رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
عندما انطلقت الحراكات الجماهيرية في تونس ومصر وانتقلت إلى ليبيا واليمن وبعض الدول العربية الأخرى،جرى إطلاق مصطلح"ثورة" على كل هذه الحراكات.هذا في الواقع تجاوز كبير للواقع. مع أن الكثير من المحللين والكتّاب والصحفيين(بمن فيهم كاتب هذه السطور) استعملوا هذا اللفظ في وصف هذه الحراكات.
أيضاً فإن المسألة الأخيرة هي غير موضوعية. جرى استعمالها من قبل البعض. كونها تحمل مضموناً تفاؤلياً بإمكانية التحول إلى"ثورة". لكن واقع الأمر أن"الربيع العربي" الذي سمي تيمناً بــ"ربيع براغ". و "ربيع "بعض الحراكات الجماهيرية في أكثر من دولة،وبنتائجه حتى اللحظة لم يتجاوز حدود"الحركات الاحتجاجية"بعيداً عن وصف "الثورة " والتي تعني:حراكات جماهيرية واسعة وعريضة بقيادة ثورية ذات برنامج واضح يهدف إلى زعزعة وهدم بنية وأركان النظام السابق. في عملية تغييرية واضحة وواسعة حيث يكون التغيير شاملاً. للأسف في كل بلدان الربيع العربي لم تتحقق هذه المعادلات أو حتى أجزاء منها،بل في التحليل البانورامي الواسع يمكن الحديث عن انتكاسات تتبلور في مظاهر عديدة سلبية،ربما هي أسوأ مما كانت عليه الأنظمة السابقة.
في مصر مثلاً: فإن الظاهرة لما بعد الجولة الثانية من انتخابات الرئاسة وقبل ظهور نتائج الانتخابات. أدت إلى تجاذبات عمودية مجتمعية واسعة. وفوز مرسي في ظل التراجع عن بعض المكتسبات المتواضعة،إذ جرى حل مجلسي الشعب والشورى،وأصدر المجلس العسكري الأعلى ما أسماه"الإعلان الدستوري المكمّل أو المتمم". مع عدم وجود الدستور من الأساس. وسط عدم اتفاق واضح على لجنة تأسيسية لصياغة الدستور.هذه المظاهر أدت بالجماهير إلى العودة لميدان التحرير. الأمر الذي حدا بالمجلس العسكري إلى إصدار إعلان جديد يؤكد فيه على استقلالية القضاء. ويحذر فيه من المساس بممتلكات الدولة.
حزب التنمية والعدالة(الإخوان المسلمون) الحزب الأكبر. يريد احتكار كل شيء فهو الحزب المسيطر في مجلس النواب المنحّل،وهو الذي أراد الرئاسة وهو يريد كل شيء.هذا الأسلوب لا يمكن إلا أن يعمل على تنفير باقي فصائل المعارضة من الحزب.الأولى كان:اتفاق فصائل وقوى المعارضة على برنامج تتحدد فيه كل النقاط بما يكفل مشاركة الجميع. والاتفاق على مرشح واحد للمعارضة. بعيداً عن مرشح الإخوان المسلمين،بل من فصيل وطني معارض آخر.
الهيمنة والاستئثار ظاهرتان تعملان على انقسام المعارضة. وبخاصة أنه لا فضل لحزب أو حركة في تفجير حركة"25 يناير". لذا وفي الجولة الأولى جرى ترشيح أكثر من ممثل للمعارضة،وتبين أن فلول النظام القديم ما زال لها ثقل كبير في الساحة المصرية،مع الأخذ بعين الاعتبار أن قسماً ممن انتخبوا أحمد شفيق ليس بالضرورة أن يكونوا من مؤيديه. بالقدر الذي لا يريدون فيه نجاح مرشح الإخوان المسلمين. بما يعنيه ذلك من خوف على مصير الدولة المدنية في مصر.
