنين، وأن أهالي المنطقة عانوا طوال تلك الفترات عن رضا، وقدموا أنبل صور الوطنية.
نسيان الدم المراق في القناة ليس جديدا، فهم من نسوا دم الشهداء طوال العامين الماضيين، ولكن هذه المرة الموقف يختلف، فرد الفعل كان مباشرا، حيث خرجت نداءات من أهالي القناة بالدعوة إلى زيارات للمنطقة لحضور حظر التجول ومشاهدته، وأعلنت المنطقة أن مظاهرات ستدوم طوال فترة حظر التجول.
الفرص لا تأتي إلا لمن يستحقها، وتنقلب وبالا على من يعاند الحقيقة ويعاند الشعب.
والاثنين هو ذكرى جمعة الغضب، وقبل أن تسقط الشرطة كان ضباطها يطردون وزيرهم من جنازة أحد زملائهم وتنتشر أخبار بأن الضباط يرفضون استخدام الرصاص الحي في مواجهة المتظاهرين.
جيل جديد يثور ويدفع دمه ثمنا للحرية، وسلطة تمارس إرهاب القتل، وكتل حزبية تفتقد قبول الشعب بها، ومخاطر خارجية متربصة، والأمر مازال في الميدان بلا حسم، ومهيأ لمزيد من الدم.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في عام 1997، كان السيد فيصل محمد السويدي يخوض المفاوضات مع الشركات اليابانية بصفته نائب رئيس مجلس إدارة شركة قطر للغاز. ولم يعتمد على الخبرة العملية وحدها، بل اهتم بدراسة الطريقة التي يفكر بها اليابانيون ويديرون بها مفاوضاتهم. وكان كتاب The Japanese Negotiator، للمؤلف روبرت مارش، من الكتب التي استعان بها لفهم ذلك الأسلوب. وقد أهداني نسخة منه آنذاك، كما أهدى نسخًا منه إلى آخرين. وكان، من واقع تجربته المباشرة معهم، يشرح لي أسلوب اليابانيين في التفاوض، وكيف يستعدون ويتشاورون ويتأنون قبل اتخاذ القرار. ولم يكن ذلك مجرد حديث عابر، بل كان يعكس حرصه على ألا تبقى خبرته حبيسة غرف المفاوضات، وأن ينقل ما تعلمه إلى الجيل الذي يليه. بقي هذا الكتاب معي، وبقيت معه تلك الشروح، لكن قيمته لم تكن في وصف المفاوض الياباني وحده، بل في السؤال الذي أثاره لديّ: هل يمكن الحديث، في المقابل، عن أسلوب مميز للمفاوض القطري؟ وإذا كان الياباني يدخل غرفة التفاوض مستندًا إلى الإعداد الدقيق والعمل الجماعي والصبر، فما الذي يميز المفاوض القطري؟ وما الذي يمكن أن يتعلمه كل طرف من الآخر؟ لا تعني هذه المقارنة أن كل مفاوض قطري أو ياباني يتصرف بالطريقة نفسها؛ فالأفراد والمؤسسات والظروف تختلف. ويشير الباحث بيتر بيرتون إلى أن كثيرًا من الممارسات المنسوبة إلى اليابانيين توجد بدرجات مختلفة في ثقافات أخرى، ولذلك لا ينبغي اعتبارها صفات ثابتة. يبين روبرت مارش في كتابه The Japanese Negotiator، ويشرح كازو نيشياما في كتابه Doing Business with Japan، أن الاجتماع الرسمي ليس دائمًا المكان الذي يُصنع فيه القرار. فكثير من العمل يتم قبله، من خلال جمع المعلومات ودراسة المخاطر والتشاور بين الإدارات، وصولًا إلى قدر واسع من التوافق داخل المؤسسة. ولذلك قد يبدو المفاوض الياباني بطيئًا أو متحفظًا، بينما هو يتأكد من أن مؤسسته تستطيع الوقوف خلف القرار. ولا يتعامل أعضاء الفريق الياباني عادةً مع المفاوضات باعتبارها مناسبة لإظهار المهارات الفردية. وقد لا يكون