رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
التسهيلات الائتمانية والمصرفية من أكثر الفعاليات جاذبية لإدارة المؤسسات المالية الإسلامية والتجارية على حد سواء وبالوقت نفسه من أكثر الأدوات الاقتصادية حساسية، إذ لا تقف تأثيراتها على مستوى المؤسسة التمويلية فقط والمؤسسات المالية ذات العلاقة وإنما تصل بأضرارها إلى الاقتصاد المحلي إذا لم يحسن استخدامها، فالتسهيلات الائتمانية تعتبر ذراع الاستثمار والتمويل الأكثر تأثيرا على إدارة المؤسسة التنفيذية نظراً للمخاطر العالية التي قد تؤدي إلى أكبر المشكلات فيما بعد وهو في ذات الوقت الأكثر جاذبية للمؤسسة والذي يمكن من خلالها تحقيق الجزء الأكبر من (الأرباح – الأمان – السيولة) وبدونها تفقد المؤسسة المالية والاقتصادية دورها كوسيط تمويلي في الاقتصاد وللحد من آثار هذه المخاطر تسعى السلطات الإشرافية إلى وضع ضوابط لمنح التسهيلات الائتمانية واستخدامها ومتابعتها ومدى تركزها ونوعية الضمانات والمعلومات الواجب توافرها قبل منحها أو تجديدها فالكثير من المؤسسات المالية والاقتصادية لا تتوخى الدقة والحذر في تقييم محافظ التسهيلات الائتمانية ولا تعمل بالتالي على تكوين المخصصات الكافية لمقابلة مخاطر تلك المحافظ وتقوم في الوقت نفسه بمعالجة الأرباح على بعض التسهيلات غير القابلة للتحصيل كإيرادات ويساهم ذلك الأمر في تحقيق أرباح وهمية يتم توزيعها على المساهمين ويؤدي إلى تراكم الديون المتعثرة لدى هذه المؤسسات وحيث إنه لم يتم تكوين المخصصات الكافية وعدم سلامة الوضع المالي لتلك الجهات والمؤسسات المالية ونظرًا لصعوبة اتخاذ إجراءات تصحيحية آنية فعالة فإن من شأن ذلك أن تنعكس آثاره سلبًا على وضع الجهاز المالي والمصرفي برمته ومن ثم على الوضع الاقتصادي المحلي ولذلك فإن نجاح المؤسسات التمويلية في الاحتفاظ بموجودات جيدة يعتمد أساسًا على مدى نجاحها في ترشيد المخاطر المرتبطة بالمحفظة والتسهيلات الائتمانية، حيث إنه قد ينتج عن عدم سداد أصل الائتمان تعرض تلك المؤسسات والجهات المرتبطة بها إلى المخاطر وتشمل المخاطر التي تتعرض لها المؤسسات التمويلية في مجال منح الائتمان تلك المتعلقة بالمتمول عدم مقدرته على إدارة أعماله والوفاء بالتزاماته والمخاطر المتعلقة بالضمانات المقدمة منه من حيث قابليتها للتسييل في آجال مناسبة ومدى تعرض قيمتها السوقية للانخفاض والمخاطر الخاصة بطبيعة نشاط العميل المرتبط بالمناخ الاقتصادي والسياسي والاجتماعي العام، بالإضافة إلى المخاطر المتعلقة بالتركز الائتماني، سواء بالنسبة لحجم التسهيلات الائتمانية الممنوحة للعميل الواحد، شاملا الأطراف ذات العلاقة المشتركة أو الممنوحة لنشاط إنتاجي أو خدمي أو تلك الممنوحة لمنطقة جغرافية معينة ويتضمن تقييم مخاطر التسهيلات الائتمانية والتعامل مع تلك المخاطر من خلال تصنيف ومتابعة المستحقات والمتأخرات وفي هذا الإطار تبرز أهمية وضع سياسات موحدة لتصنيف الأصول والالتزامات وتكوين المخصصات اللازمة لمواجهة تدني قيمتها بما يحقق كفاية الأصول لمقابلة الالتزامات على المؤسسة التمويلية وهو ما تشمله محاور التقرير الاقتصادي:
أولا: فوائد التسهيلات الائتمانية
تعتبر التسهيلات الائتمانية المصدر الأساسي لإيرادات المؤسسة التمويلية، لذا نجد توجيه الإدارة العليا في المؤسسات المالية للاهتمام بوضع السياسات الائتمانية الجيدة والتي يراعى من خلالها تحقيق أهداف المؤسسة وترضي متطلبات العملاء والقوانين والتشريعات المصرفية، لذلك يمكن التأكيد على أن التسهيلات الائتمانية تلعب دوراً فريداً في الحياة الاقتصادية ومن خلاله يتمكن أن يضمن مستويات من النمو والاستقرار وفق ما يقدمه من مهام للاقتصاد منها:
* تصبح عملية المفاضلة بين المصادر المالية داخل الاقتصاد مقيدة، كما أن فوائض الوحدات الاقتصادية المدخرة لن تتدفق بكفاءة إلى الاستخدامات الأكثر إنتاجية.
