رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

هديل رشاد

صحفية فلسطينية

مساحة إعلانية

مقالات

453

هديل رشاد

عيدُ غزة.. بأيِّ حالٍ عُدتَ يا عيدُ؟

26 مايو 2026 , 10:40م

"عيدٌ بأيّة حالٍ عُدتَ يا عيدُ... بما مضى أم بأمرٍ فيك تجديدُ"، كلَّ عيدٍ أستحضر هذين البيتين لأبي الطيب المتنبي، الذي استقبل بهما يوم عرفة عام 350هـ، قبل أكثر من ألف عام، متسائلًا عمّا يحمله العيد من جديد، وهل يعود كما عرفه الناس موسمًا للطمأنينة والبهجة، أم يأتي مثقلًا بما مضى من أسى وانتظار.

ويبدو هذا السؤال حاضرًا اليوم بكل ثقله في غزة، حيث يستقبل الفلسطينيون عيد الأضحى للعام الثالث على التوالي في ظل حرب مستمرة وحصار خانق، فيما تتسع الكارثة الإنسانية وتضيق سبل الحياة أمام سكان القطاع المنهكين.

في الأيام التي كانت تسبق العيد، اعتادت غزة أن تنبض بحركة الناس في الأسواق، وتتعالى فيها أصوات الأطفال وهم يترقبون المناسبة بملابس جديدة وفرحة مألوفة، تختلط بأصوات تكبيرات العشر الأُوَل من ذي الحجة الصادحة من مآذن مساجد غزة، كما كانت البيوت تنشغل بتفاصيل الأضاحي والتجهيز لاستقبال الأقارب، حتى إن رائحة الكعك الفلسطيني كانت تلفّ القطاع بأكمله إيذانًا بقدوم العيد، أمّا اليوم، فقد تبدلت المشاهد إلى صورة أخرى؛ خيام تمتدّ على مدّ البصر، ووجوه أتعبها القلق، وعائلات باتت تنشغل بكيفية تأمين قوت يومها وتوفير الماء والدواء، بعدما أنهكت الحرب تفاصيل الحياة، وأثقلت الناس بفقدان الأحبة، ومشقة النزوح، وضيق المعيشة.

وكان لهذا التضييق انعكاساً على توفير الأضاحي، حيث يعاني القطاع نقصاً حاداً في المواشي نتيجة استمرار الحصار وإغلاق المعابر، ما أدى إلى غياب الأضاحي للعام الثالث على التوالي، وارتفاع أسعار ما تبقى منها إلى مستويات تفوق قدرة غالبية الأسر التي استنزفتها الحرب وفقدت مصادر دخلها، ليغيب أحد أبرز شعائر عيد الأضحى عن أكثر من مليوني فلسطيني، في مشهد تختلط فيه المعاناة اليومية بحرمان الناس من طقوس ارتبطت لديهم منذ عقود بمعاني التكافل والرحمة وصلة الرحم.

ولا يقتصر الأمر على الأضاحي، إذ يُحرم أهالي قطاع غزة، للعام الثالث أيضًا، من أداء فريضة الحج، الركن الخامس من أركان الإسلام، بفعل القيود التي تفرضها سلطات الاحتلال الإسرائيلي على حركة الغزيين من وإلى القطاع، وما نتج عنها من إغلاق طويل وحرمان متواصل من التنقل.

ويُنظر إلى هذا الواقع، في ظل الحرب المستمرة، باعتباره امتدادًا لسياسة العقاب الجماعي المفروضة على سكان القطاع، بعدما امتدت آثارها إلى تفاصيل تمسّ حياة الناس اليومية وشعائرهم الدينية، لتغدو حتى مناسبات العبادة مرتبطة بقرارات المنع والحصار، المرهونة بقرار من حكومة يرأسها مجرم حرب.

وفي موازاة ذلك، تتفاقم الأزمة الإنسانية مع تعثر دخول المساعدات والوقود وعدم كفاية ما يصل لتلبية الاحتياجات الأساسية، ويخيم شبح المجاعة على مناطق واسعة من القطاع، فيما يعيش مئات الآلاف داخل مراكز الإيواء أو بين الخيام، محرومين من مقومات الاستقرار، وتحت ضغط متواصل فرضته الحرب على تفاصيل يومهم، من الغذاء إلى العلاج وحتى الحد الأدنى من الأمان.

وفي مثل هذا اليوم، الذي تصدح فيه تكبيرات العيد في بقاع كثيرة من العالم الإسلامي، وتُذبح الأضاحي وتلتئم العائلات حول موائدها، تبدو غزة أمام مشهد مغاير؛ طوابير انتظار، وخيام متلاصقة، وقلوب مثقلة بالفقد، ومحاولات متواضعة تُبقي شيئًا من روح المناسبة حاضراً، عبر مبادرات فردية محدودة لتوزيع لحوم تُجهز خارج القطاع وتصل إلى بعض الأسر المحتاجة، أو عبر اجتهادات بسيطة تحاول أن تمنح الأطفال لحظة فرح وسط هذا الركام.

ختاماً...

في أول أيام عيد الأضحى المبارك، تتجدد معاني الرحمة والتكافل واستحضار أحوال المستضعفين، وتبقى غزة حاضرة في وجدان المسلمين بما فيها من جراح مفتوحة وصمود يواجه أقسى الظروف، كما تبقى معاناة الشعوب المنكوبة، سواء في فلسطين أو السودان وسائر بقاع العالم الإسلامي، تذكيرًا بأن للعيد معنى يتجاوز المظاهر، إلى الإحساس بآلام الآخرين والوقوف إلى جانبهم، ففي أيام تُرفع فيها الأكف بالدعاء، وتُبذل فيها الأضاحي تقربًا إلى الله، يظل من أصدق معاني العبادة ألّا يُترك المظلوم وحده، وألّا يغيب أصحاب المعاناة عن الضمير الحي، حتى يكتب الله للشعوب الإسلامية المنكوبة فرجًا قريبًا، ليعود العيد إليهم يومًا وهم ينعمون بالأمن وبالكثير من الفرح.

مساحة إعلانية