رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
سألت الراكب بجانبي عندما نزلت سيارتنا من فوق جسر العذيبة في اتجاه ولاية السيب عن معنى الـ"ميرة"، حيث لمحت على الطريق الموازي لسيرنا المجمع التجاري الكبير الذي تغيرت علامته التجارية فجأة، ووضعت عليه اللائحة الجديدة "ميرة"؛عن معنى هذه الكلمة، وكيف جاءت على واجهة هذا المجمع، ومن صاحبه الذي تحمل لائحته هذا الاسم، فرد علي ان هذا المجمع التجاري الكبير صاحبه مستثمر من دولة قطر الشقيقة، فاستوعبت المعنى حينها وظللت كلما امر بشارع "السلطان قابوس" حيث يقع هذا المجمع موازيا لهذا الشارع المتجه الى عمق مسقط عاصمة السلطنة، ذهابا وايابا تبصر أعيننا هذه اللوحة الكبيرة التي تزين المحل، ومع مرور الأيام اتوقع أن الذاكرة الصغيرة لدى الجيل الجديد هذا الاسم، واصبح جزءا من المعلومات المخزنة، وهو بالنسبة لي ليس جديدا كمفردة متفردة وسط هذا العالم الذي يعج بالعولمة، حيث تستدعي الذاكرة هذا الاسم من معنى قديم عندنا في سلطنة عمان، فعندما كنا صغارا كنا نسمع من والدينا هذه المفردة فالوالد سيذهب الى السوق ليشتري ميرة يوم، أو اكثر، واستوعبتها الذاكرة في حينها على ان الـ "ميرة" هي كمية من الطعام، وعادة ما تكون لعدد ايام كثيرة.
هذه المفردة لم تعد اليوم متداولة حيث اكتسحتها العولمة بمفردات كثيرة، ولذلك اسقطتها الذاكرة الحديثة لدى الاجيال، واستعاظت عنها كما هو متوقع ومعروف بمفردات كثيرة، ولعل اقربها مسميات الوجبات السريعة – دون ذكر اسمائها – وهي معروفة، والتي تغزو العالم على امتداد الكرة الأرضية، والاجيال الحديثة، يقينا، غير ملامة على ذلك فهذا واقعهم، وعليهم ان يعيشونه بكامل مفرداته، وما تحمله هذه المفردات من حداثة وتقنية، فذاكرة الانسان عموما كما تشير الكثير من التقارير الطبية ترتبط ارتباطا وثيقا بمخه، وان أية تأثيرات جانبية على هذا الجهاز المهم من شأنه أن يربك الذاكرة، وقد يفقدها أرصدتها من المعلومات السابقة، ومن الرصيد المعرفي الممتد منذ عمر الطفولة وحتى العمر المتأخر، فكيف الحال اذا كانت هذه الذاكرة تبنى على مفردات مختلفة جدا عما كان عليه الجيل السابق، على سبيل المثال، ومن هذه النقطة بالذات فالذين يهتمون بمثل هذه المفردات، ويؤصلون بقاءها عبر وسائل عديدة، ومنها المثال الذي ذكرته في صدر المقال هم يقينا لم يأت هذا التأصيل صدفة، فوراءه اهتمام غير عادي بمفهوم هذا التأصيل، ولذلك احي حقيقة هذا المستثمر الذي اصل بقاء كلمة "ميرة" وهي المفردة الشعبية التي عايشتها الاجيال دهورا من الزمان، وها هو يكتب لها شهادة البقاء من جديد، وتعود لتترسخ في ذهن الذاكرة من جديد، صحيح ان الجيل اليوم يجد فيها من الغرابة الشيء الكثير، ولكنه يتعامل معها كعلامة تجارية فقط سوف تستوعبها الذاكرة شيئا فشيئا لتبقى جزءا من ذاكرة شعبية، بالاضافة الى تجدد بقائها في الذاكرة الشعبية لدى كبار السن الذين توحي اليهم بالشيء الكثير.
