رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
منذ كنا صغارا في المدارس كان أساتذتنا الأجلاء يحدثوننا -على الدوام- أحاديث قلبية عن ضرورة الاتحاد والعدل و نبذ التفرق والظلم ويأتون لنا بقصص طريفة جاذبة للانتباه فنسربها ونعود إلى بيوتنا فننقل بعضها إلى آبائنا وأمهاتنا وأسرنا على الغداء أو في السهرة المسائية , وعندما نتذكراليوم – ونحن كبار- ما يجري في معظم بلادنا العربية من مآس وهيمنة بعض القوى المتحدة على الباطل الظالمة على كثير من مقدراتنا – سواء كانت دولية أو إقليمية أو محلية – فإننا نعيد شريط الذكرى إلى الماضي لنربط الأحداث بعضها ببعض ولا نخجل من ذلك فقد دعانا القرآن و السنة للإفادة من أخبار وقصص السابقين لنتفادى الأخطاء والأخطار, وفي هذا يقول الزعيم الهندي "المهاتما غاندي": إن من ليس له ماض فليس له حاضر ولا مستقبل. وفي هذا الأسبوع بالذات يوم الجمعة الماضي تم في سوريا تحرير مشفى جسر الشغور في ريف إدلب بعد أن تحدى الأسد السفاح بأنه سيحرر من فيه من المحاصرين الأبطال وفيهم من يحمل الرتب العالية مدنيا وعسكريا, إضافة – إلى ما نقل – بعض من هم من الضباط و المستشارين الإيرانيين وغيرهم, ولكن الذي حدث فعلا وبعد أكثر من أسبوعين من محاولات اللانظام الطاغي ومَن وراءه من الأسياد المعروفين لم يقدروا على شيء بل عند ما قامت المحاولة الأخيرة يوم الجمعة فر الجنود كالفئران و الأرانب ووجد الآخرون من المنهزمين كمائن لجيش الفتح تطوقهم وتقتلهم أو تأسرهم وضربت الروح المعنوية التي أراد النظام البشاري أن ينفخها في أنصاره وأخفقت جميع التعزيزات العسكرية لحلفاء اللانظام وانقلب السحر على الساحر ولم ينج إلا اثنا عشر واحدا منهم ذكرهم التلفزيون السوري المخادع أنهم أول دفعة للتحرير وهو يدري أنه لا دفعة بعدهم أبدا! وقد تم ذلك رغم أن الطائرات الحربية كانت خمسا ونفذت أكثر من 22 غارة عدا الحوامات التي تلقي البراميل المتفجرة لكن دون جدوى. ولاشك أن جسر الشغور منطقة كبيرة و استراتيجية بالنسبة إلى اللانظام حيث إن سقوطها يفتح الباب للثوار إلى خوض المعركة الكبرى في الساحل السوري على البحر المتوسط لأنه معقل طائفة الأسد, وطبعا في هذه الأيام القلائل الماضية تمت السيطرة على "تدمر" المدينة الكبيرة المعروفة بسجنها الدامي الذي خصصه حافظ الأسد وبشار لتعذيب السياسيين من الرجال و الشباب والنساء والشواب - وخصوصا الإسلاميين -, هذا وإن كانت داعش هي التي وضعته بأيديها لكننا – ورغم ما تم من معارك مع اللانظام يصعب علينا أن نقبل أن يتم التنازل عن تدمر ببساطة فربما كان سيطرة حقيقية وربما كان في الأمر شيء آخر ستفسره الحوادث و الأيام المقبلة . بيد أن المراقب والمطلع المحايد يندفع إلى القول: إن ما يجري الآن من تراجع مزر جديد لطغمة الطغاة إنما هو يأس أو شبه يأس من كسب النزال في الحلبة, وأنه لا بد من التقسيم – لا سمح الله – في سوريا مع احتفاظ الأسياد للعبيد ببعض المواقع المهمة على البر والبحر والتي بها يضمنون مصالحهم ومصالح سيدتهم الأولى (إسرائيل الصهيونية) وخصوصا فيما يتعلق بالأمن