رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
أصدرت المحكمة الإدارية العليا في مصر حكما يقضي بأن حكم الدستورية العليا بشأن حل مجلس الشعب حكم ملزم للتنفيذ ونهائي، وبهذا وضعت حداً لحالة الخفة العقلية التي أصابت قانونيين وسياسيين تفسر وتشرح على هواها حكم المحكمة الدستورية، ووضعت حدا أيضا لحملة شنها نواب من جماعة الإخوان توحي بأن عودة مجلس الشعب أمر في حكم المنتهي وعلى الأقل عودة ثلثي المجلس.
أصدرت المحكمة حكمها على مرحلتين؛ الأولى صباح السبت 22 أغسطس وقضت بتأجيل الحكم في الدعوى المنظورة أمامها إلى منتصف أكتوبر، وأنهت حالة التوتر والتربص من المحامين المنتمين لجماعة الإخوان ومن جرى حشدهم بالمحكمة، وعادت للانعقاد الساعة الخامسة بعد الظهر لنظر دعوى أخرى في ذات الموضوع ولتعلن حكمها هذا، وكأن هيئة المحكمة أدارت معركة سياسية قضائية، لتتجنب حالة الانفلات الإخواني في مواجهة القضاء كما هو في كل الاتجاهات.
حالة "الخفة العقلية" والاستقواء بقاعدة "الحكم لمن غلب" سائدة الآن في مصر، وإذا كانت قضية حل مجلس الشعب وجدت السبيل لمواجهتها من القضاء وساعد تعدد الدعاوى في نفس الموضوع على ذلك، غير أن هذا غير متوفر في باقي المواجهات الجارية الآن في مصر.
الارتجال هو السمة السائدة في الأداء السياسي في مصر، ومحاولة إلباس الارتجال عباءة الدين هو خطأ وخطر، ولم يعد الأمر مجرد خطف الثورة، ولكن تم الانتقال بأطوار المرحلة الانتقالية ــ وانتخاب رئيس للجمهورية هو إجراء ضمن المرحلة الانتقالية التي تستهدف وضع الدستور الجديد ــ إلى محاولة خطف الدولة والنظام الواجب بناؤه بعد الثورة.
جدول أعمال التغيير في مصر من القضاء على بيئة الفساد إلى امتلاك مفهوم واضح للتنمية الاقتصادية والاجتماعية والعدل الاجتماعي، ومواجهة الخطر الخارجي المتمثل في إسرائيل، وخططها بالنسبة لسيناء والحصار الجغرافي والسياسي لمصر، تستلزم رؤية وأهدافا محددة وخطة إستراتيجية ممن يتصدى للعمل سواء في منصب الرئيس أو الحكومة أو المجالس النيابية، ومجرد الركون إلى إطلاق الشعارات أو التناحر سيدفع إلى انفجار في المجتمع أكثر خطورة من نظام الفساد.
ليس كافيا أن نخرج من حكم الاستبداد إلى حكم الدراويش، وليس كافيا التسامح والقول بأن من يعتلي كرسي السلطة يملك الحق المطلق بذاته كي يستعين بمن شاء، وليس من الكفر أن نسأل ماذا تعنون بأن هناك مشروعا للإسلام السياسي، فقد كشفت الوقائع والأحداث أن مشروعهم يؤدي إلى الفتنة الطائفية والسياسية والوصول إلى السلطة والتشريع باستغلال حاجات المواطنين، وأن لكل صوت ثمنا، وأن الرشاوى السياسية والانتخابية هي سبيلهم للسيطرة والتمكين.
نعم مصر تحتاج إلى حوار بين كافة الأطراف، وجهد كل الأطراف، ولكن السؤال الجوهري هل كل الأطراف ــ دون استثناء ــ مهيأة لهذا الحوار؟ وهل يملك أي منهم قدرة التعامل مع الآخر؟ أم أن الكافة يتحدثون عن مصر الوطن والشعب والمستقبل والدور دون امتلاك لرؤية ومشروع حضاري، وأن كلا منهم يرى أن الحل "هو" شخصه بذاته؟ وأن الكل لا يرى التاريخ كي يتعلم منه، بقدر ما يرى إمكانية الاستنساخ دون امتلاك أدواته ودون استيعاب حقائق العصر والإمكانات الوطنية ودلالة الاستقلال الوطني ومهامه في عصرنا الحالي.
