رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
بتصريح "الرئيس المصري" لصحيفة الوول ستريت بأن نظامه "حريص على العلاقة الاستراتيجية مع الولايات المتحدة فوق كل شيء آخر"، وأنه "لن يدير ظهره للولايات المتحدة إطلاقًا حتى لو أدارت الأخيرة ظهرها لنظامه"، وتصريحه بأن "نظامه لن يكون مؤذيا في علاقته الثنائية مع أمريكا"، وأنه "لن يتعامل بحماقة إطلاقًا مع أمريكا"، وتصريحه بأنه "لا يمكنه نهائيًا تقليل علاقاته مع الولايات المتحدة بسبب أنظمة الأسلحة"، بهذه التصريحات تكون العديد من صفحات المواجهة المفتعلة والأزمات الوهمية قد انطوت بين البلدين.
الصفحة الأولى التي انطوت بعد التصريحات الأخيرة هي صفحة "المؤامرة الأمريكية الإخوانية". ففي وقت مبكر جدا بعد أحداث 3/7، اشتعل الإعلام الرسمي والفضائي بالحديث عن علاقة التحالف السرية بين الإدارة الأمريكية ونظام الدكتور محمد مرسي. هذه الدعوى اتهمت أمريكا بأنها الداعم الأكبر لنظام الإخوان المسلمين، وأن دعمها لهم تجاوز التأييد السياسي، ليأخذ شكل المساعدات المادية والتنسيق الاستخباراتي. وأن الانقلاب على نظام الدكتور مرسي كان بهذا المعنى هزيمة للمشروع الأمريكي، لأنه أطاح بحلفاء أمريكا وقضى على فرصة استمرارهم في الحكم.
وقتها تراوحت الأدلة التي قدمها أنصار هذا الاتهام بين وجود صفقة بين الإخوان وبين الإدارة الأمريكية؛ يتنازل الإخوان بموجبها عن سيناء (لتهجير الفلسطينيين من إسرائيل إليها) في مقابل قيام الولايات المتحدة وإسرائيل بتمكين نظامهم، وبين وجود اختراق إخواني في أعلى مراتب الإدارة الأمريكية، وصل إلى حد اتهام الرئيس أوباما نفسه بأنه عضو فى التنظيم الدولي للإخوان المسلمين.
الآن بات من المفهوم أنه لو كان لهذا الحلف أي أساس من الواقع لما قبل النظام المصري الحالي، والذي أطاح بالإخوان من الحكم، أن يقيم علاقة طبيعية مع أعدائه أو حلفاء أعدائه، ولكن تبين أن كل الحديث عن التحالف الأمريكي الإخواني كان ضجيجا بلا طحن، فالنظام الذي ادعى أنصاره أنه لن يحمل أى ود للإدارة الأمريكية ولن ينفتح في علاقته معها بأى درجة يصرح بكل وضوح أنه لن يعطيها ظهره حتى لو فعلت هي ذلك.
الملف الثاني الذي انطوى بعد التصريحات الأخيرة هو الرواية المصرية لنظرية"حروب الجيل الرابع"، والتي افترض أصحابها انضواء الولايات المتحدة فى مؤامرة كبرى بهدف تفتيت المنطقة والقضاء على دولها وترك أنظمتها فريسة للتآكل الداخلي، وذلك لكي تستمر (أمريكا) في زعامتها للعالم من دون معوقات من جانب، ولكي تحمى ربيبتها إسرائيل من وجود أنظمة ممانعة بجوارها من جانب آخر. وأنها في سبيل تحقيق هذا الغرض استخدمت تقنيات خفية حينا وظاهرة حيناً آخر، مثل الحركات الثورية والجماعات الفوضوية (وعلى رأسها جماعة الإخوان المسلمين بطبيعة الحال!)، فضلاً عن الوسائل التكنولوجية والمعلوماتية والآليات النفسية مثل بث الشائعات، وإثارة الحساسيات العرقية، وتعبئة الشباب بأفكار سلبية ضد الدول ومؤسساتها، ونشر البلبلة والتشكيك في مشروعاتها القومية، وتوظيف الجماعات الدينية، فضلا عن استخدام الأساليب السياسية مثل المظاهرات والإضرابات.
