رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
حدود الدم والنار ليس تعبيرا مجازيا، ولكنه حقيقة تحاول أن تعبر عن مستوى الخطر والصراع في المنطقة التي تحتوي الأغلبية المسلمة من سكان الأرض، وتمتد من الصين إلى المغرب ومن تركيا إلى نيجيريا، هو ذات الصراع القديم، مصالح الغرب الاستعماري، وأبناء الأرض، صراع مصالح بالأساس تعلم منه الطرف الغربي درس مرحلة الاستقلال الوطني، وكيف خسر فيها عددا من المعارك، وتعلم من قبل ذلك أن الدين الإسلامي في هذه المنطقة هو حائط الصد الأخير وأن لب الصراع في عالم ما بعد سقوط المعسكر الاشتراكي هو مع حضارة الشرق الحقيقية وفي القلب منها الإسلام حسب ما قال روبرت جيتس مدير المخابرات المركزية الأمريكية عشية سقوط الاتحاد السوفييتي أول التسعينيات، ووزير الدفاع نهايات بوش وبدايات أوباما. لم يكن جيتس يبدع من عنده جديدا في تحديد العدو ولكنه كان قد تعلم الدرس البريطاني الأول بأن السيطرة في هذه المنطقة تأتي من حاكم مسلم يتحالف مع بريطانيا وينفذ لها ما تشاء، وكانت الإضافة وليس البديل هو زرع الكيان الصهيوني في المنطقة كفاصل بين شرق سيناء وغربها كمركز حيوي للعرب ارض الإسلام ومنبع الرسالة وأصحاب اللغة والقومية الواحدة وحيث تتجمع المقدسات من مكة إلى المدينة إلى القدس ويقع مركز الإسلام العلمي في الأزهر.
تفرض المصالح الأمريكية ألا يكون هناك انقطاع معرفي، والمصالح تفرض الاستراتيجيات، والواقع الذي تستهدفه يفرض السياسات والتكتيكات، والذاكرة حية تنمو ولا تتآكل، يضاف إليها ولا تسقط أي من أساليب المواجهة مهما كان تناقضها مع الإنسانية، وكان الإبداع في توظيف "الإسلام" ذاته من عقيدة حق وعدل وسلام وكرامة إنسانية ودعوة للارتقاء بالإنسان، ليصبح عقيدة اقتتال وانقسام وتفكيك، ولتنقل ضمنيا الدم من المحرمات إلى المباح تحت دعوي الجهاد لإقامة شرع الله.
لم تبدع أميركا والغرب التباين بين المجتهدين ولا تعدد التأويلات للإسلام ولكنها استخدمتها.
واستبدلت إستراتيجية "فرق تسد" معترفة بوحدة الأقاليم والأوطان، إلى إستراتيجية "فتت تسد" لتنال من الأرض "الجغرافيا" بما عليها من بشر، وتحت تعبير المواطنة بمعني تحديد أن الإنسان والعرق واللون غير قابل للوجود في مجتمعه ضمن سبيكة شعب واحد، ولكنه أيضاً فوق الأرض تلك مصالح متعددة ومتابينة، حتى أن أحدهم خرج واصفا الوطنية بأنها عصر "البيادة" أو الأحذية الثقيلة للجنود.
واستبدلت دعوة الجهاد دفاعا عن الإنسانية والقيم العليا للإسلام، إلى كونها دعوة حشد أممية، بدأتها المخابرات الأمريكية في أفغانستان، ومولها العرب بالمال والبشر، وكانت أفغانستان المدرسة الأساسية التي أنتجت العنف الأممي بعد أن كان ذلك العنف داخل الأقطار الإسلامية ابن مجتمعها، قاصرا علي من يخرجون عليه تطرفا في الأداء، فلم تشهد أقطارنا العربية تجمعات مسلحة إلا في مواجهة الاحتلال الغربي، وكان يطلق عليهم "الفدائيون" أي أنهم يبذلون الروح فداءا لحرية أوطانهم وشعوبهم، وكانت حركات التحرير ومقاومة الاحتلال ملاحم إنسانية دعمت التماسك الوطني ووحدت الصفوف وكان معيار التقييم إيجابا أن تكون مع حرية الوطن والشعب، وكان التخلف عن ذلك هو الخيانة.
