رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
المفيد في حالات تكرار انخفاض أسعار البترول والغاز عالمياً أنها تعطي الفرصة لالتقاط الأنفاس وإعادة ترتيب الأوراق من جديد خاصة الدول المنتجة والمصدرة للبترول؛ فدول الخليج العربية مثلاً ستواجه في ظل استمرار انخفاض الأسعار في الأسواق العالمية مشكلات اقتصادية كبيرة رغم الاحتياطات المالية الضخمة التي تمتلكها، خاصة أن هذه الدول التي تعتمد بشكل كلي على صادرات البترول ومشتقاته لتمويل الجزء الأكبر لكل من موازناتها العامة وإنفاقها الحكومي وناتجها المحلي الكلي، فانخفاض أسعار البترول والغاز هي بالنسبة لها تعني توقع بل تراجع الإيرادات وتراجع أرباح الشركات المنتجة للبترول والمرتبطة به والخدمات سواء مالية أو اقتصادية أو اجتماعية وبالتالي تراجع استباقي لأسعار أسهم الشركات في بورصات الأوراق المالية بالتتابع؛ لأنها تمثل المؤشر الأكثر حساسية للأزمات المالية ولتقلبات أسعار البترول الكبيرة عالمياً، فضلاً عن أن مؤشر البورصة يقرأ توقعات مكونات الاقتصاد الكلي ويتحرك مباشرة وهو ماحدث فعلا بالبورصات الخليجية إضافة لأثرها على التضخم والميزان التجاري والحساب الجاري في ميزان المدفوعات وباقي القطاعات الاقتصادية ثم الشركات العامة والخاصة والمواطنين، ما يعني الاقتصاد الكلي بشكل عام فالانخفاض الكبير في أسعار البترول عالميا أرجعه المحللون لأسباب وعوامل عدة وفي مقدمتها العرض والطلب والمؤثرات الخارجية والكساد الاقتصادي بالدول الغربية التي تقوم بشراء البترول من أعضاء أوبك، فضلا عن التحديات الاقتصادية المتنوعة لدول الشرق الأوسط والدول النامية والاضطرابات السياسية والأمنية وعوامل تنشيط التنمية الضعيفة إضافة إلى دخول النفط غير التقليدي والمسمى "الصخري"، فكل هذه العوامل أثرت بالسلب في أسعار البترول والطاقة في الأسواق العالمية وحسب رؤى خبراء الطاقة أن دول الخليج قد بدأت تعاني من مشكلات مستقبلية حقيقية وإن كانت بدأت خفيفة التأثير في 2015 م وتتوالى لعام 2016 م، لكنها أثارت القلق والمخاوف الأمر الذي قد يدفع الجهات الحكومية إلى اعتماد خطط وإجراءات جديدة قد تؤدي إلى تغير السياسات المالية والاقتصادية لبعض دول الخليج وأن تلك السياسات المالية ينبغي في الوقت نفسه بأنه لأغلب الدول مستفيدة من الأسعار المنخفضة التي تشهدها أسواق البترول العالمية كونها تساعدها على بداية إعادة النمو والبناء والتنمية من جديد بشكل لا يؤثر سلبياً على معدلات النمو الاقتصادي القوية التي تشهدها المنطقة منذ سنوات عدة؛ وذلك من خلال العمل على زيادة مساهمة القطاع الخاص في مختلف المجالات خاصة غير النفطية وتوفير تسهيلات وحوافز للاستثمارات المحلية والأجنبية والإنفاق الحكومي الاستثماري، كما ينبغي أن تضع الحكومات في حساباتها التالي:
* خطط قصيرة ومتوسطة وطويلة الأجل لضبط أوضاع المالية العامة مع إبطاء معدل نمو الإنفاق الجاري على فواتير الأجور وتكاليف دعم الطاقة وتحديد أولويات الإنفاق الرأسمالي والاستثماري وزيادة الإيرادات غير النفطية.
* ضمان العدالة بين التوزيع للأجيال وإعادة بناء وتنظيم وإدارة الهوامش الوقائية والاحتياطات والصناديق السيادية.
* تنويع النشاط الاقتصادي داعماً لضبط أوضاع المالية العامة والناتج الكلي العام.
* إفساح المجال للقطاع الخاص (صغير- متوسط) بالاعتماد على محركات أساسية للاقتصاد بدلا من التركيز على البترول ومشتقاته والغاز في الإنفاق الحكومي.