* أساس لتنظيم عملية إصدار النقود القانونية فالمصارف المركزية عندما تشرع في وضع سياسة للإصدار تضع في اعتبارها حجم الائتمان المنتظر من النظام المصرفي في نطاق الخطط العامة، فالنقود تخرج للتداول بصفة أساسية عن طريق قيام الوحدات الإنتاجية بصرف ما هو مخصص لها من ائتمان وبهذا يعمل على تدعيم الوحدة النقدية.
* يؤدي سحب التسهيلات الائتمانية من قبل الممولين إلى زيادة حجم المعروض النقدي ولهذا فالائتمان المصرفي يعتبر عاملا مهما يجب أن يؤخذ بعين الاعتبار عند تحديد حجم الإنفاق والقوة الشرائية المتاحة داخل الاقتصاد.
* التسهيلات الائتمانية أداة بيد الدولة تستخدمها في الرقابة على نشاط المشروعات وذلك من خلال استخدامها للأرصدة الائتمانية المخصصة لها.
* لها تأثير مباشر على زيادة الادخار والحد من الاستهلاك وذلك لأن المؤسسات المالية تعمل على تشجيع الأفراد على الادخار لتوفير موارد للتسهيلات الائتمانية، الأمر الذي يحد من الاستهلاك.
ثانيا: إدارة وتنظيم تطبيقات تصنيف التسهيلات الائتمانية في القطاع التمويلي
تتم عمليات تصنيف التسهيلات الائتمانية بصورة مستمرة ودورية ولذلك يقوم به مسؤولون من المؤسسة المالية، فضلا عن عرض نتائجها مباشرة على مجلس الإدارة واللجان المنبثقة أو أحد مسؤولي الإدارة التنفيذية العليا الذي لا تتضمن اختصاصاته منح الائتمان كما يجب أن تشمل ملفات الائتمان البيانات الكافية اللازمة لفحص وتصنيف الديون بصورة جيدة وكحد أدنى يتعين أن يتضمن ملف العميل طلب العميل دراسة التسهيلات الائتمانية والغرض من الائتمان والموافقة على منح التمويل ومصادر السداد وأي ضمانات متاحة كما يجب أن يتم تقييم الضمانات مع أهمية توفر كافة المستندات القانونية المؤيدة لها.
ثالثا: القواعد الرئيسية لتصنيف التسهيلات الائتمانية
(القاعدة الأولى) يتم تصنيف التسهيلات المباشرة وغير المباشرة بشكل عام خلال فترات دورية لا تتجاوز ستة أشهر مثلا كالتسهيلات المنتظمة الجيدة، تمثل التسهيلات الائتمانية التي تتصف بالثبات في التزام العميل بالشروط المتفق عليها عند منح الائتمان وذلك باستمرار التدفقات النقدية إلى الحساب بشكل يوفر الأموال اللازمة للوفاء بالالتزامات في مواعيد استحقاقها مع توفر البيانات المالية الدورية والضمانات الكافية لاسترداد الدين.
والنوع الآخر كالتسهيلات غير المنتظمة، يتم تقسيم التسهيلات غير المنتظمة إلى ثلاثة أنواع رئيسية على الأقل يتم تحديدها بناءً على توافر شروط معينة وذلك على النحو التالي: دون المستوى - مشكوك في تحصيلها – رديئة.
(القاعدة الثانية) من الضروري تحديد مخاطر التسهيلات الائتمانية الممنوحة من قبل المؤسسات التمويلية في ضوء الزيادة المضطردة في حجم الإقراض الدولي للجهات الحكومية وشبه الحكومية وذلك نظرًا لاختلاف المخاطر المحيطة بها سواء السياسية أو الاقتصادية أو الجغرافية وفي هذا الصدد يتعين وضع إطار عام لاحتساب المخصصات اللازمة والمطلوبة في حالة كل دولة وذلك عن طريق نظام للاحتساب حسب التشريعات التنظيمية والرقابية والإشرافية المعتمدة لديها.
