رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

هديل رشاد

صحفية فلسطينية

مساحة إعلانية

مقالات

402

هديل رشاد

طفلُ المغازي

25 مارس 2026 , 12:50ص

أطفأوا سجائرهم في جسده الصغير، وغرسوا مسماراً في ساقه، هذا ليس مشهدا من فيلم قاسٍ تم رفضه رقابيا، بل واقع عاشه الطفل جواد أسامة نصّار لم يُكمل عامه الثاني على يد جنود الاحتلال، حادثة تختصر حجم التناقض بين ما يُروَّج عن أخلاقية جيشهم!، وما يُمارس فعليا على الأرض.

في ثاني أيام عيد الفطر، خرج والد الطفل، ويدعى أسامة، في محاولة للتخفيف من أزمته النفسية بعد أن فقد مصدر رزقه الوحيد، إثر نفوق خيله بقصف من جيش الاحتلال، مصطحباً طفله «جواد» في نزهة داخل مخيم المغازي، واتجه شرقًا دون وعي، ليقترب مما يُعرف لدى الغزيين بـ الخط الأصفر، وهي منطقة محرّمة يُطلق فيها النار على كل من يقترب.

مع اقترابه من المنطقة المكشوفة، بدأ جيش الاحتلال بإطلاق الرصاص في محيطه، لم تصبه الطلقات حينها، لكنها أجبرته على التراجع، في تلك اللحظة، ظهرت طائرة مسيّرة تحلّق على ارتفاع منخفض، تبث أوامر مباشرة عبر مكبرات الصوت، تَوقَف الأب وكأنه استفاق من سباته على إصابة برصاصة في كتفه، بحسب ما أُبلغت العائلة عبر اللجنة الدولية للصليب الأحمر، حينها أُجبر على إنزال طفله ووضعه على الأرض، ثم نزع ملابسه كما طُلب منه، والتقدم نحو الجنود، تاركاً فلذة كبده خلفه وحيدا في العراء.

استمر هذا الوضع لساعات طويلة، قبل أن تتلقى العائلة، بعد نحو 12 ساعة من غيابهما بين خوف وهلع عن سبب تغيبهما، اتصالاً من اللجنة الدولية للصليب الأحمر لاستلام الطفل، وحينما توجه جد الطفل إلى المكان المقرر لاستلام حفيده، أُبلغ من رجال اللجنة الدولية للصليب الأحمر أن الأب مصاب ولا يزال قيد الاحتجاز، دون أي إشارة إلى ما تعرّض له الطفل، بل برروا الدماء التي على ملابس الطفل بأنها تعود لوالده!.

غير أن الحقيقة تكشفت فور استلامه، حيث كان الطفل في حالة غير طبيعية من البكاء الهستيري والهلع كما روت والدته، وعند تفقده، لاحظت والدته وجود إصابات واضحة على جسده وساقيه، تم على إثرها نقله إلى مستشفى شهداء الأقصى، حيث أظهرت الفحوصات أن الطفل قد تعرض للتعذيب، وأنَّ ما على جسده من ندوب هي لحروق ناتجة عن ولاعة أو إطفاء أعقاب سجائر في جسده، إضافة إلى وجود آثار لثقب عميق نافذ في سمانة الساق، وفق ما نقلته العائلة.

هذه الواقعة تعكس نمطاً وحشياً بل وسادياً من السلوك القائم على نزع الإنسانية عن الضحية، خصوصا حين يكون دونهم من «الأغيار» على حسب تعبيرهم، وهنا يبرز التناقض الحاد بين الخطابات المتكررة على ألسنة الناطقين الرسميين باسم الجيش المحتل، بأن جيشهم يعد الأكثر أخلاقية، وبين ممارسات موثقة لا يمكن تبريرها قانونيا أو أخلاقيا، وهذا ما أكدته حرفيا فرنشيسكا ألبانيزي، مقررة الأمم المتحدة الخاصة المعنية بالأراضي الفلسطينية، في آخر تقرير لها تؤكد وحشيتهم وساديتهم بالاستناد إلى القانون الدولي الذي يرى أن التعذيب والإبادة الجماعية ممنوعان بشكل مطلق.

