رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
أتحدث من خبرة علمية وعملية، إن كثيرا من المنظمات الدولية والمؤسسات الاستشارية الغربية التي تجلب إلى بلداننا، ليست على دراية بخصوصيات اقتصاداتنا ومجتمعاتنا وبلداننا أكثر منا، وكثير منها جرت وصفاتها دمارا على شعوب العالم الثالث، كما جرى مع تدخلات صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ومنظمة التجارة العالمية في كثير من مناطق العالم، منها أفريقيا جنوب الصحراء وأمريكا اللاتينية في الثمانينيات، وشرق آسيا أواخر التسعينيات، وروسيا والمغرب، ومصر وتونس قبل الثورة وبعدها، والقائمة تطول من الأمثلة، وبعضها لا يزال ماثلا أمام العيان.
إن أحسنا الظن، نقول إنها ليست على دراية بخصوصياتنا، وتعطي كما يقال مقاسا واحداً للكل
one size fit all، وهي مقولة مبسطة وساذجة، لأن نفس الأخطاء تتكرر هنا وهناك ولأكثر من نصف قرن، رغم نتائجها السيئة والكم الهائل من النقد والتفنيد لهذه السياسات ولتدخلات المنظمات الدولية في دول العالم الثالث.
وإذا أردنا الأقرب للواقع والحقيقة، فهي مضللة، وبعضها يمارس النفاق، ويدس السم في العسل، ويخدم أجندات خفية لصالح المستعمر الغربي القديم، فلا يزال العديد من هذه المؤسسات الدولية يشكل أذرعا له، سواء في المجال الاقتصادي أوالثقافي أوالسياسي.. الخ.
إن كثيراً من هذه المنظمات والمؤسسات تأتي بوصفات وتوصيات لا تتناسب وخصوصية دولنا الصغيرة التي تعاني من خلل في التركيبة السكانية وعدم استقرار وقابلية في أوضاعها الاقتصادية للاستدامة، وتعطي وصفات لا يكون تطبيقها في صالح دولنا، وإن بدا غير ذلك، وفيها عدم عدالة نظرا للاختلال الواضح في الموازين بين دول العالم الثالث التي لا تزال في طور التنمية ودول تخطت ذلك بمراحل وأصبحت متقدمة صناعيا واقتصاديا، فالآثار السلبية المترتبة على الطرفين ليست متماثلة.
فكثير من هذه المؤسسات يحاول تطبيق أنظمة وثقافات وقيم للمجتمعات الغربية على غيرها دون مراعاة لخصوصياتها الاقتصادية، ولا احترام لاختلاف ثقافاتها وقيمها الاجتماعية، وفي ذاك نوع من الكبر والغرور والإلغاء للآخر، لذلك لا يجب الاستماع لكل ما تقوله هذه المنظمات الدولية.
تحرير سوق العمالة الأجنبية
كان يفترض التأني في التغيرات الجرئية والسريعة التي أدخلت على سوق العمل، وأن تخضع لدراسات مستفيضة من قبل أهل خبرة واختصاص في المجال، لتقييم نتائجها المتوقعة وتبعتها على سوق العمل، وكان يفترض نشر هذه الدراسات، لتطرح للنقاش (علميا) بهدف الارتقاء بها وتطويرها وصولا بها إلى أفضل النتائج قبل الإقدام عليها.
إن نهاية سوق العمالة الأجنبية في قطر ولكن بدايتها هناك في بلدانها الأصلية، فعملية الاختيار والتوظيف تتم هناك وليس في بلداننا، ولذلك من المفترض أن تكون عملية التوظيف بحرية وتنافسية وإنسيابة تامة برعاية دول تلك العمالة لمواطنيها، وأن تكون حسب عقود عمل مبرمة مسبقا عند تحديد جهة العمل والتوافق بين الطرفين، بما يضمن حقوق كل منهما، وتضمن حق المستثمر المستقدم باحترام عقد العمل أثناء فترة سريانه.