والتمدد ويذرون السنة في الوسط محاصرين من الأسياد و العبيد وعندها في أممهم المتحدة على الجور ومجلس خوفهم الذي لا أمن فيه ينتهي الخطب السوري في هذا العصر الباطني الدموي الذي ترأسه الصهيونية العالمية ويقوم فيه الكبار والصغار-ومنهم الصفويون- ممثلين على المسرح ليس إلا. و أظهر طغاة العرب تفوقا في العمالة و العبودية لهم لا نظيرلها ووفروا عليهم الجيوش والخسائر! ونحن إذا رجعنا إلى قراءة ما يجري بتأن وعقل وحكمة عرفنا أن كل حاكم طاغية فرعوني لا يمكن إلا أن يكون داعية تفرقة على عنوان (فرق تسد) بل يجعل من نفسه إلها أوله صلة بالإله كيلا يعترض عليه أحد , ومن أهم ظلمه هنا أنه يستخدم السلطة الفاشية للتلبيس على الشعب و تعميق محو الوعي الجماهيري بالطغيان و القسوة وهو ما يفعله سفاح سوريا حتى اليوم كما يُطلب منه تماما, ومنها كذلك التقليل من حجم ومكانة المعارضة مع شدة الخوف منها كما فعل فرعون وحكى عنه القرآن (إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ (54) وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ (55) وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ (56): الشعراء. وكما قال الأستاذ محمد زكريا النداف في كتابه "الأخلاق السياسية" . ص: 202 : فإذا كانوا قلة فلماذا يخاف منهم ويحشر الجيوش لقتالهم؟ ولكن فرعون كل زمان يفعل ذلك وخصوصا في الجانب الإعلامي حيث يفسر الأحداث لصالحه و ينسب الفساد دائما إلى أعداء السلطة , وهنا - وبهذه المناسبة فإن قناة الجزيرة وحدث العربية خصوصا- تُشكران على فضح هؤلاء الفراعنة بالصوت والصورة مما يعد من الجهاد الإعلامي ولم يعد ذلك خافيا حيث إن الجرائم الكبرى التي ارتكبها الطغاة فاقت كل وصف وتصور وكما أعلن عضو شؤون حقوق الإنسان في البرلمان الألماني وأحد مؤسسي محكمة الجنايات العليا ومندوب الأمم المتحدة عن حقوق الإنسان في أفغانستان و في البوسنة سابقا (توم كونيفز) الذي يعتبر أحد خبراء القانون الدولي في ألمانيا وأوربا و العالم : أن حوالي 500 ألف صفحة تشمل تقارير و دراسات إضافة إلى وثائق تثبت ارتكاب رئيس النظام السوري بشار الأسد فظائع حرب ضد شعبه و إبادة جماعية منذ عام 2011 وبما في ذلك القصف بالكيماوي رغم أنه يكذّب ذلك ....وقال توم : وقد تم جمع هذه الحقائق والوثائق منذ عام 2012 حتى شهر مارس 2015 ومازال الجمع مستمرا من قبل محامين سوريين وغيرهم مما يؤكد أن مافعله بشار من مظالم يفوق إبادات "رواندا" و"يوغوسلافيا" السابقة وقد قامت سويسرا بجمع تواقيع خمسين دولة بما فيها ألمانيا لتقديم هذا الطاغية إلى محكمة "لاهاي" بالرغم من وضع موسكو واستعمالها حق النقض (الفيتو) بمجلس الأمن الدولي. طبعا نحن ننقل ما ذكر وبصائرنا لا تنسى أبدا الاتفاق بين الطاغية وإسرائيل وأمريكا وروسيا وإيران على تغطية هذا الهول الشنيع, كما بدأ وا من أول الثورة وتآمروا عليها , وفاقد الشيء لا يعطيه , وهل ننسى ما قاله المستر "أوباما" مؤخرا بتصاريحه المعسولة أنه سوف يغادر منصبه وسيبقى النظام السوري؟ أوهل ننسى التصريحات الأمريكية الحكومية المسؤولة مؤخرا أن تَقدُّم المعارضة المسلحة في سوريا يقلقها. و من قديم الزمان قال الشافعي – رحمه الله – عن اللؤماء والباطنيين :