* تطبيق مجموعة محفزة ومتكاملة من السياسات المالية والاقتصادية والائتمانية في الوقت نفسه تسير جنباً إلى جنب مع الخطط الموضوعة لتحقيق الأهداف كالتالي:
أولاً: تطبيقات السياسات المالية والاقتصادية في مواجهة انخفاض أسعار البترول
- (السياسات الاقتصادية) تعني التدخل المباشر من جانب السلطات الحكومية كوزارة الاقتصاد ووزارة التجارة الخارجية والصناعة في حركة أو مجرى النظام الاقتصادي عن طريق الرقابة المباشرة للمتغيرات الاقتصادية الأساسية في الاقتصاد القومي مثل الإنتاج والاستثمار والأجور والأسعار والتشغيل والعمالة والصادرات والواردات وتحويلات الصرف الأجنبي، وبالتطبيق في حالات انخفاض إيرادات قطاع النفط والغاز للدول المصدرة للبترول فإن الأمر يحتاج إلى تطوير النظام الاقتصادي من أجل رفع الإنتاج المحلي للصناعات والاستثمارات ومن ثم نحتاج لدعم هذا القطاعات الحيوية من خلال تخصيص إيرادات البترول للقطاع الاستثماري من الميزانية لتكون تشغيلية ونسبة بسيطة تذهب للاستثمار ولتنشيط الاقتصاد ولابد من لجوء الحكومة إلى الاقتصاد الخاص والبحث عن البدائل والمصادر البديلة وإعادة بناء النظام الضريبي واعتماد الشفافية والإفصاح ونزاهة النظام الإدراي والمالي في المؤسسات الحكومية وعند تحقيق هذه الأمور يمكن بناء اقتصاد متطور يقلل نسبة الاعتماد على البترول والغاز في الأجلين (ق – ط).
- (السياسات المالية) تتمثل هذه السياسة في استخدام السياسة الضريبية والإنفاق العام والقروض العامة للتأثير في أنشطة المجتمع الاقتصادية بالطرق المرغوبة أي السياسة التي بموجبها تستعمل الحكومة برامج نفقاتها وإيراداتها لإنتاج آثار مرغوبة وتجنب الآثار غير المرغوبة على الدخل والإنتاج والتوظيف، وتهتم السياسة المالية بتخصيص الموارد بين القطاعين العام والخاص واستخدامها في تحقيق الاستقرار والنمو الاقتصادي وعند تطبيقها في حالات انخفاض أسعار البترول والغاز فإن استغلال الوقت لعمل إصلاحات مرحب بها لبرامج التنمية والاستثمار فهي بأشد الحاجة إلى أن تضع أهدافاً محددة لسياسات مالية تعمل على تحقيقها بحيث تتضمن تنويع مصادر الدخل في القطاعات غير النفطية وزيادة كفاءة الإنفاق الرأسمالي والسيطرة على الإنفاق الجاري بدرجات متفاوتة وفقاً لاعتماد الحكومات على أسعار البترول في تمويل الميزانيات وإن كانت معظم البلدان ستشهد تأثراً فورياً في معدلات الإنفاق العام مع احتمال لجوء بعض الدول إلى تسييل أصول مملوكة لها لتمويل العجز المتوقع خلال الفترات المستقبلية بداية من عام 2016 م.