كانت البداية في الدعوة إلى "الجهاد" في مواجهة "الإلحاد"، أي أن الأهداف الأمريكية في الصراع مع المعسكر الشيوعي لم تعد عسكرية ولا اقتصادية ولا هي صراع علي السيطرة ومناطق النفوذ، ولكن انقلب ذلك كله إلى دفاع عن الإسلام برعاية أمريكية فوق أرض أفغانستان وبأيدي المسلمين من الأقطار العربية والإسلامية وبالأموال العربية. وامتد الأمر وانتشر بعد ذلك في المواجهات بين الشرق الشيوعي والغرب الأمريكي الرأسمالي، وانتشرت التكوينات والمنظمات المسلحة تحت غطاء الجهاديين الإسلاميين، أما من يوجه ومن يقود ومن يدرب ومن يمول ومن يحمي، فذلك كله خلف ستر سوداء، دخلت فيها لعبة الأمم، وانسحبت الجيوش مؤقتا واندفعت التنظيمات المسلحة تفعل فعلها حسب ما هو مخطط قبل دخول الجيوش أو أثناء ذلك أو من بعده.
هكذا غير الغرب وأمريكا من أدواته واستخدم البشر أصحاب الأرض والعقيدة الإسلامية المتحولة والمخصبة من اجتهادات لا ترقي إلى جوهر الإسلام، لتتحول إلى عقيدة قتل وعنف بديل عقيدة دعوة وفكر، واستخدمها في تدمير الكيانات الوطنية والقومية التي ظلت متماسكة طوال فترة التحرر الوطني من الاستعمار القديم، وصار الصراع بين الإيمان بالرعاية الأمريكية والكفر والإلحاد الوطني، لينهار التاريخ مع تفتيت الأرض.
ولكن من يستحضر العفريت قد لا يملك أن يصرفه، وهو ما حدث، وتم صدام بين بعض من هذه التكوينات وأمريكا واخذ صورا متعددة، ليظهر تعبير "الإرهاب الإسلامي"، ولننبري في محاولة الدفاع عن النفس، ولكن ما نلبث أن تنالنا شظاياه، ويصبح ملأ الاعين ومن حولنا يتهدد وجود امتنا ذاتها.
نحن نرفض تعبير الإرهاب الإسلامي، ولكن ما هو التعبير البديل، هل هو الإرهاب المتأسلم، أم هو فيالق الإرهاب الأمريكية، أم هم جند السي آي أيه بدلا من جند الله.
وأنتجت الآلة الأمريكية والغربية بديلا جذابا آخر على التوازي مع آلة العنف، وهي تلك التنظيمات تحت عنوان "حقوق الإنسان"، والمنظمات غير الحكومية، وكانت تلك التنظيمات في وجودها هي نقاط تسريب المفاهيم الأيديولوجية التي حكمت النضال الوطني والقومي، وكأن الاستنساخ صالح لكل مكان وزمان، وصارت حركات حقوق الإنسان تؤدي دورا في مواجهة الاستبداد الداخلي، ولكنها لا تملك أن تواجهه بحل بعيدا عن منابع الإمداد والتمويل الخارجي، وأصبح لها في إستراتيجية التفتيت دور وإن جرى تغليفه بحقوق الإنسان.
