رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
أدعو إلى تأجيل الحديث عن المصالحة في مصر، والانشغال بملف المخاصمة الذي بات أكثر إلحاحا.
❶
ممكن نتصالح مع الإخواني إذا لم تلوث يده بالدماء، فهو مواطن في النهاية ما دام لم ينسب إليه أي فعل إجرامي. لماذا إذن لا نتصالح معه ليدخل ضمن نسيج الشعب المصري. هذه الكلمات الثلاثون وردت في سياق حوار أجرته جريدة «اليوم السابع» مع المستشار مجدي العجاتي وزير الدولة للشؤون القانونية. ورغم أن الحوار كان موضوعه العدالة الانتقالية، وتطرق إلى أمور أخرى عديدة، إلا أن أغلب الذين قرأوه وكل الذين علقوا عليه لم تستوقفهم فيه سوى تلك العبارة. ذلك أنه ما إن نشر وظهر على موقع الجريدة حتى تعالت أصوات البعض رافضة ومنددة ومشككة في دوافع إطلاق الكلام، ومتسائلة عما إذا كان بمثابة جس نبض أو فرقعة مقصودة للاختبار، أم أنه تمهيد لصفقة قادمة في الطريق. وزايدت على الجميع كتائب الإبادة، فمن قائل إنهم لم يعودوا جديرين بالبقاء على أرض مصر، وداعٍ إلى قطع لسان كل من حاول فتح الموضوع. ولم يقصر وزير الأوقاف في المزايدة فأفتى بأن الكشف عن تلك العناصر الخبيثة «واجب شرعي».. إلخ. رغم أنه ليس معروفا ما إذا كان ما صدر عن الوزير العجاتي كان رسالة مقصودة أم زلة لسان، أم أنه كان مجرد إجابة على سؤال بريء وجهه إليه الصحفي، إلا أن الذي لا خلاف عليه أن ما قاله وزير الشؤون القانونية أحدث زوبعة لا تزال أصداؤها تتفاعل في وسائل الإعلام، رغم مضي أسبوعين أو أكثر على نشر كلامه.
كان اقتناعي ولا يزال أن موضوع المصالحة ليس مطروحا للبحث في الساحة المصرية الآن، فيما هو ظاهر على الأقل. ورغم أن الدعوة إلى المصالحة الوطنية طرحت خارطة الطريق التي أعلنتها قيادة القوات المسلحة في الثالث من يوليو عام 2013 إلا أن الأمر ظل مؤجلا طول الوقت. وبات واضحا أن شروط المصالحة غير متوفرة، وأولها الإرادة السياسية، لذلك فلعلي لا أبالغ إذا قلت إن ما يُثار هذه الأيام بخصوص الموضوع يظل من قبيل الثرثرة السياسية التي تثير الجدل واللغط، فتضيع الوقت وتستهلك الجهد بغير طائل. لذلك تمنيت أن نؤجل مناقشة الموضوع لظرف آخر تكون قد نضجت فيه فكرة المصالحة التي بغيرها لن يتوقف الاحتقان ولن يعرف الوطن الاستقرار. وقد سبق أن دعوت إليها وتمنيتها، ورجوت أن تشمل مختلف فئات المجتمع وقواه السياسية وليس جماعة بذاتها. وكان رأيي في ذلك أن توسيع دائرة المصالحة لتشمل مختلف فئات المجتمع ومنظماته المدنية أمر محل إجماع، أما حصرها في محيط الإخوان دون غيرهم فقد يكون موضوعا خلافيا لا ينعقد حوله الإجماع المنشود.
