رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
- أصبحت المؤسسات المالية الإسلامية حقيقة واقعة وامتد نشاطها إلى معظم أنحاء العالم وعرفت تطورا هائلا من حيث وجودها الكمي ونتائجها المالية وإنجازاتها المحققة وتنامي الاعتراف بها على المستويين المحلي والدولي، فانضمت كثير من المؤسسات المالية التقليدية لتقديم الخدمات المالية الإسلامية واتجه عدد من المؤسسات التقليدية للتحول الكامل إلى إسلامية، وأقرت الهيئات والمنظمات المالية الدولية بصلاحية النموذج الإسلامي للتطبيق وبادرت البنوك المركزية في الدول الإسلامية باستقطاب الصناعة المالية الإسلامية واحتضانها وازداد التنافس بين الدول لتكون مركزا ماليا واقتصاديا إسلاميا.. وهكذا أصبحت الصناعة المالية الإسلامية مثالا يحتذى به وصناعة مالية متكاملة لها فلسفتها ومنهجها ومنتجاتها ومعاييرها، وأصبحت جزءا لا يتجزأ من المنظومة المالية العالمية.
- وعلى الرغم مما شهدته الصناعية المالية الإسلامية في السنوات الأخيرة من تطور وابتكار سواء أكان على صعيد المنتجات أو الخدمات وغيرها إلا أنها تتطلب لأنظمة الحفاظ والحماية والتعرف على المخاطر والتحديات التي تواجها والتغلب عليها فالمخاطر جزء لا يتجزأ من النشاط الاقتصادي ككل وجوهر أي عمل استثماري (إسلامي - تجاري) على حد سواء خصوصا نظام العمل المالي الإسلامي فهو أكثر إلحاحا مقارنة بالأنظمة الأخرى، والأساس الذي تقوم عليه هذه المؤسسات من مصداقية وكفاءة شرعية للأدوات والمنتجات ومن محدداتها طبيعة المخاطر المصاحبة للخدمات والصيغ المقدمة وارتباطها بها والتي تتمثل في غياب أدوات لإدارة المخاطر التي تفي بالمتطلبات الشرعية وتحقيق الكفاءة الاقتصادية المطلوبة معا، وهو ما دفعها أخيرا لإيجاد مناهج ذات أدوت ووسائل متنوعة للحد من تلك المخاطر والتغلب عليها لتطوير آليات النموذج المقترح لقياس المخاطر كأداة للمحاسبة الإدارية والرقابة والمتابعة يمكن استخدامها من قبل إدارة الرقابة على المؤسسات من قبل البنوك المركزية والإدارة المعنية بالمخاطر للمساهمة في تطوير وابتكار منتجات مالية إسلامية جديدة وفق أربعة مفاهيم توضيحية:
الأول: المخاطر(Risks)
قسم بعض الاقتصاديين تعريف المخاطر إلى (المخاطر العامة) وهي إحدى صور تعرض المؤسسة لخسائر غير متوقعة أو مخططة في أنشطتها الاستثمارية المختلفة مع عدم التأكد من الحصول على العائد أو قيمته أو وقته أو انتظام تدفقه والآخر (المخاطر الشرعية) فهي احتمالية وقوع ضرر من الناحية الشرعية في التصرفات التنفيذية أو المنتجات أو العقود الخاصة بهذه المنتجات المالية المقدمة للمجتمع (فرد - مؤسسة - حكومة).
الثاني: إدارة المخاطر(RiskManagement)
تمثل إدارة المخاطر منهجا لأسلوب علمي حديث للتعامل مع المخاطر عن طريق توقع الخسائر المحتملة من خلال تصميم مدخل إجراءات التنفيذ للتقليل من إمكانية حدوث الخسائر أو على الأقل الآثار المترتبة عليها وفي حدودها الدنيا.
-مع ملاحظة أن موقف إدارة المخاطر قد لا يكون مانعا للخطر أو متجها له لكن بنفس الوقت لابد من تحديد المخاطر الرئيسية التي تتعرض لها أنشطة واستثمارات المؤسسة وفهم مستوى المخاطر التي يمكن أن تتقبلها وتتحمل نتائجها من خلال إستراتيجية واضحة وتطوير دائم لأدوات وأساليب سابقة لتعيين الخطر كمنهج لإدارة المخاطر الناجحة في فن الهندسة المالية الإسلامية.
