رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
ماذا يفعل المسلم إزاء زلات إخوانه معه ؟وكذا المسلمة عندما تتكرر زلات أخواتها وجاراتها معها؟
الجواب : الحمد لله ولا حول ولا قوة إلا بالله والصلاة والسلام على رسول الله ومن والاه وبعد
أولا : معنى الزلة : هي هنا السيئة تقع بلا قصد وقيل للذنب يقع من غير قصد زلة تشبيهاً له بزلة الرجل كما ذكره الراغب . وقد تحمل على الصغيرة، أو على أول معصية زل فيها مطيع معك. قال تعالى: "فإن زللتم"البقرة:209]، وقال:" فأزلهما الشيطان"البقرة:36]، واستزله: إذا تحرى زلته، وقوله:"إنما استزلهم الشيطان"آل عمران:155]، أي: استجرهم الشيطان حتى زلوا، فإن الخطيئة الصغيرة إذا ترخص الإنسان فيها تصير مسهلة لسبيل الشيطان على نفسه.وقد علمنا النبي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَآلِه وسلَّمَ – أن نتوجه إلى الله تعالى بالاستعاذة من عدة شرور تقع منا أو علينا وخاصة عند خروجنا من بيوتنا وتوجهنا إلى أي جهة سواء كان موقع العمل أو السوق أو ... أو …وجهنا - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَآلِه وسلَّمَ – إلى أن نستعيذ بالله من أن يصدر عنا ذنب بغير قصد أو قصد ومن أن نظلم الناس في المعاملات أو أن نؤذيهم في المخالطات أو أن نفعل بالناس فعل الجهال من الإيذاء والإساءة قال الصديق عليه السلام لإخوانه وقد أمكنه الله تعالى منهم بعدما ألقوه في غيابة الجب " قَالَ هَلْ عَلِمْتُم مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنتُمْ جَاهِلُونَ"[يوسف : 89]هذا النص الكريم يقرر أنه ما من أخ يؤذيه أخوه ويسيء إليه إلا ووراء هذه الإساءة أو الأذي جهل ، ثم إن الإنسان إذا خرج من منزله لا بد له أن يعاشر الناس وأن يزاول أمور حياته فيخاف أن يعدل عن الصراط المستقيم فإما أن يكون في أمر الدين فلا يخلو من أن يَضل أو يُضل، وإما أن يكون في أمر الدنيا فإما بسبب جريان المعاملة معهم بأن يَظلم أو يُظلم وإما بسبب الاختلاط والمصاحبة فإما أن يَجهل أو يُجهل فاستعيذ بالله من هذه الأحوال كلها عَن أُمّ سَلَمَةَ - رَضِيَ الله عنها - "أَنّ النبيّ - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَآلِه وسلَّمَ - كَانَ إِذَا خَرَجَ مِنْ بَيْتِهِ قالَ: "باسْمِ اللَّهِ تَوَكَّلْتُ على اللَّهِ، اللَّهُمَّ إني أَعُوذُ بِكَ أنْ أضِلَّ أَوْ أُضَلَّ، أوْ أزِلَّ أَوْ أُزَلَّ، أَوْ أظْلِمَ أَوْ أُظْلَمَ، أوْ أجْهَلَ أَوْ يُجْهَلَ عليَّ" سنن الترمذي كتاب الدعوات عَن رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم. باب منه. قال أبو عيسى: هَذا حديثٌ حَسَنٌ صحيحٌ.. وكان من دعاء معاوية حين احتضاره"اللَّهُمَّ أَقِلِ العَثْرَةَ، وَاعْفُ عَنِ الزَّلَّةِ، وَتَجَاوَزْ بِحِلْمِكَ عَنْ جَهْلِ مَنْ لَمْ يَرْجُ غَيْرَكَ، فَمَا وَرَاءكَ مَذْهَبٌ" وقال الأصمعي: سمعت أعرابيا يقول في صلاته: الحمد لله حمدا لا يبلى جديده ولا يحصى عديده، ولا يبلغ حدوده؛ اللهم اجعل الموت خير غائب ننتظره، واجعل القبر خير بيت نعمره، واجعل ما بعده خيرا لنا منه؛ اللهم إن عينيّ قد اغرورقتا دموعا من خشيتك؛ فاغفر الزلة، وعد بحلمك على جهل من لم يرج غيرك. العقد الفريد (4/ 8.
