رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
صولة طوفان الأقصى في 7 اكتوبر وما تلاها من عدوان على غزة، أشغلت ولا زالت العالم كله في الداخل والخارج، والذي بات مأخوذا بحرفية المقاوم الغزاوي وبسالته وإنسانيته من جهة، ومصدوماً، متألماً، غاضباً على جيش أكد بفعله أنه، رغم بروباغندا تحسين السمعة المغرضة، ليس أكثر من جزار فاشل لم يقتن لا فن الحرب ولا إدارتها، بل تحول بساديته المفرطة إلى ثور مجنون أخذته المباغتة وصدمته الاهانة التي لحقت به ذلك اليوم، فقد السيطرة وبات يخبط خبط عشواء يعوض فشله وخسائره بالقصاص والانتقام الجماعي من أهل غزة مستهدفاً الأطفال والنساء بالمقام الاول اضافة للشيوخ والعجزة والمرضى … باختصار لقد ارتكب الكيان الصهيوني ابادة جماعية في غزة، حصادها حتى الان ما يزيد على واحد وعشرين الف شهيد وعشرات الالوف من الجرحى والمصابين اغلبهم أطفال ونساء … وبعد ثمانين يوماً من الحرب، بان الغرض الخبيث للعدوان، ويتلخص بتحويل القطاع إلى مكان ليس فقط غير آمن بل غير قابل للحياة او العيش أملاً في اجبار ما يزيد على 2 مليون إنسان على النزوح والهجرة قسراً إلى دول الجوار …. لكن المخطط المشؤوم يصطدم، قبل أي شيئ آخر، بجدار صلب غير قابل للاختراق، مواصفاته، الصبر والاحتمال والثبات ….هي باختصار التعبير الدقيق لسلوك شعبنا المحاصر والمعتدى عليه في غزة، وكلما زاد الالم، سما الغزاوي بصموده وتمسكه بأرضه ودفاعه عن قضيته.
ومع هذا السمت الراقي في التعامل مع العدوان، هناك وجه آخر، لا يقل عظمة ولا أهمية ويعني بسلوك وتعامل الغزاوي مع نفسه وأخيه، في علاقته مع عائلته وجيرانه، مع المجتمع او مع السلطة، واجهزتها ومرافقها وخدماتها ….مع القانون والنظام، حيث تبرز للراصد قيم هذا الشعب، تربيته وأخلاقه التي ظهر سموها ورقيها في زمن شدة لم نشهد لها مثيلا …. رغم الالم وعظم المصاب والفجيعة، هل سمعتم غير (حسبنا الله ونعم الوكيل؟ ) ….هل سمعتم تذمرا او شكوى، هل رأيتم خرقاً للقانون والنظام ؟….. وكما هو معروف، يعيش هذا الشعب حرماناً من أبسط مقومات الحياة. محاصراً سبعة عشر عاماً ثم تضاعفت معاناته بعد ٧ أكتوبر، اذ أحيط بهم محاصرين براً وبحراً وجواً، فلا يكاد يجد الواحد منهم في اليوم ما يسد رمقه او يبل ريقه، يناشد من حوله من عرب ومن عجم قارورة ماء فتمنع عنه، طفلهم محروم من مذقة لبن، والعائلة من رغيف الخبز، مرضاهم وجرحاهم من حبة الدواء والمشافي المؤهلة، بل ضاقت حتى الارض في دفن الشهداء والموتى …وتردى نمط الحياة، وبلغت القلوب الحناجر … حالهم حال الاضطرار والضرورة التي يباح فيها اكل الميتة، حالة الضرورة إن سرق الشخص لا يقام عليه حد لشبهة الحاجة الملجئة، ظواهر معتاد ان تصاحب الناس في أوقات الفتن او الشدة البالغة والمصاب الكبير، حتى تتردى القيم وتهتز الثوابت، وتطغى الأنا … وينشط ضعاف