❷
إذا كان تأجيل الحديث عن المصالحة نظرا لعدم توافر شروطها مبررا، فإن فتح ملف المخاصمة يبدو ملحا ولا يحتمل التأجيل، والمخاصمة التي أعنيها تتمثل في موقف النظام وأجهزته إزاء المعارضين، الذي لا يطالب فيه النظام أي تنازل، فضلا عن أنه لا يتطلب إجراء أي حوار مع المعارضين إخوانا كانوا أم غير إخوان. وغاية ما يطالب به النظام أن يدعو أجهزته إلى احترام إنسانية المعارضين، من خلال الالتزام بمبادئ العدل واحترام القانون. وذلك يحتاج إلى قرار سياسي، لأن اللدد في الخصومة أو التنكيل بالمعارضين ليس هواية يمارسها البعض ولكنه أيضا سياسة مقررة. إذا لم تكن تنفذ بتعليمات فالقدر المتيقن أنه يمكن حظرها بتعليمات. وإذا جاز لنا أن نتصارح أكثر فإننا لا نستطيع أن ننكر أن المخاصمة في بلادنا تفتح الباب واسعا لاستباحة الآخر بما يؤدي إلى تجريده من حقوقه وإنسانيته. من حقه في الكرامة إلى حقه في الحياة. والآخر المستباح في هذه الحالة ليس المعارضين فقط، لكنهم أيضا النشطاء المستقلون وكل من لا يشمله الرضا. صحيح أن ثمة إنكارا تاما لذلك من جانب وزارة الداخلية، إلا أن وثائق المنظمات الحقوقية المستقلة في مصر. وكذلك المنظمات الدولية المحايدة، توثق تلك الاستباحة بما لا حصر له من الشهادات والوقائع. الذي لا يقل عن ذلك أهمية أن مواقع التواصل الاجتماعي في مصر تحفل بما لا حصر له من البيانات والمعلومات التي تؤكد تلك الاستباحة بتجلياتها المختلفة، من وقائع التعذيب والحبس الانفرادي، والحرمان من الغذاء والدواء، حملات التنديد بالاختفاء القسري فضلا عن استغاثات المرتهنين للتحقيق لآجال مفتوحة، دون أن يسألوا أو يعرفوا حقيقة المنسوب إليهم أو تلوح لهم بادرة أمل في المستقبل.
التنكيل حاصل أيضا بالنشطاء والمعارضين خارج السجون، حتى كان مثيرا للدهشة أن تمارس الضغوط وتُثار الشبهات حول المنظمات التي ترفض التعذيب وتدافع عن الديمقراطية. فقد أحيل إلى التحقيق المحامي الحقوقي نجاد البرعي واثنان من القضاء لأنهما أعدا مشروعا لمكافحة التعذيب، وصدر قرار بإغلاق مركز النديم لعلاج ضحايا التعذيب، وتم التحفظ على أموال أحمد سميح فراج مدير مركز أندلس لدراسات التسامح ومناهضة العنف، وسجن الباحث هشام جعفر منذ سبعة أشهر لرئاسته مؤسسة للتنمية والدفاع عن المسار الديمقراطي. لم يسلم من التنكيل المتظاهرون السلميون الذين باتوا يحالون إلى القضاء العسكري أو تفرض عليهم غرامات باهظة، أما الذين يدونون آراءهم النافذة ويعبرون عن مشاعرهم على صفحاتهم الخاصة فإنهم يتعرضون للمنع من السفر، وأحيانا إلى الفصل من الوظيفة ومصادرة الأموال الخاصة، وربما أفضى ذلك إلى التشهير بهم وتدميرهم أدبيا وسياسيا.
❸
خلاصة الكلام أن غير المرضي عنه أو المعارض لا حماية له ولا كرامة، من ثَمَّ فكل ما هو مطلوب أن تحترم كرامة وإنسانية صاحب الرأي المخالف طالما أنه يعبر عن موقفه أو يتصرف في حدود القانون، ولا يستطيع المرء أن يخفي شعوره بالحزن والأسف حين يسمع من المحامين أنهم لم يعودوا يتطلعون إلى إطلاق سراح الأبرياء ولكنهم أصبحوا يتمنون لهم معاملة إنسانية في محبسهم وتحقيقا نزيها يحفظ لهم كرامتهم، وحتى إذا قضت المحاكم بسجنهم فإن ذلك لا ينبغي أن يجردهم من إنسانيتهم.
