رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
حين تصل إلى الآية الحادية والسبعين من سورة الزمر، ومن بعد أجواء تشريف الأرض وإشراقها بنور ربها يوم القيامة، تبدأ أنت قارئ السورة تعيش مشهداً مستقبلياً، إذ إن الحديث عن المستقبل كما يعرفه الجميع، هو توقعات لما يمكن أن يحدث، باعتبار أن المستقبل غيب، ولا يعلم الغيب إلا الله.
لكن في القرآن يحدث العكس، حيث يشرح لك القرآن المشهد المستقبلي في تلك الآية على شكل حدث وقع وانتهى، على عادة القرآن الكريم حين يتحدث عن المستقبل بصيغة الماضي، وفي ذلك دلالة على أن هذا المشهد أولاً سيقع كما هو مصور ومكتوب فيه بدقة متناهية، وفي ذلك إعجاز لغوي عرفه العرب وهم أهل لغة، فلو لم يكن مستساغاً الحديث عن المستقبل بصيغة الماضي، لاعترض كفار قريش على الآيات هذه وما شابهها، لكنهم عرفوا أنه كلام لا يقوله بشر فعجزوا عن الإتيان بمثله، فضلاً عن الاعتراض عليه، ثم للدلالة أخيراً على أن مثل هذا العلم لا يملكه سوى خالق، ومثل هذا الكلام لا يقوله إلا خالق، ومثل هذا الوصف لا يوصفه إلا خالق.
وكيلا يضيع منا خيط الموضوع، نرجع إلى المشهد المستقبلي الذي أرغب في الحديث عنه اليوم، ونبدأ بالتساؤل ونقول: ما هو هذا المشهد؟، بعد أن تتكوّر الشموس وتُطمس النجوم وتُخسف الأقمار، ويعود الكون إلى ما كان عليه من ظلام دامس، تشرق أرض المحشر، ولكن بنور ربها، نور عظيم يضيء الأجواء يومها، من بعد أن يقوم الناس من مراقدهم المتنوعة، لتشرق تلك الأرض بالنور الإلهي، إيذاناً بتجلي الحق سبحانه وبدء مشهد القضاء بين الخلق.
يأتي كل إنسان معه كتابه، إما بيمينه أو شماله، ثم يأتي الله بالأنبياء والمرسلين، والشهود من الملائكة وغيرهم، ليشهدوا على ما يحدث في مشهد الفصل والقضاء (وأشرَقتِ الأَرضُ بنور رَبّهَا ووُضِعَ الكتابُ وجِيءَ بالنَّبيّينَ والشُّهَداء وقُضِيَ بَينَهُم بالحَق وهُم لا يُظلَمُون).
تقسيم الحشود إلى فريقين
بعد أن يقضي الله بين الناس بالحق، ويتعرف كل إنسان على نتيجته، وإلى أي فريق ينتمي، يبدأ المشهد التالي المنتظر، ضمن سلسلة من مشاهد يوم القيامة المتنوعة، والتي لا يعلم مدة كل مشهد سوى العليم الخبير سبحانه.
فريق أول كبير محتشد يتم تجميع أفراده بطريقة معينة، لتبدأ الملائكة الكرام بعدها تحريك تلك الحشود على شكل جماعات وفرق وأحزاب، تتحرك جماعة تتبعها أخرى باتجاه الموقع الذي بذل أنبياؤها ورسلها جهودهم وأوقاتهم في التحذير منه، لكن لم تكن هناك استجابة أو تفاعل إيجابي، فها هم اليوم يعيشون نتيجة صدودهم (وسيق الذين كفروا إلى جهنم زُمَرا) والعياذ بالله من جهنم.