ثانياً: تنظيم قطاعات التمويل والصيرفة في مواجهة انخفاض أسعار البترول
- (السياسة النقدية والائتمانية) تمثل مجموعة الإجراءات التي تتخذها السلطات النقدية الحكومة متمثلة في المصارف المركزية والبنوك التجارية والإسلامية ومؤسسات الائتمان والبنوك المتخصصة وكذلك وزارة المالية بهدف رقابة الائتمان والتأثير فيه سواء فيما يتعلق بالقدر المتاح منه أو بتكلفته بالنسبة لمن يطلبه أو بالشروط التي تمنح، وكذلك التأثير في حجم عرض النقود بصفة عامة وسعر صرف النقود المحلية بالعملات الأجنبية والأدوات التي يمكن للسياسة النقدية والائتمان استخدامها، كما تتميز أيضاً بالتنوع والتعدد ومن أهمها سعر الفائدة وسعر الصرف والإصدار النقدي وسعر الخصم والسوق المفتوحة والاحتياطي النقدي كما أن الرقابة المباشرة على الائتمان من أجل تحقيق الاستقرار الاقتصادي، وبالتطبيق هنا في حالات انخفاض أسعار البترول وتأثيره على القطاع المصرفي من ناحية جودة الأصول وازدياد الديون المتعثرة والديون المعدومة بما يشجع دعوة الحكومات بشكل عام إلى استخدام السياسة المالية بزيادة الإنفاق الحكومي وضخ السيولة بالسوق وألا ترفع الضرائب والرسوم الحكومية وإبقاءها على وضعها الحالي إن لم يكن هناك مجال لتخفيضها وتوجه المصارف المركزية للرقابة على مستويات السيولة والتشجيع لاتباع سياسة نقدية تسهيلية عن طريق تخفيض أسعار الفائدة مثلا؛ ما قد يعني زيادة الطلب على التسهيلات الائتمانية وما سيدفع البنوك أيضاً لزيادة تسهيلاتها للقطاع الخاص، هو توقع تراجع الطلب الحكومي على الأموال المتوفرة في البنوك بسبب تراجع العجز في الموازنة العامة كما أن توفر سيولة أكثر بيد المواطنين يعني تمكينهم من تسديد الأقساط المستحقة عليهم بوقتها مما يعني تراجع نسبة الديون المشكوك فيها وزيادة ربحية البنوك والمؤسسات المالية بسبب تحرير جزء من مخصصات الديون المشكوك فيها وانتقالها إلى بند صافي الأرباح ثم ارتفاع أسعار أسهمها وعوائدها في بورصة الأوراق المالية، ويرجع تقويم قدرة القطاع المصرفي على تحمل الديون السيادية وأن تأخذ بعين الاعتبار الائتمان ومسألة تقدير المخاطر التي ستتحملها الدول والحكومات مع الأخذ بالاعتبار أن النظم المصرفية في دول الخليج العربية في وضع جيد يؤهلها لتجاوز انخفاض أسعار البترول وضعف النمو.
ثالثاً: توقعات مستقبل أسعار البترول العالمية
أشار كثير من الدراسات الخليجية والدولية إلى أنه في الفترات المقبلة ستتعرض الدول المصدرة للبترول لمزيد من التحديات المالية الاقتصادية إذا لم تتوسع في استثماراتها وتتنوع مصادر الدخل، يضاف إلى ذلك أنها ستواجه كثيراً من المخاطر الأخرى والمفاجآت غير المتوقعة التي قد تسهم في تغير أسعار النفط في الأسواق العالمية، ومنها التوقعات الخاصة بزيادة حصص بعض الدول المنتجة على سبيل المثال منها إيران وروسيا والعراق التي تتطلع إلى تعويض خسائرها الاقتصادية من خلال استعادة حصصها النفطية وإذا استمر البترول في الانخفاض أكثر من ذلك تزيد من احتمالات التوجه للصناديق السيادية فوراً مع الاضطرار للسحب من احتياطياتها الأجنبية أو أن تقلّص الإنفاق الحكومي في موازنات الأعوام القادمة.
تطبيقات الاقتصاد الحر في المجتمع الاستهلاكي الخليجي
googletag.display('div-gpt-ad-794208208682177705-3'); googletag.cmd.push(function() { googletag.display('div-gpt-ad-1462884583408-0'); }); بـمـنـاسـبـة انعقاد أسبوع المستهلك الخليجي الذي أقيم في مملكة البحرين تحت شعار (خليجنا... اقرأ المزيد
3556
| 09 مارس 2016
مؤشرات التصنيف الائتماني للمركز الاقتصادي الخليجي
googletag.display('div-gpt-ad-794208208682177705-3'); googletag.cmd.push(function() { googletag.display('div-gpt-ad-1462884583408-0'); }); تهتم كل دراسة أو تقرير خاص حديث عن تقويم الأوضاع الاقتصادية والمالية الخليجية... اقرأ المزيد
1935
| 24 فبراير 2016
