رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
أمدت المجتمع بما يقارب ألف أسرة جديدة وتحقق المقاصد العامة للدين
*أقترح تأسيس معهد للتثقيف الأسري يحمل اسم (معهد راف الأسري)
*تأهيل الشباب المقبلين على الزواج يحافظ على سياج المجتمع ويحميه من التفكك
*تزويج ألف من الشباب رقم طيب ونحتاج إلى المزيد من هذا الخير الوفير
*ما أنعم الله به علينا من النعم يدفعنا لتكون أسرنا نموذجاً متميزاً في الاستقرار
*مطلوب إعادة النظر في مشاريعنا الوطنية لنحافظ على كيان أسرنا القطرية ونسيجها الاجتماعي
الحمدلله رب العالمين على نعمة الزواج، سنة الله في أرضه لتكثيرعباده، وصدق حين قال: "ومن كل جعلنا زوجين"، وجعلها آية من آياته العظام في قوله: "ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة، إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون".. الروم آية (22).
وصلى الله على نبيه الكريم الذي حث على الزواج بسنته القولية والفعلية والتقريرية والوصفية، القائل "عفوا تعف نساؤكم"، فقد تزوج عليه الصلاة والسلام وزوَّج بناتِه وتزوج أصحابه واقتدوا بهديه (رضي الله عنهم)، فكان المجتمع المدني أفضل مجتمع على الإطلاق، وكانت مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم (طيبة) هي المدينة الفاضلة التي حلم بها الفلاسفة والمفكرون منذ القدم وحتى قيام الساعة،
وحتى نحذو حذو الرسول الكريم وصحابته في تكوين المجتمع الفاضل في قطر، ارتأت مؤسسة الشيخ ثاني بن عبدالله للخدمات الإنسانية (راف) المساهمة في وضع لبنة من لبنات هذا المجتمع بإطلاق مشروع "راف" لتزويج الشباب منذ سبع سنوات سِمَانٍ أمدت المجتمع بأسر جديدة شبابية ما قارب الألف أسرة ووضعت لها من الخبرات الشرعية والاجتماعية والعلمية والاقتصادية والنفسية على أيدي متخصصين في الشأن الأسري والمجتمعي، ما نأمل أن يحقق الهدف المرجو من رفد المجتمع القطري بأسر جديدة سعيدة ومستقرة وناجحة، وما ساهمت فيه ماديا، للتخفيف من أعبائه ومسؤولياته المالية، وأرى أن هذه المساهمة تعمل على تحقيق المقاصد العامه للدين وتحقيق حاجيات الإنسان الضرورية من المحافظة على الدين والمال والنسل والعرض والعقل، كما اتفق عليها علماء المقاصد الشرعية، وهذه الحاجيات الضرورية للإنسان تغطيها محاور الدورات التأهيلية، والتي دأبت "راف" على تقديمها لمؤسسي الأسر الجديدة من الشباب والشابات المقبلين على الزواج لبناء أسر قيادية تقود المجتمع القطري، وبالتالي تقود الأمة إن شاء الله، فإن مجتمعات هذه الأمة لا يصلح آخرها إلا بما صلح به أولها من التمسك بالدين والتربية على مبادئه وقيمه، ولذا كان تركيز "راف" على هذه المحاور الجديرة بالتوعية الدورية والتثقيف، فكلنا يعرف أن الأسرة هي نواة المجتمع، وهي الحصن الحصين للأمة، فإن صلحت واستقرت واستقامت صلح المجتمع وإن فسدت وتفككت فسد المجتمع وتفكك، وهذا هو الملموس والمشاهد في مجتمعاتنا، وما ضعفت الأمة إلا بضعف مجتمعاتها، وما ضعفت المجتمعات إلا بضعف أسرها، وما ضعفت الأسر إلا بضعف أفرادها.
وأطمع من أهل الخبرة والمعرفة أثناء الدورة توعية المقبلين على الزواج أن ما يقومون به من سلوكيات وأخلاقيات في حياتهم الأسرية هو تعبد لله عز وجل وبغية رضاه سبحانه بتعاونهم وتراحمهم وتعاطفهم واحترام خصوصيات كل طرف للآخر وما يزرع الثقة بينهما ويزيد من المودة التي تؤدي إلى السكن والتقدير، فإن ربط الإنسان حياته وسلوكياته برضا الله حاز التوفيق والسداد وكان ممن رضي الله عنهم ورضوا عنه في الدنيا والآخرة إن شاء الله تعالى.