هذه الإشكالات ستعيد إنتاج نفسها مستقبلا. وتفتح الأبواب على مشاكل أخرى أكثر تعقيداً وسوداوية. إذا لم تتدارك أحزاب المعارضة. لتتفق فيما بينها على برنامج قواسم مشتركة. وهي في حجمها تتجاوز ثلثي المجتمع المصري،أما استمرار أسلوب الاحتكار للمناصب وفي كل المجالات. فلن يعني سوى المزيد من التشرذم وإتاحة المجال لبقايا الفلول والمؤيِدة من قبل المجلس العسكري باعتباره أحد إفرازات ذلك النظام. لتفعل فعلها في الساحة المصرية.أيضاً فإن العالم العربي برمته يتطلع لما يجري في أرض الكنانة. فمصر هي الشقيقة الكبرى لأخواتها العربيات. وما يجري فيها بالتأكيد سيؤثر على العالم العربي إيجاباً أو سلباً.إن منظور رئيس مصر يتوجب أن يكون شاملاً وليس منطلقاً من نظرة محلية ضيقة الأفق لذا فإن مصر بحاجة إلى زعيم لا إلى رئيس فقط. وبصراحة فإن التجربة الناصرية شكّلت فيما مضى قاسماً مشتركاً لكل الجماهير العربية من المحيط إلى الخليج.لذا فإن المرشح الممثل لهذه التجربة عدا عن نجاحاته المضمونة في مصر. فإنه سينجح أيضاً على الصعيد العربي.ندرك أن لا أحد سيكون نسخة كربونية عن الزعيم عبدالناصر لكن أدنى شروط الوفاء للتجربة من قبل الذي سيحملها،ستؤهله للنجاح مصرياً وعربياً وربما على صعيد الدول النامية أيضاً.
فيما يتعلق بتونس،ورغم التقدم في الرؤيا وصوابيتها والتي قدمها حزب النهضة بتغليبه التحالف مع قوى المعارضة الأخرى على مصالحه الذاتية. من حيث تسليم منصب الرئاسة لعضو في حزب وطني آخر،إلا أن طبيعة الأحداث بعد استقرار أمور تونس تميل إلى محاولة فرض وجهات نظر حزب النهضة على الحياة الاجتماعية في تونس: من حيث التكفير الديني لبعض المظاهر. عدا عن اشتباكات تقوم بين الفينة والأخرى بين المعارضة وقوى الأمن، إضافة إلى تسليم الحكومة (النهضوية) للمحمودي رئيس الوزراء الليبي إبان الحقبة القذافية. إلى ليبيا. بعيدا عن علم الرئيس المنصف المرزوقي وما ستثيره هذه الخطوة من خلافات داخلية. وبصراحة هي خطوة أقرب إلى الغدر منها إلى أي شيء آخر. هذا إلى جانب أن معظم أجهزة الدولة والكثير من المناصب في الدولة ظلت على ما هي عليه في أيام الرئيس المخلوع بن علي.تظل التجربة التونسية هي الأكثر استقراراً في بلدان الربيع العربي.
على الصعيد الليبي،فإن حالة من الانفلات الأمني والاشتباكات شبه اليومية بين قطاعات واتجاهات مختلفة هي التي تسود إضافة إلى الاختطاف والقتل والاعتقالات.تدخل قوات الناتو في ليبيا حسم الأمر باتجاه انتصار المعارضة،التدخل لم يكن بلا ثمن،فالنفط الليبي تقاسمته دول الناتو.أما تبعات التدخل فانظر إلى كل الذي نراه.... إضافة إلى ذلك،فإن العديد من الاتجاهات الانفصالية ظهرت في ليبيا وسط خشية حقيقية من أن يتمظهر ذلك خطوات على صعيد الواقع. باختصار: فإن ليبيا بحاجة إلى وقت طويل على طريق استقرار الأوضاع فيها.
يمنياً: فإن الرئيس الجديد هو من إفرازات النظام السابق.صحيح أن الحراك الجماهيري قد خفّت حدته،لكن من زاوية أخرى،فإن الحرب مع القاعدة تتطور يوماً بعد يوم.هذا إلى جانب ما لمسناه قبل أحداث الربيع العربي من اتجاهات انفصالية في الجنوب.هذه لم تنته ولن تنته إلا بتطبيق ديمقراطي حقيقي،ومساواة كاملة بين اليمنيين في الشمال أو الجنوب.كذلك فإن الأزمة الاقتصادية في اليمن تتعمق يوماً بعد يوم. سواء في انخفاض قيمة العملة أو في ارتفاع الأسعار أو زيادة المديونية.