كان مشهد استقبال الجنود السبع الذين جري اختطافهم في سيناء يحمل عنوان "أوجه البهجة المستعارة"، فالكوكبة التي تستقبلهم تحمل فوق وزر اختطافهم أوزارا أخرى أكثر خطورة وأشد تنكيلا بالوطن والشعب. فخلفهم جميعهم عار تحول مصر إلى حاضنة للإرهاب، ويدفع الشعب والمستقبل ثمنه، وخلفهم عار قتل واعتقال شباب الثورة، ولم يعن احد أن يدافع عمن وضعوا حياتهم ومستقبلهم فداءا لتغيير وجه مصر، وخلفهم عار اختطاف الثورة ذاتها، وتحويل قرار السلطة في مصر لصالح فيالق الإرهاب الأميركي، وكأننا نسمع أمل دنقل يصرخ بالمختطفين "كيف تنظر في يد من صافحوك.. فلا تبصر الدم.. في كل كف؟".
كان المشهد دليل إدانة أكثر منه دلالة إنجاز، فالأمر ليس من نجح في تحرير هؤلاء المختطفين، ولا هو كيف تم ذلك، ويحضر هنا قول والد احد المختطفين "أعيدوا إلى ابني شهيدا لأدفنه، ولكن اقضوا بكل حزم وقوة علي العصابات الإرهابية في سيناء"!، هكذا كان الأب البسيط والذي لا يتولي سلطة، ولا درس إستراتيجية ولا يملك قوات مدججة بالسلاح والمعلومات، ولا يمتلك حتى الحيلولة دون الاعتقال والسجن من شرطة تحولت إلى كيان إرهابي إخواني جديد، كان الأب أكثر وعيا منهم، وأكثر إدراكا بالخطر وكأنه يردد علي مسامعهم قول أمل دنقل ثانية "إن سهما أتاني من الخلف سوف يأتيك من ألف خلف".
الإرهاب الذي فرض علينا مواجهته لا يتوقف عند عدد من التنظيمات أو الجماعات، إنه يمتد من الانحراف الفكري بالإسلام "الإرهاب الفكري"، ويتخطي هذه الكيانات التنظيمية إلى من يقف وراءها "الإرهاب الأميركي"، وان ندرك أن إستراتيجية التفتيت ليست وهما بل هي حقيقة واقعة فوق الأرض وتتجاوز تكتيكات سابقة للحفاظ علي المصالح الغربية بالمنطقة وأمن إسرائيل، وان حدود المواجهة تمتد متجاوزة الحدود الوطنية والإقليمية إلى منابع الإرهاب ذاته، تسليحا وتمويلا وتدريبا وتجنيدا، وان امن سيناء يبدأ من هناك في أفغانستان ومالي والصومال، وان اتساع ميدان المواجهة لا يعني القبول بادعاء الحرب الدولية ضد الإرهاب، أو تحويل الجيش الوطني المصري إلى جيش عقيدته مواجهة الإرهاب، ولكن اتساع المواجهة يتطلب:
1. وعي وإدراك بالمضمون الحقيقي للإسلام، وعدم الانجرار إلى حوارات وتأويلات تأخذ منه، وتحمله بأهواء ورغبات وخطط لا تنتمي إليه ولا هي لصالح الوطن.
2. حكم وطني يعي التاريخ والمصالح والشعب، يدرك المخاطر الخارجية والادعاءات الداخلية، يدرك أن وجوده غير أبدي وأن الوطن والشعب هو الباقي.
3. عدم الفصل بين جماعات الإرهاب تحت اسم الإسلام وبين الخطط الأمريكية لإستراتيجية التفتيت.
4. إدراك أن حدود الأمن القومي المصري تمتد من المغرب العربي إلى العراق، ومن سوريا إلى اليمن، وان الخطر علي الصومال ودارفور والجزائر ومالي وليبيا وتونس وسوريا هو مماثل للخطر في سيناء ومرسي مطروح.
5. أن المواجهة مع الإرهاب تتطلب جبهة داخلية متماسكة بالوعي، وبعيدا عن الخداع باسم الدين، أن هذا الأمر يستدعي دورا واضحا للأزهر وللمثقفين. وأن مدخل الوعي يبدأ من العدل الاجتماعي.
6. أن مواجهة الإرهاب ليست مواجهة مع الإسلام ولكن حقيقتها مواجهة لصالح الإسلام.
