رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
منذ كنا صغارا في المدارس كان أساتذتنا الأجلاء يحدثوننا -على الدوام- أحاديث قلبية عن ضرورة الاتحاد والعدل و نبذ التفرق والظلم ويأتون لنا بقصص طريفة جاذبة للانتباه فنسربها ونعود إلى بيوتنا فننقل بعضها إلى آبائنا وأمهاتنا وأسرنا على الغداء أو في السهرة المسائية , وعندما نتذكراليوم – ونحن كبار- ما يجري في معظم بلادنا العربية من مآس وهيمنة بعض القوى المتحدة على الباطل الظالمة على كثير من مقدراتنا – سواء كانت دولية أو إقليمية أو محلية – فإننا نعيد شريط الذكرى إلى الماضي لنربط الأحداث بعضها ببعض ولا نخجل من ذلك فقد دعانا القرآن و السنة للإفادة من أخبار وقصص السابقين لنتفادى الأخطاء والأخطار, وفي هذا يقول الزعيم الهندي "المهاتما غاندي": إن من ليس له ماض فليس له حاضر ولا مستقبل. وفي هذا الأسبوع بالذات يوم الجمعة الماضي تم في سوريا تحرير مشفى جسر الشغور في ريف إدلب بعد أن تحدى الأسد السفاح بأنه سيحرر من فيه من المحاصرين الأبطال وفيهم من يحمل الرتب العالية مدنيا وعسكريا, إضافة – إلى ما نقل – بعض من هم من الضباط و المستشارين الإيرانيين وغيرهم, ولكن الذي حدث فعلا وبعد أكثر من أسبوعين من محاولات اللانظام الطاغي ومَن وراءه من الأسياد المعروفين لم يقدروا على شيء بل عند ما قامت المحاولة الأخيرة يوم الجمعة فر الجنود كالفئران و الأرانب ووجد الآخرون من المنهزمين كمائن لجيش الفتح تطوقهم وتقتلهم أو تأسرهم وضربت الروح المعنوية التي أراد النظام البشاري أن ينفخها في أنصاره وأخفقت جميع التعزيزات العسكرية لحلفاء اللانظام وانقلب السحر على الساحر ولم ينج إلا اثنا عشر واحدا منهم ذكرهم التلفزيون السوري المخادع أنهم أول دفعة للتحرير وهو يدري أنه لا دفعة بعدهم أبدا! وقد تم ذلك رغم أن الطائرات الحربية كانت خمسا ونفذت أكثر من 22 غارة عدا الحوامات التي تلقي البراميل المتفجرة لكن دون جدوى. ولاشك أن جسر الشغور منطقة كبيرة و استراتيجية بالنسبة إلى اللانظام حيث إن سقوطها يفتح الباب للثوار إلى خوض المعركة الكبرى في الساحل السوري على البحر المتوسط لأنه معقل طائفة الأسد, وطبعا في هذه الأيام القلائل الماضية تمت السيطرة على "تدمر" المدينة الكبيرة المعروفة بسجنها الدامي الذي خصصه حافظ الأسد وبشار لتعذيب السياسيين من الرجال و الشباب والنساء والشواب - وخصوصا الإسلاميين -, هذا وإن كانت داعش هي التي وضعته بأيديها لكننا – ورغم ما تم من معارك مع اللانظام يصعب علينا أن نقبل أن يتم التنازل عن تدمر ببساطة فربما كان سيطرة حقيقية وربما كان في الأمر شيء آخر ستفسره الحوادث و الأيام المقبلة . بيد أن المراقب والمطلع المحايد يندفع إلى القول: إن ما يجري الآن من تراجع مزر جديد لطغمة الطغاة إنما هو يأس أو