إن عملية بناء رأس المال البشري - العامل الأجنبي - طويلة وتبدأ منذ الحصول على تأشيرة الدخول، مرورا بإجراءات الاستقدام المختلفة حتى الإعداد والتأهيل، وهي عملية مضنية ومكلفة ومحفوفة بمخاطر الفشل بطبيعتها، لذلك يجب ضمان حقوق المستثمر أي المستقدم، فيما أنفق من تكاليف في استثماره (وبعض هذه التكاليف يصعب تقييمها ماديا)، وذلك لتحفيزه على الإقدام على الاستثمار في المقام الأول وعدم الإحجام عنه بسبب عدم الجدوى أو ارتفاع المخاطر، ولضمان حد أدنى من الاستقرار في سوق العمل، وإلا لأدى ذلك إلى الإحجام والإغلاق والخروج من المجال وتكريس الاحتكار.
إن سوق العمالة الأجنبية عندنا لا يمكن أن تكون تنافسية على نمط العمالة الوطنية كما تريد لها المنظمات الغربية، وذلك لعدة اعتبارات منها، الوطني، والاقتصادي، والديمغرافي واختلال التركيبة السكانية، ولأن السوق بشكلها الأوسع ليست تنافسية أساسا على الوجه المطلوب وتعاني من تركزات وتشوهات تخل بتكافؤ الفرص.
تبعات تحرير سوق العمالة الأجنبية
إن تحرير سوق العمالة الأجنبية بالطريقة التي تمت، قد يؤدي إلى زيادة التركزات في قطاع الأعمال، أي زيادة الاحتكار وتكريس الممارسات الاحتكارية عندما تتمكن الشركات الكبيرة والأوفر حظا وحظوة من تفريغ الشركات والكيانات الأصغر من الكفاءات والعمالة الماهر وأصحاب الحرف، وأية نتائج إيجابية متوقعة لتحرير سوق العمالة الأجنبية المستوردة، على الأغلب ستكون مؤقتة وستتلاشى تدريجيا عندما تتمكن الشركات الأكبر حجما وتزداد سطوتها وتحكمها في السوق، وتتكرس ممارساتها الاحتكارية، ولو اتسعت هذه الظاهرة، فقد يختفي كثير من الشركات والكيانات الصغيرة، التي نسعى لدعمها وتنميتها لأهداف اقتصادية واجتماعية، وسترتفع معدلات الاغلاق والإفلاس بينها والعجز عن سداد ديدونها. ولا شك أن لزيادة التركزات والاحتكار في الأسواق آثارا سلبية على الاقتصاد والمجتمع، فهي تضعف الجودة والتنافسية محليا وخارجيا، وبالتالي لها أيضا آثار سلبية على عملية التنويع وتنمية المنتج الوطني والاكتفاء الذاتي وفيها إجحاف بحق المستهلك.
تبعات نظام الهجرة المفتوحة للعمالة الأجنبية
والحقيقة التي لا يراها منتقدو دول مجلس التعاون، في الغرب، أن هذه الدول توفر نظام هجرة مفتوحة إلى أوطانها للعمالة الأحنبية، فريدا من نوعه على مستوى العالم، ولا يتوفر في بلدانها، وهذا له آثار سلبية كبيرة، اقتصادية واجتماعية وسياسية على دول المجلس، لست بصدد تناولها هنا، ولكن منها أن هذا النظام أدى إلى اختلال وتحورات في التركيبة السكانية في هذه الدول، أصبح معه المواطنون أقليات في أوطانهم، وأدى إلى تسربات كبيرة في رؤوس الأموال الوطنية إلى الخارج، وإلى مزاحمة تنمية قطاع صناعات قابلة للتصدير وتسهم في التطور التكنولوجي والتنويع الاقتصادي وخلق فرص عمل للمواطنين، لصالح قطاعات كثيفة استخدام العمالة الأجنبية قليلة المهارة، وهذا أبقى الاقتصادات حبيسة مستوى منخفض من التكنولوجيا والإنتاجية، وأكثر اعتمادا على النفط وعرضة لتقلبات أسواق الطاقة العالمية، وأسهم بشكل كبير في إفشال عملية التنويع الاقتصادي.