على الصعيد السوري فإن جاز لنا إطلاق كلمة"ربيع" سوريا على ما حدث ويحدث فيها،فإن الأزمة سائرة باتجاه اشتباكات يومية بين الجيش السوري وقوات الجيش الحر،وثمنها:المزيد من الضحايا بين السوريين.هذا وسط صعوبة كبيرة في استطاعة إحدى القوتين حسم الأمر لصالحها.المعارضة الداخلية ضد تجييش الحركة الاحتجاجية،أما الخارجية فتدعو إلى التسليح وهي منقسمة إلى اتجاهات عديدة وكلها يدعو إلى التدخل الخارجي وتكرار النموذج الليبي سواء بقصف قوات النظام أو بإيجاد مناطق عازلة دون إدراك(أو ربما بإدراك مقصود) لما يعنيه التدخل الخارجي من خطر على سوريا الوطن.رئيس المجلس الوطني السوري السابق برهان غليون كان واضحاً في أحد تصريحاته السابقة في أن المعارضة(الخارجية) وفي حالة تسلمها للحكم فلن تقوم بمحاربة إسرائيل وستعدّل من علاقاتها سلبا مع إيران وحزب الله(فالمعارضة الخارجية تتهم الجانبين بمساعدة وتسليح النظام والتدخل المباشر في الشأن السوري).ما قاله غليون هو رسالة واضحة للولايات المتحدة وإسرائيل والدول الغربية عموماً.
من الواضح أن الربيع العربي هو على غير ما توقعته الجماهير العربية: من نتائج.. الآن يمكن القول: إن الربيع يعيش خريفه،بل الأصح تعبيراً يعاني محنته! .
أوباما..نتنياهو: لقاء المصالح
أعلن البيت الأبيض رسميا. أن أوباما سيلتقي نتنياهو في نيويورك. على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة بعد... اقرأ المزيد
494
| 23 سبتمبر 2016
الاحتيال والجرائم على الانترنت
يحمل التقدم التكنولوجي في وسائل الاتصال الاجتماعي. وجهين: الإيجابي. الذي يستغله المجموع. والآخر السلبي. الذي يستغله المجرمون واللصوص... اقرأ المزيد
499
| 15 سبتمبر 2016
أوهام ليبرمان وكيانه
كَسر إرادة الشعب الفلسطيني في المقاومة. كما نشر ثقافة الهزيمة في أوساطه! هذا ما حاوله ويحاوله القادة الصهاينة.... اقرأ المزيد
524
| 08 سبتمبر 2016
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
(ضاعوا عيالنا) عبارة أصبحت تقال كثيرًا في المجالس واللقاءات ومواقع التواصل يقولها الآباء والأمهات وهم يتحدثون عن أبنائهم، وهي عبارة تختصر حجم المشكلة التي نعيشها اليوم. فالأبناء لم يضيعوا منا لأنهم بعيدون عن بيوتنا واعيننا، بل المؤلم أنهم بين أيدينا، وأمام ناظرينا، ويجلسون معنا تحت سقف واحد، ومع ذلك نشعر بأنهم مختطفون منا. لقد سُلبت حرية أبنائنا، وتم السطو على أوقاتهم وتفكيرهم وسلوكهم، حتى أصبحنا نرى آثار ذلك داخل بيوتنا بأشكال كثيره: ضعف في التركيز، وضعف في الحفظ، وحالة من عدم الانتباه والإدراك لما يدور حولهم، وعصبية، وعزلة عن الأسرة، وضعف في الحوار والتواصل، حتى أصبح الجهاز في بعض البيوت المهدئ لهذا الادمان وفقده يجعل الطفل في حالة استنفار وغضب. والمؤلم أننا كأولياء أمور نشعر بالعجز وهذه حقيقه لا نكابر فيها. لقد حاولت الأسر المنع، وحاولت تحديد الساعات، وحاولت سحب الأجهزة، وحاولت الترغيب والترهيب، ولكننا أمام حرب أكبر من قدرة الأب والأم وحدهما، اصبح الواقع السباحة عكس التيار. ولذلك نسمع في كل مجلس تلك العبارة المؤلمة: (ضاعوا عيالنا). والمفارقة