ثم ماذا بعد؟
تصل الحشود تلك على شكل جماعات وأحزاب - كما أسلفنا - إلى أبواب جهنم السبعة (لكل باب منهم جزء مقسوم) ليجدوا خزنتها بالانتظار يسألونهم (أَلم يأتكم رُسُل منكم يتلونَ عليكم آياتِ ربكُم وينذرُونَكُم لقاءَ يومِكم هَذا)، فتكون الإجابة وقلوبهم حسرة وندم وألم أن (بلى). نعم، أبلغونا وأنذرونا وأقاموا الحجج والبراهين والأدلة على صدق ما نراه اليوم، ولكننا كنا أشقياء، كذّبناهم وعذّبناهم وقتلنا بعضهم واتخذناهم مادة للسخرية والتندر، وها هو المشهد يتحقق، وصدق الأنبياء والمرسلون، ها نحن اليوم في عميق الشقاء والبلاء، فاعترفوا بذنوبهم، ولات حين مناص.
يدخل فوج إلى جهنم، ليجد فوجاً آخر قد سبقه، تدخل جماعة، ثم تجد أخرى قد سبقتها، وهكذا في مشهد رهيب (كلما ألقي فيها فوجٌ سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير . قالوا بلى قد جاءنا نذير فكذبنا وقلنا ما نزل الله من شيء إن أنتم إلا في ضلال كبير)، ثم يبدأ التساؤل بين بعضهم البعض (وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير) نعم، لو كنتم تسمعون وتعقلون ما كنتم فيما أنتم عليه الآن.
الوقت ليس للتعقل أو التفكر، هذا أمر فات أوانه، قد كان مطلوباً منكم ذلك في الدنيا، حيث عمل ولا حساب، لكن اليوم حساب ولا عمل، وهكذا حتى يختم الله المشهد بعد اعتراف أهل الكفر بذنوبهم وظهور نتائجهم النهائية، بقوله تعالى (فاعترفوا بذنبهم فسحقاً لأصحاب السعير)، ويا لها من نهاية بائسة مظلمة، هي حصائد أفعالهم وأقوالهم في حياة، كان لهم من الوقت والمال والصحة الكثير الكثير للحيلولة دون الوصول إلى هذه النتيجة (أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور).
الفريق الثاني
ننتقل بعد ذلك في السورة نفسها، لنجد الفريق المقابل لذاك الذي تم دفعه وسوقه إلى جهنم، فريق آمن أفراده بأنبياء الله ورسله، وإن اختلفت درجات إيمانهم وأعمالهم، لكنهم أدركوا صدق الأنبياء وصدق رسالاتهم، آمنوا بما جاءوا به، وصدقوهم وعزّروهم ونصروهم واتبعوا النور الذي أُنزل معهم، وإن مثل هؤلاء، من تلك صفاتهم وتلكم كانت أعمالهم في الحياة الدنيا، فإنه لا شك أن النتيجة النهائية المتوقعة تسعدهم ولن يخيب الله ظنهم.
إذن هم بانتظار لحظة الحصول على السعادة الأبدية، ونيل الجائزة المنتظرة، ولكن قبل تلك اللحظة، يصور القرآن بداية كيف يكونون يومها بقوله تعالى (وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زُمَرا) أي جماعة بعد جماعة – كما قال ابن كثير في تفسيره - المقربون ثم الأبرار، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، كل طائفة مع من يناسبهم: الأنبياء مع الأنبياء والصديقون مع أشكالهم، والشهداء مع أضرابهم، والعلماء مع أقرانهم، وكل صنف مع صنف، كل زمرة تناسب بعضها بعضا.
ثم يتحرك الحشد الفائز على شكل جماعات وأحزاب وفرق، حتى يصل ذلكم الحشد الكبير إلى دار الخلود، جنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين، لكنهم يصلونها وأبوابها ما زالت مغلقة، إنهم من فرط سعادتهم يريدون دخولها فور الوصول إليها، فكيف السبيل لذلك وأبوابها مغلقة؟، فيعلمون حينها بصورة وأخرى أنه لابد من أن يستأذن أحد خزنة الجنة، وحصول الإذن أو تصريح الدخول، فيتجه الناس إلى أولي العزم من الرسل، فلا يجدون من أعطاه الله شرف ذلك الأمر إلا عند نبي الرحمة محمد – صلى الله عليه وسلم – القائل كما ثبت في صحيح مسلم: "آتي باب الجنة يوم القيامة فأستفتح، فيقول الخازن: من أنت؟ فأقول: محمد. يقول: بك أمرتُ ألا أفتح لأحد قبلك"، ثم تُفتح أبواب الجنة الثمانية، ليدخلها الفائزون مستبشرين سعداء، في مشهد ثالث يصفه القرآن بقوله تعالى (حتى إذا جاءوها وفتحت أبوابها وقال لهم خزنتها سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين).