في الأسبوع الأول من شهر يونيو الحالي صدر قرار بحبس المستشار هشام جنينة، رئيس جهاز المحاسبات السابق، حين رفض دفع الكفالة التي قررتها نيابة أمن الدولة، وحين نقلته مدرعة إلى قسم الشرطة لينفذ الحبس فإن المأمور أودعه غرفة مناسبة (كانت مكيفة الهواء) ليقضي فيها ليلته، وبعد ساعات من بقائه بالغرفة جاءه في منتصف الليل من طلب منه الانتقال إلى غرفة أخرى ليس فيها سوى بلاط عار ودورة مياه غارقة في الفضلات، ولم يكن بحاجة إلى من يبلغه بأن ذلك تم بناء على تعليمات من خارج قسم الشرطة. ثم كانت المفاجأة أنه بعد أيام من إطلاق سراحه ودفع الكفالة، صدر قرار بفصل ابنته شروق من وظيفتها بالنيابة الإدارية بغير الطريق التأديبي. وحين لم يذكر السبب فلم يكن هناك من تفسير لذلك سوى أنه من توابع عقاب الأب الذي تحدث عن الفساد فحوكم هو ولم يحاكم الفاسدون!
في واقعة أخرى أصدرت محكمة جنايات الجيزة في ??/? حكمها في القضية التي عرفت إعلاميا بالتخابر مع قطر وقضت بحبس الدكتور محمد مرسي رئيس الجمهورية الأسبق بالسجن ?? عاما في اتهامه بقيادة جماعة محظورة على خلاف القانون واختلاس مستندات ووثائق، وبرأته المحكمة مع آخرين من تهمة الحصول على مستندات بغرض تسليمها إلى جهات أجنبية، وقد أبدى غيري رأيه في مفارقات الأحكام التي صدرت، لكن أكثر ما أثار انتباهي أن وسائل الإعلام أغفلت أو أخفت خبر تبرئته من تهمة التخابر باستثناء صحيفة «المصري اليوم» التي أشارت إليها، ورغم براءته من التهمة ظلت تعليقات البعض مصرة على إدانته فيها، فدأبت على وصفه بالرئيس الجاسوس والخائن في تشفٍ مستهجن، وادعي أحدهم أنه عاش خائنا، وسيموت كافرا هكذا مرة واحدة.
❹
لديّ أربع كلمات في التعليق على ما سبق هي:
< الأولى أن ما يجري من تنكيل واستباحة للناقدين أو المعارضين يحسب على النظام والسلطة بكل رموزها ومراتب قياداتها، حتى إذا لم تأمر به أو لم تعلم به. ذلك أن الذين يمارسون تلك الانتهاكات إن لم يكونوا ينفذون رغبات أو توجيهات، فهم على الأقل يتصرفون على نحو يطمئنون به إلى أنه يرضي قياداتهم. وقد أسلفت أننا إذا افترضنا أن الانتهاكات تتم بغير تعليمات، إلا أن الثابت أنه يمكن إيقافها بتعليمات صريحة وحازمة، وفي كل الأحوال فإن التعذيب والتنكيل يظل جريمة دولة ــ كما قيل بحق ــ وليس جريمة أفراد أو أجهزة.
< الثانية إنني أستغرب كثيرا أن يتم التنكيل بالمحبوسين أو أهاليهم أو غيرهم من الذين لا يستطيعون الدفاع عن أنفسهم، سواء في رد الأذى أو بتفنيد الاتهام. وهو ما يهتك أبسط مبادئ العدل والإنسانية، لا أتحدث عن النخوة والمروءة والشهامة وغير ذلك من الشمائل التي يعتز بها العرب، فنحن أبعد ما نكون عن كل ذلك، وإنما أتحدث فقط عن الحد الأدنى من الإنسانية والكرامة.
< الكلمة الثالثة تتعلق بما يبدو أنه دفاع من جانبي عن المظلومين الذين تستباح كراماتهم، فذلك صحيح نسبيا، وهو ما أتشرف به، إلا أنه أيضا دفاع عن قيم المجتمع التي إذا سكتنا على استمرار انتهاكها فلن يسلم من التنكيل كل واحد منا يوما ما، وسنندم جميعا حينذاك لأننا سكتنا، إذ سينطبق علينا حينذاك قول من قال: أكلت يوم أكل الثور الأبيض.
