رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
قيل وكتب الكثير عن زيارة سمو الأمير الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني لقطاع غزة أرض العزة والشموخ، والحق أنني تابعت معظم ما قيل وما كتب عن تلك الزيارة بين مادح وناقد ولن أستطيع مجارات وبلاغة ما كتب وما قيل في نتائج ودواعي تلك الزيارة الميمونة.
أمير دولة قطر حمد بن خليفة رجل مقدام شجاع لا يبالي بكل التحذيرات والتخويفات الأمنية. في مطلع عام 1991 في عز احتدام المعارك(عاصفة الصحراء) لما سمي بتحرير الكويت من الجيش العراقي الذي وصلت طلائع قواته إلى منطقة الخفجي الحدود الشمالية الشرقية للمملكة السعودية اصطحب سموه أبناءه وذهب بهم إلى ميدان المعركة الحية ليكون مع الوحدة العسكرية القطرية التي أبلت بلاء حسنا في معركة الخفجي دفاعا عن الشقيقة الكبرى المملكة السعودية.لم يقعد في العاصمة الدوحة يصدر بيانات الشجب والإدانة عندما اشتدت المعارك في تلك المنطقة بل ذهب بأولاده الذين بلغوا سن الحلم ليكونوا في الصفوف الأمامية مع جنود قطر البواسل، لم يفعلها أي زعيم من حكام الخليج في ذلك الزمان بل إن بعضهم راح بعيدا عن ميدان المعارك العسكرية كما لم يفعلها حسني مبارك الذي ورط الأمة في تلك الحرب الملعونة ولم يفعلها حافظ الأسد حيث اشتركت قواتهما مع قوى التحالف الغربي لتدمير العراق وليس لتحرير الكويت فقط.
في عام 2006 عندما انقسم حكام العرب حول أسباب ودواعي الحرب الإسرائيلية على لبنان وقف وحيدا مناصرا للمقاومة اللبنانية في تصديها للعدوان الصهيوني على أشقائنا اللبنانيين لم يخض في الأسباب والمسببات، وراح سموه إلى زيارة الضاحية الجنوبية لبيروت والحرائق ما برحت مشتعلة والقنابل التي أمطرتها إسرائيل على لبنان لم يتفجر بعضها انتظارا لإقدام مشاة أو مركبات لتتفجر فيهم ليس هذا فحسب ولكن كانت طائرات العدو تحوم في سماء بيروت مخترقة بين آن وآخر جدار الصوت ورغم تحذيرات الجهات الأمنية المختصة في لبنان حكومة ومقاومة بأن الزيارة فيها مخاطرة على حياة أميرنا المفدى حفظه الله، هذه التخويفات الأمنية لم تمنع سموه من الظهور في شوارع وأزقة وحواري الضاحية الجنوبية يتفقد الدمار الذي لحق بها جراء القصف الإسرائيلي في الوقت الذي اختفى فيه عن الأنظار بعض قيادات المقاومة من الساحة حرصا على حياتهم أثناء الحرب وبعد أن وضعت أوزارها بقوا مختفين في أماكن آمنة لا يخاطبون الجماهير إلا من وراء جدر. كان أميرنا في زيارته لضاحية بيروت الجنوبية ليتفقد حال الناس والدمار الذي لحق بهم وبممتلكاتهم راح سموه يصدر توجيهاته السامية بإعداد ميزانية لإعادة إعمار ما دمرته الحرب في الضاحية وجنوب لبنان والتنفيذ فورا.
بعد أن اكتمل إعمار جنوب لبنان والضاحية قام سموه بزيارة أخرى ليتفقد ما تم إنجازه والتوجيه بزيادة المخصصات كما لم يتم إنجازه، وخرج شعب لبنان في الجنوب لتحية سموه والتعبير عن شكر الشعب وتقديره لما فعلت دولة قطر تجاه الشعب اللبناني الشقيق.