أكثرهم حديثًا هو صاحب القرار، كما أن الصمت لا يعني بالضرورة الرفض، والتأخر في الإجابة لا يدل دائمًا على عدم الاهتمام. فقد يكون المطلوب مزيدًا من التشاور الداخلي قبل تقديم موقف تستطيع المؤسسة الالتزام به. وتقدم مفاوضات الغاز بين قطر واليابان مثالًا عمليًا على ذلك. ففي أواخر الثمانينيات كانت قطر تمتلك احتياطيات هائلة من الغاز، لكنها لم تكن قد بنت بعد سجلًا في تصدير الغاز الطبيعي المسال. وكان نجاح المشروع يتطلب مشتريًا رئيسيًا يلتزم بكميات كبيرة ولفترة طويلة، بما يمنحه الأساس التجاري اللازم لجذب الشركاء والتمويل. ويروي مايكل توسياني وآن ماري جونسون، في كتابهما From Black Gold to Frozen Gas، تفاصيل الطريق الصعب الذي سبق انطلاق أول مشروع قطري للغاز الطبيعي المسال، والدور الذي أدته السوق اليابانية في توفير الركيزة التجارية اللازمة لانطلاقه. وفي عام 1991 وقّعت شركة تشوبو اليابانية خطاب نوايا لشراء أربعة ملايين طن سنويًا لمدة خمسة وعشرين عامًا، رغم ظروف حرب الخليج. ولكن عندما انسحبت شركة BP من المشروع، أثار ذلك مخاوف اليابانيين، وأعادوا تقييم المخاطر، فتأجل توقيع العقد النهائي. وبعد استمرار الاتصالات ومعالجة المخاوف، وُقّع العقد عام 1992، ووصلت أول شحنة من الغاز القطري إلى اليابان في يناير 1997. تكشف هذه القصة أن الجانب الياباني في تلك المفاوضات لم يمنح ثقته بسهولة، لكنه عندما اطمأن إلى قدرة المشروع، التزم بعلاقة امتدت لعقود. كما تكشف جانبًا من التجربة القطرية؛ فلم يكن الفريق القطري يفاوض على سعر الغاز وشروط توريده فقط، بل كان مطالبًا ببناء الثقة في قدرة قطر، التي لم يسبق لها حينذاك تصدير الغاز المسال، على إنجاز مشروع ضخم والوفاء بالتزامات تمتد لعقود. وهنا يظهر اختلاف مهم بين المدرستين: المفاوض الياباني يصنع جزءًا كبيرًا من القرار قبل دخول غرفة التفاوض، عبر الدراسة والتشاور الداخلي، بينما ظهرت قوة الفريق القطري في هذه التجربة داخل عملية التفاوض، من خلال سرعة التواصل وبناء العلاقة وفهم مخاوف الطرف الآخر والبحث عن حلول تحفظ مصالح الطرفين. ومن الناحية العملية، نتعلم من التجربة اليابانية أن الاستعداد لا يقتصر على معرفة السعر والشروط، بل يبدأ بفهم الطريقة التي يتخذ بها الطرف الآخر قراره: من أصحاب التأثير داخل مؤسسته؟ ومن يملك الموافقة النهائية؟ وما المعلومات التي يحتاج إليها ليقنع زملاءه؟ وما المخاطر التي يخشى أن يتحمل مسؤوليتها لاحقًا؟ قد ننجح في إقناع الجالس أمامنا، لكن الصفقة تتعثر لأنه لم يستطع إقناع مؤسسته. فالمفاوض الجيد يسير في مسارين متوازيين: يفاوض الشخص الجالس أمامه، ويساعده في الوقت نفسه على بناء الحجة التي يحتاج إليها لإقناع مؤسسته. وفي المقابل، تكشف التجربة القطرية عن قيمة سرعة التواصل، وبناء القنوات المباشرة، والقدرة على التكيف مع الظروف المتغيرة. فالنجاح ليس في اختيار أحد الأسلوبين ورفض الآخر، بل في الجمع بين دقة الإعداد وسرعة الاستجابة. وتعيدنا تجربة فيصل السويدي إلى درس إداري مهم: فالمعرفة التي تتكون