الآن تبدو الرواية الأمريكية هي الأقرب للتصديق، ففي مقابل الرواية المصرية ذات المنحى التآمري، تبنى الاستراتيجيون الأمريكيون رواية عكسية تنص على أن حروب الجيل الرابع هي نمط الحروب التي يتعين على الولايات المتحدة أن تواجهه في زمن القطبية الأحادية، على اعتبار أن قيام أى دولة بشن حرب على الولايات المتحدة حاليا يبدو أمرا مستبعداً، والأقرب إلى التخيل أن تنهض بهذه المهمة الجماعات المقاتلة من غير الدول، وبالفعل فإن النسخة الأمريكية من النظرية انطبقت بشكل كبير على المواجهات التي خاضتها الإدارات الأمريكية خلال العقدين الماضيين، وذلك في مواجهة تنظيمات مثل القاعدة، وتنظيم الدولة الإسلامية المعروف بداعش، ويتهم الساسة الأمريكيون الأنظمة الفاشلة والمتعثرة في المنطقة بالمساعدة على ازدهار مثل تلك التنظيمات، وذلك ردا على الاتهامات التي تتهم الأمريكيين بأنهم المسؤولون عن تكوينها (وسوف نخصص مقالة منفردة لمناقشة تفاصيل هذه الرواية الأمريكية).
وأخيرا فإن من الصفحات التي يتعين أن تطوى كذلك صفحة التعاون المصري الروسي، تلك الصفحة التي صاحبها صخب كثيف وصف التقارب بين البلدين في حينه بعبارات على غرار "الصفعة المصرية الموجهة للولايات المتحدة"، و"نهاية التبعية للولايات المتحدة"، و"القاهرة تضع حدا للقوى التي تسعى للتدخل فى شؤونها الداخلية" (والمقصود الولايات المتحدة بطبيعة الحال).
وقتها انتقد المحللون الجادون هذا التقارب، على اعتبار أنه لم يكن وليد رؤية إستراتيجية للعلاقة بين البلدين، وإنما مجرد رد فعل كيدي اتخذه النظام المصري إزاء قرار إدارة أوباما إيقاف جزء من المساعدات العسكرية المقررة لمصر بموجب اتفاقية السلام، وهو ما يفسر السرعة التي اتخذ بها القرار، كما يفسر قيام النظام الذي كان وقتها في مرحلة انتقالية (لم تكن قد أجريت انتخابات الرئاسة) بإبرام اتفاقات طويلة الأجل، تكبل السياسة المصرية لأجيال قادمة. ولكن المهللين رفضوا هذه الانتقادات واعتبروا أن التقارب المصري الروسي حتى لو كان يفتقر إلى الرؤية إلا أنه يكفي أنه قد سبب إحراجا للولايات المتحدة.
عودة الود بين القاهرة وواشنطن، وفق العبارات الحارة التي استهل بها هذا المقال، يبين أن خطوة التقارب المصري الروسي لم تكن لا صفعة ولا نهاية للتبعية، وأن النظام المصري لا يملك رفاهية الاستغناء عن تحالفه مع واشنطن طالما أنه يعمل داخل ترتيبات كامب ديفيد، التي تجعل خياراته فيما يتعلق بتحالفاته الدولية محدودة أو شبه منعدمة.
طي الصفحات السابقة، والتي تشير إلى أزمات مفتعلة أراد بها أصحابها تدعيم شرعية النظام القائم من خلال إظهاره على أنه في مواجهة مع أكبر دولة فى العالم، وذلك من دون أن يكون لهذه الأزمات أى أساس حقيقي، وفي نفس الوقت من دون محاسبة المسؤولين عن شَغل الرأى العام بها، يشير إلى الطريقة التي يتم بها إلهاء المواطنين عن القضايا الهامة، عبر إغراقهم في حالة من الصخب الفارغ الذي أصبح سمة مميزة للوضع السياسي المصري في هذه المرحلة.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