الثالث: التطبيقات الحديثة لإستراتيجيات إدارة المخاطر Styles) (RiskManagement
-لا تخرج هذه التطبيقات من كونها صور محاكاة أو تقليدا للأساليب التجارية بالإضافة لتصميم الأدوات المناسبة وفقا لاحتياجات الصناعة المالية الإسلامية من منتجات وأدوات التحوط وإدارة المخاطر وتشمل ثلاثة أساليب معاصرة:
أسلوب تجنب المخاطر (Avoiding Risk Style)
وفيه تتجنب المؤسسة القيام بالأنشطة الائتمانية مرتفعة المخاطر أو الاستثمار بالأوراق المالية طويلة الأجل والتعرض لمخاطر أسعار الفائدة.
أسلوب تقليل المخاطر (Reducing Risk Style)
يشمل هذا الأسلوب تخفيض التعرض للمخاطر من خلال قيام إدارة المخاطر بإجراءات الضبط والرقابة لعمليات الائتمان واكتشاف مشاكل التوقف عن السداد مبكرا باستخدام سياسة إدارة الأصول والخصوم (Assets&Liabilities Management) لتقليل مخاطر أسعار الفائدة.
أسلوب تحويل المخاطر (Transferring Risk Style) يشمل نقل المخاطر وتحويلها إلى طرف آخر (شركات التأمين مثلا) مقابل سداد قيمة له لتحمله هذه المخاطر نيابة عن المؤسسة.
الرابع: المنهج الإسلامي في إدارة المخاطر
تحتاج الصناعة المالية الإسلامية على مستوى القضايا المتعلقة بإدارة المخاطر إلى منهج تطوير نظم أكثر صرامة من أجل (تحديد - قياس - متابعة –مراقبة) فئات المخاطر ذات الصلة بمنتجاتها وخدماتها، لمواجهة غياب أدوات إدارة المخاطر وزيادة حجمها وحدتها وسرعة انتقالها وتكرارها وعولمة الأسواق المالية والوفاء بمتطلبات وشروط لجنة بازل (2) سواء من جانب رأس المال أو منهج واضح لإدارة المخاطر له أصول ومبادئ يعتمد عليه ذلك لأن طبيعة عمل وخصائص المنتجات المالية الإسلامية يتطلب تحليل عميق للتعرف على أنواع المخاطر(العامة - الخاصة) التي تتعرض لها بصفة مشتركة مع المنتجات التقليدية، بالإضافة إلى ضرورة التعرف على المخاطر المتميزة التي تنفرد بها صناعة الخدمات المالية الإسلامية والاهتمام بالبحث عن كيفية مواجهة تلك المخاطر والتقليل منها ومعالجتها وذلك في ضوء الالتزام بقواعد ومبادئ الشريعة الإسلامية ومن دوافع الالتزام بهذا المنهج للتحوط وإدارة المخاطر ما يلي:
القطاع المالي والاقتصادي أكثر القطاعات تعاملا مع المخاطر وازدهاره وكفاءة عمله شرطا أساسيا للتقدم الاقتصادي وبالتالي زيادة الوعي بأهمية السلامة للمؤسسات المالية يعمل على استقرار النظام المالي والاقتصادي ككل من دعم وتطوير الاقتصاد القومي ولا يتحقق ذلك إلا من خلال إطار سليم لإدارة المخاطر.
اعتماد المؤسسات المالية الإسلامية على منهج واضح لإدارة المخاطر للأساليب القائمة على أساس المشاركة بالأرباح والخسائر باستخدام الصيغ التمويلية القصيرة الأجل لأنها أقل مخاطرة مما يؤدي لانحرافها عن مسيرة تحقيق أهداف التنمية الاقتصادية والاجتماعية باستخدام التمويلات طويلة الأجل ذات المخاطر العالية.