ثانيا : بعد بيان معنى الزلة نقول يجب على المؤمن أن يتخلق بأخلاق الله تعالى في العفو والصفح والمسامحة والإغضاء عن زلات معارفه وإخوانه معه ، فإذا زل أحدهم معه زلة غفرها وبات طاويا سليم الصدر فلا مبرأ من عيب ولا سليم من نقص
(ومنْ ذا الذي ترضى سجاياهُ كلها ... كفى المرء نبلاً أن تعدَ معائيه)
قال كثير عزة:
ومن لم يغمض عينه عن صديقه.. وعن بعض ما فيه يمت وهو عائب
ومن يتتبع جاهداً كل عشرة .. يجدها ولم يسلم له الدهر صاحب
وقيل لخالد بن صفوان: أي إخوانك أحب إليك؟ قال:
الذي يَسُد خَلَّتي ، ويغفر زلتي ، ويقيل عثرتي. وقيل: من عاتب على كل ذنب ضاع عتبه، وكثر تعبه. المستطرف في كل فن مستطرف (ص: 131)
والإنسان لا يخلو من زلات وتبعات في مدة عمره، إما من باب الصغائر وإما من باب ترك الأفضل ،حتى المتقين لا يسلمون ولعل هذا هو سر التعبير القرآني في الآية الكريمة في مس الشيطان لهم بأداة الشرط إذا المفيدة لكثرة وتيقن وقوع المس والوسوسة والنزغ قال تعالى { إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ"[الأعرف: 201] ولكنهم لتقواهم يسترجعون من الشيطان ما اختلسه منهم ويستردون منه ما افترسه في سلوكهم بالاستغفار والتوبة والإنابة إلى الله عز وجل بالذلة وإعلان الضعف والافتقار والاعتراف بالغفلة فلا تتركهم تقواهم للإصرار على المخالفة والاستمرار على الزلة بل ربما كانوا بعد المعصية والزلة أكمل منهم قبلها لعظيم ما ينشأ عن هذه الزلة من الذلة والانكسار والالتجاء والافتقار إلى الله تعالى ، ومن رام سليما من هفوة والتمس بريئا من نبوة ، فقد خادع نفسه إذ الكمال لله تعالى وحده ولا عصمة إلا للنبي ولا نبوة بعد محمد - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَآلِه وسلَّمَ – " مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً"[الأحزاب:40] وقد جاء في صفةِ مَجْلِسه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَآلِه وسلَّمَ – "ولا تُنْثى فلَتاتُه" أي لا تُشاع ولا تُذاع زَلاَّتُه. والفَلَتاتُ: الزَّلاَّتُ؛ والمعنى أَنه –- صَلَّى الله عَلَيْهِ وَآلِه وسلَّمَ - لم يكن في مجلسه فَلَتاتٌ أَي: زَلاَّتٌ فَتُنْثى أَي: تُذْكَرَ أَو تُحْفَظَ وتُحْكى، لأَن مجلسه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَآلِه وسلَّمَ - كان مَصُوناً عن السَّقَطاتِ واللَّغْو، وإِنما كان مَجْلِسَ ذِكْرٍ حَسَنٍ، وحِكَمٍ بالغةٍ، وكلامٍ لا فُضُولَ فيه.كما ذكر ابن الأثير في النهاية في غريب الحديث والأثر. ثم إن الدهر لا ينيل كل إنسان ما يتمنى ويطلب ولا يعطي كل راغب ما يحب لذا لزمت المياسرة للإخوة في الصفح والإغضاء
خذ من خليلك ما صفا وذر الذي فيه الكدر
فالعمر أقصر من معا تبة الخليل على الغير
وللمرء من إخوانه ما ظهر وما بطن فأمره إلى الله تعالى من غير تقص وتفحص للبواطن قال أسماء بن خارجة الفزاري ( ما شتمت أحدا قط لأنه إما كريم كانت منه زلة فأنا أحق أن أغفرها وأن آخذ عليها بالفضل فيها .أو لئيم فلم أكن لأجعل عرضي له غرضا ويتمثل بقول الشاعر
وأغفر عوراء الكريم اصطناعه وأعرض عن شتم اللئيم تكرما
هذا رأي يذهب إليه بعض أهل العلم فقد أحب أبو الدرداء - رَضِيَ الله عنه - شابا حتى غلب على مجلسه وكان يقدمه على الأشياخ ويقربه حتى وقع ذلك الشاب المحبوب في كبيرة من الكبائر وعلم بذلك أبو الدرداء فقال - رَضِيَ الله عنه – لا نترك صاحبنا لشيء من الأشياء إنما أبغض عمله فإن تركه فهو أخي وإلا فلا وتمثل قول الله تعالى " فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تَعْمَلُونَ"الشعراء:" 216] وقال أبو الدرداء:"لا تكونوا عونا للشيطان على أخيكم"في هذا من أبي الدرداء - رَضِيَ الله عنه - نظرة تربوية فيها دعوة إلى إصلاح من فسد وتقويم من اعوج ورد من خرج عن الجادة إليها فالمؤمن لا يهلك كله ولا يذهب جملة وإذا تغير وحال عما كان عليه فلا يترك لأنه يعوج مرة ويستقيم أخرى ومداواته خير من تركه فما مثل هؤلاء الذي يرجى صلاحهم واستقامتهم إلا كمفاصل الجسم إذا طرأ لمفصل منها علة أو آفة فالأنفع علاجه وتقويمه ما دام ذلك ممكنا فذلك خير من قطعه
إذا راب منى مفصل فقطعته بقيت وما في الجسم منى مفصل
ولكن أداويه فإن صح سرني وإن هو أعياني فللعذر محمل
وهكذا يذهب أصحاب هذا الرأي مذهب الرفق والنظرة التربوية البعيدة إزاء أصحاب الزلات مادام يرجى استقامتهم فالإبقاء عليهم أولى من قطعهم لما فرط منك من زلة أو سهوة أو هفوة أو جفوة.
ولست بمستبق أخا لا تلمه على شعث أي الرجال المهذب