أننا في الماضي كنا نخاف على أبنائنا من الشارع، ومن اللعب بعيدًا عن البيت، ومن الخروج دون اذن، وكنا نطمئن عندما يعود الطفل إلى المنزل ونغلق عليه الباب، معتقدين أنه أصبح الان في المكان الأكثر أمانًا. أما اليوم فقد انقلبت المعادلة، وأصبح الخطر يدخل عليه ويأتيه وهو في بيته، بل وهو في غرفته. قد لا يخرج الطفل أو الشاب من المنزل يومًا كاملًا، وربما لا يغادر غرفته لساعات طويلة، فنظن أنه أمام أعيننا وفي أمان، بينما هو عبر هاتفه يتجول في أماكن أبعد وأخطر من الشارع الذي كنا نخاف عليه منه. يستطيع في دقائق أن يعبر حدود الوطن، وأن يدخل مجتمعات افتراضية لا نعرف عنها شيئًا، وأن يتعرف إلى أشخاص من دول وثقافات وأفكار مختلفة. وليس الخوف هنا من اختلاف الثقافات في حد ذاته، وإنما ممن قد يستغل براءة الطفل أو اندفاع الشاب، أو يستدرجه ويبتزه أو يدفعه إلى سلوكيات وأفعال خطرة، وقد يصل الأمر إلى استغلاله في جرائم أو إقناعه بتصوير أفعال مجّرمه ونشرها عبر مواقع ومنصات محظورة. وهنا يصبح الخطر أكبر، لأن الأب يكون جالسًا في الغرفة المجاورة معتقدًا أن ابنه في أمان، بينما ابنه موجود فعليًا في عالم لا يعرف الأب عنه شيئا. لقد كنا نسأل أبناءنا في الماضي: أين ذهبت؟ ومع من كنت؟ ومتى ستعود؟ أما اليوم فعلينا أن نسأل سؤالًا أصعب: أين كنت وأنت جالس معي وأمامي؟ والخطير ان العالم اليوم قد بدأ يخشى من خروج الذكاء الاصطناعي عن السيطرة، واجتمعت الدول والشركات الكبرى لمناقشة مخاطره ووضع الضوابط والحدود لقدراته، فلماذا لا نتوقف نحن أيضًا أمام ما يحدث لأطفالنا؟ وإذا كانت دول قد بدأت بالفعل في وضع قيود وضوابط على بعض البرامج والمواقع ومنصات الإنترنت بالنسبة للأطفال، فلماذا نترك الأسرة وحدها تخوض هذه الحرب؟ وهي حرب غير متكافئة. ومن هنا فإننا نطلق نداء استغاثة، وليس مجرد اقتراح، إلى الوزارات والمؤسسات والجهات المعنية في الدولة: تدخلوا قبل أن نفقد أبناءنا أكثر. نحتاج إلى آلية واضحة وحقيقية تساعد الأسرة على حماية أبنائها، وإلى قيود وضوابط على البرامج والمواقع والتطبيقات التي يصل إليها الأطفال، وإلى حلول تقنية وتشريعية ورقابية تعيد للأب والأم شيئًا من القدرة على حماية أبنائهم. فالأسرة حاولت كثيرًا، لكنها اليوم تقف بوجه تيار لا تستطيع مواجهته بمفردها. نحن لا نتحدث عن مشكلة عابرة، بل عن جيل كامل يتعرض يوميًا لسيل لا يتوقف من المقاطع والصور والألعاب والرسائل والمحتويات، يدخل إلى عقله وغرفته وبيته دون استئذان حتى منه. إنه تلوث جديد ينساب ببطء إلى فلذات أكباد هذا المجتمع، وقد لا نرى نتائجه كاملة اليوم، لكننا نرى مقدماته واضحة في بيوتنا ومدارسنا ومجالسنا. ولهذا فإن صرخة (ضاعوا عيالنا) التي تتكرر على ألسنة الآباء والأمهات يجب ألّا تبقى شكوى حبيسةً داخل المجالس بل يجب أن تصل إلى أصحاب القرار والجهات المختصة لتتدخل الدولة فالأسرة اليوم تطلب المساندة، وتطلب التدخل، وتطلب حلًا سريعًا. لأن أبناءنا ما زالوا أمام أعيننا، ولكننا نخشى أن يأتي يوم يكونون فيه أمامنا أجسادًا.. بينما عقولهم ووعيهم وحياتهم تخدم أجندة أخرى وربما عدوه.
