رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
كشفت وقائع الأيام الثلاثة الماضية أن هناك جيلا جديدا ولد من معانات العامين الماضيين تجاوز في أدائه وإصراره وقدراته حاله منذ عامين، وأن ظاهرة القتل لم تثنه عن الإصرار، وأنه لا يسلم أمره لأحد، وأنه لا يهاب الرصاص، وأنه صنع من موقفه اللحظي بوتقة تصهر المجتمع لينتج قياداته الطبيعية، وتجاوز كل المطروح عليه من أسماء أو أدوات أو بدائل، وكشف بإرادته عجز الجميع، سلطة أو معارضة، عن استيعاب طبيعة المرحلة وتواضع القدرات بما لا يسمح لأي منهم بثقة الجيل الجديد.
هذا الجيل لا يقبل أن يفوض أحدا للحديث باسمه، ويريد أن يمارس كامل التجربة، ويقول بأن المفاضلة بين الاختيارات هي ناتج تجربته، لأنه يمارسها بأسلوبه. ويرفض هذا الجيل القيادة الفرد، ويقول إن الاختيار لا يقوم على سمعة أو تاريخ، ولكنه يقوم على امتلاك القدرات، والاحتياج والمهام هي مصدر توصيف القدرات المطلوبة، وبالتبعية تحديد مواصفات الأشخاص الذين يوكل إليهم العمل. ولديه ثقة على نحو ما في أن الزمن لصالحه، فانفتح أمامه باب الصبر وما ينتج عن الصبر من إبداعات.
إن حجم مظاهرات يوم 25 يناير 2013 يؤكد أن العامين المنقضيين لم ينالا من عضد الشعب وإرادته، بل كانا لحظة في عمر الشعب، انقضت وأكمل الشعب نداءات الحرية، وكأنها استطراد طبيعي ليوم 11 فبراير 2011، أن شعبا يملك قدرة الاستمرار هكذا شعب يستحق الحياة، وشعب يملك قدرة التمييز بهذا الوعي بين مطالبه ونداءاته وبين واقع السلطة التي تحكمه، شعب يستحق الانتصار.
جمعني الحوار باثنين من هذا الجيل شاب وشابة العمر واحد والمهن مختلفة، والحصيلة النهائية أن الوطن هو حياتهما.
تلقيت مساء الجمعة 25 يناير اتصالا من الشاب يصرخ: "إن هناك خداعا وتقاعسا في حركة المسيرات، لا يوجد حشد مناسب أمام قصر الاتحادية، وأن المئات هناك يتعرضون لقصف شديد بقنابل الغاز المسيل للدموع، وأنه نوع جديد وشديد ــ وكنا قد جربناه اليوم السابق على الاتصال ــ وأنه إن لم يتم غدا شيء فإن الثورة تكون قد تعرضت لأكبر حالة من التفريط". لم أكن أملك تجاه حديثه غير مطلب الثبات، وعدم تعجل الحكم على الموقف، لأنها البداية، وأن الاستمرار هو جزء رئيسي من الرسالة، ولا يجب أن ندع تكتيك الإهمال والتجاهل الذي يتبعه النظام يؤتي ثماره.
ليعود نفس الشاب، للاتصال مساء يوم الأحد في أعقاب بيان الرئيس المنتخب والذي أعلن فيه الطوارئ وحظر التجول بمنطقة القناة، لأجد حاله قد تبدل قائلا: "أشعر أننا نجحنا في كشف عجزهم، وأن الخطاب ينم عن خوف وتردد وعجز عن الاستيعاب وعدم قدرة على مواجهة الأحداث، ليكمل: أنا متفائل وأعتقد أننا نجحنا، والمهم الاستمرار".