مستقبل الشعـوب يتصدر القمة العالمية للحكومات
googletag.display('div-gpt-ad-794208208682177705-3'); googletag.cmd.push(function() { googletag.display('div-gpt-ad-1462884583408-0'); }); بدأت أعمال فعاليات القمة العالمية للحكومات في دورتها الرابعة في دبي بالإمارات العربية... اقرأ المزيد
903
| 15 فبراير 2016
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
كل عام وقبل العودة إلى المدارس يبدأ الاستعداد المعتاد في كل بيت، ملابس جديدة، حقائب، أحذية، كتب، أقلام، أجهزة، ومستلزمات دراسية. لكن هل هذه هي استعدادات العودة إلى المدارس؟ قبل أن تسأل ابنك: ماذا ينقصك للمدرسة؟ اسأله: لماذا تدرس؟ سؤال بسيط جدًا، لكنه قد يكون أهم من كل ما ستشتريه له طوال سنواته الدراسية فهنا الجوهر. لماذا تدرس؟ ماذا تريد أن تصبح؟ ما المجال الذي تحبه؟ ما الذي تجيده؟ أين ترى نفسك بعد الدراسة وكيف ؟ هذه الأسئلة أهم اليوم من أي وقت مضى، لأن العالم تغيّر، وسوق العمل تغيّر، وحتى مفهوم التعليم نفسه يجب أن يتغيّر لدينا. العالم اليوم مليء بالشهادات بل إن الحصول على الشهادة أصبح في بعض الأماكن أسهل وأرخص من مصاريف سنوات الدراسة، ولم تعد الشهادة وحدها ذلك المفتاح الذي يفتح أبواب الوظائف كما كانت سابقاً. الآلاف يتخرجون كل عام والآلاف يسجلون كما نشاهد هذه الايام. بكالوريوس وماجستير ودكتوراه … الخ ولكن السؤال الذي يفرض نفسه في سوق العمل اليوم هو: ماذا تستطيع أن تفعل؟ فالعالم لايبحث عن الشهادة وصاحبها، بل عن الكفاءة واهلها. يبحث عن الإنسان الذي يفهم، ويحلل، ويبتكر، ويتواصل، ويتعلم بسرعة، إنسان يتعامل مع المتغيرات، ويحل المشكلات، ويملك مهارة حقيقية يحتاج لها الواقع. ثم جاء التحدي الأكبر.. الذكاء الاصطناعي. وهو ليس قصة من المستقبل، بل واقع نعيشه الآن. مهام ووظائف كثيرة تغيرت وتقلصت بسبب التقنية والذكاء الاصطناعي، ووظائف أخرى ستتغير بصورة أكبر خلال السنوات القادمة وستنتهي وفي المقابل ستولد مجالات ووظائف جديدة لم نكن نعرفها. وهنا يجب أن نسأل أنفسنا: لأي عالم نُعِد أبناءنا؟ هل نُعد الطالب فقط ليحفظ كتابًا، ويجيب في ورقة الامتحان، ويحصل على درجة عالية، وينتقل من صف إلى صف حتى يحصل في النهاية على شهادة؟ وماذا بعد ؟ فغالب ما يتعلمه الطالب في الحقيقة لا يعمل به في الحياة الطبيعية. ثم ماذا؟ قد يتخرج بعد سنوات ليكتشف أن العالم الذي أعددناه له قد تغيّر! لذلك يجب ألا يكون هدفنا أن يحصل أبناؤنا على الشهادات فقط، وإنما أن يمتلكوا المهارات والقدرات والوعي والفهم وهذا ما تتجه له الدول المتقدمة. علّم ابنك كيف يبحث. كيف يفكر. كيف يناقش. كيف يتحدث أمام الناس. كيف يكتب. كيف يستخدم التقنية. كيف يتعامل مع الذكاء الاصطناعي ويستفيد منه بدل أن يخشاه. كيف يتعلم مهارة جديدة بنفسه. كيف يحول فكرته إلى مشروع. وكيف يعرف نقاط قوته وضعفه. وانتبه يا ولي الأمر أنت لا تجهز ابنك لاختبار نهاية الفصل. أنت تجهزه لسوق عمل سيدخله بعد سنوات، وقد يكون مختلفًا جذريًا عن سوق العمل الذي تعرفه أنت اليوم. فلا تجعل كل اهتمامك بدرجته، واسأله أيضًا ماذا تعلّم. ولا تسأله فقط: كم حصلت؟ اسأله: ماذا أصبحت تستطيع أن تفعل؟ ولا تخطط له على أساس الوظائف التي كانت ناجحة في جيلنا، بل ساعده على اكتشاف العالم الذي سيعيش هو فيه. نعم التعليم مهم. والشهادة مهمة. والمدرسة والجامعة كذلك. لكن الشهادة بلا مهارة ورقة، والتعليم بلا فهم حفظ، والمعرفة التي لا يستطيع صاحبها استخدامها لن تصنع له مكانًا في عالم شديد التنافس وسريع التغيّر. لذلك عندما تبدأ هذا العام في تجهيز أبنائك للعودة إلى المدارس.. لا تبدأ بالحقيبة. ولا بالحذاء. ولا بالملابس. ابدأ بالسؤال: يا ابني … لماذا تدرس؟ فإذا عرف لماذا يدرس، وماذا يريد، وما الذي يحتاج إلى تعلمه ليصل إليه.. فقد اشتريت له أهم مستلزمات الدراسة دون أن تدفع ريالًا واحدًا.