39927
| 14 سبتمبر 2026
في عام 1997، كان السيد فيصل محمد السويدي يخوض المفاوضات مع الشركات اليابانية بصفته نائب رئيس مجلس إدارة شركة قطر للغاز. ولم يعتمد على الخبرة العملية وحدها، بل اهتم بدراسة الطريقة التي يفكر بها اليابانيون ويديرون بها مفاوضاتهم. وكان كتاب The Japanese Negotiator، للمؤلف روبرت مارش، من الكتب التي استعان بها لفهم ذلك الأسلوب. وقد أهداني نسخة منه آنذاك، كما أهدى نسخًا منه إلى آخرين. وكان، من واقع تجربته المباشرة معهم، يشرح لي أسلوب اليابانيين في التفاوض، وكيف يستعدون ويتشاورون ويتأنون قبل اتخاذ القرار. ولم يكن ذلك مجرد حديث عابر، بل كان يعكس حرصه على ألا تبقى خبرته حبيسة غرف المفاوضات، وأن ينقل ما تعلمه إلى الجيل الذي يليه. بقي هذا الكتاب معي، وبقيت معه تلك الشروح، لكن قيمته لم تكن في وصف المفاوض الياباني وحده، بل في السؤال الذي أثاره لديّ: هل يمكن الحديث، في المقابل، عن أسلوب مميز للمفاوض القطري؟ وإذا كان الياباني يدخل غرفة التفاوض مستندًا إلى الإعداد الدقيق والعمل الجماعي والصبر، فما الذي يميز المفاوض القطري؟ وما الذي يمكن أن يتعلمه كل طرف من الآخر؟ لا تعني هذه المقارنة أن كل مفاوض قطري أو ياباني يتصرف بالطريقة نفسها؛ فالأفراد والمؤسسات والظروف تختلف. ويشير الباحث بيتر بيرتون إلى أن كثيرًا من الممارسات المنسوبة إلى اليابانيين توجد بدرجات مختلفة في ثقافات أخرى، ولذلك لا ينبغي اعتبارها صفات ثابتة. يبين روبرت مارش في كتابه The Japanese Negotiator، ويشرح كازو نيشياما في كتابه Doing Business with Japan، أن الاجتماع الرسمي ليس دائمًا المكان الذي يُصنع فيه القرار. فكثير من العمل يتم قبله، من خلال جمع المعلومات ودراسة المخاطر والتشاور بين الإدارات، وصولًا إلى قدر واسع من التوافق داخل المؤسسة. ولذلك قد يبدو المفاوض الياباني بطيئًا أو متحفظًا، بينما هو يتأكد من أن مؤسسته تستطيع الوقوف خلف القرار. ولا يتعامل أعضاء الفريق الياباني عادةً مع المفاوضات باعتبارها مناسبة لإظهار المهارات الفردية. وقد لا يكون أكثرهم حديثًا هو صاحب القرار، كما أن الصمت لا يعني بالضرورة الرفض، والتأخر في الإجابة لا يدل دائمًا على عدم الاهتمام. فقد يكون المطلوب مزيدًا من التشاور الداخلي قبل تقديم موقف تستطيع المؤسسة الالتزام به. وتقدم مفاوضات الغاز بين قطر واليابان مثالًا عمليًا على ذلك. ففي أواخر الثمانينيات كانت قطر تمتلك احتياطيات هائلة من الغاز، لكنها لم تكن قد بنت بعد سجلًا في تصدير الغاز الطبيعي المسال. وكان نجاح المشروع يتطلب مشتريًا رئيسيًا يلتزم بكميات كبيرة ولفترة طويلة، بما يمنحه الأساس التجاري اللازم لجذب الشركاء والتمويل. ويروي مايكل توسياني وآن ماري جونسون، في كتابهما From Black Gold to Frozen Gas، تفاصيل الطريق