إن توفيرعقد عمل لعمالة أجنبية في غير أوطانها بشروط تضمن حقوق الطرفين، تعتبر فرصة جيدة للعمالة الأجنبية، ولا يفترض أن تكون دول الخليج ملزمة بأبعد من ذلك، كإلغاء هذه العقود وإتاحة حرية حركة تامة على أراضيها لغير مواطنيها، وأعتقد هذا أمر معقول ومعمول به في كثير إن لم يكن معظم دول العالم.
باحث في السياسة النقدية وعلم الاقتصاد السياسي
بمعهد الفكر الاقتصادي المستجد بجامعة كمبردج
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
ثقافةُ الترند ليست موجةَ ترفيهٍ عابرة، بل عاصفة أعادت ترتيب القيم، حتى صار التافهُ مشهوراً، والمشهورُ التافه مؤثراً، والمؤثرُ التافه مرجعاً يُسمَع له ويُقتدى به. قبل 10 سنواتٍ فقط كان الإنسان يستحي أن يُرى في مواضع كثيرة مما نرى اليوم، وكانت بعض الأفعال تُخفى خجلاً وخوفاً، أما اليوم فقد أصبح كثيرٌ منها يُعرض على الملأ طلباً للتصفيق، وكأن الحياء صار ضعفاً، والوقار صار تخلّفاً، والصخب صار موهبةً ورسالة. لقد حوّلت ثقافة الترند الشهرةَ من ثمرةِ جهدٍ إلى ضربةِ حظ، ومن مكافأةٍ للكفاءة إلى جائزةٍ للإثارة. في الماضي كان العالِم يبني اسمه بسنواتٍ من التعب، والأديب ينضج ببطء، والفنان يتقن قبل أن يظهر، أمّا اليوم فيكفي أن يصرخ أحدهم أمام الكاميرا، أو يفتعل موقفاً سخيفاً، أو ينطق ببذاءةٍ بثقة، حتى تُفتح له أبواب الشهرة، وتتهافت عليه الشركات، وتُسلّط عليه الأضواء. وهكذا انفصلت الشهرة عن الاستحقاق، فصار البريق يسبق العمق، والصوت يعلو على المعنى. والترند في جوهره لا يعرف خيراً ولا شراً، بل يعرف شيئاً واحداً: الانتباه. فالخوارزميات لا تفرّق بين احترامٍ وازدراء، ولا بين حكمةٍ وسخرية، فكل تفاعلٍ وقود، وكل ضجةٍ رصيد. لذلك ازدهر “اقتصاد التفاهة”، حيث ينتصر المحتوى الأسرع لا الأعمق، والأكثر إثارة لا الأكثر قيمة. ومع التكرار يبدأ التطبيع؛ فما كان صادماً بالأمس يصبح مضحكاً اليوم، ومألوفاً غداً، ثم يتحوّل إلى سلوكٍ يُقلَّد بلا تردد. وهنا تكمن الخطورة، فالانحدار لا يأتي دفعةً واحدة، بل يتسلّل خطوةً خطوة، حتى يعتاد الناس ما كانوا يستعظمونه. ولأن الإنسان ابنُ بيئته، خائفٌ من العزلة، صار كثيرون ينساقون خلف الترند لا اقتناعاً بل خوفاً من أن يكونوا خارج القطيع. حتى أصبح بعض الناس يذهب إلى مطعمٍ يعلم في داخله أنه عادي أو رديء، لكنه مزدحم لأن "الترند قال ذلك"، ويشتري سلعةً أو سلةً يدرك أنها لا تستحق، لكنه يخشى أن يبدو مختلفاً عن الآخرين. بل قد يفعل الإنسان أموراً لا يقتنع بها أصلاً، ويضحك على ما لا يراه مضحكاً، ويُصفّق لما لا يحترمه، فقط لأن التيار يمضي في ذلك الاتجاه. وهنا يتحول الفرد من صاحب رأي إلى صدى، ومن إنسانٍ يختار إلى إنسانٍ يُقاد. والأسوأ أن الكبار قبل الصغار دخلوا هذا السباق؛ فترى الأب والأم بل وحتى الجدّ يلهثون خلف الرقصة الرائجة والعبارة السطحية، وكأن الوقار عبءٌ يجب التخلص منه. وحين يفقد الكبير هيبته، يفقد الصغير بوصلته، وتسقط منظومة التربية من داخلها. هذه الترندات تسرق الحياء الذي كان سوراً يحفظ للإنسان كرامته وللمجتمع تماسكه. ثم تأتي الكارثة الكبرى: تهميش أهل العلم والأدب والأخلاق، لا لأنهم غائبون، بل لأن الضجيج أعلى من الحكمة، ولأن السوق يطلب الإثارة لا البصيرة. نحن بحاجة إلى تربيةٍ تُعلّم الطفل منذ صغره أن القيمة ليست في عدد المتابعين بل في مقدار الأثر، وأن الشهرة ليست مجداً إذا خلت من الخُلُق والمعنى. وبحاجةٍ أيضاً إلى أسرةٍ لا تُسلّم أبناءها للشاشة ثم تشتكي من ضياعهم، بل تُشاركهم الحوار، وتغرس فيهم شخصيةً تعرف كيف تقول "لا" حين يركض الجميع نحو العبث. كما أن أهل العلم والأدب مدعوون إلى دخول المنصات لا الهروب منها؛ فالساحة التي يتركها العقل يملؤها الضجيج. وليس المطلوب أن يتحولوا إلى مهرّجين، بل أن يُحسنوا عرض الفكرة بلغة العصر دون أن يتنازلوا عن جوهرها. فالكلمة العميقة لا يعني أن تكون معقدة، والرسالة الراقية لا يشترط أن تكون مملّة. إن المعركة الحقيقية ليست ضد تطبيقٍ أو منصة، بل ضد فراغٍ داخلي يجعل الإنسان يبحث عن قيمته في تصفيق الغرباء. وحين يمتلئ الإنسان بالمعنى، يقلّ افتتانه بالضجيج. فالحضارات لا يحفظها المال وحده، بل يحفظها وعيٌ يعرف الفرق بين من يبني العقول ومن يسرقها، بين من يصنع الإنسان ومن يصنع الترند.