(القاعدة الثالثة) تكوين المخصصات للتسهيلات الممنوحة للعملاء وفقًا للنسب المقررة كحد أدنى كمخصصات محددة على سبيل المثال (دون المستوى – مشكوك بتحصيلها – رديئة) وكمخصصات عامة للتسهيلات المنتظمة وتحتسب المخصصات على صافي رصيد المديونية القائمة بعد استبعاد الضمانات المقابلة في حالة توفر ضمانات عينية أو مصرفية عالية الجودة وقابلة للتسييل في آجال ومستوفية للشروط القانونية.
(القاعدة الرابعة) المعالجة المحاسبية للإيرادات على الديون غير المنتظمة يتم قيدها على الديون التي مضى على موعد استحقاقها ثلاثة أشهر مثلا ولم تدفع في حساب دائن معلق وبحيث تتم تعليتها على الحسابات المدينة للعملاء ولكن لا تتم تعليتها على حساب الأرباح والخسائر وعندها يعامل الحساب على الأساس النقدي، كما أن كل الإيرادات المستحقة غير المحصلة من تاريخ التصنيف على الأقل تستبعد من الإيرادات.
(القاعدة الخامسة) إجراءات تصنيف التسهيلات الائتمانية وتكوين المخصصات اللازمة لها يجب على المؤسسات التمويلية أن تقوم بفحص وتصنيف التسهيلات الائتمانية وتكوين كامل المخصص اللازم وبناء على ذلك، فإن على هذه المؤسسات أن تفحص وتصنف حسب السياسة المعتمدة لديها ما يزيد من الأرصدة من التسهيلات الائتمانية الممنوحة سنويا ويجب تكوين المخصص على فترات دورية منتظمة لا تتجاوز نهاية السنة المالية وأن يتم إبلاغ المصرف المركزي بنتيجة التصنيف.
رابعا: تطبيقات أنظمة الاستعلام الائتماني
ترجع أهمية أنظمة الاستعلام المصرفي في ظل غياب المؤسسات المتخصصة في جمع المعلومات والبيانات حول الأفراد وشركات الأعمال الطالبة للتسهيلات الائتمانية لذلك فالاستعلام المصرفي له الدور الأكبر في الحصول على المعلومات اللازمة لتحديد شخصية العميل وسلوكه المصرفي والاستعلام المصرفي هو جزء لا يتجزأ من عملية التحليل الائتماني تقوم به دائرة ووحدة إدارية مستقلة في المؤسسة التمويلية تكون مهمتها جمع المعلومات من كافة المصادر بغية تحليلها وتلخيصها ضمن استنتاج يعطي دلالة واضحة على مكانة العميل الأدبية والتجارية والمالية بخلاف إدارة الائتمان التي تمثل بشكل عام والدائرة الخاصة بالاستعلام بشكل خاص تهتم بالحصول على المعلومات التي ترغب بها من مصادر عديدة ويمكن عرض هذه المصادر (العميل طالب الائتمان - مصادر داخلية - مصادر خارجية).
خامسا: دور إدارة التسهيلات الائتمان في التحقق والاستعلام
الهدف الرئيسي لإدارة التسهيلات الائتمانية إضافة قيمة إضافية للشركة عن طريق منح تسهيلات ائتمانية لعملاء موثوق بهم في قلب النظام المالي والاقتصادي ألا وهو نظام الائتمان والتي تقوم المؤسسات المالية وشركات الوساطة المالية باتخاذ قرارات حول الائتمان والمصداقية الافتراضية للمقترضين، فالمؤسسة التمويلية تقوم باتخاذ قرار منح التسهيلات الائتمانية بعد دراسة المركز المالي للعملاء وبعد التأكد من سمعتهم المالية ونيته السداد، إلا أنه من واجب مسؤولي التسهيلات الائتمانية بالمؤسسة التمويلية أن يستمروا في متابعة التغيرات التي تقع على العميل أو على مركزه المالي والتي قد تؤثر في قدرته على السداد، ويهدف ذلك إلى:
* التحقق من مدى تنفيذ السياسة التي تضعها المؤسسات التمويلية، خاصة فيما يتعلق بحجم التسهيلات وتوزيعها على الأنواع المختلفة ومدى الالتزام بالضوابط الموضوعة لمنح الائتمان تمهيداً لإدخال التعديلات على هذه السياسة.
* الاطمئنان لمدى تنفيذ الشروط الموضوعة للتسهيلات المصرح بها للعملاء، خاصة من حيث الالتزام بالحدود المصرح بها وحصول المؤسسة المالية على الضمانات المطلوبة واحتساب النسب الائتمانية وسقوفها لها، وفقاً للقواعد والنظم والتشريعات.