7. أن مواجهة الإرهاب الأمريكي بأدواته من الجماعات المتأسلمة، يبدأ برفع الإرهاب الداخلي من السلطة ضد مكونات الشعب الحقيقية، أن الأمن الوطني وهو يعيد انتماؤه للسلطة يستدعي الأسباب التي أدت إلى يناير 2011 وهو يخلق مناخا لتزايد الإرهاب الديني، وأساليب القتل التي دخلت علي مجتمعنا منذ السبعينيات وها هي تملأ الساحة ضجيجا بالفخر بقتل رجال الشرطة، والأمن الوطني يضع نفسه أداة قمع لسلطة تحتضن الإرهاب.
8. أن المهمة مهمة عمل مشترك بين أجهزة المخابرات العامة والحربية والجيش، وان كل محاولات النيل من هذه المؤسسات هي إضافة ودعم لحركة الإرهاب.
إن حدود الدم والنار تتسع وتفرض أن يكون هناك رجال تتناسب إحجامهم وحجم الخطر، الوطن ليس في خيار بين أسماء أو تنظيمات تحكم، الوطن في خيار بين أن يبقي موحد الأرض والشعب وقادر على الدفاع عن أمنه، وبين العدم.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في عام 1997، كان السيد فيصل محمد السويدي يخوض المفاوضات مع الشركات اليابانية بصفته نائب رئيس مجلس إدارة شركة قطر للغاز. ولم يعتمد على الخبرة العملية وحدها، بل اهتم بدراسة الطريقة التي يفكر بها اليابانيون ويديرون بها مفاوضاتهم. وكان كتاب The Japanese Negotiator، للمؤلف روبرت مارش، من الكتب التي استعان بها لفهم ذلك الأسلوب. وقد أهداني نسخة منه آنذاك، كما أهدى نسخًا منه إلى آخرين. وكان، من واقع تجربته المباشرة معهم، يشرح لي أسلوب اليابانيين في التفاوض، وكيف يستعدون ويتشاورون ويتأنون قبل اتخاذ القرار. ولم يكن ذلك مجرد حديث عابر، بل كان يعكس حرصه على ألا تبقى خبرته حبيسة غرف المفاوضات، وأن ينقل ما تعلمه إلى الجيل الذي يليه. بقي هذا الكتاب معي، وبقيت معه تلك الشروح، لكن قيمته لم تكن في وصف المفاوض الياباني وحده، بل في السؤال الذي أثاره لديّ: هل يمكن الحديث، في المقابل، عن أسلوب مميز للمفاوض القطري؟ وإذا كان الياباني يدخل غرفة التفاوض مستندًا إلى الإعداد الدقيق والعمل الجماعي والصبر، فما الذي يميز المفاوض القطري؟ وما الذي يمكن أن يتعلمه كل طرف من الآخر؟ لا تعني هذه المقارنة أن كل مفاوض قطري أو ياباني يتصرف بالطريقة نفسها؛ فالأفراد والمؤسسات والظروف تختلف. ويشير الباحث بيتر بيرتون إلى أن كثيرًا من الممارسات المنسوبة إلى اليابانيين توجد بدرجات مختلفة في ثقافات أخرى، ولذلك لا ينبغي اعتبارها صفات ثابتة. يبين روبرت مارش في كتابه The Japanese Negotiator، ويشرح كازو نيشياما في كتابه Doing Business with Japan، أن الاجتماع الرسمي ليس دائمًا المكان الذي يُصنع فيه القرار. فكثير من العمل يتم قبله، من خلال جمع المعلومات ودراسة المخاطر والتشاور بين الإدارات، وصولًا إلى قدر واسع من التوافق داخل المؤسسة. ولذلك قد يبدو المفاوض الياباني بطيئًا أو متحفظًا، بينما هو يتأكد من أن مؤسسته تستطيع الوقوف خلف القرار. ولا يتعامل أعضاء الفريق الياباني عادةً مع المفاوضات باعتبارها مناسبة لإظهار المهارات الفردية. وقد لا يكون أكثرهم حديثًا هو صاحب القرار، كما