النفوس - ولا يخلو منهم مجتمع - في العدوان والتجاوز على مافي أيدي غيرهم، يغريهم كون الأجهزة الشرطية معطلة والناس مشغولة بالنجاة من العدوان الذي لم يترك بقعة ولو صغيرة في غزة الصابرة …آمنة … لكن المفارقة اللافتة للنظر، وقد عبّر عنها معنيون بعلم الاجتماع، ان السمت الذي عرف به الغزيون ايام السلام لم يتغير ايام الحرب !! اذ من غير المعقول او المتوقع رغم شدة الحرب على غزة ومحدودية مساحتها ومواردها وكثافة المقيمين على ارضها وتراكم آثار الحصار عليها ….رغم كل ذلك ان لا تقع حادثة سرقة واحدة !! ان لا ينهب محل واحد وتكسر الأقفال وتستباح املاك الناس والمتاجر ولا تهاجم الشركات ولا بيوت الاغنياء الميسورين..هذا غير معقول ! بل المتوقع في مثل هذه الاحوال ان ينشغل رجل الشرطة صباح مساء بملاحقة الجرائم والمجرمين ….لكن الذي حصل هو العكس تماماً فالناس هناك متعاونون متكافلون يشد بعضهم أزر بعض، ويؤثر بعضهم بعضاً ليصدق عليهم وصف النبي صلى الله عليه وسلم إذ يقول:
« ان الاشعريين (أهل اليمن) إذا أرملوا في الغزو، او قلّ طعام عيالهم بالمدينة، جمعوا ما كان عندهم في ثوب واحد، ثم اقتسموه في إناء واحد بالسوية، فهم مني وأنا منهم «وهكذا تجد أهل غزة صابرين إذا حلّ البلاء بهم، لا الصعب عندهم صعبٌ ولا المحال محال...يتقاسمون القليل المتاح، حامدين شاكرين ….ظاهرة ادهشت الغرب بل العالم أجمع وهم يجهلون السر في ذلك، وفي الذاكرة الفلتان الامني في اللحظة التي تسود فيها العتمة، حيث ينطلق الأفراد والجماعات والعصابات في تسونامي رهيب سلباً وسرقة واغتصاباً وتسوية حسابات ….قتلاً وخطفاً، لمجرد انقطاع الكهرباء لدقائق معدودة في مدن وعواصم كبرى كما حصل في نيويورك سنة ١٩٧٧م لتقبض الشرطة على ٣٧٠٠ شخص حيث قدرت الخسائر بحوالي مليار دولار !
ملاحظة اخرى، الكل يعلم المقاربة التي اعتمدها الكيان الصهيوني في تحقيق هدف الحرب (القضاء على حماس) …ان جيشه أجبن من ان يقارع المقاومة الباسلة وجهاً لوجه، المقاومة التي نذرت نفسها لله، وخيارها بين النصر والشهادة، بينما نذر جيش الاحتلال نفسه للشيطان، لهذا توجه العدو إلى الطبقة الهشة او الرخوة ليحيل حياتها إلى جحيم لا يطاق املاً في ان ينقلب الغزاوي على الحمساوي وتدور رحى حرب اهلية ينشغل بها الغزيون بعضهم ببعض، ويجري تفكيك اواصر الجبهة الداخلية، تنكسر بها شوكة المقاومة وتضعف، باشغالها بالداخل بدل الانصراف للرد على العدوان الصهيوني، وهذا سيكون كفيلاً بتحقيق هدف الحرب بأقل الخسائر … لكن ذلك لم يحصل أيضاً وصمد الناس وتحملوا العبء الأكبر من الاذى وبقيت الجبهة الداخلية متماسكة وانصرف المقاوم للتفنن في ملاحقة الغزاة، مطمئناً إلى ظهره، محمياً بحاضنته الشعبية مطمئناً لها ….. وهكذا أجهض الغزيون بصبرهم وثباتهم المساعي الخبيثة لدولة الاحتلال، وتعذر على جيشها تحقيق هدف الحرب.