* العقبات التي قد تعترض الممولين في الوقت المناسب بما يسمح باتخاذ الإجراءات الكفيلة بحماية حقوق المؤسسة التمويلية ومساعدة العملاء على تخطي هذه المشاكل من جهة أخرى تفادياً للخسائر التي قد تلحق المؤسسة المالية إذا تعثر العملاء في الوفاء بالتزاماتهم.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لا شك أن قطر من الدول الرائدة التي استطاعت استقطاب العنصر الأجنبي للإقامة والاستقرار بها سواء من أجل العمل أو الاستثمار، إيمانا منها بضرورة تعزيز المركز القانوني للأجنبي وخلق أفق يسع جميع من يرغب في الاندماج داخل المجتمع القطري، لكن ذلك لا يمنع الدولة من ضمان الآليات التي تكفل لها حفظ نظامها العام، وعدم انتهاكه ممن هو أجنبي عنه، لذلك فإن الدولة في حالة الحياد عن ثوابتها وقواعد استقرارها من قبل العنصر الأجنبي سمحت باتخاذ إجراء إداري في حقه يتمثل في الإبعاد عن البلاد. يجد قرار إبعاد الأجنبي إداريا سنده القانوني ضمن القانون رقم 89 لسنة 2015 بشأن تنظيم دخول وخروج الوافدين وإقامتهم، ويتم الإبعاد بواسطة قرار يصدره وزير الداخلية في حق الأجنبي الذي حاد عن النظام العام بدولة قطر، ويشترط من أجل إصدار هذا القرار أن يكون الفعل المرتكب قد تم من شخص لا يحمل الجنسية القطرية، ودخل قطر دخولا نظاميا صحيحا من أجل الإقامة سواء كان مؤقتا أو دائما، أو دخل بواسطة سمة سياحية أو أية سمة أخرى، بشرط ألا يكون حاملا لجواز السفر القطري، أما بالنسبة لمن دخل البلاد بسبب اللجوء السياسي فإنه مبدئيا لا يجوز إبعاده إداريا إلا إذا صدر خرق سافر لقواعد النظام العام من قبل اللاجئ السياسي، ومع ذلك يجوز له الطعن في هذا القرار، وذلك تطبيقا لاتفاقية 1951 الخاصة بوضع اللاجئين، والتي كانت قطر طرفا فيها لكنها لم توقعها، مما يعني أنها غير ملزمة بشكل آمر بما ورد فيها. أما الأسباب التي تخول وزير الداخلية إصدار قرار الإبعاد الإداري للأجنبي فإن المشرع لم يعددها أو يحصرها، بل ترك السلطة التقديرية له من أجل تحديد جسامة الفعل وخطورة الإبقاء على الفاعل الأجنبي داخل دولة قطر. وهنالك حالات من الأجانب المستثنين من نطاق تطبيق القانون رقم 89 لسنة 2015، وبالتالي مستبعدون من فرضية إصدار قرار في حقهم بالإبعاد إداريا، وهم رؤساء الدول الأجنبية وأفراد أسرهم ومرافقوهم، رؤساء وأعضاء البعثات الدبلوماسية والقنصلية الأجنبية والهيئات الدولية المعتمدون لدى الدولة والملحقون والإداريون وعائلاتهم والأشخاص التابعون لهم، وكذلك الوفود الرسمية، ربابنة السفن والطائرات وأطقمهم وفقا للشروط والإجراءات المتطلبة، مواطنو دول مجلس التعاون لدى الخليج العربية، ومن يرى وزير الداخلية استثناءهم لاعتبارات سياسية أو إنسانية. هذا وتجدر الإشارة إلى أن القانون لم يلزم وزير الداخلية بإصدار قراره بإبعاد الأجنبي عن البلاد بإفراغه في شكلية معينة أو إتباع مراحل إجرائية بذاتها، مع عدا ضرورة توقيع القرار من طرف السيد الوزير، كما أن المشرع لم يلزم السيد الوزير بتسبيب القرار، فلا يوجد مقتضى قانوني يشترط أن ترد في قرار الإبعاد الأسباب المؤدية إلى اتخاذه، كما أن وزير الداخلية يجوز له حسب سلطته التقديرية العدول عن قرار الإبعاد ولا قيد له في ذلك، ويتم هذا العدول بواسطة قرار لاحق يلغي قرار الإبعاد، كما قد يتم إلغاء قرار الإبعاد استثنائيا بواسطة صدور قرار أميري بشأن حالة بعينها. عموما فإن الإبعاد الإداري هو قرار يصدر في حق الأجنبي من قبل السلطة التنفيذية في البلاد، ويختلف عن الإبعاد القضائي الذي يصدر بمثابة عقوبة تبعية أو مكملة للعقوبة الأصلية التي تقضي بها المحكمة في حق الأجنبي الذي ثبت ارتكابه جريمة ما.