2676
| 12 مايو 2026
لم يعد السؤال في الخليج اليوم متعلقًا بما تحقق من منجزات، بل بكيفية تقديم هذه المنجزات للعقل العام بصيغة واحدة، قادرة على تثبيت المعنى قبل الصورة، والهوية قبل التفاصيل. فالتكامل الذي يتقدم اقتصاديًا وتنمويًا، يحتاج في المقابل إلى إعلام يوازيه في القوة والاتساق، ويمنع تشتت الرواية بين المنصات وتعدد الزوايا. في هذا الإطار، استضافت العاصمة السعودية الرياض “ملتقى المكتسبات الخليجية”، بوصفه مساحة لإعادة التفكير في دور الإعلام داخل مشروع التكامل الخليجي، لا كمجرد ناقل للحدث، بل كعنصر يصنع الوعي المشترك ويعيد ترتيب العلاقة بين المواطن الخليجي ومنجزاته. فالملتقى الذي نظمته الأمانة العامة لمجلس التعاون بالتعاون مع جهاز إذاعة وتلفزيون الخليج، ينطلق من سؤال مركزي: كيف يمكن للإعلام أن يعكس واقع المكتسبات الخليجية بوضوح واتساق، ويحوّلها إلى خطاب موحد يعزز الهوية المشتركة، ويوحّد الرسائل الإعلامية، ويدعم مسيرة التكامل بين دول المجلس، بما يواكب تطلعات المرحلة ويستشرف مستقبلها. منذ بدايات التجربة الإعلامية الخليجية المشتركة، كان الرهان على بناء مساحة إعلامية تتجاوز الحدود إلى معنى الوحدة، وهو ما عمل عليه جهاز إذاعة وتلفزيون الخليج عبر مسار طويل من التقريب بين الخطابات الإعلامية وصياغة مشترك مهني وثقافي يعكس وحدة الاتجاه الخليجي. ويظل مهرجان الخليج للإذاعة والتلفزيون أحد أبرز تجليات هذا المسار؛ فمنذ انطلاقه لأول مرة في الكويت عام 1980، لم يكن مجرد فعالية للاحتفاء بالإنتاج الإعلامي، بل منصة لتبادل الخبرات ورفع جودة المحتوى وتعزيز التقارب بين المؤسسات الإعلامية الخليجية. كما أسهم في تكريم نخبة من نجوم الفن والدراما في الخليج، باعتبارهم جزءًا من صناعة الوعي البصري والثقافي، وعنصرًا فاعلًا في تشكيل الذاكرة الجماعية للمجتمع. كما امتد الدور إلى البعد التوثيقي والمعرفي، عبر إصدار “نشرة المعلومات” في يوليو 1980، التي رصدت النشاط الإعلامي التلفزيوني خليجيًا وعربيًا وعالميًا من خلال التقارير الفنية والإخبارية والبرامجية والهندسية والإدارية. واستمر صدورها حتى تحولت لاحقًا إلى مجلة فصلية تعنى بتوثيق تطور العمل الإعلامي ومواكبة تحولات المشهد الإذاعي والتلفزيوني. ومع اتساع الإعلام الرقمي اليوم، لم يعد التحدي في إنتاج الرسالة، بل في قدرتها على البقاء متماسكة داخل فضاء سريع، تتعدد فيه المنصات وتتصادم فيه الروايات. وهنا تصبح قضية توحيد الرسائل الإعلامية الخليجية جزءًا من حماية الوعي العام، لا مجرد خيار مهني، في بيئة تعيد تشكيل الرأي العام لحظة بلحظة. على هذا الأساس، يبرز الملتقى كفرصة لإعادة ضبط البوصلة الإعلامية الخليجية نحو مزيد من الاتساق، وتعزيز الهوية المشتركة، ودعم مسيرة التكامل بين دول المجلس، بما يجعل الإعلام شريكًا في صناعة المعنى، لا مجرد ناقل له. وبرأيي أنه لا تُقاس قوة الإعلام بما يعرضه من أحداث، بل بما يثبته من معنى في الوعي، وبقدرته على تحويل المنجز إلى هوية، والهوية إلى إدراك مشترك.