ما جعلني اتحدث عن هذه المفردة بالذات هو اصطدامي من جديد بمفردة أخرى غيبتها الذاكرة الشعبيية لذات الاسباب التي ذكرتها في صدر المقال وهي مفردة "كروة" حيث قرأتها أول ما خرجت من مطار حمد الدولي على سيارات الأجرة هنا في قطر الخير، وعلى باصات النقل المتعددة، ولأن المفردة ليست غريبة علي كرصيد معرفي قديم، حيث اعي معنى هذه المفردة فقد كان لي شرف المعرفة منذ البدايات الأولى للمعرفة عندما كنت صغيرا، كان كبار السن يرددون هذه المفردة "كروة"، و"يكاري"، و "كاراه"، وكلها في معنى الاجرة والاستئجرا، ويستأجر، ولكنها كحال شقيقتها "ميرة" اختفت هي الأخرى من سوق التداول المفردي لدى المجتمع، ومع مرور الايام تناستها الذاكرة الى حين، ولم تعد موجودة مطلقا في الذاكرة الشعبية لدى الجيل الحالي الذي استبدلها بالاجرة، ويؤجر، وغربها بمفردة "تاكسي"، و "يتكس"، وهكذا تستمر الذاكرة الشعبية في استيعاب الفمردات والغائها، وذلك وفق مجريات الزمن واحداثه، وما يولده من مفردات مستوحاة من البيئة في حينها، او من الوسيلة المتداولة بين الناس.
ومن هنا تستدعي الحاجة او الضرورة على المحافظة على ارث المجتمع ان يسعى افراد المجتمع الى تخليد هذه المفردات، او المسميات، سواء كانت مسميات متعلقة بالفرد، او بالمادة المتداولة بين افراد المجتمع ان يوجد المجتع لها مقارا آمنة للحفظ، لأن حفظها معناه البقاء على هوية المجتمع وعدم تغربه، وعدم تماهيه في عوالم الآخرين من حوله، خاصة العوالم التي لاتحصنها القيم، والعادات، وليس معنى هذا ان نكفكف على كل القيم صالحها وطالحها، أبدا، فنحن نعيش في عالم متحرك ديناميكي لا يهدأ وعلينا ان نتجاوب معه بما ييسر لنا الحياة، والوسيلة، على ان لا نفقد هويتنا، وأصالتنا، فالعولمة اليوم قضت على كل أخضر ويابس، كما يقال، وغربت الشعوب عن انتماءاتها الاجتماعية، والجغرافية، وعمقت فيها الاستقلالية الممقوته، وافرزت نتائج تتصادم مع تاريخ اجتماعي جميل، فقوضت فيه التماسك، والتآزر، وجاء مفهوم الأسرة النووية، فزاد الطين بلة – كما يقال – فبعد ان كانت الاسرة التقليدية المحافظة، ومتأزرة، حيث الجدين، والابوين، ومجموعة الابناء وزوجاتهم، وابنائهم، تصدرت الاسرة النووية لتنفرد من هذا التجمع كله على الرجل وزوجته، بيت كبير وضخم يضم روحين بين اربعة جدران فقط، في حي متطور لا يعرف الجار جاره، ولا القريب قريبه، وتناسخت هذه الصورة المجتمعية واستحسنتها الاجيال كنوع من الاستقلالية، ولكنها في المقابل غيبت اهم شيء، وهو اللحمة الاجتماعية الرائعة التي كانت بمثابة القفل الصلد لمكونات المجتمع الانساني من الترهل، والتشتت.