< الكلمة الرابعة ليست لي، ولكنها مأثورة عن الحسن البصري أفقه أهل زمانه، إذ قال"أحبوا هونا وأبغضوا هونا، فقد أفرط قوم في حب قوم فهلكوا، وأفرط قوم في بغض قوم فهلكوا"، وهو مصير نسأل الله أن ينجينا منه في الدنيا والآخرة.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
(ضاعوا عيالنا) عبارة أصبحت تقال كثيرًا في المجالس واللقاءات ومواقع التواصل يقولها الآباء والأمهات وهم يتحدثون عن أبنائهم، وهي عبارة تختصر حجم المشكلة التي نعيشها اليوم. فالأبناء لم يضيعوا منا لأنهم بعيدون عن بيوتنا واعيننا، بل المؤلم أنهم بين أيدينا، وأمام ناظرينا، ويجلسون معنا تحت سقف واحد، ومع ذلك نشعر بأنهم مختطفون منا. لقد سُلبت حرية أبنائنا، وتم السطو على أوقاتهم وتفكيرهم وسلوكهم، حتى أصبحنا نرى آثار ذلك داخل بيوتنا بأشكال كثيره: ضعف في التركيز، وضعف في الحفظ، وحالة من عدم الانتباه والإدراك لما يدور حولهم، وعصبية، وعزلة عن الأسرة، وضعف في الحوار والتواصل، حتى أصبح الجهاز في بعض البيوت المهدئ لهذا الادمان وفقده يجعل الطفل في حالة استنفار وغضب. والمؤلم أننا كأولياء أمور نشعر بالعجز وهذه حقيقه لا نكابر فيها. لقد حاولت الأسر المنع، وحاولت تحديد الساعات، وحاولت سحب الأجهزة، وحاولت الترغيب والترهيب، ولكننا أمام حرب أكبر من قدرة الأب والأم وحدهما، اصبح الواقع السباحة عكس التيار. ولذلك نسمع في كل مجلس تلك العبارة المؤلمة: (ضاعوا عيالنا). والمفارقة أننا في الماضي كنا نخاف على أبنائنا من الشارع، ومن اللعب بعيدًا عن البيت، ومن الخروج دون اذن، وكنا نطمئن عندما يعود الطفل إلى المنزل ونغلق عليه الباب، معتقدين أنه أصبح الان في المكان الأكثر أمانًا. أما اليوم فقد انقلبت المعادلة، وأصبح الخطر يدخل عليه ويأتيه وهو في بيته، بل وهو في غرفته. قد لا يخرج الطفل أو الشاب من المنزل يومًا كاملًا، وربما لا يغادر غرفته لساعات طويلة، فنظن أنه أمام أعيننا وفي أمان، بينما هو عبر هاتفه يتجول في أماكن أبعد وأخطر من الشارع الذي كنا نخاف عليه منه. يستطيع في دقائق أن يعبر حدود الوطن، وأن يدخل مجتمعات افتراضية لا نعرف عنها شيئًا، وأن يتعرف إلى أشخاص من دول وثقافات وأفكار مختلفة. وليس الخوف هنا من اختلاف الثقافات في حد ذاته، وإنما ممن قد يستغل براءة الطفل أو اندفاع الشاب، أو يستدرجه ويبتزه أو يدفعه إلى سلوكيات وأفعال خطرة، وقد يصل الأمر إلى استغلاله في جرائم أو إقناعه بتصوير أفعال مجّرمه ونشرها عبر مواقع ومنصات محظورة. وهنا يصبح الخطر أكبر، لأن الأب يكون جالسًا في الغرفة المجاورة معتقدًا أن ابنه في أمان، بينما ابنه موجود فعليًا في عالم لا يعرف الأب عنه شيئا. لقد كنا نسأل أبناءنا في الماضي: أين ذهبت؟ ومع من كنت؟ ومتى ستعود؟ أما اليوم فعلينا أن نسأل سؤالًا أصعب: أين كنت وأنت جالس معي وأمامي؟ والخطير ان العالم اليوم قد بدأ يخشى من خروج الذكاء الاصطناعي عن السيطرة، واجتمعت الدول والشركات الكبرى لمناقشة مخاطره ووضع الضوابط والحدود لقدراته، فلماذا لا نتوقف نحن أيضًا أمام ما يحدث لأطفالنا؟ وإذا كانت دول قد بدأت بالفعل في وضع قيود وضوابط على بعض البرامج والمواقع ومنصات الإنترنت بالنسبة للأطفال، فلماذا نترك الأسرة وحدها تخوض هذه الحرب؟ وهي حرب غير متكافئة. ومن هنا فإننا نطلق نداء استغاثة، وليس مجرد اقتراح، إلى الوزارات والمؤسسات والجهات المعنية في الدولة: تدخلوا قبل أن نفقد أبناءنا أكثر. نحتاج إلى آلية واضحة وحقيقية تساعد الأسرة على حماية أبنائها، وإلى قيود وضوابط على البرامج والمواقع والتطبيقات التي يصل إليها الأطفال، وإلى حلول تقنية وتشريعية ورقابية تعيد للأب والأم شيئًا من القدرة على حماية أبنائهم. فالأسرة حاولت كثيرًا، لكنها اليوم تقف بوجه تيار لا تستطيع مواجهته بمفردها. نحن لا نتحدث عن مشكلة عابرة، بل عن جيل كامل يتعرض يوميًا لسيل لا يتوقف من المقاطع والصور والألعاب والرسائل والمحتويات، يدخل إلى عقله وغرفته وبيته دون استئذان حتى منه. إنه تلوث جديد ينساب ببطء إلى فلذات أكباد هذا المجتمع، وقد لا نرى نتائجه كاملة اليوم، لكننا نرى مقدماته واضحة في بيوتنا ومدارسنا ومجالسنا. ولهذا فإن صرخة (ضاعوا عيالنا) التي تتكرر على ألسنة الآباء والأمهات يجب ألّا تبقى شكوى حبيسةً داخل المجالس بل يجب أن تصل إلى أصحاب القرار والجهات المختصة لتتدخل الدولة فالأسرة اليوم تطلب المساندة، وتطلب التدخل، وتطلب حلًا سريعًا. لأن أبناءنا ما زالوا أمام أعيننا، ولكننا نخشى أن يأتي يوم يكونون فيه أمامنا أجسادًا.. بينما عقولهم ووعيهم وحياتهم تخدم أجندة أخرى وربما عدوه.
43527
| 14 سبتمبر 2026
في عام 1997، كان السيد فيصل محمد السويدي يخوض المفاوضات مع الشركات اليابانية بصفته نائب رئيس مجلس إدارة شركة قطر للغاز. ولم يعتمد على الخبرة العملية وحدها، بل اهتم بدراسة الطريقة التي يفكر بها اليابانيون ويديرون بها مفاوضاتهم. وكان كتاب The Japanese Negotiator، للمؤلف روبرت مارش، من الكتب التي استعان بها لفهم ذلك الأسلوب. وقد أهداني نسخة منه آنذاك، كما أهدى نسخًا منه إلى آخرين. وكان، من واقع تجربته المباشرة معهم، يشرح لي أسلوب اليابانيين في التفاوض، وكيف يستعدون ويتشاورون ويتأنون قبل اتخاذ القرار. ولم يكن ذلك مجرد حديث عابر، بل كان يعكس حرصه على ألا تبقى خبرته حبيسة غرف المفاوضات، وأن ينقل ما تعلمه إلى الجيل الذي يليه. بقي هذا الكتاب معي، وبقيت معه تلك الشروح، لكن قيمته لم تكن في وصف المفاوض الياباني وحده، بل في السؤال الذي أثاره لديّ: هل يمكن الحديث، في المقابل، عن أسلوب مميز للمفاوض القطري؟ وإذا كان الياباني يدخل غرفة التفاوض مستندًا إلى الإعداد الدقيق والعمل الجماعي والصبر، فما الذي يميز المفاوض القطري؟ وما الذي يمكن أن يتعلمه كل طرف من الآخر؟ لا تعني هذه المقارنة أن كل مفاوض قطري أو ياباني يتصرف بالطريقة نفسها؛ فالأفراد والمؤسسات والظروف تختلف. ويشير الباحث بيتر بيرتون إلى أن كثيرًا من الممارسات المنسوبة إلى اليابانيين توجد بدرجات مختلفة في ثقافات أخرى، ولذلك لا ينبغي اعتبارها صفات ثابتة. يبين روبرت مارش في كتابه The Japanese Negotiator، ويشرح كازو نيشياما في كتابه Doing Business with Japan، أن الاجتماع الرسمي ليس دائمًا المكان الذي يُصنع فيه القرار. فكثير من العمل يتم قبله، من خلال جمع المعلومات ودراسة المخاطر