وثمة أمر آخر في أسطورة الشعب الغزاوي أن امراة من الاسرى الرهائن لدىٰ كتائب القسام، والقصف اشتد قريباً منها، تقول للحارس القسامي وهي ترتعد:أخشى ان أموت. فأجابها: لا يا خالة لا تخافي نحن بنموت قبل لا تموتوا. فقارن هذا الموقف الإنساني الرفيع مع ما يحصل للاسرى الفلسطينيين أو الفلسطينيات على أيدي الصهاينة المحتلين.
ملكنا فكان العفو منا سجيةً
ولما ملكتم سال بالدم أبطحُ
وحللتمُ قتل الاسارى وطالما
كنا عن الاسرى نمنّ ونصفحَ
فحسبكمُ هذا التفاوت بيننا
وكل اناء بالذي فيه ينضحُ
شعب، يثير العجب والإعجاب، كأنه صنعه الله على عينه، هو لا ينكسر، بل ينتصر او يموت … لا نزكي على الله أحدا، لكنها الحقيقة بدون رتوش، بقي أن نسأل عن السر وراء هذا السمت العالي … لا تعجبوا إنه «الإسلام …» أيها السادة.
المؤسسات المالية الخليجية وصياغة معادلة الثقة
تشهد الأسواق العالميّة تطوّرات مستمرّة في تغيّر أسعار الفائدة وتبدّل موازين الاقتصاد الدولي وتطور المشهد الجيوسياسي، ليتبلور بذلك... اقرأ المزيد
156
| 11 يونيو 2026
الإجازة الصيفية.. ما الذي يبقى في ذاكرة الطفل؟
ينتظر الأطفال الإجازة الصيفية بفرح كبير بعد عام دراسي مليء بالتعلم والالتزام، لكنها ليست مجرد وقت للنوم الطويل... اقرأ المزيد
384
| 11 يونيو 2026
الإنفوجراف الذكي والتحصيل الأكاديمي
في إنجاز يعكس أهمية البحث التربوي في تطوير العملية التعليمية، حققتُ المركز الثالث في فئة البحث الإجرائي للمعلمين... اقرأ المزيد
90
| 11 يونيو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
● سياسي من العراق
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
كلما ظهر تطور تقني جديد، تكررت المخاوف نفسها، حدث ذلك مع الآلة الصناعية، ثم مع الحاسب الآلي، ثم مع الإنترنت، واليوم يتكرر المشهد مع الذكاء الاصطناعي. فمنذ أن أصبحت أدوات الذكاء الاصطناعي متاحة للجميع، امتلأت وسائل الإعلام بعناوين تتحدث عن اختفاء وظائف ومهن كاملة، وأصبح كثير من الموظفين يتساءلون: هل سيأتي يوم يحل فيه الذكاء الاصطناعي محل الإنسان؟ لكن اللافت أن عدداً متزايداً من المحللين والخبراء الاقتصاديين يتفقون على أن السؤال الأهم ليس ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيأخذ الوظائف، بل من سيكون أكثر قدرة على الاستفادة منه. فالتقارير الصادرة عن مؤسسات عالمية مثل ماكينزي وجولدمان ساكس وصندوق النقد الدولي تشير إلى أن الذكاء الاصطناعي سيؤثر في عدد كبير من الوظائف الحالية، لكنه لن يؤدي بالضرورة إلى اختفاء معظمها. بل إن الأثر الأكبر قد يتمثل في إعادة تشكيل طريقة العمل ورفع الإنتاجية وتغيير المهارات التي ستحدد الفائزين في سوق العمل خلال السنوات المقبلة. لقد علمنا التاريخ أن التكنولوجيا لا تلغي الحاجة إلى الإنسان، بل تغير طبيعة مساهمته في الاقتصاد، فعندما انتشرت الحواسيب في الثمانينيات والتسعينيات، سادت مخاوف من اختفاء عدد كبير من الوظائف المكتبية. وعندما ظهر الإنترنت، توقع البعض أن تتراجع