رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

السفير كارلوس اومبيرتو خمينيز ليكونا

- سفير جمهورية غواتيمالا لدى دولة قطر

مساحة إعلانية

مقالات

525

السفير كارلوس اومبيرتو خمينيز ليكونا

الصقور والكيتزال.. جسر للهوية بين قطر وغواتيمالا

27 يوليو 2025 , 04:12ص

في مناسبات معينة، تجربة زيارة مكان ما، لا تتيح لنا فقط التعرف على مكان أو ثقافة جديدة فحسب، بل أيضا يمكن أن تُشعرنا بارتباط غير متوقع بتاريخنا الشخصي أو الوطني. هذا بالفعل ما حدث لي عندما قمت بالتعرف عن قرب على أحد أكثر التقاليد الأصيلة في المجتمع القطري، ألا وهو الشغف بالصقور، تلك الطيور التي كانت منذ العصور القديمة رمزا للقوة والنبل.

خلال زيارتي لسوق واقف التاريخي في الدوحة، وبشكل خاص لسوق الصقور، وأنا أسير بين الصقور المهيبة ذات النظرات الحادة، تعلمت أن الصقارة في قطر هي أكثر بكثير من مجرد أسلوب صيد، إنه فن موروث من القبائل البدوية، التي اعتمدت على هذه الطيور لكسب الرزق وتوفير الغذاء في الرمال الشاسعة. لقد تأثرت عندما اكتشفت أن هذا التقليد التراثي، بعيدا تماما عن كونه مجرد هواية بسيطة، انما هو رابط ثقافي يجمع الأجيال الحالية بجذورها المتوارثة من الأسلاف، ويعلم الصبر والمرونة والاكتفاء الذاتي.

في نفس السوق، لاحظت أيضا كيف يتم التعامل مع كل طائر بعناية استثنائية. بالإضافة إلى ذلك، هناك مستشفى متخصص في الصقور به حاضنات طبية وغرف عمليات حديثة، مما يدل على الاحترام والحب العميق الذي يشعر به القطريون لهذا الطائر الجدير بالإعجاب. كما علمت ايضا انه لا يقتصر الأمر فقط على تدريب الصقور على الصيد أو المنافسة فحسب، بل ان الشعب القطرى يكرس جهوده أيضا للحفاظ على الأنواع النادرة منها، وإطلاقها في بيئتها الطبيعية في مناطق مختلفة من العالم. في هذا الوقت، فهمت أن الصقر بالنسبة لقطر هو أكثر من مجرد طائر: إنما هو بمثابة مرآة لهوية شعبها، ورمز للكرامة والمجد والمثابرة.

عندما شاهدت هذا الاهتمام الفائق والتبجيل للصقور، فكرت حتما في غواتيمالا، وفي الكتزال (pharomachrus mocinno)، طائرنا الوطني، ورمزا يعرف به جميع الغواتيماليين أنفسهم. إن الكتزال لشعب غواتيمالا، مثل الصقر للشعب القطري، هو أكثر بكثير من مجرد رمز زخرفي: إنه يمثل الحرية والأمل والارتباط العميق بالطبيعة. ريشه الأخضر الزمردي الذي يتلألأ كقطعة من الغابة، وذيله الطويل الذي يبدو وكأنه يطفو في الهواء، قد ألهم العديد من الأساطير والأغاني والقصائد منذ عصور المايا.

في غابات غواتيمالا، يعيش طائر الكتزال حراً ومتألقا. بالنسبة لشعب المايا القديم، كان طائرًا مميزًا جدًا، حيث ارتبط بجمال الطبيعة والتوازن مع الحياة. وكان وجوده يثير رابطًا عميقًا بين الإنسان والأرض، وكان يُفسر تحليقه على أنه تذكير بالحرية والانسجام. وفي الوقت الراهن، حفز الحفاظ على طائر الكيتزال وموطنه على إنشاء محميات طبيعية ومشاريع للحفاظ عليه من جانب مختلف الهيئات الحكومية والمجتمعات المحلية، بهدف أن تتمكن الأجيال القادمة من الاستمتاع بهذا الطائر الرائع في المستقبل.

