رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. سعد الحلبوسي

مساحة إعلانية

مقالات

378

د. سعد الحلبوسي

قراءة في التحولات القادمة للقضية الفلسطينية

27 أكتوبر 2025 , 03:43ص

لم تعد الحرب الصهيونية على غزة  مجرد جولة عسكرية بين مقاومةٍ محاصَرة وجيشٍ متغطرس، بل تحوّلت إلى مرآةٍ كبرى تعكس وجه العالم بأسره، وتفضح معاييره المزدوجة في تعريف الحرية وحقوق الإنسان، وتغيّر شيءٌ عميق في الوعي العالمي خلال الشهور الماضية، ليس على مستوى الشعوب فقط، بل حتى داخل النخب الفكرية والإعلامية في الغرب، حيث بدأ الخطاب الفلسطيني يستعيد صداه الأخلاقي والتاريخي الذي حُجِب لعقودٍ طويلة تحت ضجيج الدعاية الصهيونية.

في المقابل، تسير حكومة الاحتلال في طريقٍ مغاير تماماً، محكومةٍ بعقيدةٍ يمينيةٍ متطرفة لا تؤمن إلا بالإلغاء، ومع كل قصفٍ لحيٍّ سكني، ومع كل طفلٍ يُنتشل من تحت الأنقاض، يتّضح أن تل أبيب لم تعد تفكر بمنطق «الأمن»، بل بمنطق «الاستبدال»: استبدال الأرض وأصحابها، والذاكرة وسردها، هذه هي فلسفة الحرب الحالية، التي تخفي وراءها مخططاً أوسع لإعادة تشكيل المشهد الفلسطيني برمّته، من الجغرافيا إلى الديموغرافيا إلى الشرعية السياسية.

أولاً: ما وراء الحرب

كل الحروب تنتهي في النهاية، لكن هذه الحرب تحديداً تمهّد لبدايةٍ جديدة لا تشبه ما قبلها، وما نراه اليوم هو إرهاصات مشروع صهيوني متكامل لتفكيك المجتمع الفلسطيني من الداخل، يبدأ في غزة عبر التهجير القسري تحت عنوان «الممرات الإنسانية»، وينتهي في الضفة الغربية بمخططات الضمّ والاستيطان وتفريغ الأرض من أيّ وجود سياسي فعّال.

أما نتنياهو فهو المحاصر بملفات الفساد والضغوط الداخلية، يرى في هذه الحرب فرصةً نادرة لتثبيت إرثه السياسي، ولذلك يمضي بلا تردد نحو ما يسميه «الحسم التاريخي»، معتمداً على الدعم الأمريكي غير المشروط، ومراهناً على تعب العالم من طول المأساة، لكنّ ما لا يدركه هو أن كل صاروخ يسقط على غزة يُعيد تشكيل الوعي الدولي من جديد، ويُرسّخ رواية المظلوم في مواجهة المتغطرس، وهي معركةٌ لا ينتصر فيها السلاح، بل الضمير.

ثانياً: التهجير كأداة سياسية 

ليس صدفةً أن تُستهدَف الأبراج السكنية الكبرى والمراكز الحيوية في غزة، والتي تهدف الى خلق فراغٍ جغرافيٍّ يُجبر السكان على النزوح تمهيداً لطردٍ دائم، إنها إعادة إنتاجٍ لمخطط قديم يتجدّد كل جيل، لفصل غزة عن هويتها، وتحويلها إلى كيانٍ سكاني بلا عنوان.

لكنّ هذا المسار، رغم بشاعته، يواجه مقاومةً من نوعٍ آخر: (مقاومة البقاء) فكل بيتٍ يُقصف، يتحول إلى شاهدٍ إضافي على جريمةٍ تُلاحق الاحتلال في الذاكرة الإنسانية، ولذا خسر الفلسطينيون مراتٍ كثيرة، لكنهم لم يخسروا الذاكرة يوماً، وهذا ما يجعل مخططات التهجير تفشل في تحقيق هدفها الحقيقي: (النسيان).

ثالثاً: انكشاف الرواية الصهيونية

أخطر ما خسره الصهاينة خلال هذه الحرب ليس موقعاً عسكرياً، بل موقعهم الأخلاقي أمام العالم، ولعقودٍ طويلة كانوا يقدمون أنفسهم على أنهم «الضحية الأبدية»، لكن مشاهد الدمار والقتل الجماعي في غزة كشفت وجه الجلاد الذي يحتمي بخطاب الضحية، أما اليوم، تتراجع الرواية الصهيونية في الوعي الغربي لصالح الرواية الفلسطينية التي استعادت حقها في الوجود بعد تغييبٍ طويل.