إن مشروع "راف" لتأهيل الشباب المقبلين على الزواج إنما هو للمحافظة على سياج المجتمع بعد تصدعه، وتماسك نسيجه بعد تفككه، وترابط أفراده بعد تفرقهم، ولذا كانت هذه المحاور: الشرعية والصحية والنفسية والاقتصادية والاجتماعية تحقق المقاصد السامية لديننا الحنيف، ولنا في رسولنا "صلى الله عليه وسلم" وزوجاته وبناته القدوة الحسنة في بناء البيوت وإقامة السدود أمام العواصف والزلازل الأسرية، فالله عز وجل أكد في كتابه الكريم على الوفاق الأسري في كثير من الآيات الكريمة، بل رفع من شأن المنزل الأسري بسورة الحجرات وغيرها، بل يأمر الزوجين بالمعاشرة بينهما بالمعروف في قوله سبحانه "وعاشروهن بالمعروف" والمعاشرة بالمعروف تتطلب كل خلق حسن تجاه الآخر، حتى اللقمة يضعها في فِيِّ امرأته، والمرأة تضعها في فِيِّ زوجها، وهذا خلق إسلامي وإرشاد نبوي عظيم، وهو ليس خلقا أجنبيا أتانا من الغرب كما يظن الكثير، بل هو خلق إسلامي أصيل انتفع به الآخرون وغفلنا عنه، إن كل ما ترونه من تهذيب سلوك الرجل الغربي تجاه المرأة، إنما هي بضاعتنا، ويجب أن نستردها بالرجوع إلى مصدرها المستقاة منه، وهما القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة والأعراف العربية الصحيحة، ولنا في رسول الله "صلى الله عليه وسلم" أسوة حسنة، وهذا ما نراه في كثير من أقواله وأفعاله في المجتمع المدني.
فالرسول "صلى الله عليه وسلم" يحض الزوج على رفع اللقمة إلى فم الزوجة (عن سعد بن أبي وقاص قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "...وإنك مهما أنفقت من نفقه فإنها صدقة، حتى اللقمة ترفعها إلى فِيِّ امرأتك)، ولا يكون ذلك إلا عند الملاعبة والملاطفة والممازحة، وهذا من المعاشرة المعروف.
والرسول صلى الله عليه وسلم عندما يأمر الأزواج بالتمهل في الدخول على الزوجات، بعد العودة من الخارج، حتى تتهيأ الزوجات لاستقبالهم في قوله (أمهلوا حتى تدخلوا ليلا أي عشاء لكي تتمشط الشعِثة وتستحد المغيبة)، حفظا للبيت المسلم، فلا تقع عين الزوج على منظر يكرهه في زوجته فينفر منها.
ويأمر (صلى الله عليه وسلم) الحجاج بعد أداء الفريضة بتعجيل الرجوع إلى أهليهم، فإنه أعظم لأجرهم "إذا قضى أحدكم حجه فليعجل الرجوع إلى أهله، فإنه أعظم لأجره"، للحفاظ على تلاحم الأسرة وتواصلها بعد الغياب، وعن أنس (رضي الله عنه) قال: كان النبي " صلى الله عليه وسلم" لا يطرق أهله، كان لا يدخل إلا غدوة أو عشية " والطروق المجيء بالليل من سفر أو غيره على غفلة، وكان يطوف عليهن كل صباح فيسلم عليهن ويدعوا لهن، عن ابن عباس (رضي الله عنهما) قال: وكان رسول الله "صلى الله عليه وسلم" إذا صلى الصبح جلس في مصلاه، وجلس الناس من حوله حتى تطلع الشمس، ثم يدخل على نسائه امرأة امرأة يسلم عليهن، ويدعو لهن، فإذا كان يوم إحداهن كان عندها"، وغير ذلك كثير من حسن معاشرته لنسائه، حيث يوجه طموحهن إلى ما هو أفضل لهن ويصحبهن في أسفاره ويوصي بالترفق بهن ويتقبلهن ويودعهن ويحتمل رفع أصواتهن على صوته ويصبر على مغاضبتهن له ويوافق أهواءهن ويتلطف بهن عند مرضهن، وغير ذلك كثير، كان في حياته الأسرية والاجتماعية "صلى الله عليه وسلم" قرآنا يمشى على الأرض، كما وصفته زوجته الحبيبة السيدة عائشة أم المؤمنين (رضى الله عنها)، حري بنا أن نعلمها ونتعلمها ونعلمها بناتنا وأولادنا منذ نعومة أظفارهن في المدارس وعلى مقاعد العلم، حتى ننشئ أسرا مستقرة وأجيالا صالحة ومجتمعا متماسكا وأمة قوية يهابها أعداؤها بقوة حصونها الداخلية بقوة أسرها وتماسكها.