و لا ترج السماحة من لئيم فما في النار للظمآن ماءُ
ومن هنا تكون التصريحات عند أرباب التضليل الإعلامي مرة هكذا ومرة هكذا... إنه أسلوب فرعون: (وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ (26)غافر فالفساد حسب هواههم وليس حسب المصطلح العلمي الموضوعي , وهكذا يجري أذنابهم مثل تصاريح الأمين العام لما يسمى حزب الله ( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ (204) وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ (205) البقرة. وكما ينقل الدكتور سيف الدين عبد الفتاح في : النظرية السياسية من منظور إسلامي. ص: 412: إن هذه محاولات للتعريف حسب الهوى والمصالح الضيقة كما في استعمال مثل هذه المصطلحات اليوم:
"مصلحة الجماهير, الإرادة الشعبية, الشرعية, الاستقرار السياسي ..." إن كل ما يجري من الظلم لن يدوم لأن الظلم مرتعه وخيم عاجلا أو آجلا وإذا كانوا يريدون لنا أن نيأس فمعاذ الله من ذلك لأن اليأس هو الانتحار المحرم والكفرالممنوع , وإن معظم السوريين اليوم قد فهموا المعادلة بينهم كمظلومين وخصوصا – أهل السنة – وإن العديد من الشيعة العرب اليوم هم ضد أمين عام ما يسمى حزب الله والمالكي والعبادي – وإن الأحرار ضد السيسي ولن يقفوا مهما بلغت التضحيات وإن أبطال اليمن سيحررونها بإذن الله من الحوثيين والمنافقين وسوف يخيب فأل الصهيونية وأمريكا وروسيا وايران وإنما تعتبر الأقوال والأعمال و الأحوال بالمآلات كما يقول الإمام الشاطبي – رحمه الله – ولو كان بشار السفاح عنده بعض العدل لا الظلم لما ثار الشعب وتحملوا الألاقي والشدائد حقنا للدماء, ولكن ماذا تفعل إذا كان الحاكم مأمورا وعبدا لأسياده الذين ربوه ، إذا فلا بد من الاتحاد و هو ما لاحظناه بين الكتائب و الفصائل وكذلك الحكم بالعدل وهو الغالب عليهم - ولنا كلام آخر في هذا العدل الدنيوي والأخروي لاحقا بإذن الله .
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4266
| 29 سبتمبر 2026
تُولي دولة قطر اهتمامًا بالعنصر البشري القطري، وتحرص على تأهيله وتمكينه وتطوير قدراته، غير أن بعض الجهات الحكومية لا تزال لا تستفيد بالصورة المطلوبة من أصحاب الخبرات الطويلة. فعندما يصل الموظف القطري إلى مسمى «خبير» أو «استشاري»، بعد سنوات من العمل والتدرج وتحمل المسؤوليات، يفاجأ أحيانًا بأنه أصبح بلا عمل واضح، ولا تُسند إليه مهام تتناسب مع خبراته ومسماه الوظيفي. وهنا يبرز السؤال: لماذا يتحول هذا المسمى في بعض الجهات إلى محطة انتظار بدلًا من أن يكون مرحلة جديدة للعطاء؟ ولماذا يُركن موظفون كانوا بالأمس القريب مديرين ورؤساء أقسام وأصحاب قرار، ثم يُتركون بعد ترقيتهم إلى مرتبة خبير أو استشاري بلا ملفات محددة، ولا مشاركة حقيقية في اللجان والدراسات وصناعة القرار؟ إن مسمى «خبير» أو «استشاري» ليس درجة شرفية تُمنح للموظف في نهاية مساره الوظيفي، بل وظيفة تخصصية لها غاية محددة. فالخبير يفترض أن يقدم الرأي الفني المبني على التجربة والمعرفة، وأن يراجع المشروعات والسياسات، ويحلل المشكلات، وينقل خبرته إلى الموظفين الجدد. أما الاستشاري، فينبغي أن يُسهم في إعداد الدراسات، وتقديم البدائل، وتقويم الأداء، ودعم القيادات في اتخاذ القرار وتطوير أساليب العمل. والمفارقة المؤلمة أن الخبير أو الاستشاري غير القطري غالبًا ما يُستفاد منه بصورة أفضل؛ فيشارك في إعداد الدراسات، ويسهم في صياغة التوصيات والقرارات، ويكون قريبًا من أصحاب القرار، بينما قد يُبعد الخبير القطري، وهو الأعرف ببيئة العمل وتاريخ المؤسسة واحتياجات المجتمع. وهذه ليست مطالبة بإقصاء الخبرات الوافدة التي نقدر دورها، بل دعوة إلى تحقيق التوازن وإعطاء الخبرة الوطنية المكانة والدور اللذين تستحقهما. وهذا الوضع لا يضر الموظف وحده، بل يضر الجهة والدولة؛ لأنه يهدر خبرة تراكمت على مدى عشرات السنين، ويضعف نقل المعرفة بين الأجيال، ثم يدفع بعض المؤسسات إلى الاستعانة بخبراء من الخارج للقيام بأعمال يستطيع أبناء الوطن إنجازها بكفاءة. فالخبرة الوطنية ليست عبئًا إداريًا، وإنما رأس مال مؤسسي يجب المحافظة عليه وحسن توظيفه. ولنضرب مثلاً في الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية، لا تتوقف الاستفادة من أصحاب الخبرات عند عمر معين أو مغادرة المنصب القيادي؛ فنراهم في البرلمانات ومجالس الإدارات والمؤسسات والشركات ومراكز الأبحاث والجامعات والمعاهد. أما في دولنا، فكثيرًا ما يغادر المسؤول منصبه فتُطوى معه خبرته، ثم نعود إلى استقدام الخبرة من الخارج بتكاليف مرتفعة. لذلك، نأمل من الوزارات والمؤسسات الحكومية التي يسري عليها قانون الموارد البشرية تفعيل ما قرره هذا القانون من ارتباط الوظيفة بواجبات ومسؤوليات محددة، وإلزام كل جهة بإعداد بطاقة وصف وظيفي واضحة للخبير والاستشاري، ووضع خطة سنوية لمهامهما، وإشراكهما في اللجان والدراسات وبرامج التدريب ونقل المعرفة، وتقييم أدائهما على أساس مخرجات قابلة للقياس، مثل إعداد دراسة، أو مراجعة سياسة، أو تدريب مجموعة من الموظفين. فالتكريم الحقيقي للموظف القطري صاحب الخبرة أن يمنح دورًا يليق بعطائه، ويضمن استمرار خبرته في خدمة الدولة والأجيال القادمة.
1137
| 28 سبتمبر 2026
أخطر التضليل الإداري لا يحتاج إلى تزوير رقم واحد، يكفي أن تختار ما تقيسه، ومتى تبدأ القياس، وبماذا تقارن النتيجة، وما تضعه في الصفحة الأولى، وما تدفنه في الملاحق. عندها تكون الأرقام صحيحة، لكن الصورة التي تصنعها قد تكون بعيدة عن الحقيقة. تدخل الأرقام إلى اجتماعات الإدارة العليا ومجالس الإدارة محاطة بهالة من الحياد. وحين تختلف الآراء، يقال: دعونا نحتكم إلى الأرقام. غير أن الرقم لا يتحدث بنفسه؛ فهناك من اختاره، وعرّفه، وحدد طريقة احتسابه، ثم وضعه في سياق يقود إلى استنتاج معين. قد تعلن إدارة أنها أنجزت 95 في المائة من خطتها السنوية. يبدو ذلك نجاحاً استثنائياً، لكن التقرير قد لا يقول إن بعض المشروعات المتعثرة حُذفت من الخطة، وإن مستهدفات أخرى خُفّضت، وإن معظم ما أُنجز كان من الأعمال السهلة، بينما تأجلت