خلال المفاوضات الكبرى يجب ألا تغادر المؤسسة مع أصحابها، بل يجب أن تتحول إلى دراسات حالة وأدلة عمل وبرامج تدريب يستفيد منها المفاوضون الجدد، بدل أن يبدأ كل جيل من الصفر. وقد تجددت الشراكة في فبراير 2026، عندما وقّعت قطر للطاقة وشركة JERA اليابانية للطاقة عقدًا لتوريد ثلاثة ملايين طن من الغاز الطبيعي المسال سنويًا لمدة سبعة وعشرين عامًا، ابتداءً من عام 2028. وبعد أكثر من ثلاثة عقود على الاتفاق الأول، دخلت العلاقة مرحلة جديدة من الالتزام طويل الأجل. إن أهم ما تعلمناه من هذه التجربة ليس أن المفاوض القطري يجب أن يصبح يابانيًا، بل أن التفاوض الناجح يبدأ قبل الجلوس إلى الطاولة: بدراسة الطرف الآخر، وفهم طريقة اتخاذ القرار داخل مؤسسته، والاستعداد لمخاوفه قبل أن يعبّر عنها. أما الدرس الأهم لمؤسساتنا، فهو ألا تبقى خبرات المفاوضين الكبار حبيسة الذاكرة أو غرف الاجتماعات، بل يجب أن تتحول إلى معرفة موثقة تنتقل من جيل إلى آخر. فالصفقة الجيدة تحقق مكسبًا اليوم، أما المعرفة المتراكمة فتصنع مفاوضين قادرين على تحقيق المكاسب لسنوات طويلة.
6195
| 15 سبتمبر 2026
لم تعد أزمة مضيق هرمز حدثاً سياسياً أو عسكرياً بعيداً عن حياة الناس، فقد امتد أثرها إلى حركة السفن وتكاليف الشحن والتأمين وسرعة وصول البضائع إلى دول المنطقة. ومع استمرار الاضطراب، ارتفعت أسعار بعض السلع، وقد يمتد الارتفاع إلى سلع أخرى إذا طالت الأزمة. وجانب من هذا الغلاء له أسباب حقيقية، فعبور السفن في منطقة عالية المخاطر يرفع أقساط التأمين، وقد يدفع شركات الشحن إلى فرض رسوم إضافية. كما أن تأخر وصول البضائع يزيد تكاليف التخزين والتمويل، وقد يضطر المستورد إلى استخدام طريق أطول أو وسيلة نقل أكثر كلفة حتى يحافظ على توافر السلعة. لكن ارتفاع هذه التكاليف لا يعني أن تصبح أزمة هرمز مبرراً مفتوحاً لزيادة أسعار جميع السلع وبأي نسبة. فليست كل السلع تمر بالطريق نفسه، ولا تمثل كلفة الشحن النسبة ذاتها من سعر كل سلعة. كما أن بعض البضائع المعروضة حالياً وصلت إلى قطر قبل ارتفاع تكاليف النقل والتأمين. ومن هنا يظهر ما يمكن تسميته «غلاء هرمز»، أي الزيادة التي فرضتها الأزمة فعلاً. غير أن هناك فرقاً بين هذه الزيادة الحقيقية وبين استغلال الظروف لرفع الأسعار بما يتجاوز ارتفاع التكلفة. فقد يسارع بعض التجار إلى رفع الأسعار بنسب تتجاوز الزيادة الفعلية أو المتوقعة في تكلفة استبدال المخزون، أو يرفعون أسعار سلع لم تتأثر مباشرة، مستفيدين من توقع المستهلك أن كل شيء سيصبح أغلى. ولا يعني ذلك اتهام التجار والمستوردين عموماً؛ فكثير منهم يواجهون ظروفاً صعبة ويحاولون المحافظة على تدفق البضائع رغم ارتفاع المخاطر. لكن حماية التاجر الجاد لا تتعارض مع مساءلة من يستغل الأزمة لتوسيع هامش ربحه. والفاصل بين الحالتين هو قدرة التاجر على إثبات مقدار الزيادة التي تحملها فعلاً. وقد تحركت الجهات المختصة في قطر مبكراً لمواجهة آثار الأزمة. فدعت غرفة قطر، بالتعاون مع الهيئة العامة للجمارك، شركات الشحن والنقل إلى استخدام