وقد سعت "راف" بفضل الله تعالى وجدّ العاملين فيها بتبني هذا المشروع الوطني لتيسير سبل الزواج على الشباب القطري بنوعيه وتأهيلهم بهذه الدورات التثقيفية لتاسيس حياة أسرية مستقرة سليمة جديدة وفق الكليات الخمس التي من أجلها نزلت الشريعة، وهي المحافظة على مصالح العباد، وبالتالي مصالح المجتمعات، وقد ثبت نجاح مشروع "إعفاف" من خلال النتائج الطيبة للأعوام السابقة من تزويج ألف من الشباب، وهو رقم طيب، ولكنا نحتاج إلى المزيد من هذا الخير الوفير، ولذا أرى الانتقال من مرحلة المشروع إلى مرحلة تأسيس معهد أو كلية للتثقيف الأسري يحمل اسم (معهد / كلية راف الأسري) يمنح دبلوم الدراسات الأسرية وينتقل االتثقيف من أسبوع إلى عدة أشهر يعلم فيها المقبل على الزواج أسس الحياة الزوجية بالتفصيل، يكون نبراسها المثل الأعلى نبينا محمد "صلى الله عليه وسلم" في حياته الأسرية.
وما دمنا حققنا الهدف الأول، فالأجدر بنا أن ننطلق لتحقيق الأهداف الأخرى، كان من المفروض وقد أنعم الله علينا بكل أسباب الاستقرار والتماسك الأسري والاجتماعي والاقتصادي والصحي والعلمي والأمني والسياسي أن تكون أسرنا نموذجا متميزا في الاستقرار وعدم التفكك للمجتمعات الأخرى، لكن للأسف نجد العكس، وهذا يثبت لنا أن هناك خللا في المنظومة العلمية والتعليمية والاجتماعية في الواقع، مما يؤكد لنا أننا بحاجة إلى إعادة النظر في مناهجنا وبرامجنا وخططنا ومشاريعنا الوطنية، لنحافظ على كيان أسرنا القطرية ونسيجها الاجتماعي الوطني، الذي بدأ في الانحراف عن هوية ودين وأصالة وقيم ومبادئ مجتمعنا، ومؤسسة راف أهل لأن تبادر بتوسيع مشروعها الأسري إلى معهد علمي للعلوم الأسرية بتوفيق من الله وفضله، ونحن إذ نبارك لهذه المؤسسة الجديرة بالتقدير والاحترام وتهنئتها بانتهاء مشروع إعفاف (7) بنجاح، نثمن لها مبادراتها وإسهاماتها الكبيرة في خدمة أمتها في الداخل والخارج، لنتقدم لها بالتهنئة القلبية على بلوغ بناء الألف أسرة، تنضم إلى ركب الأسر القطرية المباركة في وطننا العزيز، وفقكم الله وسدد خطاكم (ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك المصير) والحمد لله رب العالمين.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
ربما كان الجيل الذي سبق غزو الرقمنة ومواقع التواصل الاجتماعي هو الأكثر إدراكًا لحجم التباين بين الزمنين فيما يتعلق بالسلام النفسي، بين زمن كان الإنسان يقترب من حقيقة نفسه بلا زينة مصطنعة، وزمن تصطاد هذه الشبكة روحه ووقته وسكينته وتبعده عن ذاته كما بين المشرقين. على الرغم من محاسنها التي لا يستطيع أحد إنكارها، أصبحت مواقع التواصل الاجتماعي عالمًا بديلًا للإنسان، فالحياة فيها، والرضا من خلالها، والتعاسة أيضًا، والإشباع الروحي يتحقق بعلامات الإعجاب ويُستجدى بتعليقات المتابعين. لقد أصبحت صفحات المرء وعدد متابعيه هي هويته المعبرة عنه، بطاقته التعريفية بصرف النظر عن تقييم المحتوى الذي يقدمه، فانقلب تعريف الإنسان من جوهره إلى ظاهره. مواقع التواصل آخر عهده بالليل، وأول عهده بالصباح، وبينهما نوم قد يعرض له انعكاساتها على نفسه التعسة، تتدفق فيه الأسئلة: كيف أبدو أمامهم، كيف أرضي أذواقهم، كيف أزيد