العبث والخفة العقلية تشمل المواقف الجزئية والكلية معا، وصارت القضايا كقطع الفسيفساء المتنافرة والتي لا تصنع لوحة، بقدر صلاحيتها للتراشق وصناعة المواقف المتصارعة.
محاولة مريبة لإعادة قانون الطوارئ، ويبلغ الأمر بوزير العدل، وهو من قضاة الاستقلال!، أن يقول بأن قانون الطوارئ وارد في القرآن الكريم، قد يعني الرجل معنى غير الذي وصل للناس، ولكنه قالها، وكأن كل مطالبة بإلغاء قانون الطوارئ هي تناقض مع القرآن الكريم!! وذات الوزير كان من أوائل من هاجموا حكم المحكمة الدستورية بحل مجلس الشعب، وهو أيضا يحمل في جعبته رؤية لإلغاء المحكمة الدستورية من هيكل القضاء، أمور بلغ فيها العبث مبلغه، كونها تتم دون رؤية كاملة للدستور والاستخفاف بالقضايا والمؤسسات غير عابئين بما يترتب على تلك المواقف.
وفي ذات الوقت تجرى محاولات لإصدار تشريع يجرِّم المظاهرات والإضرابات والاعتصام تحت عنوان تنظيمها، وهي تكرار لمحاولات سابقة لنواب من الإخوان، والآن تتكفل عناصر من الإخوان باستخدام الحجارة لفض الوقفات الفئوية كما حدث منهم في مواجهة موظفي الجامعات أمام الجامعات، وبدأت الداخلية في التعامل الأمني لفض الاعتصامات العمالية وتحويل العمال إلى النيابة العامة بادعاء أنهم يخربون منشآت عامة ويحولون دون استمرار العمل، وكأن الشعب استبدل داخلية الرئيس المنتخب بداخلية الرئيس المخلوع، وبدون محاولة لاستيعاب الأسباب والتعامل معها، بل الحل أمني وهو المنع والتجريم، وهذا لن يلغي قضايا المواطنين الاجتماعية والاقتصادية، بل هو مرشح لانفجار الغضب.
الارتجال وغياب الرؤية والاكتفاء بأحاديث الدراويش يكاد يصيب الأمن القومي بصدع خطير.
ارتهن النظام السابق سيناء بيد معاهدة كامب ديفيد والترتيبات والإجراءات المتبادلة فوق الأرض التي جعلت سيناء قضية إسرائيلية يناقشها الكنيست الإسرائيلي أكثر منها قطعة مقدسة من كبد الوطن وليست زائدة دودية يمكن الاستغناء عنها، وفتحت سيناء لدخول الإسرائيليين دون حاكم أو ضابط، وصارت الأرض محل البيع والشراء، وعند البيع والشراء فالمال الصهيوني حاضر، وهو أقل كلفة من الحرب، وزرع النظام السابق فتنة بين المواطنين المصريين أهل سيناء وبين الدولة، وتجاهل إعمار الأرض، بل وتجاوز الأمر إلى اتهامات بالخيانة.
