رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
من أقوال الناس التي أوحتها إليهم تجارب الحياة ومشاهدها: إن العبرة بكمال النهاية، لا بنقص البداية، وهذا القول يصدق كلَّ الصدق في حياة الصحابي، عبد الله بن مسعود، رضي الله عنه، الذي كان يرعى غنما لعقبة بن أبي مُعيط، كما قال هو نفسه متحدثا عن لقائه الأول برسول الله، عليه الصلاة والسلام، ذلك اللقاء المبارك الذي كان سببا في إسلامه، وصعود نجمه في سماء الإسلام، نجما كالقمر ليلة تمامه، مضيئا متلألئا، يبعث النور فيمنح الهداية للسارين في ظلمات مسالك ودروب الحياة.
كان ابن مسعود غلاما يافعا، يرعى الأغنام بأمانة وإخلاص لصاحبها، حينما مر به رسول الله، ومعه الصديق أبو بكر، فقال له النبي: يا غلام، هل عندك من لبن تسقينا؟ قال: نعم، ولكني مؤتمن. فقال النبي: هل عندك من شاة حائل، لم ينزُ عليها الفحل؟ قال: نعم. فأتاه عبد الله بها فاعتقلها النبي ومسح على ضرعها، ودعا ربه، فحَفَل الضَّرع، ودرّ عليه لبنا غزيرا، فاحتلبه في إناء وشرب، وسقى أبا بكر، ثم قال للضرع اقلص فقلص، وعاد كما كان. هنالك وقف ابن مسعود يتفكر ويتأمل وقد أخذته جلالة الحادثة، وملكته مهابة صاحبها، وعلم بفطرته السليمة أن هذا ليس في مقدور أي بشر، إلا إذا كان مؤيدا من عند ربه، فهو رسوله إلى الناس، فاقترب عبد الله بن مسعود، من النبي، وقال له: علمني من هذا القول. أي من دعائه الذي دعا به الله، فمسح رسول الله رأس ابن مسعود، وقال مبتسما: يرحمك الله، إنك غلام معلَّم.
وصدقت هذه النبوءة، فقد أصبح ابن مسعود فيما بعد، كما قال عنه أمير المؤمنين، عمر بن الخطاب، رضي الله عنه: (كُنَيْفٌ ملئ علما).
إذن أسلم ابن مسعود، على إثر تلك المعجزة الخارقة للعادة، التي لا يجريها إلا الله على أيدي أنبيائه، وما أكثر ما كانت المعجزات في حياة محمد رسول الله، التي نصره الله بها وأكرمه، لعل الناس بربهم يؤمنون، وبنبيه يرشدون، ومن يومئذ كانت حياة ابن مسعود، تحمل في طياتها، ما يقرب ويشبه المعجزات والكرامات، كأن لسبب إسلامه بفضل ما رأى من معجزة أثراً جلب لروحه قوة كامنة، وهمة عالية، مما أكسب روحه رغبة في الاتصال بوحي السماء، والعيش في ظلال ما يلقيه الوحي في قلب الرسول الكريم، من آيات بينات، هي في الأرض مصدر الخيرات والبركات والرحمات، إذ تنزلت من النور الأعلى المقدس، من لدن العزيز الرحمن، فنستطيع القول إن القرآن أصبح محور حياة ابن مسعود بحيث لم تكن له حياة إلا بالقرآن، ولا يَتصوّر هو له حياةً من دونه، فلقد أقبل على النبي يلازمه لكي يأخذ عنه القرآن ويحفظه ويتعلمه، في شغف وكَلَف، وبقلب واعٍ غير لاهٍ، وإنه ليحدثنا عن مبلغه من ذلك فقال:(والذي نفسي بيده، لقد أخذت من فم رسول الله، سبعين سورة، والله ما نزل من القرآن شيء إلا وأنا أعلم في أي شيء نزل، وما أحد أعلم بكتاب الله مني، ولو أعلم أحدا أعلم بكتاب الله مني، تُبلغنيه الإبل لأتيته). ثم قال بتواضع الحيي: (وما أنا بخيركم).