من الإعجابات والتعليقات، كيف أبرز نفسي وألمعها، كيف أتخطى بأعداد المتابعين فلانًا وفلانًا، بل ويجعل تفاعل الجماهير هي الميزان الذي يزن بها نفسه، فإن قل اضطرب قلبه وتوهم النقص في قيمته وأنه خسر شيئًا من ذاته. أصبح هناك ولع غير مبرر بعرض التفاصيل اليومية من المطبخ، وبيئة العمل، والمواصلات، وأماكن التنزه والسفر، واللحظات الرومانسية بين الأزواج كأنهم يقومون بتمثيل عمل درامي، وقد يكون بينهما من الأزمات ما الله به عليم. غدت تلك الصفحات سوقًا للمتاجرة بالأحزان والأزمات، وأضحت ميدانًا للنقاشات والجدل العقيم الذي لا يراد من خلاله إلا إثبات الذات. مواقع التواصل الاجتماعي خلقت للإنسان بيئة صورية يصنع مفرداتها كما يحب، على حساب الانسحاب من بيئته في الواقع، فأصبح تواصله محصورًا مع عناصر هذه البيئة الجديدة، في الوقت الذي ينقطع عن أهل وذويه في البيت الواحد. وإن من المشاهد المضحكة المبكية، أن ترى أفراد الأسرة كل منهم يجلس على هاتفه دون أن يشعر بالآخر على مدى ساعات، بينما تجده غارقا في عالمه الافتراضي يتفاعل مع المتابعين بعلامات الإعجاب والتعليقات. ومن أشد مثالبها استلاب الرضا من القلوب، فعندما يعرض الناس أجمل لحظاتهم وألوان النعم التي يعيشون فيها وأحسن ما في حياتهم، يرى الناظر هذه الصورة البراقة، فيحسب أن الناس جميعا سعداء إلا هو، وأنهم بلغوا القمم بينما لا يزال هو قابعًا في السفح، فتولد لديه هذه المقارنة شعورًا بالمرارة ومنها ينبت الحسد أو اليأس، وكلاهما نار تأكل السلام النفسي أكلًا. مواقع التواصل عودت النفس على العجلة، فالإيقاع سريع، وكل شيء فيها يجري جريًا، الخبر، الصورة، والرأي، لا تدع للإنسان فرصة للتأمل الذي يستلزم حضوره السكون، فالسلام النفسي لا يولد في الضجيج والصخب والزحام، بل ينشأ في لحظات الصمت عندما يجلس المرء مع نفسه للمصارحة والمكاشفة. لقد جعلت هذه المواقع الإنسان في حال دائم من التمثيل والتصنع والتكلف، يختار كلماته وصوره وأطروحاته ليس على أساس الصدق والفائدة المرجوة، بل على أساس تحقيق القبول لدى الناس، فيطول عليه الأمد فينسى وجهه الأول، ويعيش بشخصيتين إحداهما على الشاشة والأخرى في الخفاء، وهذا الانشطار لا شك يصيبه بالاضطراب. الرضا لا ينال بالتصفيق ولا يشترى بعدد المتابعين، لكنه ثمرة معرفة الإنسان لنفسه وقبوله بعيوبها ومحاسنها، وسعيه إلى إصلاحها لا تجميل صورتها. وأنا ها هنا لا أرمي إلى إظهار مواقع التواصل كآلة آثمة، لأن العيب في اليد التي تسيء استخدامها، فهي كالسيف يكون أداة عدل أو أداة ظلم، بحسب من يحمله. وحتى يسترد المرء سلامه النفسي في زمن الشاشات، فعليه أولًا أن يدرك أن ما يراه ليس كل الحقيقة، وأن الحياة أوسع بكثير من هذه الصورة، وأعمق من سطر في منشور. عليه أن يفتش عن قيمته الحقيقية في إنجازه الحقيقي لا في حضوره الافتراضي. عليه أن يدرك أنها مجال لا حياة، حيّز للزيارة لا للإقامة، فمن ثم يضع لها حدًا معلومًا من وقته، فلا يتركها تأكل يومه، ويقتل لهفته تجاه التعرف على الإعجابات والتعليقات الجديدة كل دقيقة، فيجدر به أن يدرب نفسه على الفصام الجزئي مع هذه المواقع، ويصغي إلى نفسه حتى لا تذوب في أصوات الخارج.