قصة جواد تتقاطع مع حوادث أخرى هزّت الرأي العام، من بينها استهداف الطفلة هند رجب حتى سقطت شهيدة مع عائلتها داخل سيارة أثناء محاولتهم البحث عن مكان آمن، ورغم موجة الإدانات الدولية التي أعقبت تلك الحادثة، إلا أن الواقع لم يتغير، ما يعكس خللاً في آليات المساءلة الدولية، طالما أن موازين القوة تميل لصالح طرف دون آخر.

.. والسؤال ما الذي يمكن أن يشكّله طفل بهذا العمر من تهديد لجنود مدججين بالسلاح؟!، وأي منطق يسمح بتعذيبه أو استخدامه كوسيلة ضغط؟ الإجابة بكل تأكيد تظل أنه لا يوجد أي مبرر، لهذا الفعل السادي، ولهذا التصرف الوحشي، إلا وأنَّ مرجعيتهم الدينية تأمرهم بهذا الصنيع غير الأخلاقي، حيث نشرت مجلة «مومِنت» (Moment) اليهودية الأمريكية في عددها الصادر في مايو 2009، حوارا مع الحاخام الصهيوني «مانيس فريدمان» حول الطريقة المثلى لتعامل اليهود بفلسطين المحتلة مع جيرانهم من العرب، وقد أتت إجابة «فريدمان» كالتالي «إنني لا أومن بالأخلاقيات الغربية، بمعنى أن عليك ألا تقتل المدنيين أو الأطفال، وألا تُدمِّر الأماكن المقدسة، وألا تقاتل في المناسبات الدينية، وألا تقصف المقابر، وألا تُطلق النار قبل أن يطلقها عليك الآخرون..»، إن الطريقة الوحيدة لخوض حرب أخلاقية هي الطريقة اليهودية « دمِّر أماكنهم المقدسة، واقتل رجالهم ونساءهم وأطفالهم ومواشيهم»، معللا ذلك بأنه الرادع الوحيد والحقيقي للتخلُّص من ثبات الفلسطينيين ومقاومتهم المستمرة، انطلاقا من هذا التأصيل الكتابي، يرى الباحث في الشؤون العبرية الدكتور رشاد الشامي، أن هذه القوانين الكتابية هي التي يتسلمها القادة الإسرائيليون كمصدر وحي، وكشريعة مقدسة لاستئناف البعث الإسرائيلي في فلسطين، على أساس أن كل جريمة تصبح شرعية وقانونية من أجل تحقيق وعد الرب.

في ضوء ذلك، لا يعود ما جرى مع جواد حادثة فردية، ومن قام بها سيعاقب!، بل هذه الحادثة نتيجة منطقية لمسار كامل يُعيد تعريف الجريمة كفعل مشروع، فيصبح التعذيب تقربا للرب وفق روايتهم، والإبادة فعلاً رادعاً، ومن قام بها سيكافأ، وهذا يعني أنَّ لهذه الأفعال بداية لكن لا نهاية لها مع منطق أعوج يرى في تعذيب الأطفال وسيلة لرضا الرب «يهوة».

ختاماً..

قد تصدر الإدانات، وقد تتكرر بيانات الشجب، لكن ما دام هذا الفكر نابعا من عقيدة حتى وإن كانت محرفة، وما دامت القوة تحميه، فإن المأساة ستتكرر بأسماء جديدة، وسيبقى السؤال بلا إجابة كم طفل آخر يجب أن يُعذَّب، حتى يتوقف العالم عن تصديق الرواية… ويبدأ بمواجهة الحقيقة.

اقرأ المزيد

alsharq لا أحد سيبدأ عنك

كثيرون ينتظرون أن تبدأ حياتهم المهنية بفرصة جاهزة أو دعوة مفاجئة، لكن الحقيقة أن المسارات لا تُمنح بل... اقرأ المزيد

36

| 25 مايو 2026

alsharq الشركات التجارية ذات المسؤولية المحدودة (ذ م م )

على غرار التشريعات المقارنة، سمح المشرع القطري بتأسيس شركات تجارية تتخذ شكل شركة ذات مسؤولية محدودة، يكون عدد... اقرأ المزيد

75

| 24 مايو 2026

alsharq حين تتحول الثقافة إلى ألفة وطنية

مع إسدال الستار على فعاليات معرض الدوحة الدولي للكتاب، لا يمكن النظر إلى هذا الحدث بوصفه معرضًا للكتب... اقرأ المزيد

69

| 24 مايو 2026

مساحة إعلانية