شبه يأس من كسب النزال في الحلبة, وأنه لا بد من التقسيم – لا سمح الله – في سوريا مع احتفاظ الأسياد للعبيد ببعض المواقع المهمة على البر والبحر والتي بها يضمنون مصالحهم ومصالح سيدتهم الأولى (إسرائيل الصهيونية) وخصوصا فيما يتعلق بالأمن والتمدد ويذرون السنة في الوسط محاصرين من الأسياد و العبيد وعندها في أممهم المتحدة على الجور ومجلس خوفهم الذي لا أمن فيه ينتهي الخطب السوري في هذا العصر الباطني الدموي الذي ترأسه الصهيونية العالمية ويقوم فيه الكبار والصغار-ومنهم الصفويون- ممثلين على المسرح ليس إلا. و أظهر طغاة العرب تفوقا في العمالة و العبودية لهم لا نظيرلها ووفروا عليهم الجيوش والخسائر! ونحن إذا رجعنا إلى قراءة ما يجري بتأن وعقل وحكمة عرفنا أن كل حاكم طاغية فرعوني لا يمكن إلا أن يكون داعية تفرقة على عنوان (فرق تسد) بل يجعل من نفسه إلها أوله صلة بالإله كيلا يعترض عليه أحد , ومن أهم ظلمه هنا أنه يستخدم السلطة الفاشية للتلبيس على الشعب و تعميق محو الوعي الجماهيري بالطغيان و القسوة وهو ما يفعله سفاح سوريا حتى اليوم كما يُطلب منه تماما, ومنها كذلك التقليل من حجم ومكانة المعارضة مع شدة الخوف منها كما فعل فرعون وحكى عنه القرآن (إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ (54) وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ (55) وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ (56): الشعراء. وكما قال الأستاذ محمد زكريا النداف في كتابه "الأخلاق السياسية" . ص: 202 : فإذا كانوا قلة فلماذا يخاف منهم ويحشر الجيوش لقتالهم؟ ولكن فرعون كل زمان يفعل ذلك وخصوصا في الجانب الإعلامي حيث يفسر الأحداث لصالحه و ينسب الفساد دائما إلى أعداء السلطة , وهنا - وبهذه المناسبة فإن قناة الجزيرة وحدث العربية خصوصا- تُشكران على فضح هؤلاء الفراعنة بالصوت والصورة مما يعد من الجهاد الإعلامي ولم يعد ذلك خافيا حيث إن الجرائم الكبرى التي ارتكبها الطغاة فاقت كل وصف وتصور وكما أعلن عضو شؤون حقوق الإنسان في البرلمان الألماني وأحد مؤسسي محكمة الجنايات العليا ومندوب الأمم المتحدة عن حقوق الإنسان في أفغانستان و في البوسنة سابقا (توم كونيفز) الذي يعتبر أحد خبراء القانون الدولي في ألمانيا وأوربا و العالم : أن حوالي 500 ألف صفحة تشمل تقارير و دراسات إضافة إلى وثائق تثبت ارتكاب رئيس النظام السوري بشار الأسد فظائع حرب ضد شعبه و إبادة جماعية منذ عام 2011 وبما في ذلك القصف بالكيماوي رغم أنه يكذّب ذلك ....