وقد لمس منه رسول الله، تفوقه في تلاوة وحفظ كتاب الله، ومَزيَّته المبرِّزَة في ذلك، فقال:(من أحب أن يقرأ القرآن غضا رطبا كما أنزل، فليقرأ على قراءة ابن أم عبد)، وأم عبد: هي كنية أمه، بل إن النبي نفسَه سأله ذات يوم أن يقرأ عليه القرآن، وهنا استحى ابن مسعود وقال: أقرأ عليك، وعليك أُنزل يا رسول الله. فقال: (إني أحب أن أسمعه من غيري)، فجعل ابن مسعود يرتل من سورة النساء حتى بلغ قول الله تبارك وتعالى: (فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا يومئذ يودُّ الذين كفروا وعصوا الرسول لو تسوى بهم الأرض ولا يكتمون الله حديثا). حينئذ بكى رسول الله، وأشار بيده إلى ابن مسعود قائلا:(حسبك، حسبك، يا ابن مسعود).
لقد تعلقت روح ابن مسعود بالقرآن، فأفاض عليها القرآن من أشعة نوره، فاستمدت معاني الإيمان والتقوى، التي ظهرت في حياته، وتمثلت في خوفه من الله وحدَه، مما زاد قلبه قوة في مواطن الحق، وجرأة على الجهر به، فكان هو أول من جهر بالقرآن بعد رسول الله، في مكة، كما سجل التاريخ ذلك ورواه، ففي يوم اجتمع أصحاب رسول الله فقالوا: والله ما سمعت قريش هذا القرآن يُجهَر لها به قط، فمَن رجل يُسمعهموه؟ قال عبد الله بن مسعود: أنا. قالوا: إنا نخشاهم عليك، إنما نريد رجلا له عشيرة يمنعونه من القوم، إن أرادوه بأذى. قال: دعوني، فإن الله سيمنعني. فغدا حتى أتى المَقام في الضحى، وقريش في أنديتها، فقام عند المقام، ثم قرأ بصوته الندي البسملة رافعا بها صوته، ثم تلا آيات من سورة الرحمن، مستقبلا قريش، فتأملوه قائلين: ماذا يقول ابن أم عبد؟ أجاب بعضهم: إنه ليتلو بعض ما جاء به محمد. فقاموا إليه وجعلوا يضربونه، وهو ماضٍ في قراءته حتى بلغ منها ما شاء أن يبلغ، ثم عاد إلى أصحابه مصابا في جسده ووجهه، فقالوا له: هذا الذي خشيناه عليك. فقال: ما كان أعداء الله أهونَ علي منهم الآن، ولئن شئتم لأُغادينّهم بمثلها غدا. قالوا له: حسبك، فقد أسمعتهم ما يكرهون.
ونقول نحن، لله درك من رجل يا بن مسعود، نادرُ المثال بين الرجال، قوي الإرادة والعزيمة والإيمان، وكذلك يفعل القرآن حين يشوب القلوب، ويستقر في العقول. أليس هذا رجلا لا يخاف إلا الله، ولا يعبأ بشيء في سبيل الصَّدْع بالحق، ويعمل بما يعتقده ولا يخشى أحدا سوى الله، ومن مظاهر خوف ابن مسعود، وتقى نفسه، أنه كان بعد وفاة رسول الله، يعظم الحديث عنه، تعظيما كبيرا، ويشعر بالخشية العظيمة، فإذا حدَّث بقوله: قال رسول الله. علاه الكرب، وتحدّر العرق عن جبينه، ثم يقول معقبا على الحديث: إما فوق ذلك، وإما قريبا من ذلك، وإما دون ذلك.