المسار البري عبر المملكة العربية السعودية ونظام النقل الدولي البري «TIR»، مع تخصيص مسار سريع وتسريع التخليص من خلال نظام النديب الإلكتروني. وفي الوقت نفسه، كثفت وزارة التجارة والصناعة رقابتها على الأسواق، فنفذت بين 28 فبراير و22 مارس 2026 نحو 50 ألف جولة تفتيشية طارئة، وضبطت منشآت مخالفة وأغلقت منشأتين، في رسالة واضحة بأن ارتفاع التكلفة لا يمنح أحداً الحق في استغلال الأزمة. كما تمتلك قطر قاعدة بيانات للأسعار، بعد إلزام المنشآت التجارية والصناعية بتسجيل أسعار السلع والخدمات وتحديثها إلكترونياً. وهناك أيضاً سلع وخدمات لا يجوز رفع أسعارها من دون موافقة الجهة المختصة. وبذلك تتوافر أدوات لمقارنة الأسعار قبل الأزمة وبعدها، وربط أي زيادة بفواتير الاستيراد والشحن والتأمين. إلا أن استمرار الأزمة يتطلب البناء على هذه الإجراءات، والانتقال من الاستجابة العاجلة إلى خطة أطول مدى. وينبغي أن تسير هذه الخطة في اتجاهين متوازيين: منع استغلال الأزمة داخل السوق، وخفض تكلفة وصول البضائع إلى قطر عبر الطرق البديلة. ففتح الطريق البري خطوة مهمة، لكن نجاحه لا يقاس بوصول البضاعة فقط، بل بالتكلفة التي تصل بها. فإذا كانت كلفة الطريق البديل مرتفعة جداً، فسيدفع المستهلك ثمنها في النهاية. لذلك من المهم مقارنة تكاليف الاستيراد عبر المسارات المختلفة، واختيار الطريق الأنسب لكل نوع من السلع. ومن المهم أيضاً منح الأولوية في النقل والتخليص للغذاء والدواء والسلع الأساسية، وتقليل فترات انتظار الشاحنات عند المنافذ؛ لأن كل يوم إضافي يرفع تكاليف النقل والتبريد والتخزين. ويمكن دراسة تخفيف بعض الرسوم مؤقتاً، متى ثبت أن ذلك سينعكس على السعر النهائي، لا أن يتحول إلى زيادة في هامش الربح. أما داخل السوق، فينبغي أن تركز الرقابة على العلاقة بين ارتفاع التكلفة وارتفاع سعر البيع. فإذا أثبت المستورد أن تكلفة وصول سلعة معينة ارتفعت بنسبة محددة، فمن الطبيعي أن ينعكس جزء من ذلك على سعرها. أما إذا ارتفع السعر بنسبة أكبر كثيراً، فمن حق الجهة الرقابية أن تطلب تفسير الفارق. وفي المقابل، يجب الحذر من تثبيت جميع الأسعار بصورة جامدة؛ لأن إجبار المستورد على البيع بأقل من تكلفته قد يدفعه إلى تقليل الاستيراد، فتتحول مشكلة الغلاء إلى نقص في السلع. فالرقابة الناجحة تقبل الزيادة المبررة، وتكبح الزيادة التي تستغل الأزمة، وتحافظ في الوقت نفسه على استمرار الإمدادات. لقد أثبتت قطر في أزمات سابقة قدرتها على تنويع مصادر الاستيراد وبناء مخزون إستراتيجي والمحافظة على استقرار الأسواق. والمطلوب اليوم هو تطوير الإجراءات الحالية إلى خطة مستمرة لطرق استيراد بديلة ذات تكلفة مقبولة، مع رقابة تمنع استخدام اسم هرمز لفرض زيادات لا تبررها الأرقام. إن مواجهة «غلاء هرمز» تقوم على مسارين لا ينفصلان: تسهيل وصول البضائع إلى قطر بأقل تكلفة ممكنة، ومنع تضخيم هذه التكلفة عندما تنتقل إلى المستهلك. وبهذا التوازن يمكن حماية المستهلك، ومساندة التاجر الجاد، والمحافظة على استقرار السوق في وقت واحد.