احي حقيقة المعنيين في دولة قطر الشقيقة على هذا التوجه الجميل، في توظيف هذه المفردات مثال (ميرة وكروة) في مختلف وسائل الحياة العامة، واعطائها عمرا جديدا للبقاء، وهذا يعكس بما لا يدع مجالا للشك ان هناك من لا يزال يرى في هذه المفردات وغيرها السبيل للمحافظة على قيم المجتمع، وعاداته، وتقاليده، وما هذا التوظيف الجميل لفمردتي "كروة، وميرة" الا مثالا رائعا لهذا الاستحضار الجميل لتاريخ اصبح في حكم الموات، كما هو ديدن الحياة دائما؛ حيث لا تنتظر المتأخر كثيرا، فالركب مسرعا، والزمن يجري بسرعة البرق، في الوقت الذي ارى فيه ايضا ان العصر الحديث يتيح لنا الكثير من الفرص لتخليد شيئا من الذاكرة الشبعية حيث تتعدد اليوم وسائل الحفظ للمحافظة على اشيائنا التي لا تصطدم مع الواقع بشيء، والطرح هنا ايضا يحاول تبسيط الصورة الغائبة عن أجندة الاهتمامات اليومية لدينا، وذلك بسبب أن هناك الكثير من الموروث الاجتماعي، على سبيل المثال، يأتي عليه التقادم بسبب تقدم العمر عند كبار السن، والكثير منه غير مدون، وغير منقول، ومعنى ذلك برحيل من تبقى من كبار السن، تفقد الأجيال تراثا جميلا ومهما يتعلق بالكثير من مناح الحياة اليومية، وان كان هذا التراث لا يضيف شيئا للحياة اليومية لدى أجيال اليوم، ولكنه يسجل مرحلة مهمة يجب ألا تلغى من قاموس الحياة الاجتماعية، ويسدل عليها الستار لتذهب مع الزمن خاصة بعد أن بدأت الذاكرة الشعبية تختزل نشاطها إلى الحد الذي لم يعد الإنسان يحتفظ فيه الا بالشيء اليسير من أحداث الحياة، أو ما توثقه له الكتب والمراجع، وذلك بسبب التقنية الحديثة.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هناك قضية أراها مهمة جدًا، ولا ينبغي غضّ الطرف عنها، تتعلق بالتعليم الجامعي لأبناء المقيمين في دولة قطر، وما تتحمله أسرهم من أعباء مالية قد تحول بين هؤلاء الشباب وبين استكمال دراستهم وبناء مستقبلهم. المقيمون جزء أساسي من مجتمعنا، ويشكّلون النسبة الأكبر من سكان دولة قطر، ويشاركوننا العمل والبناء، ويسهمون في تسيير شؤون الحياة في مختلف المجالات الإدارية والمهنية والخدمية، في القطاعين العام والخاص. وما داموا يعيشون بين ظهرانينا، ويشاركوننا مسيرة التنمية، فإن معاناتهم تستحق أن تجد آذانًا صاغية، خصوصًا حين تتعلق بتعليم أبنائهم ومستقبلهم. كثير من هؤلاء الأبناء وُلدوا وترعرعوا في قطر، وتلقّوا تعليمهم في مدارسها، حتى وصلوا إلى أبواب الجامعة. وهنا تبدأ المعاناة؛ فالقبول في الجامعات الوطنية تحكمه شروط ومنافسة، وقد لا تتاح الفرصة لكل طالب، فتتجه الأسرة إلى خيارات جامعية أخرى، لتجد نفسها أمام رسوم تفوق قدرتها المالية. وحتى حين يتاح القبول، قد تبقى تكلفة الدراسة عائقًا أمام استكمالها. ولنتصور أسرة يبلغ دخلها الشهري خمسة عشر أو ثمانية عشر ألف ريال، تدفع منه إيجار السكن، وتغطي مصاريف المعيشة وتعليم الأبناء والتزامات الحياة اليومية. كيف تستطيع تحمّل رسوم جامعية مرتفعة، خصوصًا إذا وصل اثنان أو ثلاثة من أبنائها وبناتها إلى الجامعة في وقت واحد؟ هنا يجد الأب نفسه أمام معادلة صعبة بين تأمين احتياجات أسرته وتمويل دراسة أبنائه. والتقسيط، وإن كان يخفف العبء، يحتاج هو الآخر إلى مراجعة؛ فتوزيع الرسوم على دفعتين خلال الفصل الدراسي قد لا يحل المشكلة. المطلوب ترتيبات أكثر مرونة، تراعي الدخل الشهري والالتزامات الفعلية، وتمنح الأسرة قدرة واقعية على الوفاء. أقول ذلك لأنني أرى هذه المعاناة لدى أسر قريبة مني، وأسمع ما يؤلم القلب من آباء وأمهات يشغلهم مستقبل أبنائهم. شباب لديهم الرغبة والاستعداد والاجتهاد، لكن الإمكانات المالية تقف أمام طموحاتهم. ومن المؤلم أن يتوقف مسار شاب أو شابة عند الثانوية لعجز الأسرة عن تحمّل تكلفة الجامعة. ومن هنا، أرفع هذه الرسالة إلى وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي، وإلى الجامعات والجهات المعنية، نحتاج إلى خطة واضحة توسّع فرص التعليم الجامعي الميسّر لأبناء المقيمين في القطاعين العام والخاص، من خلال مراجعة الرسوم، وتوفير منح جزئية تراعي دخل الأسرة وعدد أبنائها الملتحقين بالجامعة، وتقديم خصومات للأشقاء، واعتماد أقساط شهرية مريحة. كما يستحق الأمر دراسة تسهيل إنشاء مؤسسات جامعية وطنية تقدم تعليمًا جيدًا لأبناء المقيمين برسوم معقولة، وتشجيع الشراكات التي تسهم في تمويل دراسة الطلبة المستحقين، وتمنح الأسر خيارات تتناسب مع إمكاناتها. قطر التي جعلت التعليم ركيزة أساسية في نهضتها، قادرة على إيجاد حلول تحفظ جودته وتوسّع فرص الوصول إليه. وتعليم هؤلاء الشباب يفتح أمامهم أبواب العمل والعطاء، ويعزز إسهامهم في المجتمع الذي نشأوا فيه. معاناة هذه الأسر تستحق الالتفات والعمل؛ فلا ينبغي أن يبقى الوالدان قلقين كلما اقترب أبناؤهما من إتمام المرحلة الثانوية، ولا أن تتحول فرحة النجاح إلى سؤال موجع: كيف سندفع رسوم الجامعة؟ إنه ملف جدير بالاهتمام، ويستحق التعامل معه بجدية.
11730
| 22 أكتوبر 2026
هل أصبح الاستمتاع بموسم التخييم يحتاج إلى مئات الآلاف من الريالات؟ وهل باتت فخامة الكرفانات وحجم التجهيزات مقياسًا للمتعة والمكانة الاجتماعية؟ أم أننا أمام سباق في البذخ بدأ يُخرج هذا الموسم عن غايته الحقيقية وجماله؟ ما نشهده في السنوات الأخيرة يستحق التوقف والمراجعة. أسعار خيالية لبعض الكرفانات، وتجهيزات للدراجات النارية المخصصة للبر تتجاوز أحيانًا تكلفة تجهيز سيارات نستخدمها طوال العام، فضلًا عن الأثاث والديكورات والكماليات التي تُرصد لها ميزانيات ضخمة من أجل إقامة مؤقتة لا تتجاوز بضع ساعات أو ربما أيام. ليس في تحسين المخيم أو تجميله أو توفير الراحة لأهله وضيوفه ما يُعاب، بل إن حسن الترتيب والنظافة وجمال المكان أمور مطلوبة، لكن حين تبلغ تكلفة تجهيز المخيم مئات الآلاف من الريالات، هنا يطرح سؤال: أين تنتهي الرفاهية ويبدأ الإسراف؟ المشكلة ليست في قدرة البعض على الإنفاق، وإنما في تحول المظاهر إلى منافسة تدفع آخرين إلى عمل ماهو اكثر وأكبر، حتى يصبح المخيم مقياسًا للمكانة الاجتماعية بدلًا من أن يكون مكانًا للراحة. والأخطر أن تنتقل هذه الثقافة إلى الأبناء، فيربطون السعادة بالفخامة والمتعة بكثرة الإنفاق، بدلًا من تقدير البساطة وحسن التدبير. وموسم التخييم في قطر أكبر من أن نختزله في هذه المظاهر، فهو موعد سنوي ينتظره أهل قطر بفارغ الصبر، الصغير قبل الكبير، وفرصة لاجتماع العائلات والأصدقاء وإقامة المناسبات، حتى أصبح موسمًا اجتماعيًا وسياحيًا يستقطب زوارًا من خارج الدولة، وهذه المكانة تفرض علينا أن نحافظ على روحه وأهدافه. ومن هنا تأتي أيضاً أهمية الضوابط التي وضعتها الدولة ونظّمتها وزارة البيئة والتغير المناخي، وما شهدته من تحديثات هذا الموسم، وفي مقدمتها الحظر التام لقيادة الدراجات النارية أو استخدامها داخل الروض، ومنع استخدامها في جميع مناطق التخييم من الساعة العاشرة مساءً حتى الخامسة صباحًا، إلى جانب تنظيم التصاريح وتحديد مواقع التخييم وتعزيز الرقابة الميدانية لحماية البيئة والحياة الفطرية وسلامة المخيمين. وهذه الإجراءات لا ينبغي النظر إليها باعتبارها قيودًا على الترفيه، بل ضمانات لاستمراره. فمن حق الأسرة أن تستمتع بالهدوء، ومن حق الجار أن تُحترم خصوصيته، ومن حق الجميع أن يجدوا بيئة آمنة ونظيفة، بعيدًا عن ضوضاء المحركات والقيادة المتهورة والتعدي على المساحات الطبيعية. ومن المؤسف أن ينفق الإنسان مبالغ طائلة على جمال مخيمه، ثم يُفسد جمال المكان بسلوك يزعج جيرانه أو يضر بالبيئة أو يعرض الآخرين للخطر. فالرقي لا يُقاس بفخامة التجهيزات وحدها، وإنما بحسن التصرف واحترام الحقوق وحفظ الخصوصيات. فلنحافظ على هذا الموسم بعيدًا عن الإسراف والإزعاج والتجاوزات، ولنجعل منه نموذجًا للمتعة المسؤولة التي تجمع بين راحة الإنسان واحترام الآخرين وصون البيئة.
8691
| 27 أكتوبر 2026
تصلك الدعوة رسمية الصياغة، تحمل عبارة "مؤتمر صحفي"، وتصل إلى المدربين رسائل تبشّرهم بـ"التكريم" و"الاعتماد"، فيحضر الجميع متوقعين أن يعرفوا ماذا سيُعلن، ومن سيُكرَّم، وعلى أي أساس، ثم يخرجون دون أن يعرفوا شيئًا من ذلك. والمشكلة ليست في ضعف التنظيم وحده، بل في غموض يحيط بالمنصة نفسها، فلا تعرف إن كنت أمام إطلاق مبادرة، أم إعلان سياسة، أم احتفال بروتوكولي لالتقاط الصور. في القاعة طاولة وكرسيان، المشهد المألوف لأي مؤتمر صحفي. لكن الكرسيين بقيا فارغين، فلم يجلس عليهما أحد، ولم يُفتح باب للأسئلة، ولم تكن في القاعة صحافة أصلًا. والمؤتمر الصحفي ليس ديكورًا، بل عقد ضمني تقول فيه المؤسسة: هذا ما نفعله، واسألونا عنه. فإذا غاب السؤال غابت المساءلة، وصار "المؤتمر الصحفي" مجرد اسم على بطاقة دعوة. أما المدربون، فقد دُعوا إلى ما قيل إنه حفل تكريمهم. ترك كثير منهم أعمالهم وحضروا، ثم جلسوا على الكراسي طوال الفعالية دون أن تُنادى أسماؤهم، وفي