الفجوة بين نمو وتطور الصناعة المالية الإسلامية وعدم توافر أساليب الحد من المخاطر وتأخير
مشتقات التحوط ضدها مما أسهم بشكل فعال في انسحاب المؤسسات المالية من المعاملات المالية ذات المخاطر المرتفعة مثل (المشاركة - المضاربة) والاعتماد على الصيغ التمويلية ذات العائد المضمون والمخاطر المنخفضة (كالمرابحة).
المنهج الإسلامي للتحوط وإدارة المخاطر يشتمل على مجموعة من الدراسات والتقييمات لقياس وتسعير المخاطر بالأدوات المالية الإسلامية قبل تسويقها وتنفيذها وحتى لا تظل هذه المشتقات والآليات هامشية ومحدودة الاستخدام مع بالدفع قدما للتطوير والابتكار الإسلامي الأصيل.
محدودية الصيغ والأدوات الاستثمارية بالمؤسسات المالية والتي تستخدم للتحوط وإدارة المخاطر نظرا لأهمية الوفاء بالمتطلبات الشرعية والضغوط الخارجية فيما يتعلق بشروط لجنة "بازل"، ومجموعة المبادئ التي تحدد الممارسات السليمة المتعلقة بالمخاطر لبنود (رأس المال - الائتمان - السيولة - التشغيل - السوق).
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هذه المرة سأتكلم عن تجربتي وجزء من حياتي، وليس في هذا حرج، فالكاتب يحتاج في بعض الأحيان أن يتكلم عما شاهده، أو ربما عن موقف عاشه وكان شاهدًا عليه، لأن الحديث عن العلاج في الخارج لم يعد مجرد نقاش صحي، بل أصبح قضية تنموية واقتصادية واجتماعية تستحق أن تتوقف عندها كل دولة تطمح إلى بناء منظومة صحية مستدامة. فكيف بدولة كدولة قطر التي ضربت للعالم المتقدم أروع الأمثلة في الجودة الصحية، والبنية التحتية، والدعم اللامحدود؟ وحين تضطر الدولة إلى إرسال آلاف المرضى سنويًا إلى الخارج، فإنها لا تتحمل فقط تكاليف العلاج الباهظة، بل تتحمل معها سلسلة طويلة من الأعباء المالية والإنسانية التي قد لا تظهر في التقارير والأرقام. سافرت مع ابنتي مريم إلى ألمانيا على نفقة الدولة عام 2017، ورأيت كم تنفق قطر من مبالغ طائلة حفاظًا على صحة مواطنيها، وهذه حسنة لا نستطيع رد جميلها مهما فعلنا، فكيف بالحسنات الكثيرة التي أودعتها الدولة في رصيد كل مواطن، ليصبح مدينًا لهذا الوطن مع كل نفس يتنفسه. وها أنا اليوم أعيد التجربة مرة أخرى، آخذ ابنتي مريم، البالغة من العمر 19 عامًا، وشقيقتها البالغة من العمر خمس سنوات، في رحلة علاج جديدة، ولكن هذه المرة على نفقتي الخاصة وذلك حياءً من أن أطلب لهما علاجًا على نفقة الدولة التي ميزتنا بين الأمم وجعلتنا أغنى الشعوب وأعزها وأكرمها. والأمر الأهم، من وجهة نظري، أن تكلفة العلاج في الخارج ليست هي الفاتورة الوحيدة، فهناك تذاكر السفر، والإقامة الطويلة، والمخصصات اليومية، والرواتب اليومية والشهرية التي لا تتوقف للموظف أثناء إجازة مرافقته لمريضه، وكذلك تكاليف التنقل، والعقود مع المستشفيات الخارجية، فضلًا عن ارتفاع أسعار الخدمات التي تقدمها بعض المراكز الطبية للدول المقتدرة ماليًا، كدولة قطر، إضافة