رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

ناصر المالكي

مساحة إعلانية

مقالات

189

ناصر المالكي

العطاء النبيل

22 يونيو 2026 , 11:17م

قال الله تعالى: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [البقرة: 265].

إنّ أصحاب العطاء النبيل هم أولئك الذين تجود أيديهم قبل ألسنتهم، وتنبض قلوبهم بالعطاء دون أن تطلب الأجر من البشر. يعطون وهم يضحكون، يبذلون وهم يبتسمون، يُفرغون جيوبهم وهم مستبشرون، يمنحون من وقتهم وطاقتهم ومشاعرهم وكأنما يُخرجون من بحرٍ لا ينضب.

إنهم كالأنهار الجارية التي لا تسأل الوادي: «كم شربتَ مني؟»، بل تجود بالماء فحسب.

لكنّ هذا العطاء السخيّ لا يعني أبدًا أن صاحبه لا يحتاج إلى قطرةِ ثناءٍ تروي روحه، أو كلمةِ شكرٍ تُجدّد في قلبه طعم السعادة؛ فالنفس البشرية – مهما كانت – تحن إلى التقدير، كما تشتاق الزهرة إلى الندى.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

«مَنْ لَمْ يَشْكُرِ النَّاسَ لَمْ يَشْكُرِ الله»

[رواه أحمد والترمذي وصححه الألباني].

فشكر الناس بابٌ من أبواب شكر الله، وكفران المعروف جحود وظلم.

وأجمل العطاء وأنقاه ذاك الذي يُعطى ثم يُنسى، كالمطر يهطل على الأرض، فينبت الزرع دون أن يطالب التربة بحساب قطراته.

هذا هو العطاء -لله وحده- لا لمجدٍ عاجل، ولا لثناءٍ آجل، ولا لصورةٍ في وسائل التواصل تحصد بها حفنة من الإعجابات، أو تبتغي بها شهرة زائفة.. يقول عز وجل في سورة الليل : {وَمَا لِأَحَدٍ عِندَهُۥ مِن نِّعْمَةٍۢ تُجْزَىٰٓ * إِلَّا ٱبْتِغَآءَ وَجْهِ رَبِّهِ ٱلْأَعْلَىٰ }

وقال أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه في نهج البلاغة:

«أَفْضَلُ الْعَطَاءِ مَا كَانَ عَنْ غِنًى، وَأَجْمَلُ الْجُودِ مَا كَانَ عَنْ عَفَافٍ، وَأَكْرَمُ السَّخَاءِ مَا كَانَ عَنْ حَاجَةٍ، وَأَعَزُّ الْمَنَنِ مَا كَانَ عَنْ ظَهْرِ قَلْبٍ لَا يَنْتَظِرُ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا».

فاسأل نفسك –أيها القارئ الكريم –سؤالًا واحدًا فقط:

*هل تذكر دائمًا ما أعطيت؟

إن كنت تحسب قطرات عطائك، وتنتظر مكيالًا يُعاد لك بها، فاعلم أن عطاءك تجارة، وليس بعطاء.

أما إن كنت تنسى فورًا ما بذلت، وتستغرب إذا ذكّرك أحدهم بمعروفٍ صنعته، وتقول في نفسك: متى كان هذا؟

فهنيئًا لك!

فقد نِلتَ منزلةً رفيعةً نادرة، منزلة النبلاء الذين يرفعهم الله أعلى الدرجات في الدنيا والآخرة، يقول سبحانه وتعالى: {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَٱتَّقَىٰ وَصَدَّقَ بِٱلْحُسْنَىٰ فَسَنُيَسِّرُهُۥ لِلْيُسْرَىٰ }

إنهم -القلة القليلة- في زمنٍ كثرت فيه الحسابات، وقلّت فيه القلوب المتفضّلة.

إنهم الأنهار التي تجري تحت الأرض، فلا يراها الناس، لكنها تروي الواحات البعيدة وتُحيي الأرض الميتة.

فإن كنتَ منهم، فاحمد الله الذي جعلك من هذه الثلّة النادرة، وإن لم تكن، فلا يزال في العمر بقية لتراجع نفسك، وتحسن إليها.

قال تعالى:

﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ [آل عمران: 92].

فكن سخيًا في عطائك، ولا تنتظر شكرًا، واترك الأجر لمن لا تنام عينه ولا تغفل.. لمن يعلم السرَّ وأخفى..

لمن قال:

﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾.

والله من وراء القصد.

مساحة إعلانية