هكذا يقيم هذا الجيل الأحداث من واقع وجوده فيها، وفي اليوم التالي جمعني حديث مع شابة من ذات الجيل، قالت في معرض تقييمها للحالة التي تمر بها الثورة: "في 25 يناير 2011 كانت هناك صرخة الشباب الذي يرفض الظلم والتعذيب والفساد ولا يرى النظام يتيح مستقبلا لهم، وواكبت صرخة الشباب صرخة شعب من معاناته في الحياة، وحالة الغلاء وانعدام الأمل في المستقبل، والتقاء الصرختين صنع الثورة وشعار عيش حرية عدالة اجتماعية"
وتكمل: "لا تنتظر من أحد أن يتحمل المسؤولية، فالثورة لم تحدث التغيير بعد، فالتغيير يحتاج الكثير في ظل بيئة سليمة تبحث بصدق عن حلول من خلال مصادرها (وهم أهلها) حينها فقط يمكن أن يكون لأي كلام أو نقد معنى. كل يوم يؤكد أن انتظار فارس على حصان يحل لنا مشاكلنا لن يحدث، فإما أن نكون بقدر المسؤولية، التي وفقنا الله إليها حيث أصبحنا نعرف، وإلا فإن ما يحدث سيظل يحدث إلى أن نكون بقدرها".
وتغلب الطبيعة الإنسانية عليها لتبدي جزعها الشديد من حالة الحرق والقتل والعنف المصاحبة ليوم الجمعة الماضي.
وأرد عليها متفقا في أن كل المطروح لا يمكن القبول به بديلا للنظام القائم، ولكن الأحداث التي تشارك فيها كل هذه التجمعات وبامتداد محافظات مصر، تجعل كل المواجهات الجارية فرن انصهار بين الشعب بقواه صاحبة الحق في الغد، وحالة الانصهار هذه ستنتج قياداتها الطبيعية، التي تملك القدرة بوعيها وانحيازها على التعبير عن الثورة وتحمل مسؤولية التصدي لمهامها، وأن التعامل مع المجتمعات والبشر تعامل مع أخصب مكونات البشرية وأكثرها تعقيدا، وأن ما استوعبه الشعب والتحديات التي واجهها، تماثل قراءة آلاف الكتب، وكتابة آلاف المقالات، ولولا هذه التحديات والمعاناة، وانكشاف الحقائق ما كان يمكن لشعب أن يضع جميع المراقبين في حالة من الحيرة وعدم القدرة على توقع خطوته التالية، بل إن التساؤل الدائم على الألسن: من هم المتظاهرون؟ وماذا بالضبط يريدون؟ ومتى يتوقفون عن أفعال العنف هذه؟ يؤكد أن ما يفعله المتظاهرون يتجاوز القدرة على التخمين والتوقع، وهنا تكمن عبقرية هذا الشعب، أنه يصنع قياداته الجديدة ويستكشفها ويكمل تعرية القائم من نخبة وأحزاب.
ثورة هذا الجيل الجديد، والمنهج الذي يتبعه، يتطلب من الأجيال التي سبقته أن تستوعب كيف يرى الأشياء وموقفه وقدرته على الحركة والإبداع، وليت تلك الأجيال أن تنقل إلى جيل الثورة أفضل ما امتلكت دون منّ أو محاولة سيطرة عليه وتوظيفه لمصالح أو مهام تنحرف به عن طريق الثورة.
والثورة حقيقتها معرفة تعيد صياغة الواقع، والمعرفة علم وانحياز وتجربة.
ولقاء الشباب بعلمه مع الشعب يوفر الانحياز، ولقاؤه بأجيال سبقته ولا تمن عليه يوفر له خبرة تاريخ تجارب سبقت، له أن يأخذ منها ما يشاء أو يدع، ولكن واجبه ألا يتجاهل دروس عمر أمة، هكذا تستمر الثورة لتحقق غاياتها.
وكأن القدر يأبى إلا أن يضع السلطة في حالة المقارنة لغير صالحها، وليكشف وجها مشوها للتعبير عن الثورة.