1557
| 13 مايو 2026
كتبت مرة قصة قصيرة عن مؤلف وجد نفسه على جبل الأوليمب، وحوله كل شخصيات قصصه ورواياته من النساء. حين أنظر حولي هذه الأيام أفكر، هل يمكن حقا الصعود إلى جبل الأوليمب، وأرى حولي كل من كتبت عنهم رجالا ونساء، ونعيش بعيدا عن هذا الصخب والعبث الذي لا ينتهي؟ وهل لن يندهش زيوس من وجودي، ويعطيني صندوق باندورا هدية، فأفتحه غير مدرك أنه ستنطلق منه كل الشرور، فهو الزعيم الأوحد! رغم ذلك تخايلني هذه الرغبة وأنا أرى المعارك العابرة، حولي تشغل مساحة أكبر من المعارك الحقيقية. نرى ما تفعله إسرائيل وأمريكا بمنطقتنا العربية، والمقاومة التي بها سيتغير حال البلاد، ولا أبتعد عن الكتابة عنها، لكنها تضيع بين المعارك الصغيرة. يريحني يقيني أن معاركنا مع العدو الصهيوني على صعوبتها، سيأتي اليوم الذي يتبخر فيه هذا العدو. ويشتتني ما أراه على السوشيال ميديا من معارك وألفاظ، لا تليق أبدا بكتابها، فقفز خيالي بصعود جبل الأوليمب. آخرها والذي شغل مساحة كبيرة جدا، الخلاف الذي وقع بين الشاعرة المصرية الرائعة نجاة علي، والكاتب والفنان خالد سليمان الناصري، صاحب دار المتوسط للنشر. تحدثت نجاة علي عن حقوقها المالية الضائعة مع الدار. أصدر خالد الناصري بيانا أوليا خانه التوفيق في ألفاظه، وهو يوضح خطأ الشاعرة، ثم عاد في بيان تالٍ يعتذر عن ألفاظ البيان الأول، ويوضح عدد النسخ التي طبعت، وما وصل الشاعرة من مال، لكن لم ينتهِ الأمر. تتالت الاتهامات والشتائم له، وبدت المسألة كأن مصر كلها ضده. ولأني أعتز جدا بالاثنين، الشاعرة نجاة علي وخالد الناصري، لم أساهم في النقاش. لم أقل حتى حقيقة علاقتي بدار المتوسط، التي هي مختلفة تماما. نشرت بدار المتوسط أربع روايات حتى الآن، لم تتأخر قط في دفع ما اتفقنا عليه، من مال أو نسخ لي من الكتاب. أقول هذا ليس دفاعا عن خالد الناصري، لكن نصيحتي لكل كاتب، أنه حين تختلف مع ناشر ما، قم بتغييره في صمت، والأهم أنه حين تنشر في دار نشر خارجية، اتفق على مبلغ نهائي تحصل عليه عند النشر، ولا تنتظر حسابا سنويا وتشغل نفسك بذلك. هكذا فعلت في السنوات الأخيرة مع دار المتوسط، ودار ماسكيلياني التونسية، وأخيرا دار جداول اللبنانية. في مصر مثلا لا تحاسبني سنويا على مبيعات أعمالي غير دارين للنشر، هما الشروق المصرية، والدار المصرية اللبنانية، فلديهما نظام دقيق لذلك، ثم إنهما ليستا بعيدتين عني. هذه المعركة بين الكتّاب وخالد الناصري، جاءت بعد معركة أخرى بين المصريين ولا تزال، حول مسألة "نظام الطيبات" في الغذاء والعلاج، الذي اخترعه الدكتور ضياء العوضي، والذي توفي رحمه الله. كم تتالت فيها من ألفاظ لا تليق بكتابها، رغم أن الرد العلمي أجمل. يغطي هذا كله على الحقائق الأولى بالحديث كما ذكرت، لكن الحمد لله أتذكر رواية "بعيدا عن الزحام المجنون" التي كتبها توماس هاردي، وصارت فيلما عظيما لجولي كريستي وتيرانس ستامب شاهدته سنوات الستينات. رغم موضوع الفيلم البعيد عن أحوالنا، يطاردني عنوان هذه الرواية دائما، حين تزدحم الدنيا من حولي بالبشر، والقضايا الفكرية العابرة. وأعرف يائسا أنه لن ينتهي بالابتعاد، حتى لو فعلت ما قاله سورين كيركجارد، الفيلسوف الوجودي، وبنيت سلما لا ينتهي إلى السماء. للأسف الصعود على جبل الأوليمب ليس متاحا لنا، رغم أن زيوس قد يكون أرحم، من هواة الشتائم والقذف على السوشيال ميديا.
1173
| 13 مايو 2026