وقال توم : وقد تم جمع هذه الحقائق والوثائق منذ عام 2012 حتى شهر مارس 2015 ومازال الجمع مستمرا من قبل محامين سوريين وغيرهم مما يؤكد أن مافعله بشار من مظالم يفوق إبادات "رواندا" و"يوغوسلافيا" السابقة وقد قامت سويسرا بجمع تواقيع خمسين دولة بما فيها ألمانيا لتقديم هذا الطاغية إلى محكمة "لاهاي" بالرغم من وضع موسكو واستعمالها حق النقض (الفيتو) بمجلس الأمن الدولي. طبعا نحن ننقل ما ذكر وبصائرنا لا تنسى أبدا الاتفاق بين الطاغية وإسرائيل وأمريكا وروسيا وإيران على تغطية هذا الهول الشنيع, كما بدأ وا من أول الثورة وتآمروا عليها , وفاقد الشيء لا يعطيه , وهل ننسى ما قاله المستر "أوباما" مؤخرا بتصاريحه المعسولة أنه سوف يغادر منصبه وسيبقى النظام السوري؟ أوهل ننسى التصريحات الأمريكية الحكومية المسؤولة مؤخرا أن تَقدُّم المعارضة المسلحة في سوريا يقلقها. و من قديم الزمان قال الشافعي – رحمه الله – عن اللؤماء والباطنيين :
و لا ترج السماحة من لئيم فما في النار للظمآن ماءُ
ومن هنا تكون التصريحات عند أرباب التضليل الإعلامي مرة هكذا ومرة هكذا... إنه أسلوب فرعون: (وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ (26)غافر فالفساد حسب هواههم وليس حسب المصطلح العلمي الموضوعي , وهكذا يجري أذنابهم مثل تصاريح الأمين العام لما يسمى حزب الله ( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ (204) وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ (205) البقرة. وكما ينقل الدكتور سيف الدين عبد الفتاح في : النظرية السياسية من منظور إسلامي. ص: 412: إن هذه محاولات للتعريف حسب الهوى والمصالح الضيقة كما في استعمال مثل هذه المصطلحات اليوم:
"مصلحة الجماهير, الإرادة الشعبية, الشرعية, الاستقرار السياسي ..." إن كل ما يجري من الظلم لن يدوم لأن الظلم مرتعه وخيم عاجلا أو آجلا وإذا كانوا يريدون لنا أن نيأس فمعاذ الله من ذلك لأن اليأس هو الانتحار المحرم والكفرالممنوع , وإن معظم السوريين اليوم قد فهموا المعادلة بينهم كمظلومين وخصوصا – أهل السنة – وإن العديد من الشيعة العرب اليوم هم ضد أمين عام ما يسمى حزب الله والمالكي والعبادي – وإن الأحرار ضد السيسي ولن يقفوا مهما بلغت التضحيات وإن أبطال اليمن سيحررونها بإذن الله من الحوثيين والمنافقين وسوف يخيب فأل الصهيونية وأمريكا وروسيا وايران وإنما تعتبر الأقوال والأعمال و الأحوال بالمآلات كما يقول الإمام الشاطبي – رحمه الله – ولو كان بشار السفاح عنده بعض العدل لا الظلم لما ثار الشعب وتحملوا الألاقي والشدائد حقنا للدماء, ولكن ماذا تفعل إذا كان الحاكم مأمورا وعبدا لأسياده الذين ربوه ، إذا فلا بد من الاتحاد و هو ما لاحظناه بين الكتائب و الفصائل وكذلك الحكم بالعدل وهو الغالب عليهم - ولنا كلام آخر في هذا العدل الدنيوي والأخروي لاحقا بإذن الله .
«ومن طلب العلا رقد الليالي.. !»
مثل كثيرين غيري، كنت أعتقد أن تقليل ساعات النوم قدر الإمكان علامة على الإنتاجية والطموح، وطريق مختصر للتميّز... اقرأ المزيد
201
| 06 فبراير 2026
تبسّم ...!
