رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

ناصر المالكي

مساحة إعلانية

مقالات

390

ناصر المالكي

حكمةُ العامّة دواءٌ للقلوب

27 يونيو 2026 , 11:03م

في أزقّةِ الحياةِ الضيّقةِ، وفي أسواقِ الناسِ الصاخبةِ، تخرج من ألسنةِ البسطاءِ كلمات، تحملُ في طيّاتِها سر السلامِ النفسيِّ.. إنها حكمةُ العامّةِ، تلك الجواهرُ المكنونةُ في صدفِ العاميّةِ، تداوي القلوبَ قبل الأبدانِ، وتُصلحُ ما بين الناسِ قبل أن تُصلحَ ما بينهم وبين أنفسهم. ومن هذه الأقوال الشائعة: «كبّر دماغك» وتعني في الفصحى: «أوسِعْ صدرَك للناسِ، ولا تُضيّقْهُ على نفسِك».

قال اللهُ تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩].

فمن وسّع صدرَه وعقله اتّسعَتْ له الدنيا، ومن ضيّقَهما ضاقتْ عليه وهي رحبة.

ويقولون: «إنسى الموضوع».

أي: «اطوِ صفحةَ الألمِ، ولا تعشْ في ظلِّ الذكرى المؤذية».

قال أميرُ المؤمنينَ علي رضي الله عنه: «مَنْ طالَ همُّهُ ضاقَ صدرُه».

فالنسيانُ هنا ليس جحودًا، بل رحمة من اللهِ الذي جعل في الذاكرةِ بابًا يُقفلُ على الجرحِ حتى يلتئم.

ويقولون: «اقلب الصفحة».

أي: «جدّدْ حياتَك، واكتبْ سطرًا جديدًا بعد كل سقوط».

قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «المؤمنُ القويُّ خيرٌ وأحبُّ إلى اللهِ من المؤمنِ الضعيف».

فالمؤمنُ لا يبكي على اللبنِ المسكوبِ، بل يغسلُ الإناءَ ويملأهُ من جديد.

ويقولون: «لا تشيل هم».

أي: «ألقِ حملَ الغدِ عن كاهلِك، فالرزّاقُ هو الله». يقول سبحانه وتعالى:

﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا ۝ وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: ٢-٣].

ويقول الشاعر:

وَلَا تَحْمِلَنَّ هَمَّ يَوْمِكَ الذي مَضَى

وَلَا هَمَّ يَوْمٍ سَوْفَ يَأْتِي فَيَشْغَلُكْ

فحارب همَّك بتفويضِ أمرك إلى من لا تأخذه سِنةٌ ولا نوم.

ويقولون: «لا تكبّر الموضوع».

وفي ذلك قال الإمامُ علي رحمه الله: كما جاء في كتاب حلية الأولياء وطبقات الأصفياء: «أكبرُ العقلِ التغافل».

فكم من حربٍ اشتعلت من شرارةٍ صغيرةٍ لأن أحدهم نفخ فيها حتى صارتْ لهيبًا.

ويقولون: «اتركها للزمن».

والزمنُ سيفُ اللهِ المسلول على كل جرحٍ لا يُداوى بالكلام، وفي ذلك يقول المولى عز وجل:

﴿فَإِنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا ۝ إِنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا﴾

فاترك للزمنِ ما عجزت عنه يداك، فإنه يُنسي ويُعيدُ ترتيبَ أقدارك بما يرضيك.

وقد قال الشاعر:

دَعِ الأَيَّامَ تَفْعَلُ مَا تَشَاءُ

وَطِبْ نَفْسًا إِذَا حَكَمَ القَضَاءُ

وَلَا تَجْزَعْ لِحَادِثَةِ اللَّيَالِي

فَمَا لِحَوَادِثِ الدُّهُورِ بَقَاءُ

ويقولون: «خلّه يولي».

أي: «دعه يمضي كما مضى الزمنُ بالأحزانِ القديمة».

ويقولون: «لا تحاتي».

أي: «لا تخشَ شيئًا، فالقضاءُ والقدرُ بيدِ الكريمِ الرحيم».

يقول سبحانه وتعالى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾.

ويقولون: «تم».