المشروعات التي تصنع الفرق. الرقم صحيح، لكن المسطرة تغيرت. وهنا تكمن الحيلة: لا تتغير النتيجة، بل يتغير تعريف النجاح نفسه. ولا يحتاج الأمر إلى تغيير الأرقام؛ فقد يكفي اختيار المقارنة المناسبة. فإذا كانت النتائج ضعيفة، قورنت بعام كان أشد ضعفاً، فيظهر التراجع كأنه نجاح. وإذا تحسن مؤشر واحد وتراجعت بقية المؤشرات، تصدّر الرقم الجيد العرض، بينما انتقلت الأرقام المقلقة إلى الصفحات الأخيرة. وحتى المتوسطات قد تخفي إدارات تعاني بيئة عمل طاردة، أو معاملات معقدة تظل عالقة لأشهر. وتتضح الخطورة في تقارير الأمن والسلامة. قد تعرض المؤسسة مئات الجولات التفتيشية والدورات واجتماعات التوعية، فتبدو منظومة السلامة نشطة. لكن كثرة النشاط لا تثبت أن المخاطر عولجت؛ فقد تتكرر الملاحظات نفسها، ثم تُغلق في النظام بإجراء مؤقت من دون إزالة أسبابها. وقد ينخفض عدد الحوادث المسجلة لأن طريقة تصنيفها تغيرت، أو لأن بعض الإصابات اعتُبرت بسيطة، أو سُجلت لدى المقاول بدلاً من المؤسسة. بل إن انخفاض البلاغات عن الحوادث الوشيكة قد يُعرض بوصفه نجاحاً، بينما يكون سببه خوف الموظفين من الإبلاغ أو عدم اقتناعهم بجدواه. فالمؤسسة الآمنة ليست التي تخلو تقاريرها من الملاحظات، بل التي تكشف مشكلاتها مبكراً وتعالجها قبل أن تتحول إلى حوادث. والقاعدة واضحة: عندما يتحول المؤشر إلى هدف، يبدأ بعض الناس في تحسين المؤشر بدلاً من تحسين العمل. ينطبق ذلك أيضاً على نسبة زيادة توظيف المواطنين. فقد تعلن مؤسسة ارتفاع النسبة السنوية، لكن الرقم لا يخبرنا عن صافي الزيادة بعد الاستقالات، ولا عن جودة الاختيار وملاءمة من عُيّنوا للوظائف، ولا عن قدرتهم على الاستمرار والتطور. فقد يرتفع عدد المواطنين في المؤسسة من دون أن ترتفع قدرتها. فالمواطن ليس مجرد عدد يضاف إلى التقرير لاستكمال النسبة، والتوطين لا يحقق غايته بمجرد إصدار قرارات التعيين. السؤال الأهم ليس: كم مواطناً عيّنت المؤسسة؟ بل: من اختارت؟ وعلى أي أساس؟ وفي أي مواقع وضعتهم؟ وهل وفرت لهم التدريب والمسار المهني الذي يجعلهم إضافة حقيقية؟. عندما يقوم الاختيار على الكفاءة والاستعداد، ويصاحبه تدريب جاد وتمكين تدريجي، يصبح الموظف الوطني عوناً للمؤسسة واستثماراً في مستقبلها. أما عندما تتحول النسبة إلى غاية في ذاتها، أو إلى مدخل لتعيين المعارف والأصدقاء، فقد تنجح المؤسسة في زيادة العدد، لكنها لا تنجح بالضرورة في بناء الكفاءة. وقد يقع الاختيار على أشخاص لا تتناسب مؤهلاتهم أو استعداداتهم مع الوظائف، ثم يُتركون بلا تدريب أو متابعة أو محاسبة، فيصبح التعيين عبئاً على المؤسسة وعليهم هم أيضاً. فالخطأ لا يقع على الموظف وحده، بل يبدأ من إدارة جعلت استكمال العدد أهم من حسن الاختيار. وقد تزداد الصورة بريقاً بفوز المؤسسة بجائزة هنا أو تكريم هناك عن أدائها في أحد هذه المجالات، فتكتسب الأرقام حصانة إضافية، ويبدو طرح الأسئلة وكأنه تشكيك في إنجاز معترف به. غير أن الجوائز، مثل المؤشرات، تقيس ما عُرض عليها وفق معايير محددة، ولا تكشف بالضرورة كل ما يجري داخل المؤسسة. فقد تكون