قطاعات بأكملها. لكن ما حدث في الواقع كان مختلفاً؛ فقد بقيت الوظائف، إلا أن العاملين فيها اضطروا إلى اكتساب مهارات جديدة للتكيف مع البيئة الجديدة. واليوم يبدو أن الذكاء الاصطناعي يسير في الاتجاه نفسه. لنتخيل موظفين يمتلكان المؤهل العلمي ذاته والخبرة نفسها، أحدهما يستخدم أدوات الذكاء الاصطناعي في البحث وتحليل البيانات وإعداد التقارير، بينما يصر الآخر على الاعتماد على الأساليب التقليدية فقط. بعد فترة من الزمن سيصبح الفرق بينهما واضحاً في سرعة الإنجاز، وجودة المخرجات، والقدرة على التعامل مع حجم أكبر من الأعمال. وهنا تكمن الفكرة الأساسية التي يتحدث عنها كثير من المحللين. فالمنافسة المقبلة قد لا تكون بين الإنسان والآلة، بل بين إنسان يستفيد من الذكاء الاصطناعي وإنسان يختار تجاهله. وتؤكد شركة ماكينزي في عدد من دراساتها أن القيمة الحقيقية للذكاء الاصطناعي لا تكمن في استبدال الموظفين، بل في تمكينهم من أداء أعمالهم بكفاءة أعلى. كما يرى محللو جولدمان ساكس أن هذه التقنية قد تسهم في رفع الإنتاجية الاقتصادية العالمية بصورة ملموسة خلال السنوات المقبلة، وهو ما يفسر حجم الاستثمارات الضخمة التي تتدفق اليوم نحو هذا القطاع. ولا يقتصر الأمر على قطاع معين. ففي المحاسبة والتمويل تساعد هذه الأدوات على تحليل كميات ضخمة من البيانات خلال وقت قصير. وفي القانون تساهم في مراجعة الوثائق والعقود. وفي القطاع العقاري أصبحت تساعد على دراسة الأسواق وتحليل الاتجاهات وتقييم الفرص الاستثمارية. أما في التعليم والإعلام والإدارة، فالقائمة تطول يوماً بعد يوم. ومع ذلك، فإن الاعتقاد بأن الذكاء الاصطناعي سيستبدل الإنسان بالكامل يبدو مبالغاً فيه. فما زالت هناك أمور يصعب على الآلة القيام بها بالكفاءة نفسها، مثل القيادة، واتخاذ القرارات المعقدة، وفهم العلاقات الإنسانية، والتفاوض، وتحمل المسؤولية. فالذكاء الاصطناعي يستطيع أن يقدم معلومات واقتراحات، لكنه لا يتحمل نتائج القرار ولا يمتلك الخبرة الإنسانية المتراكمة التي يحتاجها كثير من المواقف. ومن هنا تظهر قضية أخرى لا تقل أهمية، وهي فجوة المهارات. ففي الماضي كانت الفجوة الأساسية بين المتعلم وغير المتعلم، أما اليوم فقد بدأت تتشكل فجوة جديدة بين من يعرف كيف يستخدم أدوات الذكاء الاصطناعي ومن لا يعرف ذلك. ويشير المنتدى الاقتصادي العالمي إلى أن السنوات المقبلة ستشهد تغيراً كبيراً في المهارات المطلوبة في سوق العمل، وأن التعلم المستمر والتكيف مع التقنيات الجديدة سيصبحان من أهم عوامل النجاح المهني. كما حذر صندوق النقد الدولي من أن المؤسسات والدول التي تتأخر في تبني هذه التقنيات قد تواجه فجوة متزايدة في الإنتاجية مقارنة بمنافسيها. هذا لا يعني أن جميع الوظائف ستكون بمنأى عن التأثير. فبعض الأعمال الروتينية والمتكررة قد تشهد تراجعاً خلال السنوات المقبلة، خصوصاً تلك التي تعتمد على إدخال البيانات أو معالجة المعلومات بصورة نمطية. لكن التجارب السابقة تشير إلى أن التكنولوجيا لا تلغي