وهي تعني عهدًا يُكتبُ باللسانِ، أي:: «حاضرٌ يا طالبَ الخير، أبشرْ بقضاء حاجتك، وفرحتي بطلبك أعظمُ من الطلبِ نفسِه».

قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «أَحَبُّ النَّاسِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى أَنْفَعُهُمْ لِلنَّاسِ، وَأَحَبُّ الأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى سُرُورٌ تُدْخِلُهُ عَلَى مُسْلِمٍ، أَوْ تَكْشِفُ عَنْهُ كُرْبَةً، أَوْ تَقْضِي عَنْهُ دَيْنًا، أَوْ تَطْرُدُ عَنْهُ جُوعًا، وَلأَنْ أَمْشِيَ مَعَ أَخٍ لِي فِي حَاجَةٍ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَعْتَكِفَ فِي هَذَا الْمَسْجِدِ…»

ويقولون: «لا تَشْغل مخّك».

أي: «أرِحْ عقلَك من التفكيرِ المُضني، وألقِ الأمرَ على الله».

يقول الشاعر:

دَعِ الْمَقَادِيرَ تَجْرِي فِي أَعِنَّتِهَا

وَلَا تَبِتَئِسْ بِمَا يَأْتِي بِهِ الزَّمَانُ

ويقولون: «موضوعك خالص».

أي: «اطمئنّ، فالأمرُ انتهى لصالحِك، وما طلبته قد تمَّ على أكملِ وجه».

ويقولون: «أبشِر». كلمةٌ واحدةٌ تُلقى في القلبِ فتُزهرُ فيه الأمل، فكلما قلتَ لأخيك «أبشِر»، فقد أدَّيتَ أمرًا ربانيًا، وسنةً نبوية، فعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال:

كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا بعثَ أحدَنا في حاجةٍ قال:

«بَشِّروا ولا تُنَفِّروا، ويسِّروا ولا تعسِّروا»

(البخاري ٣٠٣٨، مسلم ١٧٣٤)

وقال صلى الله عليه وسلم:

«أَبْشِرُوا بِالْخَيْرِ، فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ»

ويقولون: «اللي يبيعك بيعه». و«واللي نساك انساه».

أي: لا تُبقِ في قلبك مكانًا لمن ألقاك من حسابِه،وليس في ذلك دعوة للجفاء، بل هي قاعدة لصون الذات وحماية القلب من الخذلان المتكرر، فمن باعك مرة سيفعلها مرارًا وتكرارًا، فلا تقهر نفسك عليه، وفي ذلك يقول الشاعر:

إِذَا المَرءُ لَا يَرْعَاكَ إِلَّا تَكَلُّفَاً

فَدَعْهُ وَلَا تُكْثِرْ عَلَيْهِ التَأَسُّفَا

أيها القارئ الكريم،

هذه الكلماتُ التي نردّدها كل يومٍ بلا اكتراثٍ، هي في الحقيقةِ مدرسةُ في الحياةِ، فإذا أردتَ أن تعيش مطمئنًا، فخذْ من كتابِ اللهِ وسنّةِ رسولهِ نورًا، ومن حكمةِ العامّةِ دواء،.

واللهُ من وراء القصد.

اقرأ المزيد

متى ترحل؟ متى ترحل؟

يتحدث الناس كثيراً عن القيادة، وعن صناعة القرار، وعن إدارة التغيير، وعن كيفية الوصول إلى المناصب القيادية، لكنهم... اقرأ المزيد

522

| 01 يوليو 2026

هل طالنا التبلد !؟ هل طالنا التبلد !؟

للمرة المئة أقف حائرة أمام أوراقي التي أتركها كمسودة أولى لـ"ترويدتي"، وكلما عزمت أن أكتب عن شأنٍ آخر،... اقرأ المزيد

162

| 30 يونيو 2026

حين تتحول المجاملة من ودّ إلى واجب حين تتحول المجاملة من ودّ إلى واجب

نحن لا نعيش بالعقود والقوانين فقط، بل نعيش أيضًا بسلسلة طويلة من الإشارات الصغيرة التي تحفظ الود بين... اقرأ المزيد

219

| 30 يونيو 2026

مساحة إعلانية