في أواخر عام 21008/ ومطلع عام 2009 عندما اشتد العدوان الصهيوني على غزة دعا سموه إلى مؤتمر قمة عربي عاجل من أجل إنقاذ غزة من الهلاك على يد الجيش الإسرائيلي وعارضه الكثير من الحكام العرب ومحمود عباس مسايرة لرغبة صهيونية أمريكية وقال سموه كلمته المشهورة " كلما اكتمل النصاب لانعقاد القمة من أجل غزة ينفرط مرة أخرى، فحسبنا الله ونعم الوكيل " ورغم معارضة بعض الزعماء العرب انعقدت قمة الدوحة بمن حضر، ولن أخوض في نتائج ذلك المؤتمر واختلاف العرب حوله بما في ذلك السلطة الفلسطينية (محمود عباس).
لقد قام سموه وآل بيته بجهود من أجل إعادة اللحمة بين محمود عباس (فتح العباسية) وقيادات حركة حماس ولكن الأول أبى واستكبر لأنه مرتبط بوعود وعهود مع قيادات الكيان الإسرائيلي من أي حزب كان وفي الحالتين يخسر محمود عباس، الإسرائيليين ومنذ عام 1993 وحتى اليوم لم يقدموا أي تنازل لمحمود عباس صاحب اتفاق أوسلو بل راحوا يتوسعون في عمليات الاستيطان ويسارعون في عملية تهويد مدينة القدس المقدسة بمعنى آخر أنه لم يحقق أي هدف من أهداف الشعب الفلسطيني الذي قدم التضحيات وما برح يقدم من أجل استعادة حقوقه المشروعة.
بالأمس كان الأمير في غزة لم ترهبه الغارات الإسرائيلية على أهل غزة والتحذيرات الأمنية، إنه ذهب في صحبة أبنائه وزوجه ورئيس وزرائه ووفد كبير من أهل قطر الميامين وقبله طلب من عباس أن يصحبه في زيارة القطاع لتكون نقطة البداية لأنها الخلاف مع الحكومة المنتخبة القائمة في غزة ولكنه تمنع واستكبر على الاستجابة لمرافقة أمير قطر. وراح المتزلفون والمنافقون من أتباع مدرسة أوسلو يقولون: إن زيارته كانت من أجل تكريس القطيعة بين غزة والضفة الغربية، وقيل كلام كثير في هذا السياق، لكن أليست القطيعة مع غزة واقعة منذ عام 2007، لأول مرة في التاريخ رئيس دولة!! يمتنع عن العودة إلى أي بقعة من بلاده بمجرد وقوع حوادث من أجل تثبيت الأمن والقضاء على الفلتان الأمني.
أذكر وللتاريخ عندما حدثت اضطرابات في جنوب الأردن عام 1989 (معان)واستعصى الأمر على ولي عهد الأردن الأمير الحسن لحل أسباب تلك الأزمة، عاد الملك حسين من خارج البلاد وذهب إلى جنوب الأردن واحتوى الأزمة بحكمته ورجاحة عقلة واستجاب لمطالب الناس، محمود عباس على العكس استسلم لأهوائه ومصالحه وقاطع غزة ولم يدخلها حتى الآن ما أردت قوله إنه هو أبو القطيعة بين غزة ورام الله وليست زيارة أمير قطر.الأمر الثاني أن السلطة ليس لديها مانع من إعمار غزة لكن بطريقتها وتسليم الأموال لها رغم أن الفساد ينخر السلطة كلها.