تستقبلهم الملائكة بالترحاب والتحايا، كل فرد معه مرشده من الملائكة ويُذهب به إلى مكانه المخصص، حيث السعادة الأبدية، التي لا شقاء ولا عناء بعدها أبدا، وتدخل عليهم الملائكة من ها هنا وها هنا للتهنئة بدخول الجنة - كما في تفسير ابن كثير - فعند دخولهم إياها، تفد عليهم الملائكة مسلّمين مُهنئين لهم بما حصل لهم من الله من التقريب والإنعام، والإقامة في دار السلام، في جوار الصديقين والأنبياء والرسل الكرام (سلام عليكم بِما صبرتم فنِعم عُقبى الدَّار).
خلاصة الحديث
أي عاقل منا لا شك أنه سيعمل لمثل تلك النهاية المبهجة وتلك النتيجة الباهرة، فمن منا لا يريد أن تتلقاه الملائكة بالسلام والترحاب؟ ومن منا لا يريد سعادة أبدية لا شقاء بعدها أبداً؟ ومن منا لا يريد أن يفوز بالجنة ويبعده الله عن النار؟، لا شك أنه لا أحد منا يرغب في غير ذلك، لكن تلك النتيجة تحتاج إلى عمل دؤوب مستمر لا ينقطع، كما يعرف ذلك كلنا، ونحن نسعى للنتائج الدنيوية الباهرة في أي عمل، أليس إن أراد أحدنا النجاح وتحقيق إنجاز، يعمل ويجتهد في عمله، ويستمر بالعمل، ثم العمل، ثم العمل، ولكن بشكل صحيح؟.
إنه المنطق نفسه مع الأعمال المطلوبة المقربة للجنة، عمل مستمر صحيح، ونية خالصة لا يشرك أحدنا مع الله فيه أحداً أو شيئاً.. اعمل إذن حتى تنال رضا الله، فإن رضي عنك، فقد فزت فوزاً عظيماً، وقد جاء في الحديث المتفق عليه، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: إن الله يقول لأهل الجنة: يا أهل الجنة، فيقولون: لبيك وسعديك، والخير في يديك، فيقول: هل رضيتم؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى يا رب وقد أعطيتنا ما لم تُعطِ أحداً من خلقك؟ فيقول: ألا أعطيكم أفضل من ذلك؟ فيقولون: يا رب، وأي شيءٍ أفضل من ذلك؟ فيقول: أحلّ عليكم رضواني، فلا أسخطُ عليكم بعده أبداً، وتلكم هي الجائزة المنتظرة، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون، جعلني الله وإياكم من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه.