8700
| 17 أغسطس 2026
قديماً كان فرعون يقتل أبناء بني إسرائيل خوفاً من أن يخرج منهم من يهدد ملكه، فكان يستضعفهم ويستعبدهم في الوقت الذي كان فيه موسى عليه السلام وهو واحد منهم ينشأ داخل قصر فرعون يتنفس هواه ويأكل ويشرب ويتعلم فيه. مفارقة تهز الخيال أتوقف هنا معكم أمام سُنة عجيبة من سنن التاريخ، فقد تنشغل قوة عظمى بما يحدث خارج أسوارها بينما التغيير الحقيقي ينمو ببطء داخل أسوارها. وهنا تبدأ القصة فهل يا ترى هناك تشابه؟ فمنذ مطلع هذا القرن ارتبط اسم الولايات المتحدة بحروب وصراعات امتدت عبر رقعة واسعة من العالم الإسلامي أفغانستان والعراق وباكستان وسوريا واليمن وليبيا وغيرها هذا ما ظهر لنا وما خفي عنا أعظم. سقط مئات الآلاف من المدنيين الأبرياء في حروب ما بعد 11 سبتمبر وتشير التقديرات إلى أن مجموع الوفيات المباشرة وغير المباشرة المرتبطة بتلك الحروب بلغ ملايين البشر. دول دُمرت وشعوب شُردت لكن في الجانب الآخر من المحيط وفي داخل أمريكا نفسها كان مشهد مختلف تمامًا يتشكل ببطء بهدوء ومن داخل النظام نفسه كان أبناء الفئات التي ظلت طويلًا بعيدة عن مركز السلطة يكبرون داخل القصر، ففي زمن ليس بعيدًا من التاريخ الأمريكي كان الرجل الأسود يناضل من أجل حقه في الجلوس كإنسان حيث يجلس الأبيض، والدراسة حيث يدرس الأبيض، كان محتقراً إلى درجة أنه لا يسمح له بدخول المدن والجامعات والأحياء التي يعيش فيها البشر بزعمهم. ثم جاء عام 2008 ودخل رجل أسود البيت الأبيض، ليس عاملًا فيه ولا زائرًا، بل رئيسًا للولايات المتحدة الأمريكية (باراك حسين أوباما). صحيح أن أوباما مسيحي وليس مسلمًا ولكن علينا ألا نفقد رمزية المشهد، رجل أسود أبوه أفريقي مسلم النشأة واسمه الأوسط (حسين) وصل إلى المنصب الذي كان محتكراً تاريخيًا على رجال بيض يبدو جزءًا ثابتًا من صورة أمريكا. كان ذلك أول شرخ كبير في الصورة التقليدية لمن يمكنه أن يحكم أمريكا، ثم جاءت مرحلة أصعب (11 سبتمبر). تحول المسلم بعدها في الخطاب الأمريكي إلى موضع خوف وشك، أصبح الإسلام حاضرًا يوميًا تقريبًا في ملفات الإرهاب والأمن والحروب والهجرة. وبعد ربع قرن تقريبًا من حادثة برجي التجارة حدث ما كان يبدو مستحيلًا، مسلم يحكم نيويورك !! زهران ممداني ليس مدينة هامشية صغيرة، بل نيويورك نفسها المدينة التي تحمل في ذاكرتها هجمات 11 سبتمبر. دخل ممداني من الباب الذي لا يستطيع أحد إغلاقه في وجهه ورغم أنوف المعارضين هل توقفت القصة هنا؟ لا لم تتوقف ففي ميشيغان قريباً هنا خرج اسم آخر عبدالرحمن السيد اسم عربي واضح مسلم من أصول مصرية فاز قبل بضعة أيام بتمثيل الحزب الديمقراطي في انتخابات مجلس الشيوخ عن ولاية ميشيغان، ليصبح مرشح الحزب في مواجهة الجمهوري مايك روجرز على مقعد له أهميته في تحديد ميزان القوة داخل مجلس الشيوخ وسن تشريعات الولايات المتحدة الأمريكية بكل حدودها. وهنا ينبغي ألا ننظر إلى الأشخاص الثلاثة منفصلين أوباما ممداني عبدالرحمن السيد ضعهم على خط زمني واحد وستجد أمامك شيئًا أكبر من ثلاث قصص نجاح انتخابية. ستجد أمريكا تتغير، ليس لأن المسلمين أصبحوا أغلبية فهم ما زالوا أقلية صغيرة وليس لأن العنصرية أو الإسلاموفوبيا انتهتا لا فهما موجودتان وليس لأن السياسة الخارجية الأمريكية تغيرت تجاه العالم الإسلامي. المفارقة أعمق من ذلك، فأمريكا التي كانت قوتها العسكرية تقاتل خارج أسوارها في عواصم ومدن كثيرة إسلامية وغير إسلامية وعربية وغير عربية كان المسلمون وأبناء المهاجرين داخلها يتحركون في الاتجاه المعاكس نحو مؤسساتها نحو جامعاتها نحو إعلامها نحو مجالسها المحلية نحو الكونغرس، نحو مواقع صناعة القرار والأرقام تقول إن هذا التحول لم يصل نهايته بعد فالتقديرات الديموغرافية تتوقع استمرار نمو عدد المسلمين في الولايات المتحدة خلال العقود المقبلة ووزنهم الاجتماعي والسياسي سيكبر معه. وهنا يصبح السؤال مختلفًا تمامًا !! ماذا سيحدث عندما يكبر الجيل الثاني والثالث والرابع من المسلمين الأمريكان؟ هؤلاء ليسوا مهاجرين يقفون أمام بوابة أمريكا ينتظرون فيزة دخول إنهم أمريكيون ولدوا فيها درسوا في مدارسها يتحدثون لغتها بلهجات ولاياتها يدفعون ضرائبها يدخلون جيشها وجامعاتها ومحاكمها وإعلامها ثم يترشحون لمناصبها وهذا تحديدًا ما يجعل قصة عبدالرحمن السيد مهمة حتى لو خسر انتخابات نوفمبر المقبلة لأن المسألة ليست عبدالرحمن وحده إذا خسر سيأتي غيره وإذا خسر الآخر سيأتي ثالث فالتغيرات الاجتماعية الكبرى لا تقاس بانتخابات واحدة وإنما بالاتجاه الذي تسير إليه الأجيال قبل عقود كان السؤال هل يمكن أن يحكم رجل أسود أمريكا؟ وحدث ثم جاء السؤال هل يمكن لمسلم أن يحكم نيويورك؟ وحدث والسؤال اليوم هل يستطيع مسلم اسمه عبدالرحمن السيد الوصول إلى مجلس الشيوخ؟ نعم بات ذلك ممكنا لكن السؤال الذي يأتي بعد كل هذه الأسئلة أخطر وأكبر؟! هل يمكن أن يأتي اليوم الذي يحكم فيه مسلم الولايات المتحدة الأمريكية نفسها؟ اليوم قد يضحك البعض من السؤال لكن التاريخ مليء بأشياء ضحك الناس من مجرد تصورها قبل أن تصبح واقعًا وهنا نعود بالذاكرة إلى ذلك الطفل الذي كان يكبر داخل قصر فرعون بينما جنود فرعون يبحثون عن أطفال بني إسرائيل خارجه أحيانًا تنشغل الإمبراطوريات بما تخشاه خارج أسوارها بينما يكون المستقبل قد بدأ بالفعل داخلها. وربما بعد خمسين عامًا عندما يقرأ مؤرخ ما قصة أمريكا في بداية القرن الحادي والعشرين لن تكون المفارقة الكبرى عنده فقط أن أمريكا حاربت طويلًا بلاد المسلمين قد يكتب جملة أكثر إثارة: بينما كانت أمريكا تخوض حروبها في العالم ومع الإسلام كان أبناء المسلمين وغيرهم يشقون طريقهم بصمت إلى قلب الولايات المتحدة.