الصعب الذي سبق انطلاق أول مشروع قطري للغاز الطبيعي المسال، والدور الذي أدته السوق اليابانية في توفير الركيزة التجارية اللازمة لانطلاقه. وفي عام 1991 وقّعت شركة تشوبو اليابانية خطاب نوايا لشراء أربعة ملايين طن سنويًا لمدة خمسة وعشرين عامًا، رغم ظروف حرب الخليج. ولكن عندما انسحبت شركة BP من المشروع، أثار ذلك مخاوف اليابانيين، وأعادوا تقييم المخاطر، فتأجل توقيع العقد النهائي. وبعد استمرار الاتصالات ومعالجة المخاوف، وُقّع العقد عام 1992، ووصلت أول شحنة من الغاز القطري إلى اليابان في يناير 1997. تكشف هذه القصة أن الجانب الياباني في تلك المفاوضات لم يمنح ثقته بسهولة، لكنه عندما اطمأن إلى قدرة المشروع، التزم بعلاقة امتدت لعقود. كما تكشف جانبًا من التجربة القطرية؛ فلم يكن الفريق القطري يفاوض على سعر الغاز وشروط توريده فقط، بل كان مطالبًا ببناء الثقة في قدرة قطر، التي لم يسبق لها حينذاك تصدير الغاز المسال، على إنجاز مشروع ضخم والوفاء بالتزامات تمتد لعقود. وهنا يظهر اختلاف مهم بين المدرستين: المفاوض الياباني يصنع جزءًا كبيرًا من القرار قبل دخول غرفة التفاوض، عبر الدراسة والتشاور الداخلي، بينما ظهرت قوة الفريق القطري في هذه التجربة داخل عملية التفاوض، من خلال سرعة التواصل وبناء العلاقة وفهم مخاوف الطرف الآخر والبحث عن حلول تحفظ مصالح الطرفين. ومن الناحية العملية، نتعلم من التجربة اليابانية أن الاستعداد لا يقتصر على معرفة السعر والشروط، بل يبدأ بفهم الطريقة التي يتخذ بها الطرف الآخر قراره: من أصحاب التأثير داخل مؤسسته؟ ومن يملك الموافقة النهائية؟ وما المعلومات التي يحتاج إليها ليقنع زملاءه؟ وما المخاطر التي يخشى أن يتحمل مسؤوليتها لاحقًا؟ قد ننجح في إقناع الجالس أمامنا، لكن الصفقة تتعثر لأنه لم يستطع إقناع مؤسسته. فالمفاوض الجيد يسير في مسارين متوازيين: يفاوض الشخص الجالس أمامه، ويساعده في الوقت نفسه على بناء الحجة التي يحتاج إليها لإقناع مؤسسته. وفي المقابل، تكشف التجربة القطرية عن قيمة سرعة التواصل، وبناء القنوات المباشرة، والقدرة على التكيف مع الظروف المتغيرة. فالنجاح ليس في اختيار أحد الأسلوبين ورفض الآخر، بل في الجمع بين دقة الإعداد وسرعة الاستجابة. وتعيدنا تجربة فيصل السويدي إلى درس إداري مهم: فالمعرفة التي تتكون خلال المفاوضات الكبرى يجب ألا تغادر المؤسسة مع أصحابها، بل يجب أن تتحول إلى دراسات حالة وأدلة عمل وبرامج تدريب يستفيد منها المفاوضون الجدد، بدل أن يبدأ كل جيل من الصفر. وقد تجددت الشراكة في فبراير 2026، عندما وقّعت قطر للطاقة وشركة JERA اليابانية للطاقة عقدًا لتوريد ثلاثة ملايين طن من الغاز الطبيعي المسال سنويًا لمدة سبعة وعشرين عامًا، ابتداءً من عام 2028. وبعد أكثر من ثلاثة عقود على الاتفاق الأول، دخلت