حَبْر الأمة وتَرجمان القرآن عبد الله بن عباس
قبل الهجرة النبوية بنحو ثلاث سنين، جاء العباس بن عبد المطلب، يسعى إلى رسول الله، عليه الصلاة والسلام،... اقرأ المزيد
22777
| 03 يوليو 2016
الزاهد الصادق.. أبو ذر الغِفاري
قرعت الأنباء أُذني أبي ذر الغفاري، بظهور رجل بمكة، يزعم أنه نبي، ويدعو إلى عبادة الله وحدَه، وعدم... اقرأ المزيد
7064
| 02 يوليو 2016
امرأة من طراز فريد قصة «أم سُليم»
لو كان النساء كأم سليم بنت ملحان الأنصارية، لفضلت النساء على الرجال، إي وربي إن هذا لحق، سنعلم... اقرأ المزيد
50241
| 01 يوليو 2016
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
3423
| 02 أكتوبر 2026
كنا نخاف على أبنائنا من الغريب والبعيد فأتين لهم بالغريب والبعيد داخل منزلهم وغرف نومهم.. في بعض بيوتنا الخادمة تعرف أبناءنا أكثر منا والسائق يقضي معهم وقتا أكثر من آبائهم، والخادمة تعرف متى يستيقظ الطفل وماذا يحب أن يأكل ومتى يغضب وكيف يرضى وماذا يخيفه وأين ملابسه وماذا يريد …. ويعرف السائق مدرسته وأصدقاءه ومواعيده وأحاديثه ومزاجه ومشكلاته والأخطر أسراره التي يخفيها عن الجميع وربما يعينه عليها الخدم، أما الأب والأم فقد يحصلان في نهاية اليوم على تقرير مختصر مضمونه: أكل؟ نعم رجع من المدرسة؟ نعم نام؟ نعم وبكل بساطة تتحول الأبوة والأمومة من معايشة وتربية إلى مجرد متابعة وتمويل، وهذه ليست مبالغة عاطفية هذا واقع يعيشه المجتمع وإليكم بعض الأرقام اللي تنبه على خطورة هالشي ومنها: معهد البحوث الاجتماعية والاقتصادية المسحية بجامعة قطر اجرى مسحا وشمل 607 أسر قطرية كان نحو ثلثي الأسر التي شملها المسح لديها عاملان منزليان أو أكثر !!! وفي تقرير منفصل ذُكر فيه أن العمالة المنزلية في قطر بلغ 170 ألف تقريبا وأغلبهم من العنصر النسائي … إذن الموضوع ليس حالات فردية، الموضوع متغلغل في كل المجتمع نحن أمام ظاهرة اجتماعية تستحق أن نتحدث عنها بصراحة. وسؤال صريح: ما حجم المساحة التي أعطيناها للخدم داخل حياة أبنائنا وبيوتنا؟ فالخادمة ليست المشكلة، والسائق ليس المشكلة.. المشكلة تبدأ عندما نطلب منهما من حيث ندري أو لا ندري أن يؤديا وظائفنا بدلاً عنا.. الخادمة جاءت لتساعد الأسرة لا لتصنع شخصية الطفل وتكون المسؤولة عن اكل ولبس وغرفة الزوج، والسائق جاء ليقود السيارة لا ليصبح الرفيق اليومي للابن والعائلة وسأقف هنا ولن أتعمق اكثر لانني خصصت هذا المقال عن الابناء. دعونا نرتبها بشكل أبسط: الخادمة توقظه الخادمة تطعمه الخادمة تلبسه السائق يوصله السائق يعيده الخادمة تستقبله الهاتف يسليه الألعاب الإلكترونية تبعده ثم يأتي الأب والأم في آخر المساء ويسألان: ليش عيالنا ما يجلسون معنا؟ والسؤال الحقيقي ربما يجب أن يكون: متى جلسنا نحن معهم أصلًا؟ نحن أمام جيل يتوفر له كل شيء ماديًا، لكنه يعاني فقرًا في الاحتكاك الأسري والاجتماعي غرفة مستقلة هاتف حديث ألعاب مدارس ممتازة خادمة سائق ملابس مصروف كل شيء موجود إلا شيء واحد: الأب والأم في التفاصيل اليومية وهنا لا أتحدث فقط عن العاطفة، بل عن الهوية فالطفل القطري أو الخليجي أو العربي لا يولد وهو يعرف تلقائيًا كيف يسلم على الكبير، وكيف يستقبل الضيف، وكيف يجلس في المجلس، وكيف يحترم كبار السن، وكيف يصل رحمه، وكيف يعرف أبناء عمه وخاله، وكيف يتحدث مع الناس، وكيف يؤدي واجبه في الأفراح والأتراح. هذه ليست معلومات تُحمّل في رأسه كما نحمل تطبيقًا على الهاتف. هذه