وفي مجمع الزوائد للهيثمي كتاب الحدود والديات. باب ما يقال لمن أصاب ذنباً. عن ابن مسعود - رَضِيَ الله عنه - قال: إذا رأيتم أخاكم قارف ذنباً فلا تكونوا أعواناً للشيطان عليه تقولون: اللهم أخزه اللهم العنه ولكن سلوا الله العافية، فإنا كنا أصحاب محمد - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَآلِه وسلَّمَ - كنا لا نقول في أحد شيئاً حتى نعلم على ما يموت فان ختم له بخير علمنا أنه أصاب خيراً وإن ختم له بشر خفنا عليه عمله.رواه الطبراني ورجاله ثقات إلا أن عبيدة لم يسمع من أبيه.وعلى هذا يحمل ما ورد في السنة من احتمال رسول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَآلِه وسلَّمَ – لزلات وفلتات برزت من بعض رجال حوله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَآلِه وسلَّمَ – ولكنهم في غالب أحوالهم عدول بتعديل الله تعالى ومن ذلك ما رواه البخاري في صحيحه منْ حديث عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ……أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ خَاصَمَ الزُّبَيْرَ عِنْدَ النَّبِيِّ - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَآلِه وسلَّمَ - فِي شِرَاجِ الْحَرَّةِ الَّتِي يَسْقُونَ بِهَا النَّخْلَ فَقَالَ الْأَنْصَارِيُّ سَرِّحْ الْمَاءَ يَمُرُّ فَأَبَى عَلَيْهِ فَاخْتَصَمَا عِنْدَ النَّبِيِّ - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَآلِه وسلَّمَ - فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَآلِه وسلَّمَ - لِلزُّبَيْرِ أَسْقِ يَا زُبَيْرُ ثُمَّ أَرْسِلْ الْمَاءَ إِلَى جَارِكَ فَغَضِبَ الْأَنْصَارِيُّ فَقَالَ أَنْ كَانَ ابْنَ عَمَّتِكَ فَتَلَوَّنَ وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَآلِه وسلَّمَ - ثُمَّ قَالَ اسْقِ يَا زُبَيْرُ ثُمَّ احْبِسْ الْمَاءَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَى الْجَدْرِ فَقَالَ الزُّبَيْرُ وَاللَّهِ إِنِّي لَأَحْسِبُ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي ذَلِكَ فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً"[النساء: 65] صحيح البخاري كتاب المساقاة. باب سَكْرِ الْأَنْهَارِ.قول الأنصاري هنا لرسول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَآلِه وسلَّمَ – " أَنْ كَانَ ابْنَ عَمَّتِكَ ": زلة من الشيطان تمكن به منها عند الغضب، وليس ذلك بمستنكر من غير المعصوم في تلك الحالة، فأمثال هؤلاء يجب الستر عليهم والإغضاء عن هفواتهم العارضة وزلاتهم الطارئة.ما دام لم يجاهروا بها ولم يصروا عليها وقد قيل
لا يزهدَّنك في أخِ لكَ أن تراهُ زلَّ زلَّةَ
والمرءُ يطرحُه الذ ينَ (الذين) يلونَه في شَرِّ إِلَّة
ويَخُونُه من مأمنٍ أهلَ البِطانةِ والدِّ خِلَّة
والموتُ أعظمُ حادثٍ مما يَمُرُّ على الجِبِلَّهْ
وقال آخر
ابْلُ الرجالَ إِذا أردتَ إِخاءَهم وتوسمنَّ أمورَهم وتَفَقَّدِ
فإِذا رأيْتَ أخا العفافةِ والنهى بِرَّ اليدينِ قريرَ عينٍ فاشْدُدِ
فمتى يزلَّ ولا محالةَ زلةً فعلى أخيكَ بفضلِ حلمِك فارددِ
هذا والأصل في الزلة أنها تقال للذنب يقع فيه العبد من غير قصد ولهذا كان من الحكمة الستر والغفر لصاحبها ما دامت مغمورة في حسنات كثيرة أو ما دامت غير مقصودة.أو ما دامت أول مرة ، أو كانت صغيرة لا تتجاوز بأضرارها حد طاقة البشر.
والفريق الثاني يرى أن طرح الإخوان إذا فسدوا أولى ، وأن نبذهم إذا نفروا أصلح للنفس وأبقى للوقت والطاقة كالثوب الخلق إطراحه بالجديد أجمل له وينشد أحدهم
قد أكثرت حواء إذ ولدت فإذا جفا ولد . فخذ ولدا
ولنا أن نقول بالبصيرة النافذة والرأي السديد والنظر الثاقب وفراسة المؤمن يدرك المسلم طبيعة من حوله استقراء للغائب واستشفافا له من الشاهد واستلهاما للمستقبل من قراءة الحاضر الواقع أن هذا كريم حيي رب زلة أورثته ندامة حقيقية إيجابية تجعله لا يقع في هذه الهوة ثانية ولا يلدغ منه أخوه أو صاحبه ثانية إذ ليس في كل مرة تسلم الجرة فتراه يصلح ما أفسد سريعا ويرمِّم ما صدَّع عاجلا ويرقع ما أقدم على خرقه ويرف ما مزَّق دون أدني ريث ويعود سريعا إلى نفسه فليلومها وضميره يؤنبه وقلبه يضطرب وصدره لا يسكن فيه فؤاده وتظل زلته عليه سبعا هائجا وأسدا ثائرا يقض مضجعه ويغص عليه لقمته ويكدر عليه عيشه فيأتي من الأعمال الصالحة والسلوكيات الحميدة ما يرأب به ما تصدع من بنيان الأخوة وشقق من جسد الوحدة والألفة له في الكرام الكاتبين وكذا الأنبياء المرسلين عليهم السلام قدوة وأسوة فهاهم الملائكة المقربون ما إن بدت منهم زلة وبدرت منهم فلتة حتى بادروا إلى حسن الأدب وجميل الاعتذار تقرأ في هذا عقدا منظوما في فسطاط القرآن "وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ "[البقرة:" 30] لعلك تلاحظ أن هؤلاء الأطهار الأبرار قد سارعوا الرجعة من الهفوة، وبادروا الإنابة من الزلة." قَالُواْ سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ"[البقرة: 32] وكذا شيخ المرسلين لما بدت منه هفوة في حوار ربه عز وجل معه بشأن ابنه وسأل الله تعالى ما ليس له به علم وأرجعه الله تعالى إلى الأدب الرباني ما كان منه عليه الصلاة والسلام إلا سرعة اللجأ والاعتصام بالله تعالى من أن يسألها ثانية بله أول مرة تتلو هذا في هود "وَنَادَى نُوحٌ رَّبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابُنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ * قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلاَ تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ"[هود: 45- 46] لعلك تلحظ هنا أن الله تعالى قد