لا تنه عن خلق وتأتي مثله
ليس سهلاً على الإنسان منا التوفيق بين القول والفعل، أي أن يجسّد ما يقوله للآخرين على أرض الواقع،... اقرأ المزيد
213
| 10 سبتمبر 2026
لا يسمعون فيها لغواً
لاحِظ معي أنّ الله عز وجل يكافئ عباده المتقين في الجنة، ليس فقط كما نتخيل من جزاءات مادية... اقرأ المزيد
477
| 03 سبتمبر 2026
لن يضروكم إلا أذى
دعوة الإسلام قضت عشرة أعوام مكية بقيادة النبي الكريم، صلى الله عليه وسلم، تؤسس وتبني دون دخول في... اقرأ المزيد
396
| 26 أغسطس 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
د. عـبــدالله العـمـادي
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4254
| 29 سبتمبر 2026
جميل هذا التعاون الذي بدأته مؤسسة حمد الطبية في تحويل المواطنين للعلاج في مستشفيات القطاع الخاص، وهي خطوة تستحق الإشادة؛ لما تحققه من تخفيف الضغط على المستشفيات الحكومية، وتسهيل حصول المواطنين على الخدمات العلاجية، فضلًا عن دعم القطاع الصحي الخاص وتنشيط الحركة الاقتصادية. إنها منظومة يستفيد منها الجميع: الدولة والمواطن والمستشفى. منذ أيام، كانت لي تجربة شخصية بعد تحويلي من مؤسسة حمد الطبية إلى مستشفى «ذا فيو» لمتابعة حالتي مع أحد الأطباء. والحقيقة أن المستشفى يتمتع بمستوى راقٍ من حيث المبنى والتجهيزات والخدمات، لكنني خرجت بملاحظتين مهمتين أتمنى أن تأخذهما مؤسسة حمد الطبية بعين الاعتبار. الأولى: ربط الملفات الطبية. لا يُعقل أن يدخل المريض على الطبيب في المستشفى الخاص ليبدأ بسرد تاريخه المرضي من الصفر، وكأنه يروي قصة قصيرة! فقد ينسى بعض التفاصيل، أو يعجز عن شرح حالته بدقة، خصوصًا إذا كانت لديه أمراض مزمنة أو عمليات سابقة أو يتناول أدوية متعددة. المريض المحوَّل من مؤسسة حمد الطبية إلى القطاع الخاص يجب أن ينتقل بملفه الطبي وتاريخه العلاجي، لا أن يبدأ رحلته العلاجية من الصفر. لذلك، من الضروري أن تتضمن اتفاقيات التعاون ربطًا إلكترونيًا آمنًا يتيح للطبيب المعالج الاطلاع على الملف الصحي للمريض، بما يشمل تاريخه المرضي ونتائج فحوصاته وعملياته السابقة والأدوية التي يتناولها، وفق الضوابط المعتمدة لحماية خصوصية المرضى. فهذا الربط لا يضمن استمرارية الرعاية وسلامة المريض فحسب، بل يوفّر أيضًا وقت الطبيب، الذي قد تكون عيادته مزدحمة بالمراجعين، ويساعده على فهم الحالة بصورة أشمل وأدق، واتخاذ القرار العلاجي المناسب دون إضاعة الوقت في استعادة معلومات يفترض أن تكون متاحة أمامه منذ البداية. الثانية: توفير خدمة الترجمة الطبية ليس كل المواطنين يجيدون اللغة الإنجليزية، وليس كل من يتحدث بها قادرًا على فهم المصطلحات الطبية الدقيقة. ومع وجود أطباء لا يتحدثون العربية، تصبح الترجمة الطبية المتخصصة ضرورة لضمان فهم المريض لتشخيصه وخطته العلاجية وتعليمات الطبيب، لا مجرد خدمة إضافية. ومن المهم أن تتوافر هذه الخدمة عند الحاجة، من خلال مترجمين مؤهلين قادرين على نقل المعلومات الطبية بدقة، حتى لا يؤدي سوء الفهم إلى أخطاء في تناول الأدوية أو اتباع التعليمات العلاجية. إن نجاح هذه المبادرة لا يقتصر على تحويل المريض إلى مستشفى خاص، بل يتطلب ضمان استمرارية الرعاية الطبية وسهولة التواصل بين الطبيب والمريض. شكرًا لمؤسسة حمد الطبية على هذه الخطوة، وأتمنى أن تؤخذ هاتان الملاحظتان بعين الاعتبار لاستكمال منظومة التعاون وتحقيق الفائدة المرجوة منها للجميع.