والتشاور بين الإدارات، وصولًا إلى قدر واسع من التوافق داخل المؤسسة. ولذلك قد يبدو المفاوض الياباني بطيئًا أو متحفظًا، بينما هو يتأكد من أن مؤسسته تستطيع الوقوف خلف القرار. ولا يتعامل أعضاء الفريق الياباني عادةً مع المفاوضات باعتبارها مناسبة لإظهار المهارات الفردية. وقد لا يكون أكثرهم حديثًا هو صاحب القرار، كما أن الصمت لا يعني بالضرورة الرفض، والتأخر في الإجابة لا يدل دائمًا على عدم الاهتمام. فقد يكون المطلوب مزيدًا من التشاور الداخلي قبل تقديم موقف تستطيع المؤسسة الالتزام به. وتقدم مفاوضات الغاز بين قطر واليابان مثالًا عمليًا على ذلك. ففي أواخر الثمانينيات كانت قطر تمتلك احتياطيات هائلة من الغاز، لكنها لم تكن قد بنت بعد سجلًا في تصدير الغاز الطبيعي المسال. وكان نجاح المشروع يتطلب مشتريًا رئيسيًا يلتزم بكميات كبيرة ولفترة طويلة، بما يمنحه الأساس التجاري اللازم لجذب الشركاء والتمويل. ويروي مايكل توسياني وآن ماري جونسون، في كتابهما From Black Gold to Frozen Gas، تفاصيل الطريق الصعب الذي سبق انطلاق أول مشروع قطري للغاز الطبيعي المسال، والدور الذي أدته السوق اليابانية في توفير الركيزة التجارية اللازمة لانطلاقه. وفي عام 1991 وقّعت شركة تشوبو اليابانية خطاب نوايا لشراء أربعة ملايين طن سنويًا لمدة خمسة وعشرين عامًا، رغم ظروف حرب الخليج. ولكن عندما انسحبت شركة BP من المشروع، أثار ذلك مخاوف اليابانيين، وأعادوا تقييم المخاطر، فتأجل توقيع العقد النهائي. وبعد استمرار الاتصالات ومعالجة المخاوف، وُقّع العقد عام 1992، ووصلت أول شحنة من الغاز القطري إلى اليابان في يناير 1997. تكشف هذه القصة أن الجانب الياباني في تلك المفاوضات لم يمنح ثقته بسهولة، لكنه عندما اطمأن إلى قدرة المشروع، التزم بعلاقة امتدت لعقود. كما تكشف جانبًا من التجربة القطرية؛ فلم يكن الفريق القطري يفاوض على سعر الغاز وشروط توريده فقط، بل كان مطالبًا ببناء الثقة في قدرة قطر، التي لم يسبق لها حينذاك تصدير الغاز المسال، على إنجاز مشروع ضخم والوفاء بالتزامات تمتد لعقود. وهنا يظهر اختلاف مهم بين المدرستين: المفاوض الياباني يصنع جزءًا كبيرًا من القرار قبل دخول غرفة التفاوض، عبر الدراسة والتشاور الداخلي، بينما ظهرت قوة الفريق القطري في هذه التجربة داخل عملية التفاوض، من خلال سرعة التواصل وبناء العلاقة وفهم مخاوف الطرف الآخر والبحث عن حلول تحفظ مصالح الطرفين. ومن الناحية العملية، نتعلم من التجربة اليابانية أن الاستعداد لا يقتصر على معرفة السعر والشروط، بل يبدأ بفهم الطريقة التي يتخذ بها الطرف الآخر قراره: من أصحاب التأثير داخل مؤسسته؟ ومن يملك الموافقة النهائية؟ وما المعلومات التي يحتاج إليها ليقنع زملاءه؟ وما المخاطر التي يخشى أن يتحمل مسؤوليتها لاحقًا؟ قد ننجح في إقناع الجالس أمامنا، لكن الصفقة تتعثر لأنه لم يستطع إقناع مؤسسته. فالمفاوض الجيد يسير في مسارين متوازيين: يفاوض الشخص الجالس أمامه، ويساعده في الوقت نفسه على بناء الحجة التي يحتاج إليها لإقناع مؤسسته. وفي المقابل، تكشف التجربة القطرية عن قيمة سرعة التواصل، وبناء القنوات المباشرة، والقدرة على التكيف مع الظروف المتغيرة. فالنجاح ليس في اختيار أحد الأسلوبين ورفض الآخر، بل في الجمع بين دقة الإعداد وسرعة الاستجابة. وتعيدنا تجربة فيصل السويدي إلى درس إداري مهم: فالمعرفة التي تتكون خلال المفاوضات الكبرى يجب ألا تغادر المؤسسة مع أصحابها، بل يجب أن تتحول إلى دراسات حالة وأدلة عمل وبرامج تدريب يستفيد منها المفاوضون الجدد، بدل أن يبدأ كل جيل من الصفر. وقد تجددت الشراكة في فبراير 2026، عندما وقّعت قطر للطاقة وشركة JERA اليابانية للطاقة عقدًا لتوريد ثلاثة ملايين طن من الغاز الطبيعي المسال سنويًا لمدة سبعة وعشرين عامًا، ابتداءً من عام 2028. وبعد أكثر من ثلاثة عقود على الاتفاق الأول، دخلت العلاقة مرحلة جديدة من الالتزام طويل الأجل. إن أهم ما تعلمناه من هذه التجربة ليس أن المفاوض القطري يجب أن يصبح يابانيًا، بل أن التفاوض الناجح يبدأ قبل الجلوس إلى الطاولة: بدراسة الطرف الآخر، وفهم طريقة اتخاذ القرار داخل مؤسسته، والاستعداد لمخاوفه قبل أن يعبّر عنها. أما الدرس الأهم لمؤسساتنا، فهو ألا تبقى خبرات المفاوضين الكبار حبيسة الذاكرة أو غرف الاجتماعات، بل يجب أن تتحول إلى معرفة موثقة تنتقل من جيل إلى آخر. فالصفقة الجيدة تحقق مكسبًا اليوم، أما المعرفة المتراكمة فتصنع مفاوضين قادرين على تحقيق المكاسب لسنوات طويلة.
7137
| 15 سبتمبر 2026
لم تعد أزمة مضيق هرمز حدثاً سياسياً أو عسكرياً بعيداً عن حياة الناس، فقد امتد أثرها إلى حركة السفن وتكاليف الشحن والتأمين وسرعة وصول البضائع إلى دول المنطقة. ومع استمرار الاضطراب، ارتفعت أسعار بعض السلع، وقد يمتد الارتفاع إلى سلع أخرى إذا طالت الأزمة. وجانب من هذا الغلاء له أسباب حقيقية، فعبور السفن في منطقة عالية المخاطر يرفع أقساط التأمين، وقد يدفع شركات الشحن إلى فرض رسوم إضافية. كما أن تأخر وصول البضائع يزيد تكاليف التخزين والتمويل، وقد يضطر المستورد إلى استخدام طريق أطول أو وسيلة نقل أكثر كلفة حتى يحافظ على توافر السلعة. لكن ارتفاع هذه التكاليف لا يعني أن تصبح أزمة هرمز مبرراً مفتوحاً لزيادة أسعار جميع السلع وبأي نسبة. فليست كل السلع تمر بالطريق نفسه، ولا تمثل كلفة الشحن النسبة ذاتها من سعر كل سلعة. كما أن بعض البضائع المعروضة حالياً وصلت إلى قطر قبل ارتفاع تكاليف النقل والتأمين. ومن هنا يظهر ما يمكن تسميته «غلاء هرمز»، أي الزيادة التي فرضتها الأزمة فعلاً. غير أن هناك فرقاً بين هذه الزيادة الحقيقية وبين استغلال الظروف لرفع الأسعار بما يتجاوز ارتفاع التكلفة. فقد يسارع بعض التجار إلى رفع الأسعار بنسب تتجاوز الزيادة الفعلية أو المتوقعة في تكلفة استبدال المخزون، أو يرفعون أسعار سلع لم تتأثر مباشرة، مستفيدين من توقع المستهلك أن كل شيء سيصبح أغلى. ولا يعني ذلك اتهام التجار والمستوردين عموماً؛ فكثير منهم يواجهون ظروفاً صعبة ويحاولون المحافظة على تدفق البضائع رغم ارتفاع المخاطر. لكن حماية التاجر الجاد لا تتعارض مع مساءلة من يستغل الأزمة لتوسيع هامش ربحه. والفاصل بين الحالتين هو قدرة التاجر على إثبات مقدار الزيادة التي تحملها فعلاً. وقد تحركت الجهات المختصة في قطر مبكراً لمواجهة آثار