رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
عندما تحول العلم من وسيلة لخدمة البشرية إلى ماردٍ مارقٍ متفلّت يسير بمنطقه الخاص دون الالتفات إلى الإنسان كروح وجسد وحقيقة ومعنى، حينها أدركت البشرية حجم المأساة التي تعيشها في عصر الحداثة.
الحضارة الغربية المذهلة التي لا نستطيع إنكار جوانبها المضيئة، بلغت من الذكاء ما جعلها تفتح أبواب الكون، لكنها على الرغم من ذلك أغلقت قلب الإنسان، وكأن الجنس البشري تقلص وجوده حين تمدد علمه، تآكل فيه المعنى في الوقت الذي اتجه لفك أسرار المادة. العلم الغربي صار مأزومًا عندما نزع مضمونه الحداثي عن المعرفة ثوبها الأخلاقي، وجعل الإنسان تابعًا لصنم التجريب، وعندما فصل الحقيقة عن القيمة، فتحول التقدم إلى آلة عمياء تدهس الطبيعة والروح.
عندما ألقيت القنابل النووية على هيروشيما ونجازاكي، لم تكن تلك اللحظة لحظة انتصار علمي للحضارة الغربية، بل لحظة سقوط أخلاقي مروّع، لحظة غير فيها الإنسان المعادلة، فبدلا من أن تخدم التجربة الإنسان، صار الإنسان جنسًا مُستعبدًا يخدم العلم وتجاربه خدمة العبد لسيده.
ثم جاءت الثورة الصناعية لتكشف وجهًا آخر للتوحش المقنّع بالعقل، فبينما تضاعفت المصانع، تناقصت المساحات الخضراء، وارتفعت مداخن الإنتاج كأنها شواهد على قبر الطبيعة. احتبست الأرض أنفاسها، وارتفعت حرارتها، وبدأت الكوارث البيئية تتوالى كنبوءات غاضبة من كوكب أنهكه الجشع. ومع ذلك، لا يزال الغرب يتعامل مع الأزمة كأمرٍ إحصائي، لا كجرحٍ أخلاقي.
وفي معامل الهندسة الوراثية، يواصل الإنسان محاولاته في مضاهاة الخالق، يعبث بالخلايا والجينات، يصنع طعامه من الخطر، ويستبدل بالنظام الإلهي معادلات كيميائية. هذه النباتات المعدّلة وراثيًا، التي تُزرع في حقول الاقتصاد، تُثمر في أجساد البشر أمراضًا كامنة، وتُعلن عن زمنٍ جديد: زمن الإنسان المصنع، لم يعد الإنسان يكتفي بتغيير العالم من حوله، بل مدّ يده ليسعى في إعادة تشكيل نفسه، دون أن يعرف إلى أي مصير يركض.
يرى إدغار موران، عالم الاجتماع الفرنسي، أن الحداثة الغربية دخلت طور الهمجية العقلانية، حيث صارت الوحشية تتخفّى في ثياب التقدّم. إنّها همجية لا تُسفك فيها الدماء فحسب، بل تُسلب فيها المعاني. فالإنسان الذي كان يقيس الأشياء بالضمير، صار يقيسها بالمنفعة؛ والذي كان يسعى للحق، صار يسعى للربح؛ والذي كان يسأل «لماذا؟» صار يسأل «كيف؟».
والمفارقة أن هذا الانفصال بين العلم والقيم لم يحرر الإنسان كما زُعم، بل كبّله بصورة جديدة من العبودية؛ عبودية التقنية والاستهلاك. فالعقل الذي أراد أن يكون سيد العالم، صار خادمًا للآلة التي صنعها. الإنسان الحديث يعيش بين أدواتٍ تراقبه، وأجهزةٍ تُبرمِج رغباته، حتى غدا الكائن الحر الذي حلمت به الحداثة رقمًا في معادلة السوق. ولا يفهم من نقد الحضارة الغربية أننا ندعو لرفضها جملة، أو الانغلاق دونها، فالإسلام لم يأت لهدم الحضارات، وفي المسار التاريخي للحضارة الإسلامية العربية كانت الأمة تفيد وتستفيد من غيرها من الحضارات الأخرى.
لكن الغرض من هذه الكلمات إطلاق صيحة تحذير في تعاطينا مع الحضارة الغربية، فمن الخطأ الجسيم أن نستلهم من الغرب تجربته بحذافيرها بكل مضامينها دون أن نزنها بميزان القيم.