شهد يوم الجمعة استشهاد قرابة العشرة من المواطنين، وأعلنت الرئاسة أن مرسي سيلقي بيانا، ولكنه أرسل في الثانية من فجر السبت على تويتر ثلاثة تويتات تعزية، ليصبح الأمر مجال تندر، ويمضي يوم السبت ليصنع مأساة في بورسعيد بعد النطق بأحكام وصلت إلى الحكم بإعدام 21 من المتهمين في مذبحة فبراير 2012 التي راح ضحيتها 75 شهيدا في مباراة لكرة القدم ببورسعيد، والغريب أن المحكوم عليهم بالإعدام بينهم واحد ممن كانوا ضحايا، وبينهم 6 هاربين و5 أفرجت عنهم النيابة وخمسة آخرون دون الثامنة عشرة عاما، ولا تعليق على الحكم، ولكن المأساة تتكرر بعد النطق بالحكم، ويسقط 37 شهيدا بالرصاص في بورسعيد، وتشتعل المدينة، وظهر الأحد أثناء تشييع جنازة عدد من الشهداء تهاجم الشرطة الجنازة ويسقط 3 شهداء وفي الليل يصل نبأ وفاة 5 مواطنين آخرين من الإصابات الخطرة التي كانت بالمستشفى ليصل العدد إلى قرابة 45 شهيدا، وكأن هناك من يريد أن يحقق تساويا بين ضحايا فبراير 2012 وضحايا يناير 2013 في مأساة لكرة القدم، وهي بالقطع غير هذا على الإطلاق.
يتكرر التناقض، ليعلن مرسي بعد تهديد ووعيد في خطاب مساء الأحد حالة الطوارئ في مدن القناة السويس والإسماعيلية وبورسعيد، وحظر التجول من التاسعة مساء إلى السادسة صباحا، ويتضمن الخطاب ضرورة احترام أحكام القضاء ورفض العنف والاعتداء على المؤسسات والمباني، متناسيا أن أول من اعتدى على القضاء هو مرسي ذاته في إعلانه الدستوري الأخير، وهو من غض الطرف عن حصار جماعة الإخوان للمحكمة الدستورية يوم 2 ديسمبر وهو يوم الحكم في طعون على اللجنة التأسيسية للدستور وقانون انتخاب مجلس الشورى وينكشف أمام الكافة أن الكيل بمكيالين أو هو فقدان الذاكرة واستمراء التخفي خلف شعارات يستدعيها عند الحاجة، ويتجاهلها عندما لا تتوافق ورغباته.
تاريخ منطقة القناة هو تاريخ الدم والاستشهاد، سواء حين حفرها، أو أثناء الاحتلال البريطاني، ثم في الحروب المصرية ضد العدوان الثلاثي أو ضد إسرائيل على مدى سبع سنين، وأن أهالي المنطقة عانوا طوال تلك الفترات عن رضا، وقدموا أنبل صور الوطنية.
نسيان الدم المراق في القناة ليس جديدا، فهم من نسوا دم الشهداء طوال العامين الماضيين، ولكن هذه المرة الموقف يختلف، فرد الفعل كان مباشرا، حيث خرجت نداءات من أهالي القناة بالدعوة إلى زيارات للمنطقة لحضور حظر التجول ومشاهدته، وأعلنت المنطقة أن مظاهرات ستدوم طوال فترة حظر التجول.
الفرص لا تأتي إلا لمن يستحقها، وتنقلب وبالا على من يعاند الحقيقة ويعاند الشعب.
والاثنين هو ذكرى جمعة الغضب، وقبل أن تسقط الشرطة كان ضباطها يطردون وزيرهم من جنازة أحد زملائهم وتنتشر أخبار بأن الضباط يرفضون استخدام الرصاص الحي في مواجهة المتظاهرين.
جيل جديد يثور ويدفع دمه ثمنا للحرية، وسلطة تمارس إرهاب القتل، وكتل حزبية تفتقد قبول الشعب بها، ومخاطر خارجية متربصة، والأمر مازال في الميدان بلا حسم، ومهيأ لمزيد من الدم.
