رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
نعلمُ أن الحروب تَجُرّ الويلات على الشعوب، وتُدمّر النفوسَ والزرعَ والضَرع، وتُخلِّفُ كراهيةً وضَغائنَ لأمادٍ طويلة. وقد لا يكون للشعوب دور في الحروب، بل قد تُفرض نتيجةً للخلافات السياسية، والأطماع الشريرة لدى بعض النُظم التي تبلغُ فيها " شهوة" ابتلاع الآخر، أو ضم بلاد أخرى، ذروتها، دونما حق أو مبرر.
ولكن ما يؤلم، في وقتنا الحاضر، أن يقوم أفرادٌ يمتَهنون إيذاءَ الآخر، وتنغيصَ حياته، وذلك عبر اختراق الحسابات الإلكترونية، وتعكيرِ حياة الناس وإحراجِهم مع أصدقائهم، بإرسال رسائلِ طلبِ المال.
وفي الأسبوع الماضي، نُكبتُ باختراق حسابي ( الواتس آب) من قبل أحد اليائسين البائسين، والمُقتاتين على موائد الآخرين، وقام بإرسال رسائلِ طلب المال من بعض المتواجدين في الحساب من الأصدقاء الأعزاء، كما نُكبَ أكثرُ من صديق نتيجة ذلك الاختراق، فعكّر حياتَهم، وأحرجَهم مع أصدقائهم.
وقام المذكور بإرسال رسالة، على أنها من أحد أصدقائي قائلاً، بانه استلم رسالة فيها أرقام، ويُريدني أن أرسل الرسالة التي وصلتني، إليه، كي يتأكد من الرسالة التي وصلته. وتلبية لذلك الطلب، الذي لم يرق إليه الشكُّ، قمتُ بفتح الرسالة، ومنها بدأت رحلة اختراق الحساب.
ولقد مرّ حوالي أسبوع، على ذلك الاختراق، دون جدوى، رغم أنني استعنتُ بإدارة مكافحة الجرائم الإلكترونية، التي وجَّهتني لاتّباعِ خطواتِ إعادة الحساب، حتى نشر هذا المقال، لم يرجع الحساب.
تصوَّروا كم هي معاناة، أن يفقِد الإنسانُ التواصلَ مع أصدقائه، عبر (الواتس آب)، لمدَّة أسبوع، وتتعطّل حياتهُ الاجتماعية، والتواصل مع الآخرين؛ فلا يستطيع أن يحضر عزاءً أو فرحاً، نتيجةَ عدم استلامه الموقع عبر الخريطة الإلكترونية، ولا يُمكنه إرسال المواضيع والصور إلى الأصدقاء، ولا تبادل المعلومات الخاصة بالبيع والشراء، ولا يمكنهُ التعليق أو تبادل المعلومات السياسية والعلمية والاجتماعية، مع غيره، الأمر الذي يُشكّل شللاً تاماً، نتيجة الاعتماد الكبير على هذا التطبيق.
لا يتصوَّر الإنسان، كيف لهذه النوازع الشريرة التي تسكن بعض النفوس المريضة، والتي تُريد أن تَثرى دون عمل، ودون جهد، وتُريد أن تقتات على موائد الآخرين، عبر قرصنةٍ غير مشروعة وغير إنسانية!.
هذه النفوس التي يسكُنها الحقدُ على الآخر، وعدم تركه يُمارس حريته في حياته، في أمنٍ وسلام.