7308
| 11 أغسطس 2026
منذ سنوات وأنا أتابع ما يجري في بغداد بألم، وتلحّ عليّ الرغبة في أن أكتب عنها، ثم أتردد. فبغداد اليوم محاطة بألغام السياسة والطوائف والمصالح والتدخلات، وما إن تقترب الكلمة من جرح حتى تكاد تفتح جراحًا أخرى. وكنت أخشى، كلما أمسكت بالقلم، أن أفجّر لغمًا وأنا أبحث عن بغداد. ثم قلت: ولماذا أبحث عنها في السياسة وحدها؟ لبغداد أبواب أخرى ندخل منها؛ باب التاريخ، وباب الأدب، وباب الشعر، وأوسعها جميعًا باب الوجدان. يكفي أن تقول بغداد، حتى ينساب دجلة في الذاكرة، ويطل الرشيد من شرفة التاريخ، وتُفتح أبواب بيت الحكمة، ويعود الورّاقون إلى حوانيتهم، والعلماء إلى مجالسهم، والشعراء إلى قصائدهم. مدينة كانت الكتب فيها جسورًا بين الحضارات، والعلم لغة يتخاطب بها القادمون من جهات الأرض. لم تكن بغداد عاصمة لدولة فحسب؛ كانت، في زمن من الأزمنة، عاصمة للعالم. فيها تُرجمت كتب الفلسفة والطب والفلك، ومنها خرج إلى الدنيا من أروع ما أنتجه العقل العربي والإسلامي. ولبغداد مع الشعر صحبة قديمة. قال فيها علي بن الجهم: «عيونُ المها بين الرصافة والجسرِ جلبنَ الهوى من حيث أدري ولا أدري» وبعد قرون ظل سحرها حاضرًا، حتى قال نزار قباني: «عيناكِ يا بغدادُ منذ طفولتي شمسانِ نائمتانِ في أهدابي» وبين الرصافة والجسر، وبين بغداد التي نامت في أهداب شاعر حديث، قرون طويلة، وبقيت المدينة قادرة على أن توقظ الشعر. ولعل ذلك يفسر شيئًا من علاقتنا بها؛ فكثير منا عرف بغداد قبل أن يزورها، وسكنت مخيلته قبل أن تطأ قدماه أرضها. عرفناها في التاريخ والشعر والكتب، وفي أسماء علمائها وأدبائها. كانت جزءًا من صورة العربي عن زمن استطاع فيه أن يصنع الحضارة، لا أن يكتفي بالحديث عنها. ومن هنا تأتي قسوة المفارقة. فمن أشد مفارقات التاريخ إيلامًا أن بغداد، بكل ما تحمله من مجد عريق، تمر اليوم بمحنة طال أمدها؛ كأنها تعرف جيدًا من أين جاءت، ولا تعرف بعد من أين يكون الخروج. والحديث عن بغداد هنا حديث عن العراق كله. عن بلد كان حضوره في محيطه العربي ثقيلًا بالمعنى، غنيًا بالعلم والثقافة والفكر، يمد المنطقة بالكتاب والشاعر والأستاذ والطبيب والمهندس، ثم عصفت به الحروب وتوالت عليه المحن، حتى غاب كثير من دوره الذي عرفناه، وأصبح الحاضر مثقلًا، والمستقبل محاطًا بالأسئلة. وهنا تبدأ الألغام التي خشيت الاقتراب منها. لكن الخشية من الألغام لا ينبغي أن تصبح ذريعة للصمت عن الحقيقة. لقد تناوبت على العراق سطوة الخارج، من احتلال أمريكي معلن إلى نفوذ إيراني تمدّد عميقًا في الداخل، بدعم فصائل مسلحة موالية له وتسليحها، حتى غدا بعضها قوة تنازع الدولة سلطتها وقرارها، وعقبة أمام استعادة مؤسساتها لسيادتها الكاملة. وبقي القرار العراقي، في الداخل والخارج، أسيرًا لهذا الاحتلال أو ذاك النفوذ. ولم تكن سطوة الخارج وحدها ما أثقل العراق؛ فقد نمت في الداخل أمراض لا تقل خطرًا. طائفية بغيضة مزقت ما جمعه الوطن، حتى ضاقت الهوية الجامعة أمام هويات أصغر منها. والطائفة قد تكون جزءًا من الإنسان، لكنها لا تستطيع أن تكون وطنًا؛ فالوطن أكبر من الطائفة، وأبقى من الخلاف، ويتسع لأبنائه جميعًا. وأستعيد هنا شيئًا من تجربتي الشخصية. عشت سنوات طويلة بين سفراء عراقيين كانوا زملاء وأصدقاء. كنا نلتقي ونتحاور، نتفق ونختلف، ثم نفترق، ولم يخطر لي يومًا أن أسأل واحدًا منهم إلى أي طائفة ينتمي، ولم يكن الأمر مطروحًا أصلًا لكي نسأل عنه. كانوا عراقيين، وكان ذلك يكفي. كم تبدو هذه