أما تنامي المظاهرات في العواصم الغربية خلال السنتين الماضيتين، والبيانات الصادرة عن جامعات ومؤسساتٍ فكرية، والقرارات الأممية المتلاحقة، كلها مؤشرات على اهتزاز الصورة التي طالما روّجت لها آلة الدعاية الصهيونية، ومع أن هذه التحولات لم تترجم بعد إلى مواقف سياسية حاسمة، فإنها تشكل بدايةً لمسارٍ قد يُغيّر قواعد اللعبة في المستقبل القريب، لا سيما وأن العالم الغربي وبالخصوص أمريكا تتعامل مع الواقع ومع القوي وغير مستعدين لمزيد من العبء الذي تحملوه نتيجة دعم هذا الكيان المهزوز.

رابعاً: أفق ما بعد الحرب

إن أغلب التحليلات لما بعد الحرب تتراوح بين هدنةٍ هشة ومسار تهجيرٍ منظم، أما الحلول السياسية فمؤجلة إلى أجلٍ غير مسمى، ومع ذلك، يمكن القول إن الحرب أحدثت شرخاً في النظام الدولي نفسه، إذ لم تعد واشنطن وحدها تتحكم بمفاتيح القرار، بل ظهرت قوى إقليمية ودولية جديدة تحاول صياغة توازنٍ بديل، من بينها السعودية وتركيا وقطر، التي تلعب أدواراً متزايدة في صياغة المرحلة المقبلة.

وإن وقف الحرب لن يكون نهاية للصراع، بل بداية لمرحلةٍ أشدّ تعقيداً، حيث ينقسم الصراع على ثلاثة محاور: محور الوجود في الداخل، ومحور الشرعية في الوعي الدولي، ومحور المشروع الوطني الذي ما زال يبحث عن صيغةٍ جامعةٍ تُعيد للفلسطينيين وحدتهم السياسية وهويتهم الوطنية الجامعة.

خامساً: بين التصفية والنهضة

قد تبدو المعادلة اليوم قاتمة، لكنّ التاريخ أثبت أن كل محاولةٍ لتصفية القضية الفلسطينية كانت بدايةً لمرحلة نهوضٍ جديدة، فمن النكبة إلى الانتفاضة، ومن أوسلو إلى غزة، تتكرر القاعدة ذاتها: كلما ضاقت الخيارات أمام الفلسطينيين، اتسع أفق الصمود، فالقضية ليست مجرد ملفٍ سياسي، بل منظومة إيمانٍ بالحقّ التاريخي، وهذا ما يجعلها عصية على الإلغاء.

أما أخطر ما يواجهه الفلسطينيون اليوم ليس فقط الاحتلال، بل الإحباط والعجز والانكسار واليأس، فالحروب لا تُهزم بالسلاح وحده، بل تُهزم – لا سمح الله - حين ينهار الإيمان ويهتز الصمود، ومن هنا تأتي أهمية استثمار الزخم الشعبي الدولي لبناء مشروعٍ وطنيٍّ جديد، يزاوج بين المقاومة الميدانية والدبلوماسية الذكية الواعية، ويحوّل التعاطف العالمي من مشاعر إلى مواقف، ومن بيانات إلى سياسات، وقد أثبت الفلسطينيون أنهم على مستوى عال من الوعي والصمود والمطاولة التي تستعصي على الانكسار أم الكيان الصهيوني.

ختاماً: ربما يكون العالم قد تأخر كثيراً في فهم حقيقة الصراع، لكنّ الحرب الأخيرة جعلته يرى ما كان غائباً، وتحولت غزة من مساحةٍ جغرافية الى ضمير العالم النابض، ونحن بانتظار لحظة ميلادٍ وعيٍ جديد، يعيد صياغة المعادلة بأكملها، ويجعل من كل ركامٍ في غزة لبنةً في بناء الدولة التي طال انتظارها.

اقرأ المزيد

alsharq التوكل على الله

نسمع كثيرا عمن لا يخطط تخطيطا دقيقا قبل الإقدام على موضوع معين، مع وجود نواقص في دراسته أو... اقرأ المزيد

135

| 10 أبريل 2026

alsharq الطاقة الشمسية المنزلية في قطر.. عائد المواطن

مع تسارع التحول العالمي نحو الطاقة النظيفة، تبرز الطاقة الشمسية المنزلية كأحد الحلول الذكية لتقليل استهلاك الكهرباء وتحقيق... اقرأ المزيد

234

| 10 أبريل 2026

alsharq الطامة الكبرى

نعيش اليوم مرحلة مؤلمة ومقلقة في ظل ما شهدته المنطقة من تصاعد في الاعتداءات والانتهاكات، التي طالت الأبرياء... اقرأ المزيد

333

| 10 أبريل 2026

مساحة إعلانية