آخر القول: للحديث صلة
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
3426
| 02 أكتوبر 2026
كنا نخاف على أبنائنا من الغريب والبعيد فأتين لهم بالغريب والبعيد داخل منزلهم وغرف نومهم.. في بعض بيوتنا الخادمة تعرف أبناءنا أكثر منا والسائق يقضي معهم وقتا أكثر من آبائهم، والخادمة تعرف متى يستيقظ الطفل وماذا يحب أن يأكل ومتى يغضب وكيف يرضى وماذا يخيفه وأين ملابسه وماذا يريد …. ويعرف السائق مدرسته وأصدقاءه ومواعيده وأحاديثه ومزاجه ومشكلاته والأخطر أسراره التي يخفيها عن الجميع وربما يعينه عليها الخدم، أما الأب والأم فقد يحصلان في نهاية اليوم على تقرير مختصر مضمونه: أكل؟ نعم رجع من المدرسة؟ نعم نام؟ نعم وبكل بساطة تتحول الأبوة والأمومة من معايشة وتربية إلى مجرد متابعة وتمويل، وهذه ليست مبالغة عاطفية هذا واقع يعيشه المجتمع وإليكم بعض الأرقام اللي تنبه على خطورة هالشي ومنها: معهد البحوث الاجتماعية والاقتصادية المسحية بجامعة قطر اجرى مسحا وشمل 607 أسر قطرية كان نحو ثلثي الأسر التي شملها المسح لديها عاملان منزليان أو أكثر !!! وفي تقرير منفصل ذُكر فيه أن العمالة المنزلية في قطر بلغ 170 ألف تقريبا وأغلبهم من العنصر النسائي … إذن الموضوع ليس حالات فردية، الموضوع متغلغل في كل المجتمع نحن أمام ظاهرة اجتماعية تستحق أن نتحدث عنها بصراحة. وسؤال صريح: ما حجم المساحة التي أعطيناها للخدم داخل حياة أبنائنا وبيوتنا؟ فالخادمة ليست المشكلة، والسائق ليس المشكلة.. المشكلة تبدأ عندما نطلب منهما من حيث ندري أو لا ندري أن يؤديا وظائفنا بدلاً عنا.. الخادمة جاءت لتساعد الأسرة لا لتصنع شخصية الطفل وتكون المسؤولة عن اكل ولبس وغرفة الزوج، والسائق جاء ليقود السيارة لا ليصبح الرفيق اليومي للابن والعائلة وسأقف هنا ولن أتعمق اكثر لانني خصصت هذا المقال عن الابناء. دعونا نرتبها بشكل أبسط: الخادمة توقظه الخادمة تطعمه الخادمة تلبسه السائق يوصله السائق يعيده الخادمة تستقبله الهاتف يسليه الألعاب الإلكترونية تبعده ثم يأتي الأب والأم في آخر المساء ويسألان: ليش عيالنا ما يجلسون معنا؟ والسؤال الحقيقي ربما يجب أن يكون: متى جلسنا نحن معهم أصلًا؟ نحن أمام جيل يتوفر له كل شيء ماديًا، لكنه يعاني فقرًا في الاحتكاك الأسري والاجتماعي غرفة مستقلة هاتف حديث ألعاب مدارس ممتازة خادمة سائق ملابس مصروف كل شيء موجود إلا شيء واحد: الأب والأم في التفاصيل اليومية وهنا لا أتحدث فقط عن العاطفة، بل عن الهوية فالطفل القطري أو الخليجي أو العربي لا يولد وهو يعرف تلقائيًا كيف يسلم على الكبير، وكيف يستقبل الضيف، وكيف يجلس في المجلس، وكيف يحترم كبار السن، وكيف يصل رحمه، وكيف يعرف أبناء عمه وخاله، وكيف يتحدث مع الناس، وكيف يؤدي واجبه في الأفراح والأتراح. هذه ليست معلومات تُحمّل في رأسه كما نحمل تطبيقًا على الهاتف. هذه ثقافة تُعاش يرى أباه فيقلد يرى أمه فيتعلم منها يجلس مع جده يسمع حديث أقربائه يستقبل الضيوف يسلم يسمع يخطئ فيُصحح له وهكذا تتشكل الشخصية لكن إذا أخرجنا الطفل من هذه الدائرة، ثم وضعناه سنوات طويلة بين غرفة مغلقة وهاتف وخادمة وسائق، فلا ينبغي أن نتفاجأ عندما يصبح غريبًا عن التفاصيل التي صنعت مجتمعنا نحن ربما لا نخسر بعض العادات