الرئاسة .. طموح ورغبة أم مسؤولية؟
دارت عجلة استفتاء المصريين على الدستور الجديد، ويركن البعض إلى حسابات نسب الحضور والموافقة للقول بأن الشعب المصري... اقرأ المزيد
892
| 14 يناير 2014
تخوُّف مشروع لصديق... من يدير؟
كتب الصديق إلهامي الميرغني، وهو باحث في شؤون النقابات وتاريخها، منبها لتسلل عناصر الفساد قبل يناير إلى المشهد... اقرأ المزيد
652
| 07 يناير 2014
الشعب يواجه الإقطاع السياسي
ردد الجميع تعبير أن الدستور عقد اجتماعي يتوافق عليه أبناء الوطن وقواه الاجتماعية، وعندما واتتهم الفرصة اتخذوا منه... اقرأ المزيد
564
| 10 ديسمبر 2013
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
حين تبنّى الأمير الوالد المغفور له بإذن الله صاحب السمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، فكرة إنشاء قناة الجزيرة عام 1996، لم يكن يؤسس مجرد قناة إخبارية تضاف إلى قائمة أرقام الفضائيات، بل كان يضع حجر الأساس لمشروع إنساني ووطني وعروبي وإسلامي، يتجاوز حدود الجغرافيا، ويعيد للعربي حقه في أن يرى العالم بعينيه، ويسمع أخبار أمته بلغته، دون أن يبقى أسيرًا للرواية الغربية، يستجدي منها الحقيقة، أو ينتظر منها إنصافًا قد يأتي وغالبًا لا يأتي. ليس لأني قطري أقول إن الجزيرة أعادت للعقل العربي ثقته، وللمشاهد احترامه، وللإنسان البسيط مكانه المُغتصب. فلم تعد القضايا العربية مجرد أحداث ترويها عواصم العالم وفق مصالحها، بل أصبح للعرب منبر يحمل روايتهم إلى العالم، ويسائل الأقوياء، ويواجه الروايات المتناقضة، ويمنح المظلوم حق الصوت بعدما اعتاد الآخرون الحديث نيابة عنه. ولأن الحقيقة ليست دائمًا موضع ترحيب، فقد دفعت قطر ثمن احتضان هذا المشروع. تعرضت لضغوط سياسية وإعلامية كبيرة ووصل الأمر إلى المطالبة بإغلاق الجزيرة بل والتدخل في خطها التحريري. لكن صاحب السمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، رحمه الله، أدرك أن استقلالية الجزيرة ليست تفصيلًا إداريًا يمكن التفاوض عليه، بل هي جوهر المشروع وروحه وسبب احترامه. ولعل أعظم ما في هذا المشروع أن استقلاليته لم تكن شعارًا يُرفع، بل مبدأ خُلق ليصمد أمام الضغوط والأزمات. وهنا تتجلى قيمة القيادة التي تدرك أن النفوذ الحقيقي لا يتحقق بإسكات الأصوات، وإنما بإتاحة المجال لها. ثم جاءت السنوات الأخيرة بما حملته من حروب وتحولات وتحالفات واضطرابات، لتضع الجزيرة أمام اختبار أكثر صعوبة. فالوصول إلى القمة إنجاز نعم، لكن البقاء عليها مسؤولية أشد وأثقل، فكيف حين تكون في مواجهة قوى تسعى إلى التحكم بالرواية، أو حجب ما لا تريد للعالم أن يراه؟ وهنا تبرز مسؤولية الاستمرار التي حملها حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى حفظه الله في صون الإرث الذي أسسه الأمير الوالد رحمه الله، والمحافظة على استقلالية هذا الصرح، رغم تعاظم التحديات وتبدل موازين القوى. فالإنجاز ليس أن تحمي المشروع حتى ينجح فحسب، بل أن تحمي مبادئه بعد أن يصبح مؤثرًا إلى الحد الذي يثير قلق القوى الكبرى. لقد أثبتت الجزيرة أن القوة الناعمة قد تبلغ من التأثير ما لا تبلغه أدوات القوة التقليدية. فالكاميرا التي تنقل مأساة طفل، والميكروفون الذي يحمل صرخة مظلوم، والصورة التي تفضح انتهاكًا، قد تغيّر وعي الملايين، وتفرض على أصحاب القرار مواجهة أسئلة كانوا يبقونها في الظلام. غير أن هذه المسيرة لم تُكتب بالحبر وحده، بل امتزجت بدماء صحفيين ومصورين ومراسلين قضوا وهم يؤدون رسالتهم، نحسبهم شهداء عند الله. وآخرين ما زالوا يواجهون الخطر، ويواصلون العمل بإيمان مهني بأن الحقيقة تستحق التضحية. ولكل من عمل خلف الشاشة وأمامها نصيب أصيل من هذا الإنجاز وهذا ما أكده الشيخ ناصر بن فيصل آل ثاني مدير شبكة الجزيرة في كلمته أمام حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى الأحد الماضي 1-11-2026. أما نحن القطريين وبعد ثلاثين عامًا يحق لنا أن نفخر بأن من أرضنا انطلقت تجربة إعلامية غيّرت وجه الإعلام العربي، وأصبح لها حضور وتأثير يتجاوز حدود الوطن. وهو فخر يشترك معنا فيه كل عربي وجد صوته، وكل إنسان وجد في الجزيرة نافذة لقضيته. إن الجزيرة ليست مجرد قناة تبث من قطر، بل مسؤولية تاريخية حملتها قطر، وأمانة مهنية دفع ثمنها رجال ونساء من أعمارهم ودمائهم. وفي ذكراها الثلاثين، لا نحتفي بثلاثة عقود من البث، بل بثلاثة عقود من الدفاع عن الإنسان والحق في أن يعرف، وأن يسمع، بل وأن يُسمَع. رحم الله مؤسس هذا المشروع العظيم، وحفظ الله من صان استمراره، ورحم من رحلوا وهم يحملون الحقيقة إلى العالم. فالجزيرة لم تكن يومًا مجرد شاشة، بل كانت، وما زالت، شاهدًا على عصر، وصوتًا للإنسان، ورسالةً أكبر من الحدود.
14607
| 03 نوفمبر 2026
سافرت خلال الأشهر الماضية إلى سوريا عدة مرات، وفي كل مرة كنت أعود إلى الدوحة وأنا أشعر أن جزءاً من قلبي بقي هناك، وأن جزءاً آخر سيبقى هنا، في دوحة الخير، التي احتضنتنا طوال هذه السنين وأكرمتنا حتى أصبحت لنا وطناً ثانياً. مشاعر مختلطة يصعب وصفها بالكلمات، فكما عزّ عليّ فراق سوريا قبل اثنين وعشرين عاماً، يعزّ عليّ اليوم التفكير بمغادرة قطر، هذا البلد الكريم الذي أحببناه وأحبنا، وأكرمنا ووقف إلى جانب بلدنا وشعبنا وأهلنا في أصعب الظروف، ولم يتخلَّ عنا يوماً. وحين انتصر الشعب السوري، فرح أهل قطر بانتصارنا وكأنه انتصارهم، وربما أكثر منا، فقد كانوا شركاءنا في الألم والأمل، وسيبقون شركاءنا في الإنسانية والأخلاق والمبدأ، قبل أن يكونوا شركاءنا في البناء والإعمار، وهم أهل لكل خير ووفاء. خمسة من أبنائي وُلدوا في الدوحة، وكبروا على أرضها، وتعلّموا في مدارسها، وأحبوها كما يحب الإنسان