وظائف بقدر ما تعيد تشكيلها، وتخلق في المقابل فرصاً جديدة لم تكن موجودة من قبل. وربما يكون السؤال الأهم اليوم ليس ما الذي سيحدث بعد عشر سنوات، بل ما الذي يمكن أن نفعله من الآن. فالتعرف على أدوات الذكاء الاصطناعي وتجربتها في العمل اليومي لم يعد رفاهية تقنية، بل قد يصبح خلال سنوات قليلة جزءاً من المهارات الأساسية المطلوبة في معظم المهن. لقد أثبت التاريخ أن التكنولوجيا لا تكافئ الأقوى، بل تكافئ الأسرع في التكيف معها. وكما تجاوز مستخدم الحاسب الآلي من تمسك بالآلة الكاتبة، وكما تفوق من أتقن الإنترنت على من تجاهله، فإن الفائز في سوق العمل خلال السنوات القادمة لن يكون بالضرورة الأكثر خبرة أو الأعلى شهادة، بل الأكثر قدرة على توظيف الذكاء الاصطناعي لرفع إنتاجيته وتعزيز قيمته. ولذلك، قد لا يكون السؤال الذي ينبغي أن نطرحه هو: هل سيأخذ الذكاء الاصطناعي وظيفتي؟ بل: ماذا أفعل اليوم حتى لا يأخذها شخص يستخدمه أفضل مني؟. باحث اقتصادي
2613
| 10 يونيو 2026
يخوض أولياء الأمور خلال العام الدراسي سباقاً متواصلاً مع الزمن والميزانيات من أجل تأمين أفضل مستقبل لأبنائهم، فيبحثون عن المدارس المتميزة، ويتحملون أعباء الرسوم المرتفعة ويتابعون التحصيل الدراسي بدقة أملاً في بناء جيل واعٍ ومتفوق غير أن المفارقة التي تتكرر مع بداية الإجازة الصيفية تكمن في أن كثيراً من الأسر تتراجع فجأة عن دورها التربوي والتوجيهي وكأن المهمة قد انتهت بمجرد إغلاق أبواب المدارس فيُترك الأبناء لفراغ طويل بلا تخطيط ولا رقابة حقيقية تحت شعار منحهم الراحة بعد عناء الدراسة، بينما الحقيقة أن هذا الفراغ يتحول سريعاً إلى بيئة خصبة لإهدار ما تم بناؤه طوال العام. فالمشكلة الكبرى في عصرنا لم تعد نقصاً في المعرفة بل أصبحت أزمة إدمان رقمي يسيطر على عقول الأبناء من خلال الهواتف الذكية والألعاب الإلكترونية ومنصات التواصل الاجتماعي التي تبتلع الوقت والانتباه وتدمر التركيز، وخلال الدراسة يكون الطالب محكوماً بجدول يومي يحد من هذا الانغماس، أما في الصيف فإن غياب النظام يمنح الشاشات فرصة كاملة للهيمنة على حياته. وعندما تبتعد الأسرة من دورها التوجيهي فإن الخوارزميات تتولى التربية فتغرس في الأبناء العزلة والخمول والتشتت وتستبدل القيم والانضباط بمحتويات سريعة ومشتتة تؤثر في الأخلاق والسلوك والهوية ومع مرور الأيام يتحول الطفل من إنسان نشيط متعلم إلى مستهلك سلبي يقضي ساعات طويلة أمام شاشة لا تضيف لعقله ولا لشخصيته شيئاً نافعاً بل تدمر أفكاره وأخلاقه. ومن الأخطاء التربوية الشائعة الاعتقاد بأن التربية مرتبطة فقط بالمدرسة بينما الحقيقة أن الإجازة الصيفية تمثل الاختبار الأهم للأسرة، ففي المدرسة يجد الطالب من يوجهه ويراقبه وينظم وقته، أما في الصيف فإنه يواجه فراغاً مستمراً يحتاج إلى إدارة واعية، وقد أثبت كثير من الدراسات السلوكية أن ما يتم بناؤه خلال أشهر الدراسة يُهدم سريعاً خلال أسابيع من الإهمال والسهر والإفراط في استخدام الأجهزة الذكية، لذلك لا