ثقافة تُعاش يرى أباه فيقلد يرى أمه فيتعلم منها يجلس مع جده يسمع حديث أقربائه يستقبل الضيوف يسلم يسمع يخطئ فيُصحح له وهكذا تتشكل الشخصية لكن إذا أخرجنا الطفل من هذه الدائرة، ثم وضعناه سنوات طويلة بين غرفة مغلقة وهاتف وخادمة وسائق، فلا ينبغي أن نتفاجأ عندما يصبح غريبًا عن التفاصيل التي صنعت مجتمعنا نحن ربما لا نخسر بعض العادات فقط، بل نخسر طريقة انتقالها من جيل إلى جيل البحوث في الخليج ناقشت بالفعل تأثير الاعتماد على الخادمات بوصفهن مقدمات رعاية للأطفال. دراسة منشورة في Journal of Early Childhood Research تناولت هذا النمط في الخليج وأشارت إلى مخاوف وآثار على النمو الاجتماعي والعاطفي عندما تحل الخادمة محل مقدم الرعاية المؤهل أو الأسرة لفترات واسعة. ودراسات أحدث في الإمارات تبحث اليوم حتى أثر وجود الخادمات والمربيات في البيئة اللغوية المبكرة للطفل، لأن من يقضي مع الطفل ساعات طويلة يصبح، طبيعيًا، جزءًا من البيئة التي يكتسب منها لغته وسلوكه وثقافته وهنا يجب أن نكون منصفين ليس كل طفل لديه خادمة سيعاني مشكلة وليس وجود السائق سببًا في فساد التربية وليس كل رعاية غير أبوية سيئة المشكلة في الإفراط في التفويض أن يتحول المساعد إلى بديل نشتكي: عيالنا ما يعرفون الناس ولا الناس تعرفهم طيب هل أخذناهم معنا؟ أبناؤنا انعزاليون ولكن من الذي صنع لهم حياة يستطيعون فيها قضاء يوم كامل داخل غرفة دون حاجة إلى أحد؟ نحن السبب وهناك سؤال أكثر إحراجًا: هل أصبحنا نستخدم الخادمة والسائق أحيانًا كي نتخلص من مشقة الأبوة والأمومة، ثم نشتكي لاحقًا من نتائج غيابنا؟ الأبوة ليست دفع الفواتير والأمومة ليست متابعة كاميرا المنزل عن بُعد لا توجد خادمة، مهما بلغت أمانتها وحبها للأطفال، تستطيع أن تؤدي الدور الثقافي والعاطفي والاجتماعي للأم فلا نظلم الخادمة ونحمّلها مسؤولية تربية لم نمارسها نحن ولا نلوم السائق لأنه أصبح قريبًا من أبنائنا، إذا كنا نحن الذين منحناه ساعات لم نمنحها لهم الحل أن نعيدهما إلى مكانهما الطبيعي في المنزل: مساعدين للأسرة، لا بديلين عنها الطفل الذي لا نعطيه هويته في البيت، سيبحث عن هوية في مكان آخر والطفل الذي لا نعطه وقتنا، سيعطي وقته لمن يمنحه الاهتمام والطفل الذي لا نملأ ذاكرته بنا، سيملؤها غيرنا وربما بعد سنوات نجلس في مجلس ونشتكي: (( عيال اليوم تغيّروا )) الحقيقة الأكثر إيلامًا قد تكون: ليسوا هم فقط الذين تغيّروا.. نحن أيضًا تغيّرنا في طريقة تربيتهم. شكراً ميري.. شكراً كومار
3171
| 06 أكتوبر 2026
التوظيف بين وزارات الدولة وشركات الوساطة بات اليوم سؤالًا مشروعًا يحتاج إلى إجابة واضحة. فدولة صغيرة بعدد سكانها مثل قطر لا يمكن أن تكتفي بالكوادر الوطنية وحدها لتغطية كل التخصصات والمهن، ومن الطبيعي أن تستعين بالمقيمين والوافدين لسد النقص، خصوصًا في الوظائف التي قد لا يقبل عليها المواطن لاعتبارات مهنية أو ثقافية. لكن ما يحدث في الواقع أن بعض الوزارات والجهات الحكومية، بحكم القوانين والإجراءات التنظيمية، لا تستطيع التعاقد المباشر مع المقيمين رغم وجود حاجة فعلية لهم، فتضطر إلى اللجوء لشركات توظيف خاصة تقوم بدور الوسيط؛ فتوقّع العقود مع الموظفين ثم تعيرهم للوزارات، لكنها تقتطع من رواتبهم أحيانًا ما يقارب النصف تحت مسمى “عمولة” أو “رسوم إدارية”. وهنا يبرز الخلل: الوزارة تدفع ميزانيتها كاملة، والشركة تستحوذ على النصيب الأكبر، والموظف، الذي يقوم بالعمل فعليًا، لا يحصل إلا على النصف أو أقل، في بلد ترتفع فيه تكاليف المعيشة. فيبقى السؤال: كيف يعيش؟ وكيف يعيل أسرته؟ وكيف يدرّس أبناءه؟ والمفارقة أن كل جهاز حكومي لديه أصلًا إدارة متكاملة للتوظيف والموارد البشرية، تضم موظفين مختصين ومؤهلين للقيام بمهام الاستقطاب والاختيار والتعيين. فما الحكمة إذن من وضع التحكم في يد طرف ثالث، بينما الجهة الحكومية مؤهلة وقادرة على القيام بمهامها؟ ولماذا يُترك الموظف والمجتمع ليتحملا الكلفة، بينما المستفيد الأكبر هم أصحاب هذه الشركات؟ والأكثر إثارة للتساؤل أن شركات التوظيف التي تدور في هذا المجال محدودة ومعروفة، وهنا يحق للناس أن يسألوا: من أصحاب هذه الشركات؟ ومن المستفيد من بقاء هذا الباب مفتوحًا؟ وهل نحن أمام تنظيم إداري يخدم المصلحة العامة، أم أمام منفذ ربحي يستفيد منه قلة على حساب حاجة الدولة وجهد الموظف؟ وهذه العقود لا تظلم الموظف في الراتب فقط، بل تمتد إلى حقوقه الأساسية؛ فقد يُخصم من راتبه إذا مرض رغم تقديم شهادة طبية معتمدة، لأنه لا يتمتع بإجازات مرضية أو سنوية مدفوعة، ولا بضمانات وظيفية واضحة، ولا زيادات سنوية، ولا مكافأة نهاية خدمة، بل قد يتأخر راتبه أحيانًا إلى ما بعد بداية الشهر. والأخطر أن بعض الجهات الحكومية تستفيد من خبرات وكفاءات تعمل داخل مؤسساتها وتتحمل مسؤوليات كبيرة، لكنها تتركها تحت رحمة مكاتب وشركات وسيطة، تحقق أرباحًا عالية من جهد الموظف وخبرته، بينما يتحمل هو وحده مخاطر الخصم وعدم الاستقرار والاستبدال. ومن الناحية الشرعية والأخلاقية، فإن هذا النوع من العقود يثير تساؤلات جدية؛ فالوسيط من حقه أن يأخذ أجرًا معلومًا ومحددًا مقابل خدمته، لكن أن يتحول الأمر إلى اقتطاع مستمر من راتب الموظف طوال سنوات خدمته، فهذا يقترب من شبهة أكل أموال الناس بغير وجه حق، ويفتح بابًا واسعًا للاستغلال. والمسؤولية هنا لا تقع على الشركة وحدها، بل تشمل أيضًا الجهة الرسمية التي سمحت بهذا النموذج أو تغاضت عنه. أما من ناحية التخطيط، فالمنطق يقول إن الهدف من هذه الإجراءات هو إعطاء الأولوية للمواطن، وهذا هدف مفهوم ومشروع، لكن لا يجوز أن يتحول الأمر إلى التفاف إداري يرهق المقيم، ويضر بصورة العدالة، ويكلف الدولة أحيانًا أكثر مما لو تم التعاقد المباشر بشفافية ووضوح. نحن لسنا ضد التعاقدات، ولا ضد القطاع الخاص، ولا ضد ربح الشركات، لكننا ضد أن يكون الربح على حساب كرامة الإنسان وحقوقه الأساسية. فالكفاءة والخبرة ليست سلعة في مناقصة، والإنسان ليس رقمًا في فاتورة شهرية، يتم الاستغناء عنه أو استبداله متى انتهت الحاجة إليه. الحل ليس معقدًا: التعاقد المباشر مع المقيمين في الوظائف التي لا يتوافر لها مواطنون، ضمن عقود واضحة تحفظ الحقوق، مع تقييد دور شركات الوساطة بحيث تكتفي بأجر مقطوع ومعلوم لمرة واحدة، بدلًا من الاقتطاع الدائم من رواتب الناس. وهذا المقال موجّه إلى وزارة العمل، وديوان الخدمة المدنية والتطوير الحكومي، ووزارة المالية، وديوان المحاسبة، ومجلس الشورى، وكل جهة معنية بمراجعة عقود التوظيف، وحماية المال العام، وصون حقوق العاملين. فالمسألة في جوهرها تحتاج إلى مراجعة قانونية وشرعية وإدارية، حتى يكون التوظيف في قطر قائمًا على العدل لا على الالتفاف، وعلى الاستقرار لا على الاستغلال، وبما يحفظ حق الدولة، وحق الشركة، وحق الموظف، لأن الاستثمار الحقيقي لأي مؤسسة يبدأ من احترام الإنسان وخبرته واستقراره.
1227
| 01 أكتوبر 2026