ولم يعالج نظام الارتجال الذي أعقب الثورة هذه الحالة، بل لم يتركها دون أن يزيد من حدتها، ودخل إلى مخاطرة كثعبان أسطوري مزدوج الرأس، فقد تولدت بؤر لجماعات دينية مسلحة، استقطبت من الداخل ومن الخارج عناصر يطلقون عليها الجهادية، ليعلنوا أن سيناء إمارة إسلامية، وتمثل الرأس الثاني للثعبان الأسطوري قي التعامل مع قضية حصار غزة بغير رشد واجب، وصارت حكومة حماس وكأنها ومكتب الإرشاد أصحاب القرار في شأن المعبر، واختزلت القضية الفلسطينية بكل تفاصيلها وآلامها في مجرد فتح معبر رفح بل وبلغ الأمر بالمرشد أن يطلب عدم إغلاق الأنفاق؟!، دون مسوغ حتى قانوني له للحديث في السياسة، فهو رئيس جمعية تابعة للشؤون الاجتماعية ولم توفق أوضاعها بعد، وطبقا للقانون ما كان لها أن ترشح أو تنتخب أو تدعو أو تتحدث عن حزب الحرية والعدالة بأنه الجناح السياسي لها، وهذا ما أورثه لنا ارتجال المجلس العسكري السابق.
رأسا الأفعى هما خطر داهم على الأمن القومي المصري في مواجهة عدو يرى أن أرض سيناء ضمن مشروع تبادل الأراضي وبديل للفلسطينيين في غزة عن الأراضي التي جرى احتلالها بعد 1967 ويجرى بناء المستوطنات فوقها.
والحديث عن جهاد إسلامي ينطلق من سيناء في مواجهة الكيان الصهيوني فوق أرض فلسطين، هو حديث حق يراد به باطل، فهو البوابة الذهبية لصدام قادم حتما بين مصر وإسرائيل، وهذه التصرفات تضع الجيش المصري بين شقي رحى وتزج بمصر إلى صدام في غير توقيته، ودون الاستعداد له، والخطط الإسرائيلية جاهزة، وآلة الإعلام الصهيوني تجهز العالم بأن سيناء خارج السيطرة ومصدر للإرهاب وهناك حاجة لوقفه!، بينما التغني بالجهاد يشبه فحيح الأفاعي.
إسرائيل تحركت في جنوب مصر ونجحت في فصل جنوب السودان وهي تعمل بكل قوة في دارفور، ويمتد أداؤها إلى منابع النيل.
وإسرائيل موجودة في العراق وفي الشمال الكردي، وهي موجودة في الجنوب اللبناني وسوريا، بل إن إسرائيل موجودة في مياه بحر العرب والخليج العربي، وتكاد تحكم سيطرتها على مضيق باب المندب والذي كان مضيقا عربيا في حرب 1973، وهي تتحرك في اتجاه الوجود في ليبيا، بينما أدى الارتجال بمصر أن تصبح سيناء أرض اقتتال بين الجيش المصري وعناصر الإمارة الإسلامية.
الخفة العقلية والسياسية والدينية أودت بالحوار الداخلي إلى مقدمات الحرب الأهلية، رغم أن طبيعة الشعب المصري تحول دون تفاقمها، فكيف بالارتجال أن يواجه الحقائق فوق أرض سيناء.
إن كانت الخفة العقلية ألمت بالمواقف من حكم المحكمة الدستورية وقانون الطوارئ والتظاهرات والإضرابات وبلغت حد محو جداريات الجرافيتي التي كانت تسجل قصة الثورة والشهداء، وعجزت عن حل مشكلة إدارية بين جامعة النيل وجامعة زويل حتى صار البحث العلمي محل صراع يحسمه الأمن المركزي، فإن حالة الارتجال والعناد والاستكبار أصابت الجمعية التأسيسية لوضع الدستور، وصار كالحمل خارج رحم الأمة، إيذانا بمولود مبتسر بعيدا عن إرادة المجتمع وقواه الاجتماعية.
إن الرؤية التي تحتاجها مصر للتنمية والعدالة الاجتماعية تنبع من داخلها، ولا يجري البحث عنها عبر مواقف جزئية في خارجها.
إن خطوة واحدة في الاتجاه الخاطئ داخليا، تفتح أمام الخطر الخارجي أميالا معبدة دون جهد منه لتحقيق أهدافه، وتزيد من حالة الانقسام الداخلي إلى حد الصدام وليس التنوع والحوار.
إن استمرار الحديث عن صراع بين إسلاميين وغير إسلاميين هو نوع من خداع النفس، إن ما نواجهه هو حالة من العجز عن رؤية العصر ومواجهة تحدياته، وهو إجهاض للإرادة الوطنية التي صنعت الثورة وتجاوزت كل الأيديولوجيات.
خطر الارتجال والاستخفاف بالعقول والعناد مع الحقائق يعجل بمواجهة عسكرية مع العدو الإسرائيلي، وفي حده الأدنى تسليم لإرادة خارجية لا يعنيها وحدة الوطن.
الجمعية التأسيسية للدستور لكل المصريين، ودستور مصر ليس مجرد صياغات، بل هو إرادة شعب، ولا يجب القبول بالاستفتاء عليه بقاعدة الزيت والدقيق والبطاطس.
والقضية الفلسطينية ليست قضية حكم ذاتي تحت الاحتلال، وتقسيم فلسطين إلى شمالية وجنوبية بين فتح وحماس، ولكنها قضية الوجود العربي، قضية شعب وليست قضية معبر.
والمواجهة مع إسرائيل ليست رعونة، هجمة هنا وهجمة هناك، بادعاء أداء واجب حرب العدو المقدسة، لتهدر إرادة وطن وأمنه وواجب حماية الأرض والشعب والمصالح.
الاقتتال فوق أرض سيناء يؤكد من جديد ضرورة بناء جيش وطني قوي، مؤهل للدفاع عن الأرض والشعب وحماية الدستور، ويفرض استعادة السيادة فوق أرض سيناء المقدسة.
الرئاسة .. طموح ورغبة أم مسؤولية؟
دارت عجلة استفتاء المصريين على الدستور الجديد، ويركن البعض إلى حسابات نسب الحضور والموافقة للقول بأن الشعب المصري... اقرأ المزيد
886
| 14 يناير 2014
تخوُّف مشروع لصديق... من يدير؟
كتب الصديق إلهامي الميرغني، وهو باحث في شؤون النقابات وتاريخها، منبها لتسلل عناصر الفساد قبل يناير إلى المشهد... اقرأ المزيد
649
| 07 يناير 2014
الشعب يواجه الإقطاع السياسي
ردد الجميع تعبير أن الدستور عقد اجتماعي يتوافق عليه أبناء الوطن وقواه الاجتماعية، وعندما واتتهم الفرصة اتخذوا منه... اقرأ المزيد
552
| 10 ديسمبر 2013
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
نهج.. وبقيمنا نلتزم. توقفت عند هذا الشعار وسألت نفسي: هل نحن فعلًا من يختار ما نراه على هواتفنا؟ نفتح التطبيق لنشاهد مقطعًا واحدًا. وبعد نصف ساعة نجد أنفسنا نشاهد مقاطع لم نبحث عنها ونقرأ آراء لم نطلبها وربما نقتنع بفكرة فقط لأنها ظهرت أمامنا مرات عديدة ثم نعتقد بكل ثقة:أنا اخترت. لكن هل اخترنا فعلًا؟ أطلقت المؤسسة القطرية للإعلام مبادرة نهج بالتعاون مع جامعة قطر وجهات أخرى، لتعزيز الوعي بالمحتوى الرقمي ومسؤولية الكلمة. وجاءت المبادرة في وقت لم تعد فيه المنصات تعرض لنا ما ينشره الآخرون بالترتيب الذي نشروا فيه. فالخوارزميات تتعلم ما يجذبنا والذكاء الاصطناعي يساعدها على فهم اهتماماتنا أكثر. وكلما توقفنا عند مقطع وصلتنا مقاطع تشبهه. ونجد أنفسنا محاطين بأفكار نحبها من دون أن ننتبه إلى ما غاب عنا. لهذا التدريب على الذكاء الاصطناعي يجب ألا يتوقف عند تعلم استخدامه في العمل والدراسة. نحتاج أيضًا أن نفهم أثره في ما نشاهده كل يوم. لماذا وصلني هذا الخبر؟ هل مصدره موثوق؟ وهل أعطيته وقتي لأنه مهم أم لأنه عرف كيف يجذب انتباهي؟. يمكن أن نبدأ التدريب بموقف نعيشه جميعًا. نأخذ خبرًا انتشر على المنصات ونسأل المشاركين كيف وصل إليهم ولماذا صدقوه، وأين وجدوا مصدره. قد نختلف في الإجابات لكننا على الأقل سنتوقف قليلًا قبل المشاركة. الذكاء الاصطناعي يتطور بسرعة. أما قدرتنا على التوقف والسؤال فتحتاج منا بعض التدريب. وهذا أجمل ما تذكرنا به نهج أن يكون لنا نهج واضح ونحن نمسك الهاتف قبل أن يختار لنا الهاتف نهجنا.