لقد كبّلتنا التكنولوجيا تكبيلاً حاداً: من تناولنا الطعام، وحتى دراسة الدروس، وكتابة أوراق العمل، وحتى وصلنا إلى شلل أعصابنا وتبلّد عواطفنا، فنَكتفي بإرسال دعوات الزواج، أو كلمات التعازي، عبر هذه الوسائل، فأضحينا ضحايا هذا الأسر، الذي لا فكاكَ منه! ليـأتي أحد الفاشلين، ليتدخّلَ، دونَ حقٍّ، في حياتنا ويُعرّضنا للألم والحَرج، دون أن يعرفنا أو نعرفه. ويُحرجُ أصدقاءَنا معنا، وبعضهم أصحابُ نخوة، ولقد قام أحدُهم بتحويل مبالغَ كبيرةٍ إلى حساب مُخترق لصديق لي. لذا، فإن أية رسالة تأتي، من أي صديق، لا بد وأن يقوم الإنسان بالاتصال الهاتفي، مع صاحب الرسالة، كي يتأكد من صحة الرسالة! وكادَ صديقٌ عزيز أن يرسل ثلاثة آلاف دولار، إلى مُخترِق حسابي، على أنني طلبتها منه، وهو خارج البلد، إلا أنه في الطريق نحو مقر التحويل، اتصل بي، وأعلمتهُ باختراق الحساب، وإنني بخير ولله الحمد.
ماذا نفعل إزاء هذه المعضلة، التي تُعكّر حياتنا، وتُحرجنا مع أصدقائنا؟
هل يتوجب على شركة ( الواتس آب) أن تعمل على تفعيل آليةٍ لحماية الحسابات؟ ولو بفرض رسوم قليلة، وهل هذا الإجراء لا يتحققُ إلكترونياً، في ظل هذا الانفجار الإلكتروني والعلمي ؟
هل يمكن أن تقوم شركة الاتصالات المحلية، بالتعاون مع كافة التطبيقات، لوضع حماية لهذه التطبيقات؟
هل نستطيعُ الاستغناءَ عن تطبيق مثل (الواتس آب)، ونقطع تواصلنا مع الآخرين؟
هل يُمكننا تعليم كُلِّ البشر، أساليبَ الحياة العصرية، ونُبعدهم عن شرور أنفسهم، وهم يعيشون حياةً بائسة في بلدانهم المُتخلفة؟ على فكرة، يتردد أنَّ من يقوم بتلك الاختراقات الحالية، هم من بلد عربي جميل، نُكّنُ لأهله كُلَّ الودّ والاحترام!! ولقد تعلّموا " فنَّ" الاختراق، ويعرفون أماكنَ الصرافة في قطر. حيث يذكرون للأصدقاء، مقارَ التحويل المعروفة، ومحلات الصرافة التي تتبع تجاراً قطريين، ويذكرون أسماءَها!؟
هل نتفق على أن نُهمل أية رسالةِ طلب أموالٍ من أي صديق، مهما كانت ظروفه؟
أعتقد أن هذا الحلّ الأخير من أسهل الحلول، فإذا لم يتجاوب عشرة أو عشرون شخصاً مع رسائل (المُخترق) فإنه سوف يَملّ، ويقوم باختراق حساب آخر، وإذا لم يلقَ تجاوباً من أي شخص، فإنه سوف يترك هذه " المهنة الشريرة"، وسيبحث له عن مهنة أخرى، يُلاقي فيها الجزاء المُناسب.
لقد مرّ عليّ أسبوع كامل، وأنا في ظلِّ ظروف إنسانية مؤلمة، زادني فيها ذاك (المُخترق) الشرير ألماً وشقاءً، دون حق. وأعتذر لكُلِّ الأصدقاء الذين أزعجَهم ذاك
"المخلوق"، الذي لا يحمل أيّاً من صفات الإنسان السَويّ، ولا يستحقُ أن يعيش ضمن المنظومة البشرية!
فإلى أين تسير البشرية، وهي تتسربلُ بهذه النوازع الشريرة، ويعيشُ بعضُ " الذئاب" وسطها، تعوي، وتنشبُ مخالبَها في لحْم الآمنين، الكافينَ عن الشر، السائرين نحو مستقبل أبنائِهم وأحفادِهم؟
ولا حول ولا قوة إلاَ بالله العظيم.
◄ هامش:
اتصل أحدُهم بصديق لي في واشنطن، كي يحتال عليه، مُنتحلاً شخصية جابي ضرائب. وطلب من الصديق أن يُسدِّد ما عليه، وليست عليه ضرائب، فما كان من صديقي إلا أن قال له: أنا في طريقي إلى مقر عملي في (FBI)، مكتب التحقيق الفيدرالي. فقطع المتصل الخط.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية



مساحة إعلانية
يمثّل فوز الشيخ جوعان بن حمد آل ثاني برئاسة المجلس الأولمبي الآسيوي لحظة تتجاوز منطق التغيير الإداري إلى أفق أوسع من المعنى والمسؤولية. فالمجلس، بوصفه المظلة الأعلى للحركة الأولمبية في آسيا، ليس مؤسسة رياضية فحسب، بل هو كيان يعكس توازنات القارة، وتحدياتها، وقدرتها على تحويل الرياضة إلى لغة تعاون لا صراع، وإلى مساحة بناء لا تنافس سلبي. آسيا، بتنوعها الجغرافي والثقافي والسياسي، تضع رئيس المجلس أمام مهمة دقيقة: الحفاظ على وحدة رياضية لقارة تتباين فيها الإمكانات، وتختلف فيها الرؤى، وتتقاطع فيها المصالح. ومن هنا، فإن الثقة التي مُنحت للشيخ جوعان ليست ثقة بمنصب، بل ثقة بقدرة على الإصغاء، وإدارة الاختلاف، وبناء مساحات مشتركة تضمن عدالة الفرص وتكافؤ الحضور. التجربة القطرية في المجال الرياضي، والتي كان الشيخ جوعان أحد أبرز مهندسيها، تقدّم مؤشراً مهماً على فهم العلاقة بين الرياضة والتنمية، وبين التنظيم والحوكمة، وبين الاستثمار في الإنسان قبل المنشأة. هذا الفهم يُنتظر أن ينعكس على عمل المجلس، ليس عبر قرارات سريعة أو شعارات واسعة، بل من خلال تراكم هادئ لإصلاحات مؤسسية، وبرامج مستدامة، وشراكات تحترم خصوصية كل دولة آسيوية دون أن تعزلها عن المشروع القاري. الأمل معقود على أن تكون المرحلة المقبلة مرحلة إعادة تعريف للدور الآسيوي في الحركة الأولمبية العالمية؛ ليس من حيث عدد الميداليات فقط، بل من حيث جودة التنظيم، ونزاهة المنافسة، وتمكين الرياضيين، ودعم الرياضة النسائية، وتوسيع قاعدة الممارسة في الدول الأقل حظاً. فالقوة الحقيقية للمجلس لا تقاس بقمته، بل بقدرته على رفع أطرافه. إن الثقة بالشيخ جوعان تنبع من هدوئه الإداري، ومن ميله إلى العمل بعيداً عن الاستعراض، ومن إدراكه أن الرياضة، حين تُدار بحكمة، يمكن أن تكون جسراً سياسياً ناعماً، وأداة تنمية، ورسالة سلام. والتمنّي الأكبر أن ينجح في تحويل المجلس الأولمبي الآسيوي إلى منصة توازن بين الطموح والواقع، وبين المنافسة والإنصاف، وبين الحلم الأولمبي والالتزام الأخلاقي.
2367
| 28 يناير 2026
تخيل معي هذا المشهد المتكرر: شركة كبرى ترسل موظفيها ومديريها في دورات تدريبية باهظة التكلفة لتعلم «المهارات الناعمة» (Soft Skills)، و»الذكاء العاطفي»، و»فن الإتيكيت». يجلسون في قاعات مكيفة، يستمعون لمدرب يشرح لهم بلغة أجنبية ومصطلحات معقدة كيف يبتسمون، وكيف ينصتون، وكيف يقرأون لغة الجسد ليكونوا قادة ناجحين. إنه مشهد يدل على الرغبة في التطور، بلا شك. ولكن، ألا تشعر ببعض المرارة وأنت تراه؟ ألا يخطر ببالك أن كل هذه النظريات التي ندفع الملايين لتعلمها، كانت تُوزع «مجاناً» وبجودة أعلى في مجالس آبائنا وأجدادنا تحت اسم واحد يختصر كل تلك الكتب: «السنع الخليجي»؟ مشكلتنا اليوم أننا نقع في فخ كبير حين نظن أن «السنع الخليجي» مجرد كلمة عامية دارجة، أو تقاليد قديمة لصب القهوة. نحن نختزله في «شكليات»، بينما هو في الحقيقة «نظام تشغيل» اجتماعي وإداري فائق التطور، وله جذور لغوية تكشف عن عمقه الفلسفي. السنع.. جمال الروح لا الجسد المفاجأة التي يجهلها الكثيرون هي أن كلمة «السنع» ليست عامية دخيلة، بل هي فصحى قحة. ففي قواميس العرب، الجذر (س ن ع) يدور حول معاني «الجمال» و «الارتفاع». كان العرب يقولون «امرأة سَنعاء» أي جميلة القوام، ويقولون للنبت إذا طال وحسن شكله «أسْنع». وهنا تتجلى عبقرية العقل الخليجي؛ فقد أخذ أجدادنا هذه الكلمة التي تصف «جمال الشكل»، ونقلوها بذكاء لوصف «جمال الفعل». فأصبح «السنع» عندهم هو: «فن صناعة الجمال في السلوك». فالشاب الذي يوقر الكبير، ويخدم الضيف، ويثمن الكلمة، هو في الحقيقة يرسم «لوحة جمالية» بأخلاقه توازي جمال الخِلقة. ذكاء عاطفي.. بلهجة محلية إذن، السنع الخليجي هو «الجمال السلوكي»، وهو ما يطلق عليه الغرب اليوم «الذكاء العاطفي». عندما يعلمك والدك أن «المجالس مدارس»، وأنك لا تقاطع الكبير، هو يعلمك «أدبيات الحوار والتفاوض». وعندما تتعلم أن «الضيف في حكم المَضيف»، وأنك تقوم لخدمته بنفسك مهما علا شأنك، أنت تمارس «القيادة بالخدمة» (Servant Leadership) التي تتغنى بها كتب الإدارة الحديثة. وعندما تتعلم «الفزعة» والوقوف مع ابن عمك أو جارك في مصيبته دون أن يطلب، أنت تمارس «المسؤولية الاجتماعية» و «بناء روح الفريق» في أنقى صورها. المأساة اليوم أننا أصبحنا نستورد «المسميات» وننسى «المعاني» التي تجري في عروقنا. بتنا نرى جيلاً من الشباب يحملون أعلى الشهادات الأكاديمية، يتحدثون لغات العالم بطلاقة، لكنهم «أمّيون» اجتماعياً. يدخل أحدهم المجلس فلا يعرف كيف يُحيّي،.... ولا أين يجلس، ولمن يقوم..، وإذا تكلم «جرّح» دون أن يشعر، لأنه لم يتعلم مهارة «وزن الكلام» التي هي جوهر السنع الخليجي. خاتمة: العودة إلى «جامعتنا» نحن لسنا ضد العلم الحديث، ولا ضد كتب «هارفارد». ولكننا بحاجة ماسة لأن نعود إلى «جامعتنا» المحلية. نحتاج أن نعيد الاعتبار لمفهوم «السنع» ليس كتراث فلكلوري، بل كمنظومة قيم وسلوك حضاري تعبر عن «الجمال المعنوي». أن تكون «متطوراً» لا يعني أن تنسلخ من جلدك. قمة التطور هي أن تجمع بين «كفاءة» الإدارة الحديثة، و»أصالة» السنع الخليجي. فالشهادة قد تجعلك «مديراً» ناجحاً، لكن السنع وحده -بما يحمله من جمال وتواضع وذكاء- هو الذي يجعلك «قائداً» يأسر القلوب، ويفرض الاحترام بلا سطوة. فلنعلم أبناءنا أن «السنع» هو الإتيكيت الخاص بهويتنا، وأنه الجمال الباقي حين يذوي جمال الوجوه.