عاتب نوحا عليه السلام في مسألته هذه في شأن ابنه فما أسرع ما رجع نوح إلى ربه عز وجل :" قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُن مِّنَ الْخَاسِرِينَ "[هود: 47]وكذلك فعل كل مسدد للحق موفق له، سريعة إلى الحق إنابته، قريبة إليه أوبته. وهوعز وجل للأوابين بعد الزلة، والتائبين بعد الهفوة غفور لهم وذلك لتخلقهم بالتوجيه النبوي " أتبع السيئة الحسنة تمحها وخالق الناس بخلق حسن" رواه أحمد في مسنده وكذا الطبراني في الكبير فمن كان من الناس على هذه الشاكلة – تكون زلته صغيرة أو مرة تقع منه الإساءة – وكلتاهما عن غير قصد . فحقه إقالة عثرته والأخذ بيده وإعانته على العود إلى طريق الجادة استحياء له فهذه الشاكلة أو النوعية من الناس يصلحها الغفر والستر أما من رأيت أنه قد استمرأ الزلات واستحلى الهفوات ينال منك المرة بعد المرة وما إن تبرأ من هفوة سلفت وما يكاد يلتئم جرحك السابق إلا ويكون قد ألحق الهفوة والزلة السابقة بواحدة هي أكبر من أختها - ولئن كانت الأولى عفوية فمن المستبعد أن تكون الثانية هكذا - وتتعدد وتتنوع جراحاته لك فيكاد يرسم بزلاته خريطة جراحات في حياتك تترك آثارها على نفسياتك ومعنوياتك يقطع عليك الطريق وما أدراك ما قطاع الطريق وترويعهم الآمنين وعيثهم في الأرض فسادا وسلبهم حقوق وممتلكات الآخرين وما رصد الله تعالى لهم من عقاب يجتث جرثومتهم ويستأصل شأفتهم ويقتلع جذورهم من المجتمع نكاية لهم ليذهب غيظ قلوب المؤمنين ويشف صدروهم ومن هنا فهذا الصنف الأخير أولى به القطع والبتر وعلى ضوء هذه المعاني نستطيع أن نفهم مدح الله تعالى الانتصار من الباغي والانتصاف من الظالم في موطن وكذا مدحه تعالى العفو والصفح في موطن آخر والاثنان في مقابل زلات أو قل إساءات متعمدة قال ابن العربي: ذكر الله الانتصار في البغي في معرض المدح، وذكر العفو عن الجرم في موضع آخر في معرض المدح؛ فاحتمل أن يكون أحدهما رافعا للأخر، واحتمل أن يكون ذلك راجعا إلى حالتين؛ إحداهما أن يكون الباغي معلنا بالفجور؛ وقحا في الجمهور، مؤذيا للصغير والكبير؛ فيكون الانتقام منه أفضل. وفي مثله قال إبراهيم النخعي: كانوا يكرهون أن يذلوا أنفسهم فتجترئ عليهم الفساق. - وهذا فيمن يتعدى ويصر على ذلك.- الثانية: أن تكون الفلتة، أو يقع ذلك ممن يعترف بالزلة ويسأل المغفرة؛ و يأتيك نادما مقلعا فالعفو ها هنا أفضل استحياء واستبقاء له وفي مثله يوجه الوحي المعصوم بقول الله تعالى :"وأن تعفوا أقرب للتقوى" [البقرة: 237]. وقوله تعالى : "فمن تصدق به فهو كفارة له" [المائدة: 45]. وقوله تعالى: "وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم" [النور: 22] وقديما قيل (إنَّ الْجَوَادَ قَدْ يَعْثُرُ) فمن يكون الغالبُ عليه في سلوكه معك فعل الجميل، وليس يعرف بالشر ثم تكون منه الزَّلَّة حقه سترها فهي مغمورة في حسناته ومن ستر مسلما ستره الله في الدنيا والآخرة وما أجمل ما قال الشافعي رحمه الله في هذا المعنى عفوا وصفحا عن الهفوات الطارئة والزلات العارضة العابرة وإن قصرها على هفوات المسافرين إلا أنها كما تليق بالمنتقلين تصلح للمقيمين
إَذَا رَافَقْتَ فِي الأَسْفَارِ قَوْمَاً فَكُنْ لَهُمْ كَذِي الرَّحِمِ الشَّفِيقِ
لَعَيْبُ النَّفْسِ ذَا بَصَرٍ وَعِلْمٍ وَأَعْمَى العَيْنِ عَنْ عَيْبِ الرَّفِيق
وَلاَ تَأْخُذْ بِعَثْرَةِ كُلِّ قَوْمٍ وَلكِنْ قُلْ هَلُمَّ إِلَى الرَّفِيقِ
فَإِنْ تَأَخُذْ بِعَثْرَتِهِمْ يَقِلُّوا وَتَبْقَى فِي الزَّمَان بِلاَ صَدِيقِ
وعلى كل حال كما قال تعالى:" بَلِ الْإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ"[القيامة:14] ومن هذه البصيرة النافذة ما يمكن أن تدرك بها من يصلح معه الغفر والستر ومن لا يصلح معه إلا القطع والبتر.والله تعالى ولي التوفيق.
توسيع دائرة التصعيد.. خسائر بلا مكاسب
تشكل تطورات المواجهة العسكرية بين إيران والولايات المتحدة، والاعتداءات الإيرانية المستمرة على دول المنطقة، وانعكاسات هذه الحرب على... اقرأ المزيد
66
| 21 يوليو 2026
حين أصبح كل شيء محتوى
لم يتغيّر العالم لأن الكاميرات أصبحت أصغر، ولا لأن الهواتف أصبحت أذكى، بل لأن الإنسان نفسه بدأ ينظر... اقرأ المزيد
99
| 21 يوليو 2026
طريق أبي
كانت تظن بأن أباها سيبقى هناك دائمًا… كبرت وهي لا تعي معنى أن تفقد السند..فوجوده كان طمأنينةً لا... اقرأ المزيد
108