3180
| 24 سبتمبر 2026
تُولي دولة قطر اهتمامًا بالعنصر البشري القطري، وتحرص على تأهيله وتمكينه وتطوير قدراته، غير أن بعض الجهات الحكومية لا تزال لا تستفيد بالصورة المطلوبة من أصحاب الخبرات الطويلة. فعندما يصل الموظف القطري إلى مسمى «خبير» أو «استشاري»، بعد سنوات من العمل والتدرج وتحمل المسؤوليات، يفاجأ أحيانًا بأنه أصبح بلا عمل واضح، ولا تُسند إليه مهام تتناسب مع خبراته ومسماه الوظيفي. وهنا يبرز السؤال: لماذا يتحول هذا المسمى في بعض الجهات إلى محطة انتظار بدلًا من أن يكون مرحلة جديدة للعطاء؟ ولماذا يُركن موظفون كانوا بالأمس القريب مديرين ورؤساء أقسام وأصحاب قرار، ثم يُتركون بعد ترقيتهم إلى مرتبة خبير أو استشاري بلا ملفات محددة، ولا مشاركة حقيقية في اللجان والدراسات وصناعة القرار؟ إن مسمى «خبير» أو «استشاري» ليس درجة شرفية تُمنح للموظف في نهاية مساره الوظيفي، بل وظيفة تخصصية لها غاية محددة. فالخبير يفترض أن يقدم الرأي الفني المبني على التجربة والمعرفة، وأن يراجع المشروعات والسياسات، ويحلل المشكلات، وينقل خبرته إلى الموظفين الجدد. أما الاستشاري، فينبغي أن يُسهم في إعداد الدراسات، وتقديم البدائل، وتقويم الأداء، ودعم القيادات في اتخاذ القرار وتطوير أساليب العمل. والمفارقة المؤلمة أن الخبير أو الاستشاري غير القطري غالبًا ما يُستفاد منه بصورة أفضل؛ فيشارك في إعداد الدراسات، ويسهم في صياغة التوصيات والقرارات، ويكون قريبًا من أصحاب القرار، بينما قد يُبعد الخبير القطري، وهو الأعرف ببيئة العمل وتاريخ المؤسسة واحتياجات المجتمع. وهذه ليست مطالبة بإقصاء الخبرات الوافدة التي نقدر دورها، بل دعوة إلى تحقيق التوازن وإعطاء الخبرة الوطنية المكانة والدور اللذين تستحقهما. وهذا الوضع لا يضر الموظف وحده، بل يضر الجهة والدولة؛ لأنه يهدر خبرة تراكمت على مدى عشرات السنين، ويضعف نقل المعرفة بين الأجيال، ثم يدفع بعض المؤسسات إلى الاستعانة بخبراء من الخارج للقيام بأعمال يستطيع أبناء الوطن إنجازها بكفاءة. فالخبرة الوطنية ليست عبئًا إداريًا، وإنما رأس مال مؤسسي يجب المحافظة عليه وحسن توظيفه. ولنضرب مثلاً في الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية، لا تتوقف الاستفادة من أصحاب الخبرات عند عمر معين أو مغادرة المنصب القيادي؛ فنراهم في البرلمانات ومجالس الإدارات والمؤسسات والشركات ومراكز الأبحاث والجامعات والمعاهد. أما في دولنا، فكثيرًا ما يغادر المسؤول منصبه فتُطوى معه خبرته، ثم نعود إلى استقدام الخبرة من الخارج بتكاليف مرتفعة. لذلك، نأمل من الوزارات والمؤسسات الحكومية التي يسري عليها قانون الموارد البشرية تفعيل ما قرره هذا القانون من ارتباط الوظيفة بواجبات ومسؤوليات محددة، وإلزام كل جهة بإعداد بطاقة وصف وظيفي واضحة للخبير والاستشاري، ووضع خطة سنوية لمهامهما، وإشراكهما في اللجان والدراسات وبرامج التدريب ونقل المعرفة، وتقييم أدائهما على أساس مخرجات قابلة للقياس، مثل إعداد دراسة، أو مراجعة سياسة، أو تدريب مجموعة من الموظفين. فالتكريم الحقيقي للموظف القطري صاحب الخبرة أن يمنح دورًا يليق بعطائه، ويضمن استمرار خبرته في خدمة الدولة والأجيال القادمة.
1119
| 28 سبتمبر 2026