رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
قبل وقف إطلاق النار وبعده في غزة، دخلت الدوائر السياسية، وكذلك وسائل الإعلام الإسرائيلية، في عملية معقدة لتحديد من كسب ومن خسر في المواجهة، طبعاً، سجلت جميعا أن رئيس الوزراء الإسرائيلي لم يتلفظ بكلمة "نصر" أو "انتصار"، في تصريحاته بعد إعلان التهدئة الجديدة، في حين أن رئيس المكتب السياسي لحركة "حماس"، خالد مشعل كان واضحاً: انتصرنا، وانهزمت إسرائيل.
كان ملاحظاً أن الحسابات الدقيقة، المجدولة، توصلت إلى أن كل طرف حقق إنجازات أو مكاسب، لكنها المرة الأولى التي تضطر فيها المصادر الإسرائيلية إلى الخروج من ميزان القوى العسكرية كمعيار وحيد لتقويم النتائج، ذاك أن عناصر أخرى دخلت على الخط وجعلت الإسرائيلي القوي يهزم رغم قوته، والفلسطيني الضعيف ينتصر رغم ضعفه، فمعادلة "الهدوء مقابل الهدوء"، لا تناسب غطرسة القوة الإسرائيلية، لكنها بالنسبة إلى الجانب الفلسطيني تبدو إيجابية لأن العدو هو من طلب التهدئة ووافق على شروطها على مضض حتى لو لم يكن مستعداً لالتزامها.
المعادلة الأخرى، البشعة والمؤسفة، هي أن الإسرائيلي يستند إلى الفائض الهائل للقوة للحصول على "شرعية"، دولية لجرائمه، في حين أن الفلسطيني يعرف مسبقاً أنه مضطر للتضحية بالعديد من الأرواح البشرية للحصول على شيء من التعاطف الدولي، في حرب 2008-2009 ظلت المواجهة قائمة حتى اللحظة الأخيرة بين تلك "الشرعية" الغاشمة وبين ذلك التعاطف العاجز، هذه المرة تغيرت عناوين المواجهة، فالإسرائيلي حصل في البداية على تأييد لـ"دفاعه عن نفسه"، وتصور أنه يستطيع المضي إلى الخطوة التالية واجتياح قطاع غزة، إلا أنه فوجئ بأنه لا يملك مثل هذا "التفويض"، من حلفائه وأصدقائه.
فهم حلفاء إسرائيل وأصدقاؤها هؤلاء أن تغييرا حصل في البيئة الإقليمية، أما بنيامين نتنياهو وأفيغدور ليبرمان وأيهود باراك وسائر أفراد العصابة فلا يريدون أن يفهموا. كما لم تفهم عصابات أخرى سبقتهم إلى السلطة في إسرائيل ماذا عني إقرار العرب قبل نحو عشرين عاماً بأنهم يختارون "عملية السلام" ثم أكدوا في قمة عمان عام 2001، أن السلام هو "خيارهم الاستراتيجي" ومع ذلك دأب الإسرائيليون ولا يزالون على التصرف على أساس أن الحرب المستمرة هي خيارهم الاستراتيجي، أما التغيير الإقليمي فظهرت معالمه أولاً بالموقف التركي الثابت منذ 2009، ثم في اللهجة الجديدة التي اعتمدتها مصر متخلية عن نهج العهد السابق، ثم في التناغم المصري – التركي – القطري الذي بات يتبلور كمحور جديد لإدارة شؤون المنطقة خلال تحولاتها الراهنة.
اعتبر محللان إسرائيليان في صحيفة "يديعوت أحرونوت" أن إسرائيل حققت إنجازات أهمها نجاح منظومة "القبة الحديد" في اعتراض أكثر من 85 في المائة من الصواريخ الفلسطينية، وكذلك اغتيال قائد "كتائب القسام" أحمد الجعبري وأيضا تدمير أكثر من 1400 هدف، كان واضحا الهدف التجاري بالتسويق لفاعلية منظومة "القبة الحديد"، لكن الأكثر وضوحاً هو الهلع الذي أحدثه وصول الصواريخ إلى تل أبيب، إذ أنه شكل الدافع الرئيسي لإلحاح حكومة نتنياهو على إنجاز هدنة في أسرع وقت لئلاً تضطر مع استمرار سقوط الصواريخ في "غوش دان" ومنطقة القدس للذهاب إلى هجوم بري حتى لو لم تكن هناك تغطية أمريكية له. أما استشهاد الجعبري، وهو خسارة كبيرة لـ"حماس"، فلم يؤد إلى انهيار في صفوف الحركة، كما توقعت إسرائيل، بل واصلت القيام بعملها بثبات لافت، ويبقى أن "الأهداف"، التي دمرت فعلا أنها شحذت الاشمئزاز العالمي من إسرائيل، فإن الإسرائيليين يعرفون قبل سواهم أن هذا الدمار لا يغير شيئاً في معادلة القوة مقابل الإرادة.