| 20 يوليو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في رحيل الرجال العظام لا تُطوى صفحة من تاريخ البشرية، بل يُفتح فصلٌ جديد في ذاكرة الأمم. وحين يترجل قائد بحجم الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، طيب الله ثراه، فإن الحديث لا يكون عن سيرة رجلٍ فحسب، بل عن قصة وطن أعاد تعريف نفسه بطريقة مختلفة، وعن إرثٍ تجاوز جميع الحدود والجغرافيا ليترك أثره في الإنسان أينما كان. رحل الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، وبقيت بصماته شاهدة على مرحلةٍ صنعت الفارق في تاريخ قطر الحديث والمنطقة والعالم. لقد كان رحمه الله من أولئك القادة الذين لا يكتفون بإدارة الحاضر، بل يغامرون بصناعة المستقبل. وحين تسلم زمام المسؤولية والقيادة عام 1995، كانت قطر دولة واعدة، لكنه رأى فيها ما هو أبعد من ذلك بكثير، رأى وطناً قادراً على أن يكون رقماً مهماً وصعباً في الاقتصاد والسياسة والإعلام والتعليم والتنمية الإنسانية ونصرة المظلوم وصوتاً للحرية. ومن الإنصاف للتاريخ أن يُقال إن الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني رحمه الله لم يبنِ مشاريع إسمنت وحديد فقط، بل بنى ما هو أهم، بنى الفكرة. فكرة أن الدولة الصغيرة في مساحتها يمكن أن تكون كبيرة في تأثيرها، وأن الثروة الحقيقية ليست في الغاز والنفط وحدهما، بل في الإنسان والعلم والمعرفة والاستثمار في العنصر البشري. ولذلك شهدت قطر في عهده نهضة تعليمية غير مسبوقة وتحولت إلى مركز عالمي للجامعات والبحوث والابتكار، فصارت المعرفة جزءاً من مشروعها الوطني لا مجرد شعار يُرفع في المناسبات. ولم يقتصر اهتمامه بالتعليم على أبناء وطنه فحسب، بل امتد أثره إلى آلاف المدارس والمبادرات التعليمية حول العالم. فقد آمن بأن التعليم هو الطريق الأقصر لمكافحة الفقر والجهل وفتح آفاق المستقبل أمام الشعوب، فدعمت قطر في عهده برامج ومشروعات تعليمية وصلت إلى ملايين الأطفال والشباب في مناطق عديدة من العالم، ومنحت فرصة التعلم لمن حُرموا منها بسبب الحروب أو الفقر أو النزوح. وهكذا تحولت رسالة التعليم من مشروع وطني إلى رسالة إنسانية عابرة للحدود، كان أثرها ممتداً في حياة أجيال كاملة ستبقى شاهدة على هذا العطاء. وفي الجانب الإنساني لم يكن حضوره مقتصراً على حدود وطنه. فقد امتدت يد قطر إلى مناطق الأزمات والكوارث، حاملةً الغذاء والدواء والتعليم والأمل. وساهمت في دعم الشعوب المنكوبة ورعاية اللاجئين، وتمويل المبادرات التنموية حول العالم، حتى أصبحت المساعدات الإنسانية القطرية عنواناً معروفاً في كثير من بقاع الأرض. لقد آمن رحمه الله بأن قيمة الدول تُقاس أيضاً بما تمنحه للإنسانية من خير ورحمة. أما في الإعلام فقد ارتبط اسمه بتحولٍ تاريخي غيّر المشهد الإعلامي العربي بشكل خاص والعالمي بشكل عام، حين انطلقت تجربة إعلامية جعلت من حرية الرأي والنقاش مساحةً أوسع مما عرفته المنطقة من قبل، فكان لذلك أثره العميق في تشكيل الوعي العام وإيصال الصوت الذي كان لا يجد طريقاً للوصول. واقتصادياً قاد مشروعاً استراتيجياً جعل قطر من أبرز القوى الاقتصادية العالمية في مجال الغاز الطبيعي المسال، وفتح أبواب الاستثمار الدولي على مصراعيها، حتى أصبحت الدوحة اسماً حاضراً في كبريات الأسواق والمؤسسات المالية العالمية. ولم يكن ذلك مجرد نجاح اقتصادي، بل كان بناءً طويل الأمد لأجيالٍ قادمة. وفي ميدان السياسة والدبلوماسية والوساطات رسخ نهجاً جعل من الحوار والوساطة وسيلةً لحل النزاعات وتقريب وجهات النظر. فغدت قطر لاعباً مؤثراً في ملفات إقليمية ودولية معقدة، واستحقت مكانةً تفوق الجميع وتفوق حجم الدول جغرافياً. ومن المواقف التي ستبقى علامة فارقة في مسيرته السياسية قراره التاريخي بتسليم مقاليد الحكم إلى حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني عام 2013، في خطوة جسدت إيماناً راسخاً بتجدد القيادة واستمرارية الدولة، وقدمت نموذجاً حضارياً نادراً للتداول السلس للمسؤولية، مؤكدةً أن بناء الدول لا يكتمل بصناعة الإنجازات فحسب، بل بضمان استدامتها وانتقالها بأمان وثقة إلى الأجيال اللاحقة. كما أدرك مبكراً رحمه الله أن الرياضة لغة عالمية توحد الشعوب، فكان من مهندسي المسار الذي أوصل قطر إلى استضافة كأس العالم 2022، الحدث الذي لم يكن بطولة رياضية فحسب، بل رسالة حضارية عرّفت العالم بالثقافة الإسلامية والعربية والخليجية وقدرة المنطقة على تنظيم أكبر الأحداث الدولية. واليوم ونحن نودع الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، فإننا لا نرثي رجلاً غاب جسده، بل نستحضر إرثاً سيبقى حياً في التعليم الذي أُسس، والمستشفيات التي شُيدت، والفرص التي خُلقت، والوساطات التي أوقفت النزاعات وإزهاق الأرواح، والأفكار التي ألهمت أجيالاً كاملة. رحل القائد لكن أثره باقٍ. ورحل الإنسان لكن ما زرعه في وطنه وفي وجدان شعبه وفي صفحات التاريخ سيظل ينبض بالحياة. فبعض الرجال تنتهي أعمارهم لكن أعمالهم تواصل السير نيابةً عنهم. والوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني واحد من أولئك الذين كتبوا أسماءهم لا بالحبر بل بالأثر. رحم الله الفقيد بواسع رحمته وجزاه عن قطر وأمتها والإنسانية خير الجزاء. فكما جاء في الحديث الشريف: (خيرُ الناس أنفعهم للناس)، وأنا أشهد أمام الله بذلك. وجاء في الحديث أيضاً: (إذا مات ابنُ آدمَ انقطع عملُه إلا من ثلاثٍ: صدقةٍ جاريةٍ، وعلمٍ يُنتفعُ به، وولدٍ صالحٍ يدعو له). وأشهد كذلك أمام الله بما رأيت بعيني أنه قدم لهذا الدين وللإنسانية الشيء الكثير من صدقاتٍ ومساعداتٍ وعلومٍ ومراكز ومساجد، وبهذا كلنا نكون أبناءً له ندعو له جميعاً. أما عنوان المقال فهو جزء من حديثه رحمه الله في لقاء تلفزيوني يصف فيه قطر للعالم.