أن الصمت لا يعني بالضرورة الرفض، والتأخر في الإجابة لا يدل دائمًا على عدم الاهتمام. فقد يكون المطلوب مزيدًا من التشاور الداخلي قبل تقديم موقف تستطيع المؤسسة الالتزام به. وتقدم مفاوضات الغاز بين قطر واليابان مثالًا عمليًا على ذلك. ففي أواخر الثمانينيات كانت قطر تمتلك احتياطيات هائلة من الغاز، لكنها لم تكن قد بنت بعد سجلًا في تصدير الغاز الطبيعي المسال. وكان نجاح المشروع يتطلب مشتريًا رئيسيًا يلتزم بكميات كبيرة ولفترة طويلة، بما يمنحه الأساس التجاري اللازم لجذب الشركاء والتمويل. ويروي مايكل توسياني وآن ماري جونسون، في كتابهما From Black Gold to Frozen Gas، تفاصيل الطريق الصعب الذي سبق انطلاق أول مشروع قطري للغاز الطبيعي المسال، والدور الذي أدته السوق اليابانية في توفير الركيزة التجارية اللازمة لانطلاقه. وفي عام 1991 وقّعت شركة تشوبو اليابانية خطاب نوايا لشراء أربعة ملايين طن سنويًا لمدة خمسة وعشرين عامًا، رغم ظروف حرب الخليج. ولكن عندما انسحبت شركة BP من المشروع، أثار ذلك مخاوف اليابانيين، وأعادوا تقييم المخاطر، فتأجل توقيع العقد النهائي. وبعد استمرار الاتصالات ومعالجة المخاوف، وُقّع العقد عام 1992، ووصلت أول شحنة من الغاز القطري إلى اليابان في يناير 1997. تكشف هذه القصة أن الجانب الياباني في تلك المفاوضات لم يمنح ثقته بسهولة، لكنه عندما اطمأن إلى قدرة المشروع، التزم بعلاقة امتدت لعقود. كما تكشف جانبًا من التجربة القطرية؛ فلم يكن الفريق القطري يفاوض على سعر الغاز وشروط توريده فقط، بل كان مطالبًا ببناء الثقة في قدرة قطر، التي لم يسبق لها حينذاك تصدير الغاز المسال، على إنجاز مشروع ضخم والوفاء بالتزامات تمتد لعقود. وهنا يظهر اختلاف مهم بين المدرستين: المفاوض الياباني يصنع جزءًا كبيرًا من القرار قبل دخول غرفة التفاوض، عبر الدراسة والتشاور الداخلي، بينما ظهرت قوة الفريق القطري في هذه التجربة داخل عملية التفاوض، من خلال سرعة التواصل وبناء العلاقة وفهم مخاوف الطرف الآخر والبحث عن حلول تحفظ مصالح الطرفين. ومن الناحية العملية، نتعلم من التجربة اليابانية أن الاستعداد لا يقتصر على معرفة السعر والشروط، بل يبدأ بفهم الطريقة التي يتخذ بها الطرف الآخر قراره: من أصحاب التأثير داخل مؤسسته؟ ومن يملك الموافقة النهائية؟ وما المعلومات التي يحتاج إليها ليقنع زملاءه؟ وما المخاطر التي يخشى أن يتحمل مسؤوليتها لاحقًا؟ قد ننجح في إقناع الجالس أمامنا، لكن الصفقة تتعثر لأنه لم يستطع إقناع مؤسسته. فالمفاوض الجيد يسير في مسارين متوازيين: يفاوض الشخص الجالس أمامه، ويساعده في الوقت نفسه على بناء الحجة التي يحتاج إليها لإقناع مؤسسته. وفي المقابل، تكشف التجربة القطرية عن قيمة سرعة التواصل، وبناء القنوات المباشرة، والقدرة على التكيف مع الظروف المتغيرة. فالنجاح ليس في اختيار أحد الأسلوبين ورفض الآخر، بل في الجمع بين دقة الإعداد وسرعة الاستجابة. وتعيدنا تجربة فيصل السويدي إلى درس إداري مهم: فالمعرفة التي تتكون خلال المفاوضات