وطنه. يعرفونها أكثر مما يعرفون وطنهم الأم، الذي لم يشربوا من مائه العذب بعد، ولم يتنسموا هواءه العليل. لكنهم سيفعلون ذلك قريباً بإذن الله، وسيكتشفون أن لهم وطناً ينتظرهم وأرضاً تمتد فيها جذورهم، وسيحملون معهم كل ما اكتسبوه في قطر من علم وتربية وقيم، بعد أن وفرت لهم أرقى فرص التعليم، حتى بلغوا بفضل الله أعلى درجات التفوق، ونالوا العلامات التامة مرات عديدة. سيبقى لقطر وأهلها الكرام فضل عظيم في أعناقنا جميعاً، وستبقى محبتهم في قلوبنا ما بقي فينا نفس. فبعض الأوطان لا تربطنا بها أوراق الإقامة والجنسية، بل تربطنا بها المواقف والذكريات والمحبة والوفاء. أما اليوم، فلا شيء لديّ أعلنه سوى الأمل الكبير الذي يحدوني بأن أكون ممن يساهمون في إعادة بناء بلدي، بعد أن عاد إلينا وطناً حراً، وكدنا نظن أننا فقدناه إلى الأبد. لقد آن الأوان أن نعود إلى سوريا، لا بقلوبنا ومشاعرنا فحسب، بل بعقولنا وخبراتنا وسواعدنا، لنساهم في إعادة بناء وطننا، رغم ما ينتظرنا من تحديات وتضحيات. فالعودة ليست قراراً سهلاً، لكن الأوطان لا تُبنى بحسابات الربح والخسارة، ولا يجوز أن ننتظر تحسّن الظروف لنعود، بل علينا أن نكون جزءاً من تحسينها بإذن الله تعالى. فسوريا اليوم تحتاج إلى أبنائها، إلى علمهم وخبراتهم وإخلاصهم، وإلى كل يد تستطيع أن تبني، وكل عقل يستطيع أن يبدع، وكل قلب يحمل لها الخير. وأتذكر اليوم مقالاً نشرته في جريدة الشرق القطرية في يناير 2024، قبل تحرير سوريا، بعنوان (لا بُدّ للطيور المهاجرة من العودة لموطنها)، وختمته بأملٍ كان يرافقنا طوال سنوات الغربة، بأن تتحرر سوريا ويزول عنها الظلم ويعود إليها أبناؤها المشتتون في أصقاع الأرض. وها قد حانت اللحظة التي طال انتظارها، بفضل الله تعالى، ثم بتضحيات شهدائنا الأبرار، وبطولات رجال سوريا الشجعان، وصبر شعبنا العظيم وتضحياته، لنعود إلى وطننا ونساهم في إعادة بنائه، وفاءً لمن بذلوا أرواحهم من أجله. وأؤمن أن من شرف الحياة أن يكون للإنسان موقف ومبدأ ودور في عمل الخير، وأن يترك أثراً طيباً في حياة الناس، دون انتظار مقابل. والأعمار بيد الله عز وجل، وأسأله سبحانه أن يبارك في أعمارنا وأعماركم جميعاً، وأن يستعملنا وإياكم في طاعته وخدمة عباده، وأن يكتب لنا الخير ويكرمنا بشرف المساهمة في نهضة بلدنا وإعادة بنائه. فلا بُدّ للطيور المهاجرة أن تعود إلى موطنها، وها قد آن أوان العودة، والحمد لله رب العالمين. شكراً قطر، على اثنين وعشرين عاماً من الكرم والمحبة والعمل والأمان، وعلى كل ما وجدناه بين أهلك الطيبين من مودة ووفاء. ستبقين وطناً عزيزاً في قلوبنا، نحفظ لكِ ولأهلك الجميل، ونحمل لكم الامتنان أينما كنا. اللهم احفظ قطر وأهلها، وبارك في سوريا وأهلها، وأدم بين البلدين وشعبيهما المحبة والأخوّة والوفاء، واجعل أيامهما عامرة بالخير والأمن والسلام.