2232
| 09 أكتوبر 2026
قد يربح استثمارك، ثم تكتشف أن من يديره اختاره لأن عمولته أعلى، رغم وجود خيار أنسب لاحتياجاتك. هل يكفي الربح لتطمئن إلى أنه أدى الأمانة؟ هذا السؤال يفتح بابًا مهمًا لفهم المسؤولية التي يتحملها كل من يُؤتمن على إدارة مصالح الآخرين. في قلب هذه المسؤولية يأتي مفهوم Fiduciary Duty، الذي يمكن تبسيطه بأنه واجب الأمانة والولاء والعناية تجاه من ائتمنك. فمن يُمنح صلاحية إدارة أموال أو مصالح، عليه أن يستخدمها لخدمتها، وأن يدرس قراراته بعناية، وأن يُفصح عن أي مصلحة شخصية قد تؤثر في اختياره. ولفهم المبدأ، يكفي طرح سؤالين: هل درس المسؤول القرار كما ينبغي؟ وهل اتخذه لخدمة المصلحة التي كُلّف بحمايتها؟ يتعلق السؤال الأول بالعناية، والثاني بالولاء. فقد يكون المدير أمينًا، لكنه يوافق على استثمار كبير دون فهم مخاطره. وقد يكون خبيرًا، لكنه يستخدم معرفته لتوجيه عقد نحو شركة ينتفع منها. ولذلك تحتاج الإدارة المسؤولة إلى الأمانة والكفاءة معًا. وتظهر أهمية هذا الواجب لأن صاحب المال لا يستطيع متابعة كل قرار. فالمساهم لا يحضر اجتماعات الإدارة اليومية، والعميل لا يعرف جميع تفاصيل المنتجات الاستثمارية، بينما يمتلك المسؤول معلومات وصلاحيات تمنحه تأثيرًا واسعًا. وكلما اتسعت هذه المسافة، ازدادت الحاجة إلى قواعد تحدد كيف تُستخدم السلطة وكيف يُساءل صاحبها. والأمانة هنا تتجاوز الامتناع عن السرقة. فقد يضر المسؤول بمن ائتمنه دون أن يأخذ مالًا من حسابه مباشرة؛ كأن يخفي مصلحته في صفقة، أو يستغل فرصة تخص المؤسسة لحسابه، أو يهمل دراسة التزامات تتحمل المؤسسة نتائجها لسنوات. لذلك ينبغي أن يمتد الاهتمام إلى أسباب القرار وطريقة اتخاذه، إلى جانب نتيجته. في الولايات المتحدة، يقدم عمل مستشاري الاستثمار مثالًا واضحًا. فالمستشارون الخاضعون لقانون مستشاري الاستثمار الاتحادي ملتزمون بواجبَي العناية والولاء تجاه عملائهم، بما يقتضي تقديم المشورة في مصلحة العميل وفهم أهدافه وظروفه. وهذا تطبيق محدد للمبدأ، إذ تختلف الالتزامات بحسب طبيعة الدور والعلاقة القانونية. لنفترض أن متقاعدًا يريد دخلًا منتظمًا، ويحتاج إلى جزء من مدخراته خلال عام. ينبغي للمستشار أن يفهم هذه الحاجة قبل أن يوصي باستثمار طويل الأجل يصعب الخروج منه. وعليه أن يدرس المخاطر والتكاليف وقدرة العميل على تحمل الخسارة. فالمنتج الذي يناسب شخصًا يستطيع الانتظار عشر سنوات قد لا يناسب من يحتاج أمواله قريبًا، مهما بدا عائده جذابًا. أما إذا كان المستشار يحصل على منفعة مرتبطة بتوصيته، فإن ذلك يثير تعارضًا محتملًا بين مصلحته ومصلحة العميل. وتوضح الإرشادات الأمريكية ضرورة إزالة