فقط، بل نخسر طريقة انتقالها من جيل إلى جيل البحوث في الخليج ناقشت بالفعل تأثير الاعتماد على الخادمات بوصفهن مقدمات رعاية للأطفال. دراسة منشورة في Journal of Early Childhood Research تناولت هذا النمط في الخليج وأشارت إلى مخاوف وآثار على النمو الاجتماعي والعاطفي عندما تحل الخادمة محل مقدم الرعاية المؤهل أو الأسرة لفترات واسعة. ودراسات أحدث في الإمارات تبحث اليوم حتى أثر وجود الخادمات والمربيات في البيئة اللغوية المبكرة للطفل، لأن من يقضي مع الطفل ساعات طويلة يصبح، طبيعيًا، جزءًا من البيئة التي يكتسب منها لغته وسلوكه وثقافته وهنا يجب أن نكون منصفين ليس كل طفل لديه خادمة سيعاني مشكلة وليس وجود السائق سببًا في فساد التربية وليس كل رعاية غير أبوية سيئة المشكلة في الإفراط في التفويض أن يتحول المساعد إلى بديل نشتكي: عيالنا ما يعرفون الناس ولا الناس تعرفهم طيب هل أخذناهم معنا؟ أبناؤنا انعزاليون ولكن من الذي صنع لهم حياة يستطيعون فيها قضاء يوم كامل داخل غرفة دون حاجة إلى أحد؟ نحن السبب وهناك سؤال أكثر إحراجًا: هل أصبحنا نستخدم الخادمة والسائق أحيانًا كي نتخلص من مشقة الأبوة والأمومة، ثم نشتكي لاحقًا من نتائج غيابنا؟ الأبوة ليست دفع الفواتير والأمومة ليست متابعة كاميرا المنزل عن بُعد لا توجد خادمة، مهما بلغت أمانتها وحبها للأطفال، تستطيع أن تؤدي الدور الثقافي والعاطفي والاجتماعي للأم فلا نظلم الخادمة ونحمّلها مسؤولية تربية لم نمارسها نحن ولا نلوم السائق لأنه أصبح قريبًا من أبنائنا، إذا كنا نحن الذين منحناه ساعات لم نمنحها لهم الحل أن نعيدهما إلى مكانهما الطبيعي في المنزل: مساعدين للأسرة، لا بديلين عنها الطفل الذي لا نعطيه هويته في البيت، سيبحث عن هوية في مكان آخر والطفل الذي لا نعطه وقتنا، سيعطي وقته لمن يمنحه الاهتمام والطفل الذي لا نملأ ذاكرته بنا، سيملؤها غيرنا وربما بعد سنوات نجلس في مجلس ونشتكي: (( عيال اليوم تغيّروا )) الحقيقة الأكثر إيلامًا قد تكون: ليسوا هم فقط الذين تغيّروا.. نحن أيضًا تغيّرنا في طريقة تربيتهم. شكراً ميري.. شكراً كومار
3192
| 06 أكتوبر 2026
التوظيف بين وزارات الدولة وشركات الوساطة بات اليوم سؤالًا مشروعًا يحتاج إلى إجابة واضحة. فدولة صغيرة بعدد سكانها مثل قطر لا يمكن أن تكتفي بالكوادر الوطنية وحدها لتغطية كل التخصصات والمهن، ومن الطبيعي أن تستعين بالمقيمين والوافدين لسد النقص، خصوصًا في الوظائف التي قد لا يقبل عليها المواطن لاعتبارات مهنية أو ثقافية. لكن ما يحدث في الواقع أن بعض الوزارات والجهات الحكومية، بحكم القوانين والإجراءات التنظيمية، لا تستطيع التعاقد المباشر مع المقيمين رغم وجود حاجة فعلية لهم، فتضطر إلى اللجوء لشركات توظيف خاصة تقوم بدور الوسيط؛ فتوقّع العقود مع الموظفين ثم تعيرهم للوزارات، لكنها تقتطع من رواتبهم أحيانًا ما يقارب النصف تحت مسمى “عمولة” أو “رسوم إدارية”. وهنا يبرز الخلل: الوزارة تدفع ميزانيتها كاملة، والشركة تستحوذ على النصيب الأكبر، والموظف، الذي يقوم بالعمل فعليًا، لا يحصل إلا على النصف أو أقل، في بلد ترتفع فيه تكاليف المعيشة. فيبقى السؤال: كيف يعيش؟ وكيف يعيل أسرته؟ وكيف يدرّس أبناءه؟ والمفارقة أن كل جهاز حكومي لديه أصلًا إدارة متكاملة للتوظيف والموارد البشرية، تضم موظفين مختصين ومؤهلين للقيام بمهام الاستقطاب والاختيار والتعيين. فما الحكمة إذن من وضع التحكم في يد طرف ثالث، بينما الجهة الحكومية مؤهلة وقادرة على القيام بمهامها؟ ولماذا يُترك الموظف والمجتمع ليتحملا الكلفة، بينما المستفيد الأكبر هم أصحاب هذه الشركات؟ والأكثر إثارة للتساؤل أن شركات التوظيف التي تدور في هذا المجال محدودة ومعروفة، وهنا يحق للناس أن يسألوا: من أصحاب هذه الشركات؟ ومن المستفيد من بقاء هذا الباب مفتوحًا؟ وهل نحن أمام تنظيم إداري يخدم المصلحة العامة، أم أمام منفذ ربحي يستفيد منه قلة على حساب حاجة الدولة وجهد الموظف؟ وهذه العقود لا تظلم الموظف في الراتب فقط، بل تمتد إلى حقوقه الأساسية؛ فقد يُخصم من راتبه إذا مرض رغم تقديم شهادة طبية معتمدة، لأنه لا يتمتع بإجازات مرضية أو سنوية مدفوعة، ولا بضمانات وظيفية واضحة، ولا زيادات سنوية، ولا مكافأة نهاية خدمة، بل قد يتأخر راتبه أحيانًا إلى ما بعد بداية الشهر. والأخطر أن بعض الجهات الحكومية تستفيد من خبرات وكفاءات تعمل داخل مؤسساتها وتتحمل مسؤوليات كبيرة، لكنها تتركها تحت رحمة مكاتب وشركات وسيطة، تحقق أرباحًا عالية من جهد الموظف وخبرته، بينما يتحمل هو وحده مخاطر الخصم وعدم الاستقرار والاستبدال. ومن الناحية الشرعية والأخلاقية، فإن هذا النوع من العقود يثير تساؤلات جدية؛ فالوسيط من حقه أن يأخذ أجرًا معلومًا ومحددًا مقابل خدمته، لكن أن يتحول الأمر إلى اقتطاع مستمر من راتب الموظف طوال سنوات خدمته، فهذا يقترب من شبهة أكل أموال الناس بغير وجه حق، ويفتح بابًا واسعًا للاستغلال. والمسؤولية هنا لا تقع على الشركة وحدها، بل تشمل أيضًا الجهة الرسمية التي سمحت بهذا النموذج أو تغاضت عنه. أما من ناحية التخطيط، فالمنطق يقول إن الهدف من هذه الإجراءات هو إعطاء الأولوية للمواطن، وهذا هدف مفهوم ومشروع، لكن لا يجوز أن يتحول الأمر إلى التفاف إداري يرهق المقيم، ويضر بصورة العدالة، ويكلف الدولة أحيانًا أكثر مما لو تم التعاقد المباشر بشفافية ووضوح. نحن لسنا ضد التعاقدات، ولا ضد القطاع الخاص، ولا ضد ربح الشركات، لكننا ضد أن يكون الربح على حساب كرامة الإنسان وحقوقه الأساسية. فالكفاءة والخبرة ليست سلعة في مناقصة، والإنسان ليس رقمًا في فاتورة شهرية، يتم الاستغناء عنه أو استبداله متى انتهت الحاجة إليه. الحل ليس معقدًا: التعاقد المباشر مع المقيمين في الوظائف التي لا يتوافر لها مواطنون، ضمن عقود واضحة تحفظ الحقوق، مع تقييد دور شركات الوساطة بحيث تكتفي بأجر مقطوع ومعلوم لمرة واحدة، بدلًا من الاقتطاع الدائم من رواتب الناس. وهذا المقال موجّه إلى وزارة العمل، وديوان الخدمة المدنية والتطوير الحكومي، ووزارة المالية، وديوان المحاسبة، ومجلس الشورى، وكل جهة معنية بمراجعة عقود التوظيف، وحماية المال العام، وصون حقوق العاملين. فالمسألة في جوهرها تحتاج إلى مراجعة قانونية وشرعية وإدارية، حتى يكون التوظيف في قطر قائمًا على العدل لا على الالتفاف، وعلى الاستقرار لا على الاستغلال، وبما يحفظ حق الدولة، وحق الشركة، وحق الموظف، لأن الاستثمار الحقيقي لأي مؤسسة يبدأ من احترام الإنسان وخبرته واستقراره.
1233
| 01 أكتوبر 2026