إن الغاية من هذا النقد هي أن نحذر من الانزلاق وراء التجربة الغربية بكل تفاصيلها، فليست النهضة هي أن نكرر طريق الآخرين، بل أن نبني طريقنا بما يحفظ الإنسان كغاية لكل علم، فالعلم الذي ينفصل عن الضمير يُفقد معناه، ويغدو وبالًا على صاحبه.
لقد تسربت إلى عالمنا العربي فكرة خطيرة تقول إن العلم لا يحتاج إلى قيم، ولا يحتاج إلى ضمير، وأن الدين عقبة أمام التقدم. وهي فكرة أثبت التاريخ بطلانها، إذ لم ينتج عنها سوى أزمات بيئية، وأسلحة إبادة، وتوحش حضاري مغلف بالعقل.
إن العلم بلا ضمير يجرّ العالم إلى الهاوية، أما العلم المقرون بالقيم فهو الذي يسمو بالإنسان ويرفع شأنه. وبين هذين الطريقين تقف الإنسانية اليوم على مفترق خطير.
2025 عام القلق والتحولات.. وتفاقم الأزمات!!
قد يكون من أبرز التوصيفات لعام 2025 عام الاستمرار في المراوحة وترحيل الأزمات والصراعات من الأعوام السابقة على... اقرأ المزيد
84
| 04 يناير 2026
إجابة كبيرة لسؤال صغير
- شو بدك تصير لما تكبر؟ - لما أكبر؟ - إيه لما تكبر وتصير شاب هيك كبير. -... اقرأ المزيد
120
| 04 يناير 2026
التوصيل أم التنوع.. أيهما الأهم؟
أطلقت وزارة التجارة والصناعة خدمة توصيل المواد التموينية إلى المنازل للمواطنين، عن طريق «سنونو ورفيق»، توجه طيب تشكر... اقرأ المزيد
108
| 04 يناير 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
إحسان الفقيه
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
حين تُذكر قمم الكرة القطرية، يتقدّم اسم العربي والريان دون استئذان. هذا اللقاء يحمل في طيّاته أكثر من مجرد ثلاث نقاط؛ إنها مواجهة تاريخية، يرافقها جدل جماهيري ممتد لسنوات، وسؤال لم يُحسم حتى اليوم: من يملك القاعدة الجماهيرية الأكبر؟ في هذا المقال، سنبتعد عن التكتيك والخطط الفنية، لنركز على الحضور الجماهيري وتأثيره القوي على اللاعبين. هذا التأثير يتجسد في ردود الأفعال نفسها: حيث يشدد الرياني على أن "الرهيب" هو صاحب الحضور الأوسع، بينما يرد العرباوي بثقة: "جمهورنا الرقم الأصعب، وهو ما يصنع الفارق". مع كل موسم، يتجدد النقاش، ويشتعل أكثر مع كل مواجهة مباشرة، مؤكدًا أن المعركة في المدرجات لا تقل أهمية عن المعركة على أرضية الملعب. لكن هذه المرة، الحكم سيكون واضحًا: في مدرجات استاد الثمامة. هنا فقط سيظهر الوزن الحقيقي لكل قاعدة جماهيرية، من سيملأ المقاعد؟ من سيخلق الأجواء، ويحوّل الهتافات إلى دعم معنوي يحافظ على اندفاع الفريق ويزيده قوة؟ هل سيتمكن الريان من إثبات أن جماهيريته لا تُنافس؟ أم سيؤكد العربي مجددًا أن الحضور الكبير لا يُقاس بالكلام بل بالفعل؟ بين الهتافات والدعم المعنوي، يتجدد النقاش حول من يحضر أكثر في المباريات المهمة، الريان أم العربي؟ ومن يمتلك القدرة على تحويل المدرج إلى قوة إضافية تدفع فريقه للأمام؟ هذه المباراة تتجاوز التسعين دقيقة، وتتخطى حدود النتيجة. إنها مواجهة انتماء وحضور، واختبار حقيقي لقوة التأثير الجماهيري. كلمة أخيرة: يا جماهير العربي والريان، من المدرجات يبدأ النصر الحقيقي، أنتم الحكاية والصوت الذي يهز الملاعب، احضروا واملأوا المقاعد ودعوا هتافكم يصنع المستحيل، هذه المباراة تُخاض بالشغف وتُحسم بالعزيمة وتكتمل بكم.