لم يعد السؤال في الخليج اليوم متعلقًا بما تحقق من منجزات، بل بكيفية تقديم هذه المنجزات للعقل العام بصيغة واحدة، قادرة على تثبيت المعنى قبل الصورة، والهوية قبل التفاصيل. فالتكامل الذي يتقدم اقتصاديًا وتنمويًا، يحتاج في المقابل إلى إعلام يوازيه في القوة والاتساق، ويمنع تشتت الرواية بين المنصات وتعدد الزوايا. في هذا الإطار، استضافت العاصمة السعودية الرياض “ملتقى المكتسبات الخليجية”، بوصفه مساحة لإعادة التفكير في دور الإعلام داخل مشروع التكامل الخليجي، لا كمجرد ناقل للحدث، بل كعنصر يصنع الوعي المشترك ويعيد ترتيب العلاقة بين المواطن الخليجي ومنجزاته. فالملتقى الذي نظمته الأمانة العامة لمجلس التعاون بالتعاون مع جهاز إذاعة وتلفزيون الخليج، ينطلق من سؤال مركزي: كيف يمكن للإعلام أن يعكس واقع المكتسبات الخليجية بوضوح واتساق، ويحوّلها إلى خطاب موحد يعزز الهوية المشتركة، ويوحّد الرسائل الإعلامية، ويدعم مسيرة التكامل بين دول المجلس، بما يواكب تطلعات المرحلة ويستشرف مستقبلها. منذ بدايات التجربة الإعلامية الخليجية المشتركة، كان الرهان على بناء مساحة إعلامية تتجاوز الحدود إلى معنى الوحدة، وهو ما عمل عليه جهاز إذاعة وتلفزيون الخليج عبر مسار طويل من التقريب بين الخطابات الإعلامية وصياغة مشترك مهني وثقافي يعكس وحدة الاتجاه الخليجي. ويظل مهرجان الخليج للإذاعة والتلفزيون أحد أبرز تجليات هذا المسار؛ فمنذ انطلاقه لأول مرة في الكويت عام 1980، لم يكن مجرد فعالية للاحتفاء بالإنتاج الإعلامي، بل منصة لتبادل الخبرات ورفع جودة المحتوى وتعزيز التقارب بين المؤسسات الإعلامية الخليجية. كما أسهم في تكريم نخبة من نجوم الفن والدراما في الخليج، باعتبارهم جزءًا من صناعة الوعي البصري والثقافي، وعنصرًا فاعلًا في تشكيل الذاكرة الجماعية للمجتمع. كما امتد الدور إلى البعد التوثيقي والمعرفي، عبر إصدار “نشرة المعلومات” في يوليو 1980، التي رصدت النشاط الإعلامي التلفزيوني خليجيًا وعربيًا وعالميًا من خلال التقارير الفنية والإخبارية والبرامجية والهندسية والإدارية. واستمر صدورها حتى تحولت لاحقًا إلى مجلة فصلية تعنى بتوثيق تطور العمل الإعلامي ومواكبة تحولات المشهد الإذاعي والتلفزيوني. ومع اتساع الإعلام الرقمي اليوم، لم يعد التحدي في إنتاج الرسالة، بل في قدرتها على البقاء متماسكة داخل فضاء سريع، تتعدد فيه المنصات وتتصادم فيه الروايات. وهنا تصبح قضية توحيد الرسائل الإعلامية الخليجية جزءًا من حماية الوعي العام، لا مجرد خيار مهني، في بيئة تعيد تشكيل الرأي العام لحظة بلحظة. على هذا الأساس، يبرز الملتقى كفرصة لإعادة ضبط البوصلة الإعلامية الخليجية نحو مزيد من الاتساق، وتعزيز الهوية المشتركة، ودعم مسيرة التكامل بين دول المجلس، بما يجعل الإعلام شريكًا في صناعة المعنى، لا مجرد ناقل له. وبرأيي أنه لا تُقاس قوة الإعلام بما يعرضه من أحداث، بل بما يثبته من معنى في الوعي، وبقدرته على تحويل المنجز إلى هوية، والهوية إلى إدراك مشترك.