التبسم بلسم للهموم والأحزان، وله طاقة مذهلة في بثّ الفرح في القلوب والأفئدة، كان الرسول صلى الله عليه... اقرأ المزيد
90
| 06 فبراير 2026
دور الشرطة المجتمعية في المدارس
دور الشرطة المجتمعية هام في تحقيق الأمان لأولياء أمور الطلاب والمراهقين بالأخص، نظراً إلى بعض الحالات الاجتماعية المتعددة،... اقرأ المزيد
87
| 06 فبراير 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
عند الحديث عن التفوق الرياضي، لا يمكن اختزاله في تفاصيل فنية أو نتائج آنية، بل يجب النظر إلى البنية الكاملة للفريق، بدءًا من الإدارة، مرورًا بالجهاز الفني، وانتهاءً بروح اللاعبين داخل الملعب. ومن هذا المنطلق، يبرز الشمال كنموذج متكامل لفريق يعرف ماذا يريد، وكيف يصل إليه. إدارة الشمال تقدم مثالًا واضحًا في الحزم والوضوح والاستقرار. القرارات تصدر بثقة، والرؤية واضحة، والدعم متواصل، ما ينعكس مباشرة على حالة الفريق داخل الملعب. هذا الاستقرار الإداري منح المدرب المساحة الكاملة للعمل، فظهر حضوره قويًا، واضح الشخصية، قادرًا على فرض الانضباط وبناء مجموعة تؤمن به وتقاتل من أجله. المدرب في الشمال ليس مجرد اسم، بل قائد فعلي، يزرع الثقة، ويخلق الانتماء، ويحول اللاعبين إلى وحدة واحدة. أما اللاعبون، فيمثلون جوهر هذا التفوق. يتميز الشمال بلاعبين يمتلكون المهارة، لكن الأهم أنهم يمتلكون العقلية. روح جماعية عالية، التزام، استعداد للتضحية، وقتالية واضحة في كل مواجهة. الفريق يلعب بشراسة إيجابية، لا تعرف الاستسلام، ويقاتل على كل كرة، وكأن كل مباراة معركة إثبات جديدة. هذه الروح لا تُشترى، بل تُبنى، والشمال نجح في بنائها بامتياز. في المقابل، يفتقد أم صلال لهذه المنظومة المتكاملة. غياب الاستقرار الفني، وتراجع الحضور القيادي، وانعدام الروح الجماعية، جعل الفريق يبدو بلا هوية واضحة. اللاعبون يدخلون المباريات دون تلك الشراسة المطلوبة، ودون الإحساس بالمسؤولية الجماعية، ما ينعكس على الأداء العام ويكرّس صورة فريق يفتقر إلى الشخصية والقتال. الفارق بين الفريقين ليس في المهارة فقط، بل في الذهنية. الشمال فريق يؤمن بنفسه، بإدارته، بمدربه، وبقدرته على المنافسة حتى اللحظة الأخيرة. أم صلال، في المقابل، يعاني من غياب هذه القيم الأساسية. كلمة أخيرة: يتألق فريق الشمال بانتصاراته الساحقة، مما يبرز براعته الإستراتيجية وقوة إرادته، بينما يعاني فريق أم صلال من إخفاقات متكررة، لتتكشف أمام الجميع الفجوة بين العزم والضعف، مسجّلة درسًا حقيقيًا في مجريات المنافسة الرياضية.
2115
| 04 فبراير 2026
حين وصل الملك فريدريك الثاني الشام سنة 1228م، لم تُسجَّل له معركة كبرى أمام القدس ولم يُحاصرها بجيش يزلزل الأرض. ومع ذلك تسلم مفاتيح بيت المقدس، وذلك باتفاق مع السلطان الأيوبي الذي ليس له من اسمه نصيب (الملك الكامل). هذا الحاكم سلّم بموجب اتفاق مفاتيح القدس. لم تكن هزيمة عسكرية، بل تنازلًا سياسيًا مُخزيًا ووصمة عار في جبين الأمة حتى يومنا هذا، ولتصحيح هذا الخطأ مات الكثير من أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وهنا يقف السؤال في وجه التاريخ: لماذا أُعطيت القدس بهذه السهولة؟ الجواب المؤلم يبدأ من داخل الدولة الأيوبية آنذاك لأنها كانت تعيش انقسامات. والكامل هذا كان في صراع مع إخوته وأقاربه على النفوذ في الشام، ويخشى تحالفهم ضده. فاختار أن يجعل الدولة الصليبية حائط صد بينه وبين إخوته، فماذا فعل؟! أعطى لفريدريك مفاتيح أقدس مقدسات المسلمين بلا مقابل، فقط ليأمن على سلطانه في مصر. صارت القدس ورقة في لعبة توازنات داخلية. لم تُبع في سوق، لكنها استُخدمت لتثبيت كرسي. بمعنى أوضح، مدينة بقدسيتها، بتاريخها، بدماء من سقطوا دفاعًا عنها، تحولت إلى بند في معاهدة. وهنا تكمن المرارة لأن القدس لم تكن أرضًا عادية، بل رمزًا دينيًا وحضاريًا استعادها قبل عقود صلاح الدين الأيوبي بعد معركة حطين، وما أدراك ما حطين مشروع طويل من الإعداد والوحدة والتضحية. يومها لم تكن المسألة كرسي حكم، بل قضية أمة. صحيح أن بعض الروايات تبالغ في تقليل عدد من رافق فريدريك إلى أقل من 1000 مقاتل فقط لأنه كان مطرودًا من البابوية وغير مرغوب فيه في أوروبا وليس له وزن، ومع ذلك يتسلم هذا المطرود المنبوذ مفاتيح أولى القبلتين. وهنا الدرس الذي لا يشيخ: حين تنقسم الصفوف، يصبح الخصم أقل كلفة. لا يحتاج أن ينتصر، يكفيه أن يراقب وينتظر. هذا الفريدريك قام بمجازر ضد المسلمين في صقلية، وأرسل إليه الكامل يطلب منه التوقف لِظن هذا الناقص أن فريدريك سيحفظ له فضل وجميل إعطاء القدس كهدية، ولكن فريدريك مزّق المسلمين وفعل بهم الأعاجيب. وليس اليوم ببعيد عن أمس، فمن يظن أن الغرب يهتمون بدماء وأعراض المسلمين هو ناقص كهذا الذي نتحدث عنه. والتاريخ الإسلامي نفسه مليء بأمثلة معاكسة. رجال ضحّوا بالملك من أجل المبدأ، وفضلوا الثبات على المكسب العاجل. من زمن الصحابة الذين خرجوا يواجهون إمبراطوريات تفوقهم عددًا وعدة، إلى قادة مثل عمر المختار الذي اختار المقاومة على الخضوع، ودفع حياته ثمنًا، لكنه لم يبع كرامته. هؤلاء لم ينظروا إلى القضية كورقة تفاوض، بل كأمانة أمة. ما أريد قوله من هذه الواقعة التي مر عليها أكثر من ثمانمائة عام، وما زال صداها في الذاكرة، أن أخطر ما يضعف الدول المسلمة ليس قوة الخارج، بل خلاف الداخل، والخضوع لا يبدأ دائمًا برغبة في الاستسلام، بل أحيانًا بخوف من فقدان منصب، أو حرص على تثبيت حكم هو أصلًا زائل. ألا يكفي أن نرى النتيجة؟ حين تُقدَّم التنازلات لتجاوز أزمة داخلية أو مصلحة شخصية، قد تتحول تلك التنازلات إلى أزمات أكبر وأعمق وأشد إذلالًا. الهيبة لا تُبنى بالخطابات، بل بوحدة القرار، وبوضوح الخطوط التي لا تُمس. فالأوطان والمقدسات والثروات ليست ملكًا خاصًا للحُكام، ولا هدية تُقدَّم طلبًا لرضا القوى العظمى. الأصل: (إن تنصروا الله ينصركم). تسليم القدس سنة 1229م لم يكن مجرد حادثة عابرة، بل علامة على أن الذل والخنوع والخيانة قد يفتح ما لا تفتحه الجيوش الجرارة والطائرات المسيّرة. ومن لا يتعظ بما مضى، قد يجد نفسه يعيد المشهد ذاته بأسماء جديدة.