3897
| 30 أكتوبر 2026
سنشهدُ يومَ غدٍ مباراةً كبيرةً تجمع قامتين رياضيتين لهما امتداد راسخ في وجداننا الوطني، وحضور طاغٍ في صفوف جماهير كرة القدم، هما العربي والريان. فالناديان الكبيران بجماهيرِهِما وتاريخهما بعثا الروح في ملاعبنا منذ انطلاقة الدوري عندما حطما أسوار الجمود والتراجع والغياب عن البطولات فقدم فَريقاهما لجَمْهورَيْهِما ما أثلج الصدور، أداءً فنياً وروحاً قتالياً وتصميماً على استمرار الألق والتألق، فاندفع الجمهوران إلى الملاعب كالسيل الهادر باعثين فيها الحياة بعد سنواتٍ من غيابِها عنها. ويكفي دليلا على الحجم الضخم لهما ولجمهوريهما أن المباراة بدأت قبل انطلاق صافرة البداية بأيام حين تحولت مواقع التواصل الاجتماعي إلى مربعات خضراء يقوم فيها مشجعوهما وعشاقهما بالحملات التي تحث الجماهير على الحضور، وبالتحليلات للجوانب الفنية في أداء فريقيهما، وبمقاطع مصورة بإبداع ووعي لدعم اللاعبين نفسياً. الحديث عن الناديين ذو شُجُونٍ لأنـه يناقش جزءاً من وعينا الرياضي الـمرتبط بهما وببعضِ الأنديةِ الجماهيريةِ الأخرى. فقد كان حضورهما، طوال سنواتٍ، حضوراً كالغِـيابِ لا يليقُ بضخامةِ حضورِهِما في النفوسِ، مما أقفرَ الـملاعبَ التي صارت، كالجماهيرِ، تعيشُ على ذكرياتِ الأمجادِ الغابرةِ. وكان كثيرونَ يتوقعونَ للناديينِ الظهورَ بنفسِ الـمستوياتِ الفنيةِ الهزيلةِ، لكن الأحلامَ تجسدت واقعاً في القلعةِ العرباويةِ، وانتفضَ الأسدُ الرياني هادراً بزئيرِ صحوتـهِ، وإذْ بالـملاعبِ ترتعشُ فرحاً وهي تحتضنُ الأمواج الجماهيريةُ، العرباويةُ والريانيةُ، التي تلاطمَت فيها مُرجِـعَـةً إلى دورينا تَوَهجاً وأَلَقاً افتقدناهما حتى كادَ القُنُوطُ يُخَـيمُ على نفوسِنا. نحتاج لوقفة ندرس فيها الحالة المتقدمة، فنياً وجماهيرياً، للناديين. فهذه الحالة جديرة بأن تقرأ بتأنٍ لأنها تبين لنا الكيفية التي يتم بواسطتها الخلاص من العوامل المعطلة للتقدم في إدارة الأندية الكبيرة، وهو أمر يمكن استثماره في وضع رؤى يسترشد بها مستقبلاً، وتنعكس إيجاباً على الحركة الرياضية، بعامة، وعلى كرتنا، بخاصة. نحن واثقون من حضور جماهيري يعكس تواجد الناديين في شارعنا الرياضي، ومتأكدون من أن الفريقين سيقدمان أداءً مُبهراً يبعث الرضا في قلوب مشجعيهما، ولا نشك للحظة بأن الأحلام العرباوية والأسد الرياني سيرسمان لوحات فنية وأخلاقية رياضية تكون موضع فخر بلادنا ورياضييها. كلمة أخيرة: طالَ الغيابُ لكنَ العَوْدَ أحْمَـدُ، فهنيئاً لـملاعبِنا وجماهيرِ كرتِـنا بعودةِ العربي والريانِ ليَخُطا ملامح الـمجد الكروي من جديد.
3159
| 30 أكتوبر 2026