5838
| 13 مايو 2026
ثقافةُ الترند ليست موجةَ ترفيهٍ عابرة، بل عاصفة أعادت ترتيب القيم، حتى صار التافهُ مشهوراً، والمشهورُ التافه مؤثراً، والمؤثرُ التافه مرجعاً يُسمَع له ويُقتدى به. قبل 10 سنواتٍ فقط كان الإنسان يستحي أن يُرى في مواضع كثيرة مما نرى اليوم، وكانت بعض الأفعال تُخفى خجلاً وخوفاً، أما اليوم فقد أصبح كثيرٌ منها يُعرض على الملأ طلباً للتصفيق، وكأن الحياء صار ضعفاً، والوقار صار تخلّفاً، والصخب صار موهبةً ورسالة. لقد حوّلت ثقافة الترند الشهرةَ من ثمرةِ جهدٍ إلى ضربةِ حظ، ومن مكافأةٍ للكفاءة إلى جائزةٍ للإثارة. في الماضي كان العالِم يبني اسمه بسنواتٍ من التعب، والأديب ينضج ببطء، والفنان يتقن قبل أن يظهر، أمّا اليوم فيكفي أن يصرخ أحدهم أمام الكاميرا، أو يفتعل موقفاً سخيفاً، أو ينطق ببذاءةٍ بثقة، حتى تُفتح له أبواب الشهرة، وتتهافت عليه الشركات، وتُسلّط عليه الأضواء. وهكذا انفصلت الشهرة عن الاستحقاق، فصار البريق يسبق العمق، والصوت يعلو على المعنى. والترند في جوهره لا يعرف خيراً ولا شراً، بل يعرف شيئاً واحداً: الانتباه. فالخوارزميات لا تفرّق بين احترامٍ وازدراء، ولا بين حكمةٍ وسخرية، فكل تفاعلٍ وقود، وكل ضجةٍ رصيد. لذلك ازدهر “اقتصاد التفاهة”، حيث ينتصر المحتوى الأسرع لا الأعمق، والأكثر إثارة لا الأكثر قيمة. ومع التكرار يبدأ التطبيع؛ فما كان صادماً بالأمس يصبح مضحكاً اليوم، ومألوفاً غداً، ثم يتحوّل إلى سلوكٍ يُقلَّد بلا تردد. وهنا تكمن الخطورة، فالانحدار لا يأتي دفعةً واحدة، بل يتسلّل خطوةً خطوة، حتى يعتاد الناس ما كانوا يستعظمونه. ولأن الإنسان ابنُ بيئته، خائفٌ من العزلة، صار كثيرون ينساقون خلف الترند لا اقتناعاً بل خوفاً من أن يكونوا خارج القطيع. حتى أصبح بعض الناس يذهب إلى مطعمٍ يعلم في داخله أنه عادي أو رديء، لكنه مزدحم لأن "الترند قال ذلك"، ويشتري سلعةً أو سلةً يدرك أنها لا تستحق، لكنه يخشى أن يبدو مختلفاً عن الآخرين. بل قد يفعل الإنسان أموراً لا يقتنع بها أصلاً، ويضحك على ما لا يراه مضحكاً، ويُصفّق لما لا يحترمه، فقط لأن التيار يمضي في ذلك الاتجاه. وهنا يتحول الفرد من صاحب رأي إلى صدى، ومن إنسانٍ يختار إلى إنسانٍ يُقاد. والأسوأ أن الكبار قبل الصغار دخلوا هذا السباق؛ فترى الأب والأم بل وحتى الجدّ يلهثون خلف الرقصة الرائجة والعبارة السطحية، وكأن الوقار عبءٌ يجب التخلص منه. وحين يفقد الكبير هيبته، يفقد الصغير بوصلته، وتسقط منظومة التربية من داخلها. هذه الترندات تسرق الحياء الذي كان سوراً يحفظ للإنسان كرامته وللمجتمع تماسكه. ثم تأتي الكارثة الكبرى: تهميش أهل العلم والأدب والأخلاق، لا لأنهم غائبون، بل لأن الضجيج أعلى من الحكمة، ولأن السوق يطلب الإثارة لا البصيرة. نحن بحاجة إلى تربيةٍ تُعلّم الطفل منذ صغره أن القيمة ليست في عدد المتابعين بل في مقدار الأثر، وأن الشهرة ليست مجداً إذا خلت من الخُلُق والمعنى. وبحاجةٍ أيضاً إلى أسرةٍ لا تُسلّم أبناءها للشاشة ثم تشتكي من ضياعهم، بل تُشاركهم الحوار، وتغرس فيهم شخصيةً تعرف كيف تقول "لا" حين يركض الجميع نحو العبث. كما أن أهل العلم والأدب مدعوون إلى دخول المنصات لا الهروب منها؛ فالساحة التي يتركها العقل يملؤها الضجيج. وليس المطلوب أن يتحولوا إلى مهرّجين، بل أن يُحسنوا عرض الفكرة بلغة العصر دون أن يتنازلوا عن جوهرها. فالكلمة العميقة لا يعني أن تكون معقدة، والرسالة الراقية لا يشترط أن تكون مملّة. إن المعركة الحقيقية ليست ضد تطبيقٍ أو منصة، بل ضد فراغٍ داخلي يجعل الإنسان يبحث عن قيمته في تصفيق الغرباء. وحين يمتلئ الإنسان بالمعنى، يقلّ افتتانه بالضجيج. فالحضارات لا يحفظها المال وحده، بل يحفظها وعيٌ يعرف الفرق بين من يبني العقول ومن يسرقها، بين من يصنع الإنسان ومن يصنع الترند.