1683
| 28 ديسمبر 2025
غدًا، لن نخوض مجرد مباراة في دور الـ16 من كأس أمم أفريقيا، بل سنقف على حافة حلم لا يحتمل السقوط. منتخب مصر على موعد مع اختبار قاسٍ، تسعين دقيقة قد تُعيد الروح أو تُعمّق الجرح، حين يواجه بنين في مواجهة مصيرية لا تحتمل أي خطأ. غدًا، ستكون القمصان الحمراء مثقلة بآمال شعب كامل، والقلوب معلّقة بكل تمريرة وكل التحام. مباراة خروج مغلوب، لا مجال فيها للحسابات ولا للأعذار، ولا مكان للتردد أو التهاون. بنين خصم عنيد، يعرف كيف يغلق المساحات وينتظر الخطأ، لكن مصر لا تُهزم عندما تلعب بقلبها قبل قدمها. نريد أن تكون الشراسة والقتالية حاضرة على أرضية الملعب حتى الرمق الأخير من عمر المباراة، نريد روح القتال التي تُعرف بها الكرة المصرية. الأنظار كلها على محمد صلاح، القائد الذي يعرف طريق المواعيد الكبرى، حيث سيشكل محورًا أساسيًا في صناعة اللعب وتهديد المرمى بقيادته الهجومية، إلى جانب الحيوية والسرعة التي سيضيفها عمر مرموش في التحركات الأمامية، مانحًا الفريق خيارات متعددة وخطورة مستمرة نحو مرمى الخصم. وهنا يأتي دور حسام حسن، الرجل الذي يعرف جيدًا ماذا يعني اسم مصر. غدًا، نطالب حسام حسن بأن يكون المدرب القارئ للمباراة، القادر على استثمار طاقات لاعبيه، وتوظيفهم توظيفًا سليمًا على أرضية الملعب. نريده أن يقود الفريق بعقل هادئ وقلب مشتعل، وأن يتحكم في مجريات المباراة منذ البداية وحتى صافرة النهاية. أما على صعيد اللاعبين، فالرسالة واضحة: نريد منكم تركيزًا كاملًا وحضورًا ذهنيًا لا يغيب طوال التسعين دقيقة. لا نريد لحظة استهتار، ولا ثانية غفلة. كل كرة معركة، وكل قرار قد يصنع الفارق بين الفرح والحسرة. كلمة أخيرة: غدًا، نريد منتخبًا يقاتل حتى آخر لحظة، منتخبًا يحمل روحنا وعشقنا القديم للكرة المصرية بكل قوة وإصرار. نريد فوزًا يملأ المدرجات فخرًا ويُعيد الثقة لكل من يحمل القميص الأحمر ويؤمن بالكرة المصرية، ويُثبت لكل العالم أن مصر حين تخوض المواعيد الكبرى لا تعرف إلا الانتصار.
1464
| 04 يناير 2026
أدت الثورات الصناعيَّة المُتلاحقة - بعد الحرب العالميَّة الثانية - إلى تطوُّر طبيٍّ هائل؛ مِمَّا أضحت معه العديد من الأعمال الطبيَّة غاية في البساطة، واكتُشِفتْ علاجاتٌ لأمراض كانت مُستعصية، وظهرت اللقاحات والمضادات الحيويَّة التي كان يُطلق عليها «المعجزة». ولمواكبة التطور الطبيِّ المُتسارع كان لزامًا على القانونيين مُسايرة هذا التطوُّر؛ إذ يُرافق التقدُّم الطبيُّ مخاطر عديدة، منها ما هو معروف ومنها المجهول الذي لا يُعرف مداه ولا خطره. ومن أهم القوانين المُقارنة التي يجدر بالمشرِّعين دراسة تبنِّيها؛ هي تجربة القضاء الفرنسي الذي تَوجَّه نحو تعزيز الحماية للمرضى، من خلال تبنِّيه لآليَّات تضمن حصولهم على تعويض جابر للضرر دون إرهاق كاهلهم بإثبات خطأ فني طبي يصعب فهمه، فكيف بإثباته؟! ففي بداية التسعينيات أقرَّ القضاء الفرنسي التزام المستشفى بضمان السلامة، وذلك بمناسبة عِدَّة قضايا؛ ففي إحدى هذه القضايا قام رجل باللجوء إلى مستشفى لإجراء عمليَّة