5955
| 15 فبراير 2026
راقب المشهد في أي مجمع تجاري في عطلة نهاية الأسبوع. ستري عائلة خليجية صغيرة تتمشى. الأب والأم يمشيان في الأمام بكامل أناقتهما، وخلفهما بمسافة مترين تمشي «المربية» وهي تحمل الطفل، وتدفع العربة، وتحمل حقيبة الحفاضات. وإذا بكى الطفل، لمن يمد يده؟ إلى المربية. وإذا نطق كلماته الأولى، بأي لغة (أو لهجة مكسرة) يتحدث؟ بلغة المربية. هذا المشهد، رغم تكراره حتى أصبح مألوفاً، هو «جرح» غائر في كرامة الأسرة الخليجية. نحن، وبدافع الحاجة والرفاهية وانشغالنا في وظائفنا، لم نستقدم عمالة لتساعدنا في «أعمال المنزل» فحسب، بل ارتكبنا خطأً استراتيجياً فادحاً: لقد قمنا بـ «تعهيد» (Outsourcing) مهمة التربية. لقد سلمنا «مفاتيح» عقول وقلوب أطفالنا لأشخاص غرباء. المشكلة ليست في وجود المساعدة، فالدين والواقع يبيحان ذلك. المشكلة تكمن في «تداخل الأدوار»..... «الدريول» (السائق) لم يعد مجرد سائق يوصل الأبناء، بل أصبح هو «الأب البديل» في السيارة، يسمع أحاديثهم، ويختار موسيقاهم، وربما يغطّي على أخطائهم. و»المربية» لم تعد منظفة، بل أصبحت «الأم البديلة» التي تطعم، وتناغي، وتمسح الدمعة، وتلقن القيم (أو غيابها). نحن نشتكي اليوم من أن أبناءنا «تغيروا»، وأن لغتهم العربية ركيكة، وأن «السنع» عندهم ضعيف. ولكن، كيف نلومهم ومعلمهم الأول في سنوات التأسيس (من 0 إلى 7 سنوات) لا يملك أياً من هذه القيم؟ كيف نطلب من طفل أن يكون «ابن قبيلة» أو «ابن عائلة» وهو يتربى على يد ثقافة مختلفة تماماً في الدين واللغة والعادات؟ إن «السيادة» لا تكون فقط على الحدود الجغرافية للدولة، بل تبدأ من «السيادة على المنزل». هناك مناطق «محرمة» لا يجب أن يدخلها الغريب مهما كنا مشغولين. أن تروي قصة قبل النوم، هذا «مفتاح» لا يُسلم للمربية. أن توصل ابنتك المراهقة وتستمع لثرثرتها في السيارة، هذه «فرصة ذهبية» لا تتركها للسائق. وإذا كنا نتفق جميعاً على أن القيم هي أول الهرم التربوي، فلا خلاف على أن القرآن الكريم يتربع على قمة هذا الهرم بلا منازع. وهنا، يجب أن نتوقف للمصارحة: هل يكفي أن نوكل مهمة ربط أبنائنا بكتاب الله إلى «المحفّظ» أو «المحفّظة» فقط؟ نحن لا ندعو -بالتأكيد- لترك حلقات التحفيظ، ولكن العقد لا يكتمل في صدور أبنائنا إلا إذا وضعنا نحن لمساته. كيف تهون علينا أنفسنا أن يسبقنا غريبٌ إلى تعليم فلذة أكبادنا «سورة الفاتحة»؟ هذه السورة هي «أم الكتاب»، وهي الأساس في حياة كل مسلم، ولا تجوز الصلاة إلا بها. ألا تطمع أن يكون لك أنت «أجر» كل مرة يقرأها ابنك طوال حياته؟ ألا تغار أن يكون هذا الحبل السري الروحي موصولاً بغيرك؟ لن يكتمل «عقد القرآن» في صدور أبنائنا ما لم نضع نحن، الآباء والأمهات، لبناته الأولى. فلتكن أصواتنا هي أول ما يتردد في آذانهم بآيات الله، ليكبروا وهم يحملون «القرآن» في صدورهم، و»صوت الوالدين» في ذاكرتهم. الرفاهية الحقيقية ليست في أن يخدمك الناس، بل في أن تملك الوقت والجهد لتخدم أهل بيتك، وتصنع ذكرياتهم. الطفل لن يتذكر نظافة الأرضية التي مسحتها الخادمة، لكنه سيتذكر طوال عمره «لمسة يدك» وأنت تمسح على رأسه، وصوتك وأنت تعلمه «المرجلة» أو «الحياء» أو «الفاتحة». دعونا نستعيد «مفاتيح» بيوتنا. لتبقَ المساعدة للمساعدة في «شؤون البيت» (التنظيف، الغسيل)، أما «شؤون القلب» و»شؤون العقل» و»شؤون الروح»، فهذه مملكتكم الخاصة التي لا تقبل الشراكة. لا تجعلوا أطفالكم «أيتاماً» والوالدان على قيد الحياة.