5718
| 25 أغسطس 2026
-تاريخ للعرب والإسلام لا يمكن أن نقرأه ثم نضعه على الهامش - ماذا نستطيع أن نفعل مع اليمن من أجل مستقبل الجزيرة العربية كلها؟ - أدعو لأفق إستراتيجي لا يبقى فيه اليمن إذا استعاد استقراره خارج منظومة مجلس التعاون - علي عبد الله صالح قرر منحي أعلى وسام يمني لكنه أرجأ تسليمه لي لزيارة قادمة لم تتم - صنعاء مدينة تبدو بيوتها كأنها خرجت من كتاب قديم وظلت حية يسكنها الناس - اليمن لا تنفع معه الحلول المؤقتة التي لا تمنع أسباب الصراع من إنتاج جولة أخرى لا يحتاج اليمن إلى من يبحث له عن مكان في التاريخ؛ فمكانه سبقنا إليه القرآن الكريم حين حدثنا عن سبأ وما أنعم الله عليها: ﴿بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ﴾، وسبقنا إليه الحديث النبوي الشريف: «الإيمان يمانٍ والحكمة يمانية». وبين «البلدة الطيبة» و«الحكمة اليمانية» يمتد تاريخ بلد لا يمكن أن نقرأ تاريخ العرب والإسلام ثم نضعه على الهامش. سبأ ومأرب وحِمْيَر ليست أسماء من ذاكرة بعيدة، وإنما شواهد على حضارة ضاربة في القدم، وعلى أرض عرفت العمران والزراعة والتجارة. ولم يكن حضور اليمن في الإسلام عابرًا أو متأخرًا؛ فقد وفدت قبائله إلى رسول الله ﷺ ودخل أهله في الإسلام، وبعث النبي ﷺ معاذ بن جبل إلى اليمن معلّمًا وقاضيًا. ومن اليمن خرج رجال وقبائل حملوا الإسلام والعربية معهم إلى الأمصار، وأسهموا في الفتوحات وفي بناء المجتمعات العربية والإسلامية التي نشأت بعدها. وظل اليمن حاضرًا في حواضره العلمية والتجارية والثقافية، من صنعاء وزبيد إلى حضرموت وعدن. وجيلي عرف اليمن من التاريخ، ثم عرفه من السياسة. فقد كنا نتابع منذ شبابنا التحول من الملكية إلى الجمهورية، والتدخل المصري لمساندة النظام الجمهوري الجديد، وما أعقب ذلك من أحداث جعلت اليمن حاضرًا بقوة في المشهد العربي. كنا نسمع بأسماء رجاله ونقرأ عن صراعاته وتحولاته، قبل أن تتيح لي الظروف أن أعرف اليمن عن قرب، وأن أعرف كثيرًا من رجاله. وكانت نقطة التحول في علاقتي المباشرة باليمن عام 1994، عندما جرت محاولة فصل الجنوب عن الشمال. كنت يومها وزيرًا للإعلام في دولة قطر، وكان لقطر موقف واضح في مساندة وحدة اليمن، في وقت كانت فيه مواقف خليجية أخرى مختلفة. وكان الإعلام أحد ميادين تلك المواجهة السياسية، حتى انتهت الحرب ببقاء الوحدة. وفي تلك المرحلة، ومن قبلها ومن بعدها، أتيح لي أن أعرف وأعمل مع عدد من الشخصيات اليمنية البارزة على اختلاف مواقعها واتجاهاتها؛ عرفت حسن اللوزي، الذي كان وزيرًا للإعلام، وجار الله عمر، الذي كان وزيرًا للثقافة، والشيخ عبدالله بن حسين الأحمر، والرئيس علي ناصر محمد الذي بدأت علاقتي به في دمشق، ومحسن العيني، أحد أبرز الشخصيات اليمنية، الذي عرفته زميلًا سفيرًا في واشنطن واستمرت علاقتنا حتى وفاته، ومحمد سالم باسندوة الذي عرفته زميلًا سفيرًا في الأمم المتحدة قبل أن يصبح رئيسًا للوزراء، والدكتور عبدالكريم الإرياني، وغيرهم كثير. رحم الله من توفاه الله منهم وأطال في أعمار الأحياء. ودعاني الرئيس علي عبدالله صالح إلى زيارة