الكبرى يجب ألا تغادر المؤسسة مع أصحابها، بل يجب أن تتحول إلى دراسات حالة وأدلة عمل وبرامج تدريب يستفيد منها المفاوضون الجدد، بدل أن يبدأ كل جيل من الصفر. وقد تجددت الشراكة في فبراير 2026، عندما وقّعت قطر للطاقة وشركة JERA اليابانية للطاقة عقدًا لتوريد ثلاثة ملايين طن من الغاز الطبيعي المسال سنويًا لمدة سبعة وعشرين عامًا، ابتداءً من عام 2028. وبعد أكثر من ثلاثة عقود على الاتفاق الأول، دخلت العلاقة مرحلة جديدة من الالتزام طويل الأجل. إن أهم ما تعلمناه من هذه التجربة ليس أن المفاوض القطري يجب أن يصبح يابانيًا، بل أن التفاوض الناجح يبدأ قبل الجلوس إلى الطاولة: بدراسة الطرف الآخر، وفهم طريقة اتخاذ القرار داخل مؤسسته، والاستعداد لمخاوفه قبل أن يعبّر عنها. أما الدرس الأهم لمؤسساتنا، فهو ألا تبقى خبرات المفاوضين الكبار حبيسة الذاكرة أو غرف الاجتماعات، بل يجب أن تتحول إلى معرفة موثقة تنتقل من جيل إلى آخر. فالصفقة الجيدة تحقق مكسبًا اليوم، أما المعرفة المتراكمة فتصنع مفاوضين قادرين على تحقيق المكاسب لسنوات طويلة.
6228
| 15 سبتمبر 2026
لم تعد أزمة مضيق هرمز حدثاً سياسياً أو عسكرياً بعيداً عن حياة الناس، فقد امتد أثرها إلى حركة السفن وتكاليف الشحن والتأمين وسرعة وصول البضائع إلى دول المنطقة. ومع استمرار الاضطراب، ارتفعت أسعار بعض السلع، وقد يمتد الارتفاع إلى سلع أخرى إذا طالت الأزمة. وجانب من هذا الغلاء له أسباب حقيقية، فعبور السفن في منطقة عالية المخاطر يرفع أقساط التأمين، وقد يدفع شركات الشحن إلى فرض رسوم إضافية. كما أن تأخر وصول البضائع يزيد تكاليف التخزين والتمويل، وقد يضطر المستورد إلى استخدام طريق أطول أو وسيلة نقل أكثر كلفة حتى يحافظ على توافر السلعة. لكن ارتفاع هذه التكاليف لا يعني أن تصبح أزمة هرمز مبرراً مفتوحاً لزيادة أسعار جميع السلع وبأي نسبة. فليست كل السلع تمر بالطريق نفسه، ولا تمثل كلفة الشحن النسبة ذاتها من سعر كل سلعة. كما أن بعض البضائع المعروضة حالياً وصلت إلى قطر قبل ارتفاع تكاليف النقل والتأمين. ومن هنا يظهر ما يمكن تسميته «غلاء هرمز»، أي الزيادة التي فرضتها الأزمة فعلاً. غير أن هناك فرقاً بين هذه الزيادة الحقيقية وبين استغلال الظروف لرفع الأسعار بما يتجاوز ارتفاع التكلفة. فقد يسارع بعض التجار إلى رفع الأسعار بنسب تتجاوز الزيادة الفعلية أو المتوقعة في تكلفة استبدال المخزون، أو يرفعون أسعار سلع لم تتأثر مباشرة، مستفيدين من توقع المستهلك أن كل شيء سيصبح أغلى. ولا يعني ذلك اتهام التجار والمستوردين عموماً؛ فكثير منهم يواجهون ظروفاً صعبة ويحاولون المحافظة على تدفق البضائع رغم ارتفاع المخاطر. لكن حماية التاجر الجاد لا تتعارض مع مساءلة من يستغل الأزمة لتوسيع هامش ربحه. والفاصل بين الحالتين هو قدرة التاجر على إثبات مقدار الزيادة التي تحملها فعلاً. وقد تحركت الجهات المختصة في قطر مبكراً لمواجهة آثار الأزمة. فدعت غرفة قطر، بالتعاون مع الهيئة العامة للجمارك، شركات الشحن والنقل إلى استخدام المسار