بالانتقال إلى حساب مكاسب الاتفاق على التهدئة، وطالما أن التفاهمات التفصيلية لم تعلن، فإن الإسرائيليين استسهلوا وضع التمنيات في ما يفترض أنه معلومات، كأن يقولوا مثلاً إن إسرائيل أرغمت مصر على العودة إلى التوسط بينها وبين "حماس"، أو أن يقولوا إن "حماس" تعهدت الامتناع ومنع سائر الفصائل من القيام بأي عمليات، إلا أن النقطة التي حرص الإسرائيليون على إبقائها غامضة تتعلق تحديداً بتعهد حكومة نتنياهو عدم القيام باغتيالات، وقد انقسم المحللون بين من لا يعتبره تنازلاً لأن "التهدئة" تستبعد الحاجة إلى التصفيات وبين من يراه عنصرا غير مسبوق في التعهدات الإسرائيلية، خصوصاً أن الولايات المتحدة ضمنت مثل هذا التنازل لتشجع مصر على المشاركة في قبول التهدئة وضمانها.
لكن أبرز الخسائر الإسرائيلية تبقى سياسية، إذ أن مجىء هيلاري كلينتون رمى إلى وضع النقاط على الحروف أمام نتنياهو وعصابته، فليس هذا هو الوقت المناسب لإفساد العلاقات الأمريكية مع مصر وتركيا، بالنظر إلى الاستحقاقات المنتظرة مع سوريا وإيران، فضلاً عن العلاقات مع دول الخليج، وحتى بالنسبة إلى السلطة الفلسطينية وتصميمها على التوجه إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة للحصول على صفة "الدولة غير العضو"، فإن واشنطن لا ترى أن هذه الخطوة يجب أن تقابل بإجراءات عقابية بل بمساع للتخفيف من أضرارها على إسرائيل، إلا إذا كانت هذه الأخيرة ترى مصلحة في دفع السلطة الفلسطينية إلى الانهيار، وإذا كانت ترى مثل هذه المصلحة فما هو البديل الذي تتصوره، وهل هي مستعدة للدخول في حوار مع "حماس"، وسواها، بمثل هذا المنطق كشفت كلينتون لنتنياهو ما كان أدركه قبل وصولها، وهو أن حكومته دخلت مغامرة من دون أن تحسب أو ترسم نهايتها.