5295
| 13 سبتمبر 2026
ليس المطلوب أن نضع الحكم الوطني في منطقةٍ محرَّمة لا يجوز الاقتراب منها بالنقد، كما أن المطلوب، في المقابل، ألا يتحول الخطأ في قرارٍ تحكيمي إلى مبررٍ للنيل من الحكم أو التشكيك في قدراته ومكانته. وبين الموقفين مساحةٌ واسعة من الإنصاف، هي التي نحتاج إليها حين نتحدث عن حكامنا الوطنيين. الحكم جزءٌ من منظومة كرة القدم، يخطئ ويصيب، ويخضع قراره للتقييم كما يخضع اللاعب والمدرب والإداري. لكن الفارق أن تقييم القرار ينبغي ألا يتحول إلى محاكمة للشخص، خصوصًا حين يكون الحديث عن حكامٍ وصلوا إلى مستويات متقدمة، وأثبتوا حضورهم في البطولات الخليجية والقارية والدولية. وجود تقنية الـVAR منح المنظومة التحكيمية أدواتٍ أكثر دقة للمراجعة والتدقيق، لكنه لم يُلغِ الاجتهاد البشري، ولم يجعل القرار التحكيمي آليًا. فما زالت هناك قراءة للواقعة، وتقدير للحالة، وفهمٌ للقانون، ثم قرارٌ يتحمل الحكم مسؤوليته. ولذلك فإن حماية الحكم نفسيًا لا تعني إعفاءه من المسؤولية، وإنما تعني أن نختلف معه دون أن نهدم ثقته بنفسه. وهنا تأتي مسؤولية الإعلام والأندية والإداريين. من حق النادي أن يحتج، ومن حق الإعلام أن ينتقد، لكن من واجب الجميع أن يضعوا النقد في إطاره الصحيح، وأن تكون القنوات الرسمية هي الطريق الطبيعي للاعتراض، لا التصريحات التي تُقال تحت تأثير الانفعال. وفي تقديري، فإن النقد المقبول هو الذي يناقش القرار التحكيمي ويبيّن الخطأ وأسبابه، أما حين يتجاوز النقد القرار إلى التشكيك في الحكم وقدراته ومكانته، فإنه يفقد قيمته ويتحول من نقدٍ للقرار إلى إساءةٍ للشخص. وأرى أن مشروع الحكم الوطني لا يمكن أن يتطور من دون بيئة تمنحه الثقة، وفي الوقت نفسه لا تعفيه من النقد والمساءلة. فهو يحتاج إلى دعمٍ مستمر، وإلى نقدٍ يطوّر ولا يهدم، وإلى لجنة حكامٍ تؤكد ثقتها في حكامها وتدافع عن حقهم في الاحترام. نحن لا نطالب بأن يكون الحكم فوق النقد، بل نطالب بأن يكون النقد بحجم الخطأ، وأن تبقى كرامة الحكم محفوظة. فحكامنا الوطنيون ليسوا خصومًا لأنديتنا، بل شركاء في نجاح كرتنا، والاختلاف معهم لا ينبغي أن يجرّدهم من حقهم في الاعتزاز بما حققوه، ولا نحن من حقنا أن نتخلى عن الاعتزاز بهم.
4116
| 10 سبتمبر 2026