البري عبر المملكة العربية السعودية ونظام النقل الدولي البري «TIR»، مع تخصيص مسار سريع وتسريع التخليص من خلال نظام النديب الإلكتروني. وفي الوقت نفسه، كثفت وزارة التجارة والصناعة رقابتها على الأسواق، فنفذت بين 28 فبراير و22 مارس 2026 نحو 50 ألف جولة تفتيشية طارئة، وضبطت منشآت مخالفة وأغلقت منشأتين، في رسالة واضحة بأن ارتفاع التكلفة لا يمنح أحداً الحق في استغلال الأزمة. كما تمتلك قطر قاعدة بيانات للأسعار، بعد إلزام المنشآت التجارية والصناعية بتسجيل أسعار السلع والخدمات وتحديثها إلكترونياً. وهناك أيضاً سلع وخدمات لا يجوز رفع أسعارها من دون موافقة الجهة المختصة. وبذلك تتوافر أدوات لمقارنة الأسعار قبل الأزمة وبعدها، وربط أي زيادة بفواتير الاستيراد والشحن والتأمين. إلا أن استمرار الأزمة يتطلب البناء على هذه الإجراءات، والانتقال من الاستجابة العاجلة إلى خطة أطول مدى. وينبغي أن تسير هذه الخطة في اتجاهين متوازيين: منع استغلال الأزمة داخل السوق، وخفض تكلفة وصول البضائع إلى قطر عبر الطرق البديلة. ففتح الطريق البري خطوة مهمة، لكن نجاحه لا يقاس بوصول البضاعة فقط، بل بالتكلفة التي تصل بها. فإذا كانت كلفة الطريق البديل مرتفعة جداً، فسيدفع المستهلك ثمنها في النهاية. لذلك من المهم مقارنة تكاليف الاستيراد عبر المسارات المختلفة، واختيار الطريق الأنسب لكل نوع من السلع. ومن المهم أيضاً منح الأولوية في النقل والتخليص للغذاء والدواء والسلع الأساسية، وتقليل فترات انتظار الشاحنات عند المنافذ؛ لأن كل يوم إضافي يرفع تكاليف النقل والتبريد والتخزين. ويمكن دراسة تخفيف بعض الرسوم مؤقتاً، متى ثبت أن ذلك سينعكس على السعر النهائي، لا أن يتحول إلى زيادة في هامش الربح. أما داخل السوق، فينبغي أن تركز الرقابة على العلاقة بين ارتفاع التكلفة وارتفاع سعر البيع. فإذا أثبت المستورد أن تكلفة وصول سلعة معينة ارتفعت بنسبة محددة، فمن الطبيعي أن ينعكس جزء من ذلك على سعرها. أما إذا ارتفع السعر بنسبة أكبر كثيراً، فمن حق الجهة الرقابية أن تطلب تفسير الفارق. وفي المقابل، يجب الحذر من تثبيت جميع الأسعار بصورة جامدة؛ لأن إجبار المستورد على البيع بأقل من تكلفته قد يدفعه إلى تقليل الاستيراد، فتتحول مشكلة الغلاء إلى نقص في السلع. فالرقابة الناجحة تقبل الزيادة المبررة، وتكبح الزيادة التي تستغل الأزمة، وتحافظ في الوقت نفسه على استمرار الإمدادات. لقد أثبتت قطر في أزمات سابقة قدرتها على تنويع مصادر الاستيراد وبناء مخزون إستراتيجي والمحافظة على استقرار الأسواق. والمطلوب اليوم هو تطوير الإجراءات الحالية إلى خطة مستمرة لطرق استيراد بديلة ذات تكلفة مقبولة، مع رقابة تمنع استخدام اسم هرمز لفرض زيادات لا تبررها الأرقام. إن مواجهة «غلاء هرمز» تقوم على مسارين لا ينفصلان: تسهيل وصول البضائع إلى قطر بأقل تكلفة ممكنة، ومنع تضخيم هذه التكلفة عندما تنتقل إلى المستهلك. وبهذا التوازن يمكن حماية المستهلك، ومساندة التاجر الجاد، والمحافظة على استقرار السوق في وقت واحد.