897
| 04 فبراير 2026
امشِ في أحد أحيائنا القديمة التي بقيت على حالها، إن وجدتَها. ستلاحظ شيئاً غريباً في التصميم: الجدران قصيرة، والأبواب تكاد تكون متقابلة، و»السكيك» ضيقة وكأنها صُممت لتجعل الناس يصطدمون ببعضهم البعض فيلقون السلام. كان العمران هناك «خادماً» للوصل. وكانت روح الفريج حاضرة في كل تفصيلة معمارية. كان الحجر يُجبر البشر على التلاقي. ثم انتقل بسيارتك إلى أحيائنا السكنية الحديثة. شوارع فسيحة، وفلل تشبه القلاع الحصينة. كل بيت يحيط نفسه بسور عالٍ، وبوابات إلكترونية، وكاميرات مراقبة. لقد حصلنا على «الخصوصية» التي كنا نحلم بها، ولكن، هل سألنا أنفسنا عن الثمن؟ المعادلة بسيطة ومؤلمة: كلما ارتفعت الجدران الإسمنتية بين البيوت، ارتفعت معها الجدران النفسية بين القلوب، وتآكلت روح الفريج شيئًا فشيئًا. في زمن «الفريج»، كان الجار هو «خط الدفاع الأول»، وهو «الأهل» الأقرب. كانت الأمهات يتبادلن الأطباق، والأطفال يركضون من بيت لآخر وكأن الحي كله بيت واحد كبير. كانت «عين الجار» حماية، وصوته أنساً. لم يكن الفريج مجرد مكان للسكن، بل كان «نظاماً اجتماعياً» متكاملاً للتكافل والتربية المشتركة. اليوم، تحت ذريعة «الخصوصية» و»الاستقلالية»، عزلنا أنفسنا. أصبحنا نعيش لسنوات بجانب شخص لا نعرف إلا نوع سيارته. قد يمرض الجار، أو يحزن، أو يفرح، ولا نعلم عنه شيئاً إلا إذا رأينا خيام العزاء أو الزفاف صدفةً عند الباب. تحول الجار من «سند» إلى «غريب»، وأحياناً إلى مصدر إزعاج نشتكي منه إذا أوقف سيارته أمام سورنا. لقد قتلنا «روح الفريج» بدم بارد، واستبدلناها بـ «ثقافة العزلة». نحن لا ننكر أن التطور العمراني ضرورة، وأن الخصوصية حق. لا أحد يطالب بالعودة إلى بيوت الطين وضيق المكان. ولكننا نطالب بـ «أنسنة» مدننا الحديثة. المشكلة ليست في «الحجر» وحده، بل في «البشر» الذين سمحوا لهذه الأسوار أن تتسلل إلى نفوسهم. لقد استوردنا تصاميم هندسية غربية تقدس الفردية، ونسينا أننا مجتمع «جمعي» يتنفس الوصل. صممنا مدناً للسيارات لا للمشاة، وللأبواب المغلقة لا المشرعة. هل يمكننا استعادة ما فقدناه؟ نعم، ولكن البداية ليست بـ «هدم الأسوار» الإسمنتية، بل بهدم «الأسوار النفسية». أن نمتلك الشجاعة لنطرق باب الجار ومعنا «طبق حلو» وابتسامة، بلا مناسبة. أن نُحيي «مجلس الحي» ولو مرة في الشهر. أن نعلم أطفالنا أن «حق الجار» ليس مجرد كف الأذى، بل هو بذل الندى، والسؤال، والاهتمام. وهو جوهر روح الفريج. إن «الوحشة» التي نشعر بها في أحيائنا الفارهة لا يعالجها المزيد من الرخام والزجاج، بل يعالجها «دفء» القلوب المتواصلة. فلنجعل بيوتنا قلاعاً تحمينا من الخارج، نعم، ولكن لا تجعلها سجوناً تعزلنا عمن هم أقرب الناس إلينا جغرافياً، وأبعدهم عنا شعورياً.
696
| 04 فبراير 2026