5814
| 14 يوليو 2026
هناك لحظات في تاريخ الأوطان تتجاوز حدود الزمن، لأنها ترتبط برجالٍ تركوا أثرًا عميقًا في وجدان شعوبهم، وأسهموا في صناعة مراحل جديدة من البناء والتطور. ومن بين تلك اللحظات، يأتي رحيل سمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، رحمه الله، ليحمل مشاعر الحزن والفقد في قلوب أبناء قطر، لكنه في الوقت ذاته يفتح صفحات مشرقة من سيرة قائد ترك بصمة راسخة في تاريخ الوطن، وأسهم في رسم ملامح الدولة الحديثة. ونحن أبناء هذا الوطن نستحضر اليوم سيرة قائدٍ ارتبط اسمه بمرحلة مفصلية من تاريخ دولتنا، لا بوصفها صفحات في سجل التاريخ فحسب، بل باعتبارها مرحلة عشنا آثارها ورأينا خلالها قطر تنتقل بخطى ثابتة من مرحلة البناء المتدرج إلى مرحلة الحضور المؤثر إقليميًا ودوليًا. فقد امتلك سمو الأمير الوالد، رحمه الله، رؤية بعيدة المدى جعلت من التنمية مشروعًا شاملًا يقوم على بناء الإنسان، وتعزيز المؤسسات، وترسيخ مكانة الدولة بين الأمم. لقد أدرك سمو الأمير الوالد، رحمه الله، أن الثروات الطبيعية لا تصبح مصدر قوة حقيقية إلا عندما تُدار بعقلية استراتيجية تستثمرها لصالح الأجيال القادمة. ومن هذا المنطلق، شهدت دولة قطر تحولًا اقتصاديًا كبيرًا، كان من أبرز مظاهره تطوير قطاع الغاز الطبيعي المسال، الذي أصبح أحد أهم ركائز الاقتصاد الوطني، وأسهم في دعم مشاريع التنمية وبناء مستقبل أكثر استقرارًا وازدهارًا. ولم يكن الاقتصاد في تلك المرحلة هدفًا منفصلًا عن الإنسان، بل كان وسيلة لتحقيق حياة أفضل للمواطنين. فقد انعكس النمو الاقتصادي على مختلف جوانب الحياة من خلال تطوير البنية التحتية، وتحسين الخدمات العامة، وخلق فرص جديدة أمام أبناء الوطن، مما عزز رفاه المجتمع ورسخ الثقة بمستقبل قطر. وقد احتل بناء الإنسان مكانة مركزية في فكر سمو الأمير الوالد، رحمه الله، انطلاقًا من إيمانه بأن الإنسان هو الثروة الحقيقية لأي وطن. ولهذا حظي قطاع التعليم باهتمام كبير، وشهدت الدولة توسعًا في المؤسسات التعليمية، ودعمًا للبحث العلمي، وانفتاحًا على أفضل التجارب العالمية. كما تطور القطاع الصحي بصورة لافتة، من خلال بناء منظومة صحية حديثة تهدف إلى توفير خدمات ذات جودة عالية، بما يعكس اهتمام الدولة بصحة الإنسان وكرامته. وفي الجانب المؤسسي، شهدت قطر خلال تلك المرحلة خطوات مهمة نحو ترسيخ دعائم الدولة الحديثة. فقد جاء إقرار الدستور الدائم لدولة قطر محطة بارزة في مسيرة التطور الوطني، حيث أسهم في تعزيز العمل المؤسسي، وتنظيم العلاقة بين سلطات الدولة، وترسيخ مفهوم المسؤولية الوطنية في إدارة شؤون البلاد. أما على صعيد السياسة الخارجية، فقد تمكنت قطر من بناء حضور دولي مميز قائم على الحوار والتعاون واحترام سيادة الدول. وأصبحت الدبلوماسية القطرية عنوانًا للحوار والوساطة في عدد من الملفات الإقليمية والدولية، مما عزز مكانة الدولة وأثبت أن تأثير الدول لا يقاس بمساحتها الجغرافية، بل بقدرتها على المبادرة وصناعة الأثر. ومن أبرز المحطات التي جسدت نهج سمو الأمير الوالد، رحمه الله، في السياسة الخارجية، زيارته التاريخية إلى قطاع غزة في أكتوبر عام 2012، حيث كانت زيارة ذات أبعاد إنسانية وسياسية مهمة، وعكست اهتمام دولة قطر بدعم الشعب الفلسطيني والوقوف إلى جانب قضاياه الإنسانية والتنموية. وقد ارتبطت هذه الزيارة بإطلاق منحة لإعادة إعمار القطاع بلغت 400 مليون دولار، أسهمت في تنفيذ عدد من المشاريع الإسكانية والتنموية، من أبرزها مدينة الشيخ حمد السكنية، وتطوير عدد من الطرق الحيوية، إلى جانب دعم القطاع الصحي من خلال إنشاء مستشفى سمو الشيخ حمد بن خليفة للتأهيل والأطراف الصناعية. كما حملت الزيارة رسالة تؤكد أهمية دعم التنمية وتعزيز مقومات الحياة الكريمة للشعوب. كما أدرك سمو الأمير الوالد، رحمه الله، أهمية الإعلام والمعرفة في تعزيز حضور الدولة وبناء قوتها الناعمة، فشهدت قطر خلال تلك المرحلة تطورًا إعلاميًا وثقافيًا لافتًا، كان من أبرز مظاهره تأسيس قناة الجزيرة عام 1996، التي أصبحت إحدى المنصات الإعلامية العربية المؤثرة، وأسهمت في تعزيز حضور قطر على الساحة الإعلامية الدولية. كما واصلت الدولة اهتمامها بالمجالات الثقافية والتعليمية والمعرفية، بما يعكس رؤية شاملة للتنمية تجمع بين الإنسان والعلم والهوية. ومن التحولات التاريخية المهمة في مسيرة سمو الأمير الوالد، رحمه الله، تسليم مقاليد الحكم عام 2013 إلى حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، في خطوة عكست رؤية تقوم على استمرارية الدولة وتجدد القيادة. وقد مثل هذا الانتقال لحظة مهمة في تاريخ قطر السياسي، إذ أكد أن بناء الوطن مشروع مؤسسي تتواصل فيه الأجيال، وأن مسيرة التنمية تستند إلى مؤسسات قوية ونهج واضح للمستقبل. ولم تتوقف مسيرة التنمية عند هذه المحطة، بل واصلت الدولة طريقها نحو تحقيق المزيد من الإنجازات، وكان من أبرزها استضافة بطولة كأس العالم 2022، التي شكلت علامة فارقة في تاريخ قطر والمنطقة. فقد عكست هذه الاستضافة مستوى التطور الذي وصلت إليه الدولة في مجالات البنية التحتية والتنظيم والقدرة على استضافة أكبر الأحداث العالمية، كما قدمت صورة مشرقة عن المجتمع القطري وثقافته وقيمه. وعندما نتحدث عن أثر هذه المسيرة على المواطن القطري، فإننا لا نتحدث فقط عن مشاريع اقتصادية، بل عن واقع عاشه المواطن في تفاصيل حياته اليومية. فالتطور الذي شهدته الدولة انعكس على التعليم والصحة والخدمات، وأسهم في تعزيز شعور المواطن بالأمن والاستقرار والفخر بما تحقق لوطنه. وأرى أن أهم ما يميز هذه المسيرة التنموية هو قرب أثرها من المواطن، إذ أصبحت نتائجها واضحة في حياته اليومية وفي البيئة التي يعيش فيها، مما عزز شعوره بالانتماء والثقة بمستقبل وطنه. إن القادة الحقيقيين لا يُقاس أثرهم فقط بما ينجزونه خلال فترة مسؤوليتهم، وإنما بما يتركونه من أسس تستمر بعد رحيلهم. وسيبقى اسم سمو الأمير الوالد، رحمه الله، حاضرًا في تاريخ قطر وذاكرة أبنائها، بما حملته مسيرته من رؤية وإنجازات أسهمت في بناء الدولة الحديثة وتعزيز حضورها في العالم. وسيظل رحيل سمو الأمير الوالد، رحمه الله، محطة حزن في وجدان القطريين، لكنه سيبقى أيضًا مناسبة لاستحضار مسيرة قائد لم يترك وراءه إنجازات ومؤسسات فقط، بل ترك شعورًا راسخًا لدى أبناء وطنه بأن البناء الحقيقي هو ما يستمر أثره عبر الأجيال. فالأوطان لا تحفظ أسماء قادتها بما حققوه من مشاريع فحسب، بل بما زرعوه من ثقة وأمل في نفوس أبنائها، وستبقى مسيرة سمو الأمير الوالد، رحمه الله، جزءًا من ذاكرة قطر، وشاهدًا على مرحلة صنعت الكثير من ملامح حاضرها ومستقبلها.
2190
| 18 يوليو 2026
«المقياس قطر».. لا توجد ترجمة حرفية لهذه العبارة، لكنها تعني في جوهرها أن كل ما يُنجز إنما يُنجز من أجل قطر، لا لمصلحة شخصية، ولا سعيا وراء الشهرة أو المجد، وإنما لخدمة الوطن وأهله. هذه العبارة كانت البوصلة التي تهديني في كل ما أقوم به. وهي الشعار الذي أحمله في حياتي، تعلمته من والدي (يُبا)، الذي عاشها واقعا يوميا. فقد كان يضع وطنه وشعبه قبل نفسه. كلما كنا معه، كان الحديث دائما عن قطر. لم يكن هناك فاصل بين يوم عمل في المكتب وإجازة عائلية؛ فشؤون الدولة كانت حاضرة في ذهنه باستمرار. كان يتمتع بشخصية آسرة، وكاريزما معدية، وقدرة استثنائية على أن يجمعنا جميعا خلف رؤيته، وهي الإيمان بأن قطر تستحق الأفضل. وبتوجيهه، تحولت أفكار كانت تبدو يوما أحلاما بعيدة المنال إلى مشاريع واقعية عظيمة، ألهمت واحتضنت المواهب العربية من مختلف أنحاء العالم. وكثير من تلك المواهب أخبروني أنهم لم يشعروا بالفخر بكونهم عربا كما شعروا به في قطر. وصل والدي إلى الحكم، ثم تخلى عنه، بطريقة غير مألوفة. كان هدفه دائما أن ينقل وطننا من الفقر إلى اقتصاد قوي يجعل الإنسان وقيمته في المقام الأول. تولى المسؤولية ليُحدث التحول، ثم تنازل عنها ليمنح ابنه العزيز الفرصة لقيادة المرحلة التالية، مؤمنا بأنه أوفى برسالته، وأن أخي قادر على حمل الأمانة من بعده. بالنسبة له، كانت عبارة «المقياس قطر» تعني أيضا إفساح المجال للقيادة الشابة لتتولى زمام المسؤولية. وفي آخر لحظاتي معه، حدثني عن مدى فخره بأخي. وبعد وفاته أدركت أن قراره بالتنازل عن الحكم، رغم غرابته في منطقتنا، كان القرار الصائب. فقد أعطى كل ما يستطيع تقديمه، وحان الوقت ليسلم المسؤولية إلى جيل جديد. كنت واحدة من الشباب الذين منحهم ثقته، لكنني قبل ذلك كنت ابنته، التي منحها من الدعم والتمكين بقدر ما منح أبناءه الذكور. منذ طفولتي، لم يسمح لي أن أؤمن بوجود حدود لما أستطيع تحقيقه. علمني السباحة، والغوص، والقيادة، ولعب الورق، والتنس، والسفر، والحب، والضحك، والحياة، والأهم من ذلك كله: العطاء. شجعني على الدراسة في الولايات المتحدة، ثم في باريس، وكان يدفعني دائما إلى آفاق أوسع. وفي كل صيف كان يهيئ لي فرص التدريب العملي، ولم أتردد يوما في اتباع نصيحته، لأنه كان يعرفني