إلى إشغال الملاحق الدبلوماسية والسفارات في تلك الدول بمتابعة هذه الملفات. ومع مرور السنوات تتحول هذه المصروفات إلى مليارات يمكن أن تبني صروحًا طبية متقدمة داخل الوطن، تخدم الأجيال لعقود طويلة، بدلًا من أن تذهب إلى اقتصادات دول أخرى. ولا تتوقف الخسائر عند الجانب المالي، فالموظف الذي يسافر للعلاج يغيب عن عمله شهوراً، وبعضهم ليس موظفًا عاديًا، بل عمود ترتكز عليه جهة عمله، وربما يضطر رب الأسرة إلى ترك عمله أو استنزاف رصيد إجازاته لمرافقة المريض، بينما يبقى الأبناء بعيدين عن أحد والديهم أو كليهما، فتتوزع الأسرة بين بلدين، ويعيش الجميع ضغوطًا نفسية واجتماعية لا تعوضها أي مخصصات مالية. إن المرض في حد ذاته ابتلاء، فكيف إذا أضيفت إليه الغربة، والبعد عن الأهل، واختلاف اللغة والثقافة، وصعوبة التأقلم مع بيئة جديدة؟ إن الاستثمار الحقيقي لا يكون فقط في علاج المرض، بل في بناء القدرة الوطنية على العلاج. فوجود مركز وطني متكامل ومتقدم للعلاج الطبيعي وإعادة التأهيل، مثلًا، مجهز بأحدث التقنيات، ويستقطب أفضل الكفاءات العالمية، ويفتح كذلك المجال أمام أبناء الوطن لدراسة مهنة مهمة وأساسية في كل المجتمعات، ليس مشروعًا صحيًا فحسب، بل مشروع اقتصادي وإستراتيجي واجتماعي. فهو يقلل الإنفاق المستمر على العلاج الخارجي، ويوفر على الأسر عناء السفر، ويحافظ على استقرار الموظفين في أعمالهم، ويخلق فرص عمل جديدة، ويمنح المرضى فرصة التعافي بين أسرهم وفي مجتمعهم، في بيئة أسرع للتشافي، وهي عوامل أثبتت الدراسات أنها تسهم في تحسين النتائج العلاجية. كما أن مثل هذه المراكز لا تخدم المواطنين وحدهم، بل يمكن أن تتحول مع مرور الوقت إلى وجهة علاجية إقليمية تستقبل المرضى من الدول المجاورة، فتسهم في تنويع الاقتصاد، وتوفر فرص عمل للكوادر الوطنية، وتنقل الخبرات الطبية إلى الداخل بدلًا من استيرادها بصورة مؤقتة. فكل ريال يُستثمر في بنية صحية متقدمة هو استثمار يعود بالنفع سنوات طويلة، بينما يبقى الإنفاق على العلاج الخارجي مصروفًا متكررًا ينتهي بانتهاء كل حالة. ولا يعني ذلك الاستغناء الكامل عن العلاج في الخارج، فهناك حالات نادرة ودقيقة تستلزم مراكز عالمية متخصصة، وهذا أمر طبيعي في جميع دول العالم. لكن ينبغي أن تكون الأولوية لبناء منظومة وطنية قادرة على استيعاب معظم الحالات التي يمكن علاجها بكفاءة داخل البلاد. إن الدول العظيمة لا تُقاس بحجم ما تنفقه خارج حدودها، بل بما تبنيه داخلها، وهذه ركيزة من ركائز الرؤية الوطنية في الاستثمار في العنصر البشري. فالمستشفى المتكامل الذي يُشيد اليوم سيبقى يخدم الوطن عشرات السنين، وسيختصر معاناة آلاف الأسر، ويحفظ المال العام، ويعزز الأمن الصحي، ويجسد رؤية تؤمن بأن الإنسان هو أغلى ثروة، وأن الاستثمار في صحته داخل وطنه هو الاستثمار الأكثر حكمة، والأطول أثرًا، والأعمق مردودًا على المجتمع والدولة.