الأزمة. فدعت غرفة قطر، بالتعاون مع الهيئة العامة للجمارك، شركات الشحن والنقل إلى استخدام المسار البري عبر المملكة العربية السعودية ونظام النقل الدولي البري «TIR»، مع تخصيص مسار سريع وتسريع التخليص من خلال نظام النديب الإلكتروني. وفي الوقت نفسه، كثفت وزارة التجارة والصناعة رقابتها على الأسواق، فنفذت بين 28 فبراير و22 مارس 2026 نحو 50 ألف جولة تفتيشية طارئة، وضبطت منشآت مخالفة وأغلقت منشأتين، في رسالة واضحة بأن ارتفاع التكلفة لا يمنح أحداً الحق في استغلال الأزمة. كما تمتلك قطر قاعدة بيانات للأسعار، بعد إلزام المنشآت التجارية والصناعية بتسجيل أسعار السلع والخدمات وتحديثها إلكترونياً. وهناك أيضاً سلع وخدمات لا يجوز رفع أسعارها من دون موافقة الجهة المختصة. وبذلك تتوافر أدوات لمقارنة الأسعار قبل الأزمة وبعدها، وربط أي زيادة بفواتير الاستيراد والشحن والتأمين. إلا أن استمرار الأزمة يتطلب البناء على هذه الإجراءات، والانتقال من الاستجابة العاجلة إلى خطة أطول مدى. وينبغي أن تسير هذه الخطة في اتجاهين متوازيين: منع استغلال الأزمة داخل السوق، وخفض تكلفة وصول البضائع إلى قطر عبر الطرق البديلة. ففتح الطريق البري خطوة مهمة، لكن نجاحه لا يقاس بوصول البضاعة فقط، بل بالتكلفة التي تصل بها. فإذا كانت كلفة الطريق البديل مرتفعة جداً، فسيدفع المستهلك ثمنها في النهاية. لذلك من المهم مقارنة تكاليف الاستيراد عبر المسارات المختلفة، واختيار الطريق الأنسب لكل نوع من السلع. ومن المهم أيضاً منح الأولوية في النقل والتخليص للغذاء والدواء والسلع الأساسية، وتقليل فترات انتظار الشاحنات عند المنافذ؛ لأن كل يوم إضافي يرفع تكاليف النقل والتبريد والتخزين. ويمكن دراسة تخفيف بعض الرسوم مؤقتاً، متى ثبت أن ذلك سينعكس على السعر النهائي، لا أن يتحول إلى زيادة في هامش الربح. أما داخل السوق، فينبغي أن تركز الرقابة على العلاقة بين ارتفاع التكلفة وارتفاع سعر البيع. فإذا أثبت المستورد أن تكلفة وصول سلعة معينة ارتفعت بنسبة محددة، فمن الطبيعي أن ينعكس جزء من ذلك على سعرها. أما إذا ارتفع السعر بنسبة أكبر كثيراً، فمن حق الجهة الرقابية أن تطلب تفسير الفارق. وفي المقابل، يجب الحذر من تثبيت جميع الأسعار بصورة جامدة؛ لأن إجبار المستورد على البيع بأقل من تكلفته قد يدفعه إلى تقليل الاستيراد، فتتحول مشكلة الغلاء إلى نقص في السلع. فالرقابة الناجحة تقبل الزيادة المبررة، وتكبح الزيادة التي تستغل الأزمة، وتحافظ في الوقت نفسه على استمرار الإمدادات. لقد أثبتت قطر في أزمات سابقة قدرتها على تنويع مصادر الاستيراد وبناء مخزون إستراتيجي والمحافظة على استقرار الأسواق. والمطلوب اليوم هو تطوير الإجراءات الحالية إلى خطة مستمرة لطرق استيراد بديلة ذات تكلفة مقبولة، مع رقابة تمنع استخدام اسم هرمز لفرض زيادات لا تبررها الأرقام. إن مواجهة «غلاء هرمز» تقوم على مسارين لا ينفصلان: تسهيل وصول البضائع إلى قطر بأقل تكلفة ممكنة، ومنع تضخيم هذه التكلفة عندما تنتقل إلى المستهلك. وبهذا التوازن يمكن حماية المستهلك، ومساندة التاجر الجاد، والمحافظة على استقرار السوق في وقت واحد.
5400
| 13 سبتمبر 2026