1587
| 28 يناير 2026
برحيل والدي الدكتور والروائي والإعلامي أحمد عبدالملك، فقدت الساحة الثقافية والإعلامية قامةً فكرية استثنائية، كرّست حياتها للعلم والمعرفة والكلمة المسؤولة، رحل بعد مسيرة حافلة بالعطاء، امتدت لعقود، ترك خلالها إرثًا معرفيًا وأدبيًا وإعلاميًا سيظل شاهدًا على حضوره العميق وتأثيره المتواصل. كرّس الراحل حياته للعلم والتعليم، فعمل أستاذًا جامعيًا وأسهم في تكوين أجيال من الطلبة، مؤمنًا بأن المعرفة ليست ترفًا، بل مسؤولية ورسالة، وإلى جانب عمله الأكاديمي، كان شغوفًا بالكتابة، فأصدر ما يقارب ثمانيةً وخمسين كتابًا في مجالات متعددة، عكست عمق رؤيته الفكرية واهتمامه بالإنسان والمجتمع، كما كان أحد الأسماء البارزة في الإعلام الخليجي والعربي، إذ بدأ مشواره مذيعًا، ثم تدرّج في المناصب حتى أصبح رئيس تحرير، وتقلّد مناصب إعلامية مهمة، حافظ خلالها على المهنية والصدق، رافضًا التنازل عن مبادئه مهما كانت التحديات. لم يكن أحمد عبدالملك مجرد مثقف أو مسؤول إعلامي، بل كان نموذجًا للإنسان الملتزم بقيمه، علّم من حوله أهمية التمسك بالمبادئ، وعدم تقديم التنازلات على حساب الكرامة، والإيمان بأن الكبرياء الأخلاقي قد يكون مكلفًا، لكنه الطريق الوحيد للسلام الداخلي، غرس في أسرته وتلامذته قيم الصدق، وحب المعرفة، والنظام، والدقة، والالتزام، والأمانة، فكان حضوره التربوي لا يقل أثرًا عن حضوره المهني. في الأشهر الأخيرة من حياته، خاض الراحل معركة قاسية مع مرض السرطان، الذي تمكن من جسده خلال سبعة أشهر فقط منذ لحظة تشخيصه، كانت صدمة المرض مفاجئة، لكنها كشفت عن صلابة نادرة في مواجهة الألم، خضع للعلاج الكيماوي، متنقّلًا بين المواعيد الطبية وجلسات العلاج، متحليًا بالصبر والرضا، محافظًا على هدوئه وإيمانه، دون شكوى، في تلك الرحلة المؤلمة، لم يكن وحيدًا؛ فقد رافقته في كل تفاصيل العلاج، وحفظت أدويته، وكنت معه في كل موعد، وكل جرعة كيماوي، وكل يوم ثقيل كان يعيشه. وفي أيامه الأخيرة التي قضاها في المستشفى، ازداد حضوره الروحي صفاءً وطمأنينة، وفي آخر يوم من حياته، حرصت على تلقينه الشهادة طوال اليوم، وكان يطلبني الذهاب للمنزل، ولكني لم اكن اعلم أنه ذاهب لمنزل آخر، رحل بكل هدوء وسلام، كما عاش حياته ملتزمًا بالقيم، تاركًا خلفه حزنًا عميقًا، وذكريات تسكن الأمكنة، ووجعًا لا يُختصر بالكلمات. رحل الدكتور أحمد عبدالملك، لكنه ترك بصمة ثقافية وأدبية راسخة، وإرثًا إعلاميًا مهمًا، ومحبةً صادقة في قلوب كل من عرفه أو قرأ له أو تعلم على يديه، سيبقى اسمه حاضرًا في كتبه، وفي ذاكرة طلابه، وفي الضمير الثقافي العربي. رحمه الله رحمةً واسعة، وجعل علمه وعمله في ميزان حسناته، وأسكنه فسيح جناته. كابنة، لم أفقد والدي فقط، بل فقدت سندي الأول ومرشدي في دربي الإعلامي والثقافي، كان الداعم الأكبر لشغفي بالكتابة، والمعلّم الذي غرس فيّ أصول التقديم الإذاعي والتلفزيوني والإنتاج الإعلامي، بفضله تعلّمت أن الإعلام مسؤولية، وأن الكلمة موقف قبل أن تكون مهنة، رحل، لكنه تركني واقفة على أسس إعلامية متينة، أحمل إرثه وأمضي به بثقة وامتنان.
708
| 25 يناير 2026