ينبغي النظر إلى الصيف على أنه موسم للنوم والتراخي بل فرصة حقيقية لاكتشاف المواهب وتنمية المهارات وبناء الشخصية بصورة أعمق بعيداً عن ضغط الاختبارات والواجبات المدرسية. ومن هنا تأتي أهمية البدائل العملية التي تشغل وقت الأبناء بما ينفعهم فالأندية الرياضية والمراكز الشبابية والأنشطة الحركية تمنح الجسد نشاطاً وصحة وتبعد الأبناء عن الخمول، كما أن المراكز الصيفية والدورات التدريبية في اللغات والبرمجة والمهارات الإبداعية تسهم في توسيع المدارك وتنمية التفكير بينما تساعد مراكز بناء الشخصية والأنشطة الجماعية على تعزيز الثقة بالنفس وتنمية روح التعاون وتحمل المسؤولية، وهي بدائل أكثر تأثيراً من مجرد المنع أو الحرمان لأن النفس إن لم تُشغل بالنافع انجرفت نحو الضار. إن الاستثمار الحقيقي في الأبناء لا يتوقف عند دفع الرسوم الدراسية المكلفة أو اختيار المدرسة المناسبة بل يمتد إلى حسن إدارة أوقاتهم في الإجازات فالتربية عملية مستمرة لا تعرف التوقف، والصيف قد يكون فرصة عظيمة لصناعة شخصية قوية وواعية إذا أحسن الوالدان استثماره وقد يتحول في المقابل إلى بوابة للهدم والتراجع إذا تُرك الأبناء أسرى للفراغ والشاشات لذلك فإن حماية عقول الأبناء من إدمان العصر تبدأ من قرار أسري واعٍ يملأ أوقاتهم بالعلم والنشاط والتجارب المفيدة قبل أن يملأها غيرهم بما يفسد عقولهم ويبدد مستقبلهم.
2574
| 09 يونيو 2026
السؤال مهم، ولا بد من التفكير في إيجاد إجابة أو إجابات عملية له من قبل الخبراء وأهل الاختصاص الذين لديهم القدرة على التحليل والتفكير للوصول إلى حلول مفيدة لأوطانهم وشعوبهم على المديين القريب والبعيد، فلا يعقل أن تظل دولنا الخليجية رهينة لهذا التهديد الذي يتم استخدامه ضدها في كل خلاف في المنطقة، وكما يرى الجميع فإنه في كل مرة تتصاعد فيها التوترات الإقليمية، يعود اسم مضيق هرمز إلى واجهة الأحداث باعتباره أحد أهم الممرات البحرية في العالم وأكثرها حساسية، ويكفي أن تلوح أي جهة بإمكانية تعطيل الملاحة فيه حتى ترتفع المخاوف العالمية بشأن أمن الطاقة وسلاسل الإمداد والتجارة الدولية. ولذلك لا بد من تغيير السؤال الذي هو سائد حالياً والذي يركز على "كيف نحمي مضيق هرمز فقط؟"، بل لا بد أن يتم التركيز على كيفية التقليل من أهميته الاستراتيجية بحيث لا يصبح نقطة ضغط يمكن استخدامها كلما تصاعدت الخلافات أو الأزمات، والحقيقة التي لا يمكن تجاهلها أن الجغرافيا ثابتة، بينما تتغير التحالفات والسياسات والمصالح، وقد أثبتت التجربة التي نشاهدها ونعيشها واقعاً ملموساً أمامنا اليوم، أثبتت بما لا يدع مجالاً للشك أن الاعتماد على ممر واحد لنقل الجزء الأكبر من صادرات الطاقة يمثل نقطة ضعف استراتيجية مهما كانت الضمانات الأمنية القائمة في أي مرحلة من المراحل. ومن هنا فإن التفكير المبدئي يقتضي العمل على إيجاد بدائل عملية تقلل من الاعتماد على المضيق دون أن تلغي أهميته الطبيعية كممر دولي حيوي سيبقى كما هو ممراً هاماً وحيوياً ما بقيت الجغرافيا على