5751
| 12 مايو 2026
كتبت مرة قصة قصيرة عن مؤلف وجد نفسه على جبل الأوليمب، وحوله كل شخصيات قصصه ورواياته من النساء. حين أنظر حولي هذه الأيام أفكر، هل يمكن حقا الصعود إلى جبل الأوليمب، وأرى حولي كل من كتبت عنهم رجالا ونساء، ونعيش بعيدا عن هذا الصخب والعبث الذي لا ينتهي؟ وهل لن يندهش زيوس من وجودي، ويعطيني صندوق باندورا هدية، فأفتحه غير مدرك أنه ستنطلق منه كل الشرور، فهو الزعيم الأوحد! رغم ذلك تخايلني هذه الرغبة وأنا أرى المعارك العابرة، حولي تشغل مساحة أكبر من المعارك الحقيقية. نرى ما تفعله إسرائيل وأمريكا بمنطقتنا العربية، والمقاومة التي بها سيتغير حال البلاد، ولا أبتعد عن الكتابة عنها، لكنها تضيع بين المعارك الصغيرة. يريحني يقيني أن معاركنا مع العدو الصهيوني على صعوبتها، سيأتي اليوم الذي يتبخر فيه هذا العدو. ويشتتني ما أراه على السوشيال ميديا من معارك وألفاظ، لا تليق أبدا بكتابها، فقفز خيالي بصعود جبل الأوليمب. آخرها والذي شغل مساحة كبيرة جدا، الخلاف الذي وقع بين الشاعرة المصرية الرائعة نجاة علي، والكاتب والفنان خالد سليمان الناصري، صاحب دار المتوسط للنشر. تحدثت نجاة علي عن حقوقها المالية الضائعة مع الدار. أصدر خالد الناصري بيانا أوليا خانه التوفيق في ألفاظه، وهو يوضح خطأ الشاعرة، ثم عاد في بيان تالٍ يعتذر عن ألفاظ البيان الأول، ويوضح عدد النسخ التي طبعت، وما وصل الشاعرة من مال، لكن لم ينتهِ الأمر. تتالت الاتهامات والشتائم له، وبدت المسألة كأن مصر كلها ضده. ولأني أعتز جدا بالاثنين، الشاعرة نجاة علي وخالد الناصري، لم أساهم في النقاش. لم أقل حتى حقيقة علاقتي بدار المتوسط، التي هي مختلفة تماما. نشرت بدار المتوسط أربع روايات حتى الآن، لم تتأخر قط في دفع ما اتفقنا عليه، من مال أو نسخ لي من الكتاب. أقول هذا ليس دفاعا عن خالد الناصري، لكن نصيحتي لكل كاتب، أنه حين تختلف مع ناشر ما، قم بتغييره في صمت، والأهم أنه حين تنشر في دار نشر خارجية، اتفق على مبلغ نهائي تحصل عليه عند النشر، ولا تنتظر حسابا سنويا وتشغل نفسك بذلك. هكذا فعلت في السنوات الأخيرة مع دار المتوسط، ودار ماسكيلياني التونسية، وأخيرا دار جداول اللبنانية. في مصر مثلا لا تحاسبني سنويا على مبيعات أعمالي غير دارين للنشر، هما الشروق المصرية، والدار المصرية اللبنانية، فلديهما نظام دقيق لذلك، ثم إنهما ليستا بعيدتين عني. هذه المعركة بين الكتّاب وخالد الناصري، جاءت بعد معركة أخرى بين المصريين ولا تزال، حول مسألة "نظام الطيبات" في الغذاء والعلاج، الذي اخترعه الدكتور ضياء العوضي، والذي توفي رحمه الله. كم تتالت فيها من ألفاظ لا تليق بكتابها، رغم أن الرد العلمي أجمل. يغطي هذا كله على الحقائق الأولى بالحديث كما ذكرت، لكن الحمد لله أتذكر رواية "بعيدا عن الزحام المجنون" التي كتبها توماس هاردي، وصارت فيلما عظيما لجولي كريستي وتيرانس ستامب شاهدته سنوات الستينات. رغم موضوع الفيلم البعيد عن أحوالنا، يطاردني عنوان هذه الرواية دائما، حين تزدحم الدنيا من حولي بالبشر، والقضايا الفكرية العابرة. وأعرف يائسا أنه لن ينتهي بالابتعاد، حتى لو فعلت ما قاله سورين كيركجارد، الفيلسوف الوجودي، وبنيت سلما لا ينتهي إلى السماء. للأسف الصعود على جبل الأوليمب ليس متاحا لنا، رغم أن زيوس قد يكون أرحم، من هواة الشتائم والقذف على السوشيال ميديا.
1752
| 13 مايو 2026