تحكي واحدة من أجمل الأساطير حول الكتزال أنه في العصور القديمة، عندما كان يدافع احد محاربي المايا الشجعان عن شعبه بنبل في معركة عظيمة، وسقط مصابا بجروح قاتلة، يقولون إن طائر الكيتزال نزل برفق من السماء وهبط على صدره، ولمس الطائر دم المحارب، وصبغ جزءا من ريشه باللون الأحمر، حاملا منذ ذلك الحين الرمز الأبدي للتضحية والحرية. ولهذا السبب، بالنسبة للمايا، لا يمكن للكيتزال أن يعيش في الأسر: روحه مرتبطة دائما بالهواء الطلق.

خلال تجربة زيارتي لسوق الصقور أدركت أنه على الرغم من الاختلافات الجغرافية والثقافية، تشترك قطر وغواتيمالا في شيء عميق: ألا وهو الحب والاحترام لطائر يرمز إلى جوهرهما الوطني. إذا كان الصقر يمثل نبل ومثابرة وإبداع القطريين، فإن الكيتزال هو المظهر الحي لتوق غواتيمالا إلى الحرية والثروة الطبيعية. لقد كان كلا الطائرين شاهدين صامتين على تاريخ شعبيهما، وقد نُسجت حولهما حكايات وطقوس وذكريات جماعية تتجاوز الزمن.

تُظهر حماية الصقر والكيتزال، كل في سياقه الجغرافي والثقافي الخاص به، كيف يمكن أن تصبح التقاليد جسراً بين الأجيال والثقافات. لقد ذكّرتني رؤية القطريين وهم يهتمون بصقورهم بعناية فائقة بكيفية إنشاء محميات وجهود مجتمعية في غواتيمالا لحماية طائر الكيتزال. فكلا البلدين، رغم اختلافهما الشديد، ينظران إلى هذه الطيور كرموز حية للوحدة والهوية. وهكذا فهمت أن الطبيعة تقدم لنا لغة عالمية. فالصقر والكيتزال، في تحليقهما الحر، يعلماننا أن الحفاظ على جذورنا وتقاليدنا هو وسيلة لتكريم ليس فقط الماضي، بل المستقبل أيضاً.

لذلك، من خلال هذه التجربة، أود أن أوجه أطيب الدعوة إلى شعب قطر المحب للطبيعة لزيارة غواتيمالا واكتشاف المناظر الطبيعية التي يسكنها طائر الكيتزال. وأنا على ثقه تامة بأنهم سيشعرون وهم يتأملونه في بيئته الطبيعية بنفس الارتباط الذي نشعر به تجاه هذا الطائر المتألق الذي يحلق حراً كقطعة من السماء.

 

اقرأ المزيد

العدالة بين سرعة الأمس وتعقيد اليوم العدالة بين سرعة الأمس وتعقيد اليوم

الله يرحم أيام المحكمة الشرعية، حين كانت القضايا تُعرض على القضاة فيستمعون إلى الخصوم مباشرة، ويفهمون أصل الخلاف،... اقرأ المزيد

804

| 30 يوليو 2026

العودة إلى الدبلوماسية والحوار العودة إلى الدبلوماسية والحوار

يعكس التصعيد المتسارع في وتيرة الاعتداءات وتوسع دائرة العمليات العسكرية في المنطقة حجم التحديات التي تواجه الأمن والاستقرار... اقرأ المزيد

96

| 30 يوليو 2026

قرارات صَنعت مؤسسة قرارات صَنعت مؤسسة

عندما تصنع قراراً ايجايباً ذا هدف وأثر لوزارة أو منظمة اعلم أنك تسير في الطريق الصحيح. ففي ظل... اقرأ المزيد

150

| 29 يوليو 2026

مساحة إعلانية