حالها، وعليه فإن أول هذه البدائل يتمثل في التوسع في شبكات الأنابيب البرية التي تربط حقول النفط والغاز بالموانئ الواقعة خارج الخليج العربي، سواء على بحر العرب أو البحر الأحمر أو غيرها من المنافذ البحرية، فكل برميل نفط أو شحنة غاز يمكن تصديرها بعيداً عن مضيق هرمز تعني تقليل حجم التأثير الذي قد ينتج عن أي اضطراب محتمل في الملاحة. كما أن تطوير الموانئ وشبكات النقل والخدمات اللوجستية الخليجية بصورة تكاملية، وليس بصورة منفردة، سيمنح دول المنطقة مرونة أكبر في مواجهة أي تحديات مستقبلية، فالمعادلة لم تعد تقوم على قدرات كل دولة بمفردها، وإنما على قدرة المنظومة الخليجية ككل على العمل كوحدة اقتصادية وأمنية متماسكة وموحدة، والتجربة أثبتت أنه لا بد من التعامل مع المخاطر الخارجية بكل صورها وأنواعها، ويجب التعامل معها بروح الفريق الواحد والجسد والكيان الواحد. وهنا نصل إلى النقطة الأهم، وهي أن أي أفكار لتقليل أهمية مضيق هرمز لا يمكن أن تنجح ما لم تسبقها وحدة حقيقية في الرؤية والأهداف بين دول الخليج العربية، فالتحديات المشتركة لا يمكن التعامل معها بسياسات متفرقة أو حسابات ضيقة، بل تحتاج إلى تنسيق استراتيجي طويل المدى يتجاوز ردود الأفعال المؤقتة. فالمطلوب ليس فقط تعزيز التعاون الأمني، بل بناء تصورات خليجية موحدة لأمن الطاقة والممرات البحرية والتجارة الدولية، بحيث تجعل أي محاولة لتهديد حرية الملاحة عملاً غير مجدٍ من الناحية السياسية أو الاقتصادية، وتؤكد أن أمن الممرات البحرية مسؤولية جماعية ومصلحة مشتركة لجميع دول المنطقة. كما أن هذه الاستراتيجية يجب أن تنطلق من افتراض واقعي، وهو أن التحالفات والمصالح والعلاقات الدولية تتغير باستمرار، فالوجود العسكري الأمريكي في المنطقة قد يبقى على مستواه الحالي أو يتقلص أو يتغير شكله أو حتى ينتهي في مرحلة من المراحل، وفي عالم يشهد تحولات متسارعة في موازين القوى، لا يمكن بناء الخطط الاستراتيجية على افتراضات ثابتة بشأن دور أي قوة خارجية، أما الجغرافيا فهي الحقيقة الوحيدة التي ستبقى كما هي، ولذلك فإن بناء عناصر القوة الذاتية والتكامل الخليجي يصبح ضرورة استراتيجية لا خياراً سياسياً مؤقتاً. إن تقليل أهمية مضيق هرمز لا يعني الاستغناء عنه، فذلك غير ممكن عملياً، لكنه يعني تقليل القدرة على استخدامه كورقة ضغط أو مصدر قلق دائم، وهذا الهدف لا يتحقق بالشعارات، بل بالاستثمار في البدائل، وتعزيز التكامل الخليجي، وتوحيد الرؤية الاستراتيجية، وبناء منظومة إقليمية قادرة على حماية مصالحها بنفسها في عالم تتغير فيه التحالفات، بينما تبقى الجغرافيا ثابتة لا تتغير. ولذلك فإن أول خطوة على الطريق هي أن تتفق دول الخليج على أن أمنها الاستراتيجي موحد، وأن مستقبلها الاقتصادي مترابط، وأن مواجهة التحديات الكبرى تتطلب موقفاً موحداً ورؤية بعيدة المدى. فعندما تتوحد الأهداف، تصبح التحديات مهما كبرت أكثر قابلية للإدارة والاحتواء، وتتحول نقاط الضعف إلى عناصر قوة واستقرار.
1104
| 07 يونيو 2026