7635
| 27 يوليو 2026
هل أنت آمن اقتصاديًا؟ سبعة مؤشرات تكشف مستوى أمنك الاقتصادي اعتدنا أن نسمع عن الأمن الاقتصادي للدول، وأن نقرأ عن خطط الحكومات لحماية اقتصاداتها من الأزمات، لكننا نادرًا ما نتحدث عن الأمن الاقتصادي للأفراد. ومع أن الإنسان هو أول من يتأثر بأي أزمة اقتصادية، فإن كثيرًا منا لا يراجع وضعه المالي إلا عندما يواجه مشكلة، وليس قبلها. الشركات تراجع نتائجها المالية كل عام، والمؤسسات تقيس أداءها بصورة مستمرة، وحتى الإنسان يحرص على إجراء فحص طبي دوري للاطمئنان على صحته. لكن كم شخصًا يخصص نصف ساعة في السنة ليجري فحصًا اقتصاديًا لوضعه المالي؟ ورغم أن معظم الناس يحرصون على متابعة دخلهم ومدخراتهم، فإن القليل منهم يمتلك وسيلة بسيطة تقيس مدى جاهزيته لمواجهة تغيرات الحياة. فكثير من القرارات المالية تُتخذ بصورة يومية، لكن نادرًا ما نتوقف لنسأل أنفسنا سؤالًا واحدًا: هل وضعنا الاقتصادي قادر على الصمود إذا تبدلت الظروف؟ ولهذا أقترح أن يجري كل شخص فحصًا اقتصاديًا سنويًا لا يستغرق أكثر من نصف ساعة، يعتمد على مجموعة من المؤشرات البسيطة التي تكشف مواطن القوة والضعف قبل أن تتحول إلى مشكلات حقيقية. أول هذه المؤشرات هو الاحتياطي النقدي. فإذا توقف دخلك اليوم، إلى متى تستطيع تغطية نفقاتك الأساسية؟ إذا كانت الإجابة أقل من ثلاثة أشهر، فقد تكون الأولوية هي بناء احتياطي للطوارئ قبل البحث عن أي استثمار جديد. فالسيولة ليست مالًا معطلًا، بل وسيلة تمنح صاحبها الوقت لاتخاذ قرارات هادئة عندما تتغير الظروف. ويأتي بعد ذلك تنوع مصادر الدخل. فالاعتماد الكامل على وظيفة واحدة أو نشاط واحد يعني أن استقرارك المالي مرتبط بجهة واحدة. وليس المقصود أن يتحول الجميع إلى رجال أعمال، وإنما أن يعمل كل شخص، تدريجيًا، على بناء مصدر دخل إضافي يتناسب مع خبرته وظروفه، لأن تنوع مصادر الدخل يقلل المخاطر قبل أن يزيد الإيرادات. ويأتي بعد ذلك توزيع الاستثمارات. فكثير من المستثمرين يعتقدون أنهم نوّعوا محافظهم، بينما تكون جميع استثماراتهم مرتبطة بقطاع واحد أو سوق واحدة. والتنويع الحقيقي لا يمنع الخسائر، لكنه يمنع أن تتحول خسارة واحدة إلى أزمة مالية. ولا تقل المهارات أهمية عن الأموال المستثمرة، بل قد تكون أكثر قيمة على المدى الطويل. فالمهارات هي الأصل الذي يولد الدخل، وقيمتها تتغير باستمرار مع تطور التكنولوجيا واحتياجات سوق العمل. وما كان يمنح صاحبه ميزة قبل سنوات قد لا يكون كافيًا اليوم. لذلك من المفيد أن يراجع كل شخص مهاراته مرة كل عام، وأن يحدد مهارة واحدة على الأقل يطورها، لأن الاستثمار في الذات غالبًا ما يكون أعلى عائدًا من كثير من الاستثمارات المالية. كما تستحق الالتزامات المالية مراجعة صادقة. فهناك فرق كبير بين دين يساعد على تكوين أصل منتج، ودين يمول استهلاكًا ينتهي أثره سريعًا. وكلما انخفضت الالتزامات غير الضرورية، ازدادت قدرة الإنسان على الادخار والاستثمار، وأصبحت قراراته المالية أكثر حرية. ومن المهم أيضًا أن تتحول مراجعة الأرقام إلى عادة سنوية. فصافي الثروة، ونسبة الادخار، وحجم احتياطي الطوارئ، وتوزيع الاستثمارات، وعدد مصادر الدخل، كلها مؤشرات تستحق أن تُراجع بانتظام. فما لا يُقاس لا يمكن تطويره، وما لا يُراجع يتآكل بصمت. ويبقى المؤشر الأخير هو وجود رؤية واضحة للمستقبل. ليست خطة معقدة، بل أهداف محددة للسنوات الخمس القادمة: ما حجم الاحتياطي الذي أريد الوصول إليه؟ وما مصدر الدخل الذي أسعى إلى بنائه؟ وما المهارة التي سأكتسبها؟ عندما تكون هذه الأهداف مكتوبة، تصبح القرارات اليومية أكثر اتساقًا مع المستقبل الذي نطمح إليه. هذه المؤشرات لا تقدم ضمانة ضد الأزمات، لكنها تمنح الإنسان فرصة لاكتشاف نقاط الضعف مبكرًا ومعالجتها قبل أن تتحول إلى أزمة. وهذا هو جوهر الأمن الاقتصادي؛ الاستعداد قبل وقوع المشكلة، لا البحث عن الحلول بعدها. لقد حان الوقت لأن يصبح لكل واحد منا، إلى جانب الفحص الطبي السنوي، فحصٌ اقتصادي سنوي يراجع فيه احتياطه النقدي، ومصادر دخله، واستثماراته، ومهاراته، والتزاماته، وخطته للمستقبل. فالدول لا تنتظر الأزمات حتى تبني أمنها الاقتصادي، والأفراد أولى بذلك. إن الأمن الاقتصادي لا يبدأ عندما ترتفع الرواتب أو تتحسن الأسواق، بل يبدأ عندما يتحول التفكير المالي من رد فعل إلى عادة. ونصف ساعة من المراجعة الصادقة مرة كل عام قد تكون من أكثر الأوقات أثرًا في حماية مستقبل الإنسان وأسرته.
1596
| 26 يوليو 2026
الله يرحم أيام المحكمة الشرعية، حين كانت القضايا تُعرض على القضاة فيستمعون إلى الخصوم مباشرة، ويفهمون أصل الخلاف، ثم يفصلون فيه بعد جلسة أو جلستين، من دون هذا الامتداد الطويل الذي نراه اليوم. نتذكر بكل تقدير أصحاب الفضيلة من قضاة المحاكم الشرعية في قطر: الشيخ عبدالله بن زيد آل محمود، والشيخ أحمد بن حجر آل بوطامي البنعلي، والشيخ عبدالقادر بن محمد العماري، والشيخ عبدالله بن عبدالعزيز آل محمود، رحم الله من رحل منهم وجزاهم خير الجزاء. أما اليوم، فقد أصبحت بعض القضايا تمر بمراحل وإجراءات متعددة؛ من ابتدائي واستئناف وتمييز، وتأجيلات ومذكرات وردود على المذكرات، حتى إن الإجراءات في بعض الأحيان تبدو أطول من القضية نفسها. كما أصبح كثير من الجلسات يدور حول تقديم المذكرات والرد عليها، بدل المرافعة المباشرة التي تختصر الوقت وتوضح جوهر النزاع، وأصبح المتقاضي بحاجة إلى محامٍ حتى في بعض القضايا البسيطة التي كان يستطيع في السابق عرضها بنفسه. ومن وجهة نظري، فإن تعقيد الإجراءات أسهم في توسيع دور مكاتب المحاماة، حتى في أبسط القضايا، بما جعلها قطاعًا اقتصاديًا مزدهرًا. ولعل الانتشار اللافت لمكاتب المحاماة في كل زاوية من الدولة يعزز هذه الرؤية. ولا أحد ينكر أهمية الضمانات القانونية ودرجات التقاضي، فوجودها لحماية الحقوق وتحقيق العدالة، لكن العدالة لا ينبغي أن تتحول إلى رحلة طويلة تستنزف الوقت والجهد والمال. لا أحد يطالب بالعودة إلى الماضي بحذافيره، ولا بانتقاص حقوق المتقاضين، وإنما نأمل تبسيط الإجراءات، وتسريع الفصل في القضايا، وإعادة الاعتبار للمرافعة المباشرة والصلح، حتى تصل الحقوق إلى أصحابها بأقصر الطرق وأقلها كلفة. فالعدالة لا تكتمل بصحة الحكم وحدها، بل بسرعة وصوله أيضًا.
1260
| 30 يوليو 2026