5295
| 13 سبتمبر 2026
ليس المطلوب أن نضع الحكم الوطني في منطقةٍ محرَّمة لا يجوز الاقتراب منها بالنقد، كما أن المطلوب، في المقابل، ألا يتحول الخطأ في قرارٍ تحكيمي إلى مبررٍ للنيل من الحكم أو التشكيك في قدراته ومكانته. وبين الموقفين مساحةٌ واسعة من الإنصاف، هي التي نحتاج إليها حين نتحدث عن حكامنا الوطنيين. الحكم جزءٌ من منظومة كرة القدم، يخطئ ويصيب، ويخضع قراره للتقييم كما يخضع اللاعب والمدرب والإداري. لكن الفارق أن تقييم القرار ينبغي ألا يتحول إلى محاكمة للشخص، خصوصًا حين يكون الحديث عن حكامٍ وصلوا إلى مستويات متقدمة، وأثبتوا حضورهم في البطولات الخليجية والقارية والدولية. وجود تقنية الـVAR منح المنظومة التحكيمية أدواتٍ أكثر دقة للمراجعة والتدقيق، لكنه لم يُلغِ الاجتهاد البشري، ولم يجعل القرار التحكيمي آليًا. فما زالت هناك قراءة للواقعة، وتقدير للحالة، وفهمٌ للقانون، ثم قرارٌ يتحمل الحكم مسؤوليته. ولذلك فإن حماية الحكم نفسيًا لا تعني إعفاءه من المسؤولية، وإنما تعني أن نختلف معه دون أن نهدم ثقته بنفسه. وهنا تأتي مسؤولية الإعلام والأندية والإداريين. من حق النادي أن يحتج، ومن حق الإعلام أن ينتقد، لكن من واجب الجميع أن يضعوا النقد في إطاره الصحيح، وأن تكون القنوات الرسمية هي الطريق الطبيعي للاعتراض، لا التصريحات التي تُقال تحت تأثير الانفعال. وفي تقديري، فإن النقد المقبول هو الذي يناقش القرار التحكيمي ويبيّن الخطأ وأسبابه، أما حين يتجاوز النقد القرار إلى التشكيك في الحكم وقدراته ومكانته، فإنه يفقد قيمته ويتحول من نقدٍ للقرار إلى إساءةٍ للشخص. وأرى أن مشروع الحكم الوطني لا يمكن أن يتطور من دون بيئة تمنحه الثقة، وفي الوقت نفسه لا تعفيه من النقد والمساءلة. فهو يحتاج إلى دعمٍ مستمر، وإلى نقدٍ يطوّر ولا يهدم، وإلى لجنة حكامٍ تؤكد ثقتها في حكامها وتدافع عن حقهم في الاحترام. نحن لا نطالب بأن يكون الحكم فوق النقد، بل نطالب بأن يكون النقد بحجم الخطأ، وأن تبقى كرامة الحكم محفوظة. فحكامنا الوطنيون ليسوا خصومًا لأنديتنا، بل شركاء في نجاح كرتنا، والاختلاف معهم لا ينبغي أن يجرّدهم من حقهم في الاعتزاز بما حققوه، ولا نحن من حقنا أن نتخلى عن الاعتزاز بهم.
4116
| 10 سبتمبر 2026