العلاقة مرحلة جديدة من الالتزام طويل الأجل. إن أهم ما تعلمناه من هذه التجربة ليس أن المفاوض القطري يجب أن يصبح يابانيًا، بل أن التفاوض الناجح يبدأ قبل الجلوس إلى الطاولة: بدراسة الطرف الآخر، وفهم طريقة اتخاذ القرار داخل مؤسسته، والاستعداد لمخاوفه قبل أن يعبّر عنها. أما الدرس الأهم لمؤسساتنا، فهو ألا تبقى خبرات المفاوضين الكبار حبيسة الذاكرة أو غرف الاجتماعات، بل يجب أن تتحول إلى معرفة موثقة تنتقل من جيل إلى آخر. فالصفقة الجيدة تحقق مكسبًا اليوم، أما المعرفة المتراكمة فتصنع مفاوضين قادرين على تحقيق المكاسب لسنوات طويلة.
7095
| 15 سبتمبر 2026
لم تعد أزمة مضيق هرمز حدثاً سياسياً أو عسكرياً بعيداً عن حياة الناس، فقد امتد أثرها إلى حركة السفن وتكاليف الشحن والتأمين وسرعة وصول البضائع إلى دول المنطقة. ومع استمرار الاضطراب، ارتفعت أسعار بعض السلع، وقد يمتد الارتفاع إلى سلع أخرى إذا طالت الأزمة. وجانب من هذا الغلاء له أسباب حقيقية، فعبور السفن في منطقة عالية المخاطر يرفع أقساط التأمين، وقد يدفع شركات الشحن إلى فرض رسوم إضافية. كما أن تأخر وصول البضائع يزيد تكاليف التخزين والتمويل، وقد يضطر المستورد إلى استخدام طريق أطول أو وسيلة نقل أكثر كلفة حتى يحافظ على توافر السلعة. لكن ارتفاع هذه التكاليف لا يعني أن تصبح أزمة هرمز مبرراً مفتوحاً لزيادة أسعار جميع السلع وبأي نسبة. فليست كل السلع تمر بالطريق نفسه، ولا تمثل كلفة الشحن النسبة ذاتها من سعر كل سلعة. كما أن بعض البضائع المعروضة حالياً وصلت إلى قطر قبل ارتفاع تكاليف النقل والتأمين. ومن هنا يظهر ما يمكن تسميته «غلاء هرمز»، أي الزيادة التي فرضتها الأزمة فعلاً. غير أن هناك فرقاً بين هذه الزيادة الحقيقية وبين استغلال الظروف لرفع الأسعار بما يتجاوز ارتفاع التكلفة. فقد يسارع بعض التجار إلى رفع الأسعار بنسب تتجاوز الزيادة الفعلية أو المتوقعة في تكلفة استبدال المخزون، أو يرفعون أسعار سلع لم تتأثر مباشرة، مستفيدين من توقع المستهلك أن كل شيء سيصبح أغلى. ولا يعني ذلك اتهام التجار والمستوردين عموماً؛ فكثير منهم يواجهون ظروفاً صعبة ويحاولون المحافظة على تدفق البضائع رغم ارتفاع المخاطر. لكن حماية التاجر الجاد لا تتعارض مع مساءلة من يستغل الأزمة لتوسيع هامش ربحه. والفاصل بين الحالتين هو قدرة التاجر على إثبات مقدار الزيادة التي تحملها فعلاً. وقد تحركت الجهات المختصة في قطر مبكراً لمواجهة آثار الأزمة. فدعت غرفة قطر، بالتعاون مع الهيئة العامة للجمارك، شركات الشحن والنقل إلى استخدام المسار البري عبر المملكة العربية السعودية ونظام النقل الدولي البري «TIR»، مع تخصيص مسار سريع وتسريع التخليص من خلال نظام النديب الإلكتروني. وفي الوقت نفسه، كثفت وزارة التجارة والصناعة رقابتها على الأسواق، فنفذت