أكثر من أي شخص آخر. إذا اتصل بي وشعر أنني لست بخير، كان يطمئن علي يوميا، وإذا لاحظ شيئا في نبرة صوتي كان يقول ببساطة: «صوتك مب عاجبني». كان والدي قويا ورقيقا في الوقت نفسه، عميق الشخصية ورفيع الفكر. كان يتمتع بحدس مميز، ويعطي كل ذي حق حقه. وكان يبحث عن أصحاب الكفاءة لقيادة المشاريع المختلفة، فإذا اختار أحدا منحه الثقة الكاملة ومكّنه من النجاح. كنت أتحدث معه باستفاضة عن المشاريع التي أعمل عليها، وكان يفاجئني بقدرته على تذكر التفاصيل عندما يعود ليسألني لاحقا عن تطوراتها. ولم تكن هذه العناية مقتصرة عليّ، بل كان كل من حوله يشعر بها. امتلك والدي مواهب كثيرة، لكن أعظمها بالنسبة لي كانت قدرته على الإصغاء والاهتمام بالناس. في اليوم التالي لتخرجي من الجامعة عام 2005 بدأت العمل معه. وخلال أيام قليلة كنا نسافر حول العالم، من شيكاغو إلى نيويورك، ومن طوكيو إلى سنغافورة. كانت طاقته تفوق الوصف، وإصراره الدائم يدفع الجميع إلى الأمام. وكان لكل قرار يتخذه معنى عميق. كنت في الثالثة والعشرين من عمري عندما طلب مني تولي مسؤولية متحف الفن الإسلامي. وأتذكر جيدا أنه في اليوم التالي لافتتاح المتحف نظر إليّ وسألني ببساطة: «ما هو المتحف التالي الذي سنفتتحه؟» لم يكن هناك وقت للاحتفال بما تحقق، بل كان التركيز دائما على الخطوة التالية. فقد كان يرى أن البنية التحتية الثقافية ليست مجرد مبانٍ، بل محرك للتنمية الاقتصادية والاجتماعية، وجودة الحياة، وتطور الإنسان. كان يدفعني دائما إلى الاجتهاد، ويبقيني متواضعة، وقبل كل شيء إنسانة حقيقية. وكان يحب أن يضحك على نفسه، وعلمني أن أفعل الشيء نفسه. ثقته في اتخاذ القرار ومواجهة التحديات منحتني الثقة لأفعل ذلك أيضا. لقد علمني كل ما أعرفه، ليس بالمواعظ، وإنما بالقدوة. عندما تولى الحكم، ألغى الرقابة الإعلامية، وأنشأ قناة الجزيرة. وأعتقد أن هذا كان أكثر إنجاز يفخر به، ليس لقطر فقط، بل للعالم العربي بأسره. كان يريد الارتقاء بحياة العرب، وأن يعيشوا بكرامة، وأن يمتلكوا صوتا مؤثرا في الإعلام، والتعليم، والثقافة، والسينما، والرياضة، وغيرها. وكان يؤمن بالحوار لحل النزاعات، ويملك الصبر للاستماع إلى آراء الآخرين. ولم يكن يعتبر الاختلاف مواجهة، بل كان يشجعنا على قول الحقيقة، والبحث عن الرأي الصائب حتى نصل إلى الحل. وكانت القرارات تُتخذ دائما وفق ما يخدم مصلحة قطر، لا وفق الميول الشخصية. فقطر تستحق الأفضل، وكل ما يجب عمله ينبغي أن يُنجز بأفضل صورة ممكنة. وفي كل عصر، كان يقود سيارته ليتفقد المشاريع الجديدة والأحياء السكنية، وأحيانا يتوقف عند بيوت الناس ليسأل عن أحوالهم. ظل قريبا من شعبه، وكأنهم جميعا أبناؤه. فلم يكن هناك طفل أو كبير، مواطن أو مقيم، يشعر أنه بعيد عن حضوره أو عن ابتسامته. وراء القائد صاحب الرؤية، كان هناك ببساطة زوج مخلص، وأب محب، وجد حنون. كان يكنّ لوالدتي احتراما بالغا، ويثني دائما على دورها الكبير في تربيتنا وخدمة المجتمع. وكانت القيم التي يطالب بها في العمل هي نفسها التي يطالب بها داخل المنزل. لم تكن الإجازات وقتا للكسل، بل كان يوقظنا باكرا لنستثمر كل يوم، ويغرس فينا روح الانضباط. وكانت موائد الغداء تجمع السياسيين، والمفكرين، والكتّاب، والفنانين، والأصدقاء القدامى. كان والدي كريما بقلبه، ووقته، واهتمامه، وفضوله المعرفي. لا يضيع لحظة من عمره، ولا يجعل أحدا يشعر بأنه أقل أهمية منه. وكان كثيرا ما يعرّف نفسه ببساطة قائلا: «أنا حمد». وبابتسامته الدافئة وعينيه البنيتين المفعمتين بالود، كان لقاء واحد أو حديث واحد كافيا ليترك أثرا لا يُنسى. عندما يأتي الموت، لا يبقى إلا الحب والإرث. وفي أيام الحداد، بينما يتوافد الناس من مختلف أنحاء العالم إلى قطر لتقديم العزاء، أرى أعظم إنجاز تركه والدي: وطنٌ موحد، يجتمع أبناؤه ومحِبّوه من القريب والبعيد على الحزن لفقده. وأفضل طريقة لتكريمه هي أن نبقى متحدين، ومركزين، ومنضبطين، وعازمين على تقديم الأفضل لوطننا ولمنطقتنا. وستظل ثقته المطلقة وفخره بأخي مصدر إلهام لنا، لنواصل تحقيق ما يبدو مستحيلا، وأن نبقى ثابتين على هدفنا دون أن تشتتنا الأمور الجانبية. لذلك، عندما نعود إلى أعمالنا، فلنعمل بجد أكبر، متذكرين ما كان ينتظره منا: أن نكون أفضل نسخة من أنفسنا، وأن نخدم وطننا بأفضل ما نستطيع، وأن نظل متواضعين، ولطفاء، وكرماء، ومضيافين كما عهدنا أنفسنا. رحم الله والدي، ولتظل ذكراه ترشدنا طوال حياتنا
1548
| 19 يوليو 2026