التعارض، أو الإفصاح عنه بصورة كاملة وواضحة تتيح للعميل الموافقة عن علم، مع استمرار الالتزام بمصلحته. وإذا تعذر الإفصاح بما يسمح بموافقة واعية، وجب إزالة التعارض أو تخفيفه على نحو يتيح ذلك. وجود عمولة لا يجعل كل توصية خاطئة، لكن إخفاءها أو إخفاء أثرها يحرم العميل من معلومة قد تغير قراره. ولذلك، قبل أن تمنح أحدًا سلطة إدارة أموالك، اسأله كيف يتقاضى أجره، وما المصالح التي قد تؤثر في قراراته. واسأله أيضًا: لماذا اخترت هذا الاستثمار؟ ما تكلفته؟ وما البدائل التي درستها؟ تساعد هذه الأسئلة على جعل العلاقة أوضح منذ البداية. وفي قطر، توجد أحكام قانونية تحقق جوانب أساسية من هذا الغرض. ففي الأحكام المنظمة لمجلس إدارة شركة المساهمة بقانون الشركات التجارية رقم 11 لسنة 2015 وتعديلاته، تُلزم المادة 109 رئيس وأعضاء مجلس الإدارة وأعضاء الإدارة التنفيذية العليا بالإفصاح عن مصالحهم المباشرة وغير المباشرة في صفقات الشركة وتعاملاتها. كما تمنع صاحب المصلحة من حضور الجلسات التي تناقش الموضوع المتعلق به أو التصويت عليه. وتنظم المادة 108 عدم منافسة هؤلاء للشركة دون موافقة الجمعية العامة، بينما تقرر المادة 113 مسؤولية رئيس وأعضاء المجلس عن الأضرار الناشئة عن الغش وإساءة استعمال السلطة ومخالفة القانون أو النظام الأساسي والخطأ الجسيم في الأداء. وتختلف التفاصيل القانونية بحسب نوع الشركة وصفة المسؤول. وتمتد الحماية إلى القضاء. فالمادة 109 تتيح للمساهمين، وفق شروطها ومع مراعاة حقوق الغير حسن النية، المطالبة ببطلان صفقات والتعويض عن المخالفات، وتُلزم المخالف برد المنفعة التي حققها إلى الشركة. وتتيح المادة 115 للشركة رفع دعوى المسؤولية عن الأخطاء التي تضر بمجموع المساهمين، بقرار من الجمعية العامة العادية. كما تسمح المادة 116 للمساهم برفع الدعوى منفردًا إذا لم ترفعها الشركة وكان الخطأ يُلحق به ضرر خاص كمساهم، بشرط إخطارها. وإذا صدر حكم لصالحه، تلتزم الشركة بتعويضه عن نفقات ومصاريف التقاضي. ولتقريب الصورة، تخيّل أن شركة تريد شراء معدات، وأحد أعضاء مجلس إدارتها شريك في الشركة التي قدمت العرض. قد يكون العرض جيدًا، لكن مصلحته فيه يجب أن تكون معلومة. ووفق الأحكام المنطبقة، يفصح عنها ويتنحى عن حضور المناقشة والتصويت، وتُستكمل الموافقات المطلوبة. ثم يقيّم الآخرون العرض وفق السعر والجودة والخدمة، ويوثقون أسباب اختيارهم. فالإفصاح عن المصلحة الشخصية لا يمنح المسؤول حرية تمرير القرار، بل يتيح إخضاعه للمراجعة والموافقات المطلوبة. وهناك سؤال مفيد للمراجعة الذاتية قبل اتخاذ القرار: لو لم تكن لي منفعة شخصية، هل كنت سأتخذ القرار نفسه؟ هذا السؤال لا يغني عن الإجراءات القانونية، لكنه يساعد المسؤول على ملاحظة تأثير مصلحته في حكمه، خصوصًا حين يجد نفسه يدافع عن خيار لا يستطيع تبريره بمعايير واضحة. ولكي تصبح هذه الحماية جزءًا من العمل اليومي، تحتاج المؤسسة إلى سجل للمصالح يُحدّث عند تغيرها، وطريقة واضحة للإفصاح، ومحاضر تثبت التنحي، ومراجعة للصفقات التي تتداخل فيها المصالح. ويحتاج المسؤول إلى فهم حدود صلاحياته، كما يحتاج المساهم إلى معرفة حقوقه ووسائل المطالبة بها. فالنص القانوني يزداد أثره حين يتحول إلى إجراءات يعرفها الناس ويطبقونها. ومع ذلك، يجب التمييز بين الخسارة والإخلال بالأمانة. فقد يُدرس مشروع بعناية ثم تتغير ظروف السوق، وقد تحقق صفقة ربحًا رغم إخفاء مصلحة شخصية فيها. لذلك ينظر التقييم السليم إلى العناية التي بُذلت، والمعلومات المتاحة، والالتزامات ذات الصلة، إلى جانب النتيجة. فهذا التوازن يحمي أصحاب الأموال، ويتيح للإدارة اتخاذ قرارات مهنية مسؤولة. حين تُسلَّم أموال الناس ومصالحهم إلى مسؤول، فإنهم يمنحونه صلاحية التصرف وثقة تستحق الحماية. ولهذا يجب أن تكون الأمانة التزامًا واضحًا، تدعمه قواعد للإفصاح، ورقابة تكشف التجاوز، وحق في التقاضي يتيح المطالبة بالإنصاف. فالمؤسسة التي تحمي أصحاب الأموال تجعل المسؤول قادرًا على تفسير قراراته، وتُلزمه بتحمل تبعات إخلاله. ومن يملك سلطة القرار في أموال الآخرين، لا يملك حق تقديم مصلحته على مصالحهم.
1113
| 11 أكتوبر 2026
أشدّ ما يؤلم في الفقد أن نكتشف متأخرين أننا أضعنا وقتا طويلا في طرق أبواب لا تعرفنا، بينما كان هناك باب واحد يستحق أن نقف أمامه طويلا، وصاحب ينتظر منا التفاتة صغيرة، أو سؤالا عابرا، أو زيارة تؤكد له أنه ما زال حاضرا في قلوبنا. ثم تمضي الأيام، ويغيب صاحب الباب، ونكتشف أن الطريق إليه صار أبعد من قدرتنا، وأن بعض المواعيد التي أجلناها بحجة الانشغال قد لا تمنحنا الحياة فرصة أخرى للوفاء بها. الأسى الحقيقي أن تطرق في الدنيا بابا، فيما قد يكون صاحب القلب الذي أهملته قد سبقك إلى غياب لا تعرف متى تلتقيه بعده، ولا كيف يمكن أن تصله رسائلك المؤجلة. أن تنشغل بمن لا يراك، وتستنزف مشاعرك في استرضاء من لا يعنيه حضورك، وتبذل من وقتك وكرامتك ما يكفي لشراء لحظة رضا عابرة، فيما هناك قلب يحبك بصدق، ويكتفي منك بما تستطيع من محبة واهتمام. قد يكون ذلك القلب أما أو أبا أو أو أخا صديقا قديما، أو شخصا منحك من عمره ما لم تنتبه يوما إلى قيمته، لأنه كان قريبا بما يكفي لتطمئن إلى بقائه. نؤجل الزيارات أحيانا لأن الغد يبدو مضمونا، ونختصر المكالمات لأن لدينا ما هو أهم، ونعد أنفسنا بأننا سنعوض من نحب حين تنتهي مشاغلنا. غير