بين 28 فبراير و22 مارس 2026 نحو 50 ألف جولة تفتيشية طارئة، وضبطت منشآت مخالفة وأغلقت منشأتين، في رسالة واضحة بأن ارتفاع التكلفة لا يمنح أحداً الحق في استغلال الأزمة. كما تمتلك قطر قاعدة بيانات للأسعار، بعد إلزام المنشآت التجارية والصناعية بتسجيل أسعار السلع والخدمات وتحديثها إلكترونياً. وهناك أيضاً سلع وخدمات لا يجوز رفع أسعارها من دون موافقة الجهة المختصة. وبذلك تتوافر أدوات لمقارنة الأسعار قبل الأزمة وبعدها، وربط أي زيادة بفواتير الاستيراد والشحن والتأمين. إلا أن استمرار الأزمة يتطلب البناء على هذه الإجراءات، والانتقال من الاستجابة العاجلة إلى خطة أطول مدى. وينبغي أن تسير هذه الخطة في اتجاهين متوازيين: منع استغلال الأزمة داخل السوق، وخفض تكلفة وصول البضائع إلى قطر عبر الطرق البديلة. ففتح الطريق البري خطوة مهمة، لكن نجاحه لا يقاس بوصول البضاعة فقط، بل بالتكلفة التي تصل بها. فإذا كانت كلفة الطريق البديل مرتفعة جداً، فسيدفع المستهلك ثمنها في النهاية. لذلك من المهم مقارنة تكاليف الاستيراد عبر المسارات المختلفة، واختيار الطريق الأنسب لكل نوع من السلع. ومن المهم أيضاً منح الأولوية في النقل والتخليص للغذاء والدواء والسلع الأساسية، وتقليل فترات انتظار الشاحنات عند المنافذ؛ لأن كل يوم إضافي يرفع تكاليف النقل والتبريد والتخزين. ويمكن دراسة تخفيف بعض الرسوم مؤقتاً، متى ثبت أن ذلك سينعكس على السعر النهائي، لا أن يتحول إلى زيادة في هامش الربح. أما داخل السوق، فينبغي أن تركز الرقابة على العلاقة بين ارتفاع التكلفة وارتفاع سعر البيع. فإذا أثبت المستورد أن تكلفة وصول سلعة معينة ارتفعت بنسبة محددة، فمن الطبيعي أن ينعكس جزء من ذلك على سعرها. أما إذا ارتفع السعر بنسبة أكبر كثيراً، فمن حق الجهة الرقابية أن تطلب تفسير الفارق. وفي المقابل، يجب الحذر من تثبيت جميع الأسعار بصورة جامدة؛ لأن إجبار المستورد على البيع بأقل من تكلفته قد يدفعه إلى تقليل الاستيراد، فتتحول مشكلة الغلاء إلى نقص في السلع. فالرقابة الناجحة تقبل الزيادة المبررة، وتكبح الزيادة التي تستغل الأزمة، وتحافظ في الوقت نفسه على استمرار الإمدادات. لقد أثبتت قطر في أزمات سابقة قدرتها على تنويع مصادر الاستيراد وبناء مخزون إستراتيجي والمحافظة على استقرار الأسواق. والمطلوب اليوم هو تطوير الإجراءات الحالية إلى خطة مستمرة لطرق استيراد بديلة ذات تكلفة مقبولة، مع رقابة تمنع استخدام اسم هرمز لفرض زيادات لا تبررها الأرقام. إن مواجهة «غلاء هرمز» تقوم على مسارين لا ينفصلان: تسهيل وصول البضائع إلى قطر بأقل تكلفة ممكنة، ومنع تضخيم هذه التكلفة عندما تنتقل إلى المستهلك. وبهذا التوازن يمكن حماية المستهلك، ومساندة التاجر الجاد، والمحافظة على استقرار السوق في وقت واحد.
5370
| 13 سبتمبر 2026