وعلى أساس هذا المنطق استطاعت كلينتون أن ترجح إنجاز التهدئة بسرعة ومن دون الدخول في لعبة الشروط والشروط المضادة وليس مؤكداً أن هذه المصارحة الأمريكية للحليف الإسرائيلي ستدفعه إلى تعديل سياساته، لكنها وضعته على الأقل أمام ضرورة النظر إلى الوضع الإقليمي بشيء من الواقعية والاعتراف بالحقائق، وهذا في حد ذاته يبين لنتنياهو أن المرحلة المقبلة مع باراك أوباما لن تكون بالسهولة التي يتصورها، فهو شاء إحراج الرئيس الأمريكي وامتحانه، ولم يحصل على النتيجة التي توخاها، إذ لم يرفض منحه الضوء الأخضر لاجتياح غزة فحسب، بل ارتكز إلى المتغيرات الإقليمية ليفهمه أن سياسات التطرف الإسرائيلي باتت عبئاً على الولايات المتحدة.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4344
| 29 سبتمبر 2026
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
3162
| 02 أكتوبر 2026
تُولي دولة قطر اهتمامًا بالعنصر البشري القطري، وتحرص على تأهيله وتمكينه وتطوير قدراته، غير أن بعض الجهات الحكومية لا تزال لا تستفيد بالصورة المطلوبة من أصحاب الخبرات الطويلة. فعندما يصل الموظف القطري إلى مسمى «خبير» أو «استشاري»، بعد سنوات من العمل والتدرج وتحمل المسؤوليات، يفاجأ أحيانًا بأنه أصبح بلا عمل واضح، ولا تُسند إليه مهام تتناسب مع خبراته ومسماه الوظيفي. وهنا يبرز السؤال: لماذا يتحول هذا المسمى في بعض الجهات إلى محطة انتظار بدلًا من أن يكون مرحلة جديدة للعطاء؟ ولماذا يُركن موظفون كانوا بالأمس القريب مديرين ورؤساء أقسام وأصحاب قرار، ثم يُتركون بعد ترقيتهم إلى مرتبة خبير أو استشاري بلا ملفات محددة، ولا مشاركة حقيقية في اللجان والدراسات وصناعة القرار؟ إن مسمى «خبير» أو «استشاري» ليس درجة شرفية تُمنح للموظف في نهاية مساره الوظيفي، بل وظيفة تخصصية لها غاية محددة. فالخبير يفترض أن يقدم الرأي الفني المبني على التجربة والمعرفة، وأن يراجع المشروعات والسياسات، ويحلل المشكلات، وينقل خبرته إلى الموظفين الجدد. أما الاستشاري، فينبغي أن يُسهم في إعداد الدراسات، وتقديم البدائل، وتقويم الأداء، ودعم القيادات في اتخاذ القرار وتطوير أساليب العمل. والمفارقة المؤلمة أن الخبير أو الاستشاري غير القطري غالبًا ما يُستفاد منه بصورة أفضل؛ فيشارك في إعداد الدراسات، ويسهم في صياغة التوصيات والقرارات، ويكون قريبًا من أصحاب القرار، بينما قد يُبعد الخبير القطري، وهو الأعرف ببيئة العمل وتاريخ المؤسسة واحتياجات المجتمع. وهذه ليست مطالبة بإقصاء الخبرات الوافدة التي نقدر دورها، بل دعوة إلى تحقيق التوازن وإعطاء الخبرة الوطنية المكانة والدور اللذين تستحقهما. وهذا الوضع لا يضر الموظف وحده، بل يضر الجهة والدولة؛ لأنه يهدر خبرة تراكمت على مدى عشرات السنين، ويضعف نقل المعرفة بين الأجيال، ثم يدفع بعض المؤسسات إلى الاستعانة بخبراء من الخارج للقيام بأعمال يستطيع أبناء الوطن إنجازها بكفاءة. فالخبرة الوطنية ليست عبئًا إداريًا، وإنما رأس مال مؤسسي يجب المحافظة عليه وحسن توظيفه. ولنضرب مثلاً في الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية، لا تتوقف الاستفادة من أصحاب الخبرات عند عمر معين أو مغادرة المنصب القيادي؛ فنراهم في البرلمانات ومجالس الإدارات والمؤسسات والشركات ومراكز الأبحاث والجامعات والمعاهد. أما في دولنا، فكثيرًا ما يغادر المسؤول منصبه فتُطوى معه خبرته، ثم نعود إلى استقدام الخبرة من الخارج بتكاليف مرتفعة. لذلك، نأمل من الوزارات والمؤسسات الحكومية التي يسري عليها قانون الموارد البشرية تفعيل ما قرره هذا القانون من ارتباط الوظيفة بواجبات ومسؤوليات محددة، وإلزام كل جهة بإعداد بطاقة وصف وظيفي واضحة للخبير والاستشاري، ووضع خطة سنوية لمهامهما، وإشراكهما في اللجان والدراسات وبرامج التدريب ونقل المعرفة، وتقييم أدائهما على أساس مخرجات قابلة للقياس، مثل إعداد دراسة، أو مراجعة سياسة، أو تدريب مجموعة من الموظفين. فالتكريم الحقيقي للموظف القطري صاحب الخبرة أن يمنح دورًا يليق بعطائه، ويضمن استمرار خبرته في خدمة الدولة والأجيال القادمة.
1209
| 28 سبتمبر 2026