الجملة بسيطة اليوم، وكم تحمل من معنى! ثم جاء الفساد، فلم يعد في مواضع كثيرة تجاوزًا عابرًا تلاحقه الدولة، بل تجذّر حتى أصبح محميًا بذوي النفوذ، يقتطع من ثروة العراق، ويضعف مؤسساته، ويبدد حق أبنائه في وطن يملك من أسباب الثراء ما يكفي لبناء مستقبل مختلف. وحين يجد الفساد من يحميه، يصبح اقتلاعه أصعب من اكتشافه؛ لأنه لا يعود مرضًا في جسد الدولة فحسب، بل يجد لنفسه مكانًا بين أضلاعها. ولعل مأساة العراق أن هذه الآفات الثلاث لم تعش منفصلة: تدخل خارجي انتقص من سيادة الدولة واستقلال قرارها، وطائفية مزقت النسيج الوطني، وفساد تجذّر واحتمى بذوي النفوذ. غذّى بعضها بعضًا، واستمد كل منها أسباب بقائه من الآخر. ولذلك لن تعود بغداد إلى بغداد بزوال واحدة منها وبقاء الأخريين؛ فبقاء آفة واحدة كفيل بأن يعيد الأوكسجين إلى ما حسبناه قد انطفأ من الآفتين الأخريين. عودة بغداد تبدأ حين يسترد العراق قراره، ويتقدم الوطن على الطائفة، وتصبح الدولة أقوى من الفساد ومن حماته. عندها فقط لا تكون بغداد ذكرى لمجد مضى، بل بداية لمجد يمكن أن يولد من جديد. ومع ذلك، لا أكتب هذه الكلمات لأوزع المسؤوليات، ولا لأضيف خصومة جديدة إلى خصومات العراق. يكفي أن نقول إن بلدًا عظيمًا دفع ثمنًا باهظًا حين ضعفت وحدته، وإن الوطن حين ينقسم على نفسه يجد الآخرين أسرع إلى تقرير مصيره منه. العراق ليس فقيرًا كي يعجز، ولا صغيرًا كي يُهمَل، ولا طارئًا على التاريخ كي يُنسى. فيه الماء والأرض والثروة والعقل البشري، وفوق ذلك كله تاريخ حضاري قلّ أن اجتمع مثله لبلد. ولهذا يبدو السؤال أكثر إلحاحًا: كيف اجتمعت كل أسباب القوة، وبقي الخروج من المحنة بهذه الصعوبة؟ ربما لأن خراب السياسة أسرع من بناء الدول، ولأن ما تكسره الفرقة في سنوات قد تحتاج أجيال إلى جمعه. ومع ذلك، لا أستطيع أن أكتب عن بغداد بلغة الرثاء. فالمدن العظيمة قد تمرض، لكنها لا تموت. وبغداد تعرف ذلك أكثر من غيرها. دخلها الغزاة، واحترقت فيها الكتب، وجرى في دجلة ما جرى، ثم نهضت. تبدلت عليها الدول والرايات، وبقي النهر يجري، وبقي اسم بغداد أكبر من الذين مروا بها. ولهذا نؤمن أن مدينة وبلدًا بهذا العمق الحضاري لا يمكن أن يستسلما طويلًا للمحنة. سيعرف العراق، بما اختزن من تاريخ وما يملك من إنسان، كيف يتجاوز محن الفرقة والطائفية والفساد وسطوة الأجنبي، ويسترد وحدته وقراره، لتستعيد بغداد بريقها، ويستعيد العراق دوره ومكانه الذي يليق به. وليس ما نتمناه لبغداد عودة إلى الماضي؛ فالتاريخ لا يعود، ولا ينبغي له أن يعود. ما نرجوه أن تستلهم من ماضيها قوة لمستقبلها، وأن يصبح مجدها طاقة للنهوض، لا مجرد ذكرى جميلة نلوذ بها كلما آلمنا الحاضر. نريد بغداد التي يكون فيها العراقي عراقيًا قبل أن يُسأل عن طائفته، ويكون قرار العراق عراقيًا قبل أن تتنازعه إرادات الآخرين، ويصبح اختلاف أبنائه مصدر ثراء لا بابًا للفرقة، وتعود الدولة وحدها صاحبة السلاح والقرار. نريدها مدينة تنظر إلى دجلة فلا ترى في مائه صور ما مضى وحده، بل ترى ما سيأتي. فبغداد ليست للعراقيين وحدهم في الوجدان. إنها شيء منا جميعًا. وحين غاب العراق عن دوره، افتقد العرب صوتًا وعقلًا وثقلًا لا يعوض بسهولة. لهذا لا نرثي بغداد. نحزن عليها، نعم، ولكننا نراهن عليها. وننتظر ذلك الصباح الذي تستيقظ فيه المدينة من طول محنتها، وتنفض عن كتفيها غبار السنين، وتنظر إلى دجلة، ثم إلى أبنائها، وتقول لهم: طال الليل… أما آن لبغداد أن تعود إلى بغداد؟
2697
| 16 أغسطس 2026