النهاية وُجّهوا إلى مبانٍ مختلفة ليستلموا شهاداتهم بأنفسهم. والتكريم رسالة اعتراف قيمتها في علنيتها، ومن يُستدعى من عمله ليُكرَّم ثم يُصرف إلى مكتب آخر، لا يشعر بالتقدير، بل يشعر بأنه رقم في قائمة الحضور. والمفارقة أن من عوملوا بهذه الطريقة هم المدربون أنفسهم، أي من يُفترض أن تقوم عليهم السياسة المعلنة كلها. والأغرب من طريقة التسليم هو مضمونه. فقد حصل المدربون على تصنيفات دون أن يُعلَن على أي أساس صُنِّفوا، وكثير منهم يتساءلون: لماذا وُضعنا في هذا التصنيف؟ وما الفائدة التي ستعود علينا منه؟ فالتصنيف بلا معايير معلنة يشبه أن يتسلم طالب درجته النهائية دون أن يعرف كيف وُزّعت الدرجات ولا ماذا تعني لمستقبله؛ قد تكون عادلة، لكنه لن يثق بها ولن يعرف كيف يتحسن. والتصنيف العادل يجيب قبل تطبيقه لا بعده عن ثلاثة أسئلة: 1. ما المعايير: الخبرة، أم الساعات التدريبية، أم المؤهلات، أم التقييم الميداني؟ 2. ما المستويات، وما الفرق بينها؟ 3. ما الأثر: فرص تدريبية، أم أولوية في التكليف، أم مسار للترقي؟ ثم عُرضت سياسة للتعليم المستمر والتعلم مدى الحياة (Lifelong Learning) كأنها توجه حديث. والحقيقة أن اليونسكو جعلت هذا المفهوم حجر الأساس في السياسات التعليمية منذ تقرير "تعلّم لتكون" (Learning to Be) عام 1972، ثم نصّ عليه الهدف الرابع من أهداف التنمية المستدامة عام 2015. أي أننا أمام مفهوم عمره أكثر من خمسين عامًا، فأين كانت الجهة المعنية بالتعليم والتدريب طوال هذه العقود؟ لا عيب في أن تتبنى مؤسسة سياسة متأخرة، فالتأخر خير من الغياب. العيب أن تُقدَّم المتأخرة على أنها سابقة، وأن يُغلَّف اللحاق بالركب بلغة الريادة. الحوكمة أولًا ما جرى ليس أخطاء تنظيمية منفصلة، بل عَرَض لخلل في الحوكمة، وهي في أبسط معانيها: أن يعرف الناس ما الذي يُقرَّر، وعلى أي أساس، ومن المسؤول عنه. وحين يغيب السؤال عن المؤتمر، والمعايير عن التصنيف، وتتوزع المسؤولية بين مبانٍ وإدارات لا يجمعها أحد، فنحن أمام غياب لهذه الأسس الثلاثة معًا. وقد يكون وراء ذلك خوف من السؤال، أو تقديم للصورة على المضمون، أو ضعف في التنسيق الداخلي، ولا شيء من ذلك يبرر النتيجة. والمؤسسة التي تطالب المدربين بالجودة والمعايير، أولى بأن تطبّقها على نفسها أولًا. والمطلوب ليس كثيرًا: • سَمِّ الحدث باسمه، فالمؤتمر الصحفي تحضره الصحافة ويُفتح فيه السؤال. • أعلن بوضوح: مبادرة أم سياسة أم إطار عمل، بجدول زمني ومؤشرات قياس. • كرّم المدعوين على المنصة، لا في ممرات المباني. • انشر معايير التصنيف وآثاره وآلية التظلم قبل التطبيق. • اعترف بالمرجعية الدولية، فهي تمنح السياسة مصداقية ولا تنتقص منها. الوضوح ليس ترفًا إداريًا، بل احترام للجمهور وأساس للثقة. والمدرب الذي لا يعرف لماذا دُعي، ولا لماذا صُنِّف، ولا ماذا يُنتظر منه، لن يكون شريكًا في أي سياسة، مهما كان عنوانها لامعًا.
3726
| 22 أكتوبر 2026