1959
| 12 فبراير 2026
في ركنٍ من أركان ذاك المجمع التمويني الضخم المنتشر في معظم مناطق قطر، حيث يرتاده كثيرٌ من أبناء الجاليات الآسيوية الكريمة، كان “راشد بن علي” يجلس مع صديقه الهندي “رفيق سراج”. عشرون عاماً ورفيق يعمل “سائقاً”، واليوم حانت لحظة الوداع. قبل أن يحزم حقائبه عائداً إلى بلاده، أراد أن يودّع “مديره السابق” بلمسة وفاء، فدعاه إلى قهوة على حسابه في هذا المجمع المعروف. راشد (مبتسماً): “رفيق، أنت يعرف، أنا ما في يجي هذا مكان، هذا كله عشان خاطر مال أنت.” رفيق (يهز رأسه): “شكرا، ما شاء الله نفر قطري كل زين، كل في طيب،… بابا راشد في سؤال: أنت وين روح اشتري أغراض بيت مال أنت؟” راشد: “أنا روح دايم (الميرة)، هذي شركة مال دوحة، لازم أنا سوي دعم.” رفيق: “أنت نفر واجد سيده، لازم يسوي دعم بلاد مال أنت.” غرق الاثنان في بحر الكلام والذكريات. وعند الوداع، غادر رفيق بدموع الوفاء، وبقي راشد وحيداً يتصفح رسائله على هاتفه. وفجأة… تيت تيت… بيب بيب… وصل “أمر العمليات” من القيادة العليا؛ “أم علي” نصيرة “الميرة”، والمنتج الوطني، قائمة طويلة من طلبات البيت لا أول لها ولا آخر، تبدأ بنص الرسالة: “إذا رحت (الميرة) جيب لنا ونبي………” نظر راشد حوله؛ الوقت ضيق والساعة متأخرة ليلاً، وهذا المجمع الذي يجلس فيه يوفر كل شيء. لكنه كان يتلفت يمنةً ويسرةً يخشى أن يُضبط متلبساً بـ”خيانة تموينية”. تلثم بغترته وقال في نفسه: “سامحيني يا أم علي يا أم الخير”. أخذ عربة التسوق متلثماً، وعند “الكاونتر” وضع الأغراض، فظهر المبلغ: 1500 ريال. ابتسم المحاسب الآسيوي وبدأ الحوار: المحاسب: “بابا، أنت في قطري؟” راشد (مستغرباً): “نعم، قطري، ليش رفيق…؟” المحاسب: “أنت في متقاعد؟” راشد: “نعم، Why…؟” المحاسب: “بابا، جيب بطاقة مال تقاعد.” أخرج راشد البطاقة متردداً وهو يتساءل، مرّرها المحاسب، وفجأة انخفض الرقم على الشاشة! المحاسب: “ما شاء الله بابا، واجد زين! أنت في خصم 5%.” توقف راشد لحظة صمت ودهشة وتلعثم… 75 ريالاً خُصمت في عملية واحدة فوراً تقديراً للمتقاعد القطري! فكّر في هذا المجمع التمويني التسويقي الخارج عن حسابات “أم علي” وتقديراتها، وكيف وجد فيه ترحيباً وتكريماً وتقديراً لم يتوقعه أبداً للمتقاعد القطري، وهو الذي لم يدخله يوماً من باب الولاء للمنتج الوطني. رفع يده للسماء وقال: “الله يسهّل عليك في حلالك يا يوسف بن علي… وجزاك الله ألف خير نيابةً عن كل المتقاعدين القطريين… عز الله إنك شنب ”. خرج راشد متلثماً ومعه “ماجلة أم علي ” إلى البيت، وهو “يحنحن” ويهوجس: أحياناً تسوقنا الأقدار إلى أماكن نتجاهلها ولم نعتدها، لنكتشف أن التقدير قد يأتي من حيث لا نحتسب… ومن “الغريب” قبل “القريب”. الأرض واسعة والناس شتى، والرزق عند الله لا عند البشر.
933
| 16 فبراير 2026