النسبة صحيحة والجائزة مستحقة، ومع ذلك تبقى فجوة بين النجاح في المؤشر والنجاح في الواقع. ولا تُصنع الرواية التي تصل إلى مجلس الإدارة بالأرقام وحدها. فعندما تكون المؤسسة أمام قرار رئيسي أو توجه إستراتيجي جديد، قد تستعين بشركة استشارية للحصول على رأي مستقل يساعد الإدارة العليا أو مجلس الإدارة على الاختيار. لكن الاستقلال لا يتحقق بمجرد وضع شعار شركة عالمية على غلاف التقرير. فالشركة الاستشارية لا تدخل المؤسسة من فراغ. هناك من اختارها، وكتب نطاق عملها، وحدد الأشخاص الذين ستقابلهم، وزودها بالبيانات. وهذا الطرف نفسه قد يتابع عملها وفواتيرها، ويملك تأثيراً في منحها مشروعات أخرى مستقبلاً. وهنا يستطيع بعض المسؤولين، من دون أن يطلبوا صراحةً نتيجة محددة، توجيه المسار الذي تسلكه الدراسة؛ فيصوغون الأسئلة، ويختارون المعلومات، ويوجهون لقاءاتها نحو أشخاص يؤيدون توجهاً بعينه، بينما تبقى آراء وتجارب أخرى خارج نطاق الدراسة. وقد لا تتعمد الشركة الاستشارية تبني وجهة نظرهم، لكنها تعمل داخل الإطار الذي أُعد لها، وتعتمد على المعلومات التي يوفرونها، وتدرك أن العلاقة معهم قد تستمر. وعندها قد تصل وجهة نظر داخلية إلى مجلس الإدارة مرتدية ثوب الرأي الخارجي المستقل، فتكتسب من اسم المستشار قوة لم تكن لتحصل عليها لو عُرضت باسم أصحابها. ولا يعني ذلك أن الشركات الاستشارية تفتقر إلى المهنية؛ فكثير منها يقدم خبرة حقيقية ورؤية لا تتوافر داخل المؤسسة. لكن جودة رأيها تعتمد أيضاً على اتساع نطاق المعلومات التي تصل إليها، وتعدد الأصوات التي تستمع إليها، ووضوح الجهة التي ترفع إليها تقريرها. وفي القرارات الكبرى، من الأفضل أن تكون لمجلس الإدارة أو لجنته المختصة صلة مباشرة بالمستشار، وأن تُعقد معه جلسة مستقلة، للتأكد من أنه استمع إلى الرأي المؤيد والمخالف قبل تقديم توصيته. مجلس الإدارة الواعي لا يرفض الأرقام، ولا يقلل من قيمة الجوائز أو الخبرات الاستشارية، لكنه لا يسمح لها بأن تفكر نيابة عنه. فعندما يرى نسبة مرتفعة، يسأل كيف احتُسبت. وعندما يقرأ تقييماً مستقلاً، يسأل من وضع نطاقه واختار مصادره. وعندما يجد تقريراً مثالياً، يبحث عن الرقم الغائب والصوت الذي لم يُسمع. والإدارة العليا الواعية تفعل الشيء نفسه؛ فمسؤوليتها لا تنتهي عند استلام التقرير، بل تبدأ من مساءلة ما ورد فيه. فالرواية الإدارية لا تصنعها الأرقام وحدها؛ قد يشارك في صنعها تعريف المؤشر، وطريقة عرض الجائزة، ونطاق الدراسة الاستشارية، والأصوات التي سُمح لها بالوصول إلى صاحب القرار. وكل أداة من هذه الأدوات قد تكون صحيحة ومهنية في ذاتها، لكن اجتماعها داخل إطار واحد قد يصنع صورة لا تمثل الحقيقة كاملة. لذلك، لا يكفي أن نسأل: هل الأرقام صحيحة؟ بل يجب أن نسأل: من اختارها؟ وكيف عرّفها؟ وما الذي تركه خارجها؟ فالأرقام لا تكذب، لكنها لا تروي القصة كاملة من تلقاء نفسها. ومن يختارها، ويحدد سياقها، ويرسم حدود التقرير، يستطيع أن يجعل نصف الحقيقة يبدو حقيقة كاملة. وفي الإدارة، قد يكون ذلك أخطر من الكذب الصريح.
1098
| 27 سبتمبر 2026