اليمن، فعرفته عن قرب ونشأت بيننا علاقة ود. وفي إحدى المرات قال لي إنه قرر منحي أعلى وسام يمني، لكنه سيؤجل تسليمه إلى الزيارة القادمة حتى يضمن عودتي إلى اليمن. ومرت الأيام، وتقلبت الأحوال، وتغيرت الدنيا، ورحل الرئيس، وبقي الوسام حيث كان. ولعل في هذه الحكاية الصغيرة شيئًا من حكاية السياسة نفسها: نؤجل بعض الأشياء إلى الغد، ثم يأتي الغد مختلفًا عما تصورناه. ولم تكن معرفتي باليمن مقصورة على السياسة ورجالها. عرفت بعض كبار مبدعيه، وفي مقدمتهم عبدالله البردوني وعبدالعزيز المقالح، ودعوتهما إلى المشاركة في فعالياتنا الثقافية. وفي زيارتي هذه رتبت الرئاسة جلسة أدبية فنية حضرها عدد من الأدباء والفنانين، لا تزال في ذاكرتي بما عكسته من ثراء الأدب والفن اليمنيين. وفي لحظة عفوية تبادلت ووزير الثقافة الزي؛ ألبسته العقال العربي، وألبسني العمامة والخنجر اليمنيين. صورة صغيرة، لكنها قالت يومها عن القرب بيننا أكثر مما تقوله كلمات كثيرة. اما اليمن الذي رأيناه فله حديث آخر.. رأيت في صنعاء فنًا معماريًا لا أعرف له شبيهًا؛ مدينة تبدو بيوتها كأنها خرجت من كتاب قديم وظلت حية يسكنها الناس. ورأيت في إب وما حولها طبيعة يعجز الوصف عن إعطائها حقها. صعدنا طرقًا متعرجة بين الجبال، ورأيت الفلاحات اليمنيات يتسلقن المرتفعات، يسقين الحقول ويقطفن الثمار، حتى وصلنا إلى غداء أقيم في قمة جبل تحيط به مناظر أقرب إلى الخيال. واستقبلنا عند مدخل المدينة وجهاؤها بملابسهم التقليدية المتنوعة، في مشهد من الألوان والهيبة والجمال، ثم جاءت المائدة اليمنية بما لا يقل ثراء عن المكان. وأقول ذلك وقد جلت العالم شرقًا وغربًا: في اليمن تنوع طبيعي قلّ أن تجده مجتمعًا في مكان واحد؛ شواطئ جميلة، وسهول ووديان، وجبال تكتسي بالخضرة، وأرض زراعية خصبة، وتراث عمراني نادر. ومن يرى كل ذلك يتساءل بألم: كيف استطاع هذا القدر من السياسة والصراع أن يفعل كل هذا ببلد منحه الله كل هذا القدر من الجمال؟ لقد حاصرت الحروب والسياسة اليمن طويلًا، حتى كاد ضجيجهما يحجب حقيقته وعظمته؛ فاختُزل بلد الحضارة والتاريخ والإنسان والجمال في أخبار الصراع، وغاب اليمن الحقيقي خلف أزماته. لكن أهمية اليمن لا تقف عند التاريخ والجمال والإنسان. فالجغرافيا منحته موقعًا لا يستطيع اليمنيون ولا جيرانهم ولا العالم تجاهله. إنه في جنوب الجزيرة العربية، ويشرف على باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية التي تصل المحيط الهندي بالبحر الأحمر، ومنه إلى قناة السويس والبحر المتوسط. وما جرى في السنوات الأخيرة أكد مرة أخرى أن اضطراب اليمن لا يبقى داخل حدوده، وأن أمن البحر الأحمر والملاحة والتجارة الدولية يتأثر بما يحدث فيه. ولهذا فإن تجاهل اليمن لا يضر باليمن وحده. من يترك جنوب الجزيرة العربية مضطربًا لا يستطيع أن يطمئن إلى استقرار بقيتها. لقد علمتنا تجارب العقود الماضية أن اليمن لا تنفع معه الحلول المؤقتة التي تأتي ردًا على تطور هنا أو أزمة هناك. قد توقف معالجة طارئة جولة من الصراع، لكنها لا تمنع أسباب الصراع من إنتاج جولة أخرى. وما لم تكن هناك رