رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

فاطمة بنت يوسف الغزال

  [email protected]

مساحة إعلانية

مقالات

363

فاطمة بنت يوسف الغزال

الإجازة الصيفية.. فرصة لصناعة المستقبل لا لإهدار الوقت

28 يوليو 2026 , 11:10م

تأتي الإجازة الصيفية كل عام محملة بآمال كبيرة لدى الأسر، فهي فترة ينتظرها الأبناء للراحة والاستمتاع بعد عام دراسي طويل، لكنها في الوقت نفسه تمثل فرصة ذهبية لتشكيل الشخصية، وتنمية المواهب، واكتشاف القدرات التي قد لا تجد مساحة كافية خلال أيام الدراسة.

ومن المؤسف أن تتحول الإجازة لدى بعض الأسر إلى أشهر من النوم الطويل، والسهر المرهق، والانشغال المفرط بالأجهزة الإلكترونية، أو السفر الذي ينتهي بانتهاء الرحلة دون أن يترك أثراً معرفياً أو تربوياً أو مهارياً في نفوس الأبناء.

ليس المقصود الدعوة إلى ترك السفر، فالسفر يوسع المدارك ويجدد النشاط ويكسب الإنسان خبرات جديدة، لكن السؤال الأهم: ماذا استفدنا من رحلتنا؟

إذا كان لا بد من السفر، فلنجعله رحلة هادفة، نخطط لها مسبقاً، ونختار وجهات تثري عقول أبنائنا قبل أن تملأ هواتفهم بالصور، زيارة المتاحف، والمعالم التاريخية، والمراكز العلمية، والمحميات الطبيعية، والجامعات، والتعرف على ثقافات الشعوب واحترام اختلافها، كلها تجارب تبقى في الذاكرة وتصنع شخصية أكثر وعياً ونضجاً.

أما السفر الذي لا يتجاوز الفنادق والأسواق والمطاعم، فلا يضيف كثيراً إلى رصيد الأبناء، وقد يرسخ لديهم ثقافة الاستهلاك والترف أكثر من ثقافة المعرفة والعمل.

الوقت الذي لا نملؤه بما ينفع، سيملؤه غيرنا بما قد لا ينفع، لهذا فإن الإجازة الصيفية تحتاج إلى برنامج متوازن يجمع بين الراحة، والرياضة، والقراءة، والتطوع، واكتساب المهارات، وممارسة الهوايات، وحفظ القرآن الكريم، وتنمية المهارات التقنية واللغوية، والمشاركة في الأنشطة الثقافية والاجتماعية.

فكل ساعة يستثمرها الأبنـاء في تعلم مهارة جديدة، قد تكون بداية لمستقبل مهني أو علمي متميز.

لقد حرصت دولة قطر على توفير بيئة متكاملة لرعاية النشء والشباب، من خلال المراكز الشبابية والثقافية، والأندية الرياضية، والمكتبات العامة، والمؤسسات التعليمية، والبرامج الصيفية المتنوعة التي تنمي الإبداع والابتكار والقيادة والعمل التطوعي.

هذه الإمكانات لم تُوجد عبثاً، وإنما لتكون شريكاً للأسرة في بناء الإنسان، ويبقى نجاحها مرهوناً بمدى حرص أولياء الأمور على توجيه أبنائهم للاستفادة منها، بدلاً من تركهم أسرى للفراغ أو الشاشات لساعات طويلة.

قال الله تعالى: ﴿ المال والبنون زينة الحياة الدنيا﴾ ، والزينة الحقيقية لا تكتمل إلا بحسن التربية والتوجيه، كما قال النبي ﷺ: “كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته”.

وهذا يذكرنا بأن مسؤوليتنا لا تقتصر على توفير المأكل والملبس، بل تمتد إلى بناء العقول، وغرس القيم، وتنمية المواهب، وتعويد الأبناء على تحمل المسؤولية، واستثمار أوقاتهم فيما يعود عليهم بالنفع في الدنيا والآخرة.

لا تحتاج الأسرة إلى برامج معقدة، بل إلى خطة واضحة تتضمن أهدافاً أسبوعية، مثل قراءة كتاب، أو تعلم مهارة، أو ممارسة رياضة، أو زيارة مكان علمي أو ثقافي، أو المشاركة في عمل تطوعي، مع تخصيص وقت للترفيه والرحلات العائلية التي تعزز الروابط الأسرية.

فالإجازة الناجحة ليست التي تمضي بسرعة، وإنما التي يخرج منها الأبناء وقد اكتسبوا علماً، أو مهارة، أو خلقاً، أو تجربة نافعة.

الإجازة الصيفية ليست فترة انتظار لبداية عام دراسي جديد، بل هي موسم لبناء الإنسان. وأبناؤنا هم أعظم استثمار نملكه، وأثمن أمانة بين أيدينا، فلنجعل من هذا الصيف محطة للعلم، والإبداع، واكتشاف الطاقات، ولنحسن استثمار ما وفرته دولتنا من إمكانات وبرامج نوعية، حتى يعود أبناؤنا إلى مدارسهم أكثر علماً، وأقوى شخصية، وأوسع أفقاً، وأكثر استعداداً لبناء مستقبلهم وخدمة وطنهم. فالأمم لا تبنى بكثرة الإجازات، وإنما بحسن استثمارها.

كسرة أخيرة

إن حسن استثمار هذه الإجازات يعكس نضجاً تربوياً، ووعياً بأن النجاح الدراسي لا يُبنى فقط داخل الصفوف، بل يبدأ من البيت، ومن قرارات تبدو بسيطة، لكنها تصنع فارقاً كبيراً في مستقبل الأبناء.

مساحة إعلانية