أن المشاغل تعرف كيف تتكاثر، والأيام تمضي من غير أن تستأذننا، حتى يأتي خبر صغير يغيّر ترتيب الأشياء في أعيننا إلى الأبد. عندها نستعيد وجوها لم نمنحها حقها من التأمل، وأصواتا كنا نستعجل انتهاء أحاديثها، وعتبا بسيطا تمنينا لو سمعناه مرة أخرى. ما أغرب قدرتنا على منح الغرباء من وقتنا أكثر مما نمنح أهلنا، وعلى الوقوف طويلا أمام أبواب مغلقة نرجو منها قبولا أو اعترافا، فيما نمر سريعا على الأبواب التي تفتح لنا بمحبة. نركض وراء مكانة قد لا تضيف إلى أرواحنا شيئا، ونحزن لأن شخصا لم يلتفت إلينا، وننسى من كان يفرح لمجرد سماع أصواتنا. وحين نراجع حساباتنا بعد الفقد، ندرك أن بعض ما أرهقنا كان يستحق التجاهل، وأن بعض من أهملناهم كانوا يستحقون أعمارا إضافية من قربنا. ولعل أقسى ما في الرحيل أنه يكشف لنا حقيقة علاقاتنا بأنفسنا أيضا. كم مرة خذلنا مشاعرنا الصادقة كي نرضي آخرين، وكم مرة اعتذرنا عن زيارة حبيب بحجة التعب، ثم احتملنا مشقة الطريق إلى شخص لا يبادلنا الود. كم مرة عرفنا أن أحدهم يحتاج إلينا، وقلنا إن الوقت لم يحن بعد، حتى صار الوقت كله ملكا للندم. لا أظن أن أحدا يستطيع استعادة الماضي، أو إصلاح ما انكسر في لحظة غياب، لكننا نستطيع أن نتعلم كيف نوزع محبتنا بعدالة أكبر، وأن نعيد النظر في أولوياتنا قبل أن يفرضها علينا الفقد. فالعلاقات الحقيقية تحتاج إلى رعاية يومية، وإلى حضور يشعر به الآخر، وإلى كلمات تقال في وقتها، واعتذارات لا تتأخر حتى تفقد معناها. وقد تكون زيارة قصيرة أثمن من هدية باهظة، ومكالمة صادقة أعمق أثرا من وعود طويلة نرددها كلما ضاق بنا تأنيب الضمير. أما الذين رحلوا، فلهم في القلب مكان لا تبلغه الأقدام، وتبقى ذكراهم امتحانا لمحبتنا ووفائنا. نرجو أن تصلهم دعواتنا، ونحفظ ما أحبوه، ونصل من كانوا يحبونهم، ونجعل من غيابهم سببا لمزيد من الرحمة في حياتنا. وربما كان أجمل الوفاء لهم أن ننتبه إلى الأحياء الذين ما زالوا ينتظرون منا التفاتة، قبل أن تتحول أسماؤهم إلى ذكريات نستدعيها كلما أوجعنا الحنين. فلنخفف من طرق الأبواب التي تستنزف أرواحنا، ولنلتفت إلى الذين يفتحون لنا قلوبهم بمحبة. فما أقسى أن نقضي أعمارنا في انتظار من لا يأتي، ثم نكتشف أن الذين كانوا يستحقون انتظارنا قد رحلوا إلى حيث لا نعرف من أمر اللقاء إلا ما نرجوه ونؤمن بإمكانه. عندها لن يعيد الاعتذار المتأخر صوتا غاب، ولن تعود يد امتدت إلينا ذات يوم لتمنحنا الأمان. وربما كان علينا أن نفهم باكرا أن بعض الأبواب ينبغي أن نغادرها، وأن بعض الأبواب تستحق أن نبقى عندها أكثر، لأن أصحابها كانوا يمنحوننا الحب الذي بحثنا عنه طويلا في الأماكن الخطأ.
582
| 12 أكتوبر 2026