جراحيَّة، وبعد الانتهاء منها تبيَّن إصابته بعدوى من غرفة العمليَّات، وعندما وصلت القضية إلى محكمة النقض أقرَّت بالتزام المستشفى بالسلامة الجسديَّة، وبموجب هذا الالتزام تَضمَنُ المستشفيات سلامة المريض من التعرُّض لضرر لا يتعلق بحالته المرضيَّة السابقة. فمن حق المريض الذي يلجأ إلى المستشفى لتلقِّي العلاج من عِلَّة مُعيَّنة عدم خروجه بِعِلَّةٍ أخرى غير التي كان يُعاني منها. غير أن السؤال المطروح هنا، من أين أتت المحكمة بالالتزام بالسلامة؟ تكمن الإجابة في أن المحكمة أخذت هذا الالتزام من التزام الناقل بالسلامة؛ إذ تلتزم شركة الطيران، على سبيل المثال، بنقل الركاب من نقطة إلى أخرى بسلامة دون تعرُّضهم لأذًى، كما تلتزم شركة نقل البضاعة بنقلها دون تعرُّضها لتلف أو ضرر، وهذا الالتزام يُعدُّ التزامًا بتحقيق نتيجة، قِوامها سلامة الراكب أو البضاعة المنقولة، وبمجرد تعرضها لأذى تلتزم حينها الشركة بالتعويض. وعلى نفس السياق؛ فإن التزام المستشفى بضمان السلامة الجسديَّة هو التزام بتحقيق نتيجة؛ إذ توسَّع القضاء الفرنسي في هذا الالتزام ليشمل المسؤوليَّة عن العمل الطبي؛ لتعزيز سلامة المرضى، وتسهيلًا لحصولهم على تعويض يجبر ضررهم. ولم يقتصر التطور القضائي على هذا النحو، بل أقرَّ مجلس الدولة الفرنس المسؤوليَّة الطبيَّة غير القائمة على خطأ، وذلك في حكمها بمناسبة قضية (Bianchi) الشهيرة بتاريخ 09/04/1993؛ إذا دخل السيد (Bianchi) المستشفى لإجراء تصوير بالأشعة لشرايين العمود الفقري، وهو ما يُعتبر فحصًا عاديًّا، غير أنه قد نتج عنه شلل كامل، ولم يثبت من خلال الخبرة وجود خطأ طبي؛ مِمَّا أدَّى إلى رفض الدعوى من قِبل محكمة مرسيليا الإداريَّة، وعندما عُرض الأمر لأول مرة على مجلس الدولة عام 1988 رفضت منحه التعويض، وقد أُعيد عرض القضية وقضت في عام 1993 بإلزام المستشفى بالتعويض تأسيسًا على المسؤوليَّة غير القائمة على خطأ. ونتيجة لذلك تبنَّى المشرع الفرنسي نظامًا للتعويض غير قائم على الخطأ في عام 2002؛ فأنشأ صندوقًا للتعويض عن الحوادث الطبية التي تقع دون إمكانيَّة إثبات المريض لخطأ طبي؛ ليُعزِّز من سلامة المرضى ويوفِّر الحماية اللازمة في ضوء التطورات الطبيَّة المُتسارعة. وقد أقرَّت العديد من الدول المسؤوليَّة الطبيَّة غير القائمة على خطأ، ومنها الولايات المتحدة الأمريكيَّة التي أقرَّت نظامًا للتعويض عن الأضرار الناجمة من لقاحات أطفال مُعيَّنة بموجب قانون صادر من قبل الكونغرس الأمريكي عام 1991، كما أقرَّت نيوزلندا نظامًا شاملا للمسؤوليَّة الطبيَّة دون الحاجة إلى إثبات خطأ طبي. ختامًا، يتعين على المشرع القطري دراسة السياسات التشريعيَّة الحديثة في المسؤوليَّة الطبيَّة، ويجب كذلك على القضاء دراسة التوجهات القضائيَّة المقارنة في المسؤوليَّة الطبيَّة وتبنِّي آليَّات تُوفِّر الحماية اللازمة للمرضى، وخاصة في ضوء الثورة الصناعيَّة الرابعة وما يُصاحبها من تطور تقني هائل، وما يُرافقها من مخاطر مجهولة لا يُعرف مداها ولا يُمكن تقدير جسامتها. والله من وراء القصد.
852
| 29 ديسمبر 2025