رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

هاشم عبدالله مستريحي

مساحة إعلانية

مقالات

141

هاشم عبدالله مستريحي

الصحة ليست بدنية ونفسية فقط بل اجتماعية أيضًا

18 أغسطس 2026 , 01:00ص

في زمنٍ لم يعرف البشر فيه هذا القدر من وسائل الاتصال، يتسع في المقابل شعورٌ إنسانيٌّ قديم بوجهٍ جديد: الوحدة. لم تعد الوحدة مجرد حالة وجدانية تخص فردًا انطوى على نفسه، ولا صمتًا عابرًا في نهاية يوم طويل؛ بل أصبحت، وفق التحول المتزايد في خطاب الصحة العالمية، قضية صحة عامة تمس القلب والدماغ والعمل والتعليم والاقتصاد ونسيج المجتمع ذاته.

تقرير لجنة منظمة الصحة العالمية المعنية بالتواصل الاجتماعي لعام 2025 أعاد تعريف المسألة بوضوح لافت: الصحة ليست بدنية ونفسية فقط، بل اجتماعية أيضًا. فالصحة الاجتماعية، التي طالما ظلت في هامش التخطيط الصحي، تقوم على جودة العلاقات الإنسانية، وتوافر الدعم، والشعور بالانتماء، والقدرة على أن يكون الإنسان مرئيًا ومسموعًا ومسنودًا داخل مجتمعه. وقدّر التقرير أن شخصًا واحدًا تقريبًا من كل ستة أشخاص عالميًا يشعر بالوحدة، وأن الوحدة ترتبط بنحو 871 ألف وفاة سنويًا، مع آثار تمتد إلى أمراض القلب والسكتة الدماغية والاكتئاب والقلق وصعوبات الدراسة والعمل.

الخطر في الوحدة أنها تبدو ناعمة من الخارج، لكنها قاسية في نتائجها. فقد يكون الإنسان محاطًا بالناس، لكنه يفتقد علاقة تمنحه معنى أو دعمًا أو أمانًا. وهنا ينبغي التمييز بين الوحدة والعزلة الاجتماعية؛ فالوحدة شعور ذاتي مؤلم بفجوة بين العلاقات التي يحتاجها الإنسان وتلك التي يعيشها فعلًا، أما العزلة فهي نقص موضوعي في عدد العلاقات أو تكرار التفاعل. وقد يجتمع الاثنان، فتتضاعف المخاطر، وقد يفترقان، فيكون الإنسان معزولًا بلا شعور بالوحدة، أو وحيدًا وسط زحام البشر من حوله.

هذه القضية تفرض على صناع القرار انتقالًا مهمًا: من علاج المرض بعد ظهوره إلى بناء شروط اجتماعية تمنع المرض أو تخفف أعباءه. فالمدن التي لا تتيح مساحات آمنة للتفاعل المجتمعي، وأنظمة العمل التي تستهلك الإنسان دون أن تصون علاقاته، والمدارس التي تفشل في اكتشاف الإقصاء، والمرافق الصحية التي لا تسأل عن الدعم الاجتماعي للمريض، كلها قد تساهم من حيث لا تشعر في إنتاج القطيعة الاجتماعية.

ومن منظور الإدارة الصحية، لا يجوز أن تبقى الوحدة خارج ملفات الجودة وسلامة المرضى وتجربة المريض. فالمريض المزمن، وكبير السن، والمراجع المتكرر لأقسام الطوارئ، والعامل المنهك مهنيًا، والطالب المغترب، والوافد الجديد، كلهم قد يحملون أعراضًا لا تفسرها التحاليل الطبية وحدها. أحيانًا تكون الشكوى الطبية بوابة لمشكلة اجتماعية أعمق: غياب من يُطَمئِن، أو من يُساعِد، أو من يَسمَع. لذلك يصبح السؤال عن شبكة الدعم الاجتماعي جزءًا من الفهم الشامل للحالة وليس ترفًا إنسانيًا زائدًا.

الحلول لا تبدأ من المنظومات الصحية وحدها، ولا تنتهي عند العيادات النفسية، فمنظمة الصحة العالمية تدعو إلى مسار متعدد القطاعات: سياسات وطنية للتواصل الاجتماعي، رصد وقياس منتظم، حملات توعية تنقل الوحدة من دائرة الخجل الشخصي إلى مساحة الفهم والدعم المجتمعي، بنية تحتية اجتماعية تشمل الحدائق والمكتبات والمراكز المجتمعية والنقل العام، وتدخلات مجتمعية مثل “الوصفات الاجتماعية” التي تربط الأفراد بأنشطة غير طبية تعيدهم إلى دوائر المعنى والانتماء. كما يقترح تقرير المنظمة خمسة مسارات للعمل: السياسات، والبحث، والتدخلات، والقياس والبيانات، والمشاركة المجتمعية.

وفي عصر الذكاء الاصطناعي والمنصات الرقمية، لا يكفي أن نسأل: كم عدد المتصلين؟ بل: ما نوع الاتصال؟ فالتكنولوجيا قد تصل من انقطع، لكنها قد تزيد عزلة من استبدل العلاقة الحقيقية بتفاعل عابر. لذلك تحتاج السياسات الرقمية إلى حس صحي واجتماعي، يحمي الشباب خصوصًا من التفاعل المؤذي، ويعزز استخدام التقنية كجسر لا كبديل عن الإنسان.

إن إدراج الوحدة ضمن قضايا الصحة العامة لا يعني مرضنة المشاعر الإنسانية، بل يعني فهم الصحة في سياقها الأوسع: الإنسان، علاقاته، وبيئته الاجتماعية. فلا أحد يمرض بمعزل عن محيطه، ولا يتعافى بعيدًا عن شبكات الدعم التي تمنحه الأمان والمعنى. لذلك، تتركز الصحة الاجتماعية كركيزة من ركائز كفاءة الأنظمة الصحية واستدامة المجتمعات. فحين يبني المجتمع جسور الثقة والانتماء بين أفراده، فإنه لا يحميهم من العزلة وحدها، بل يحمي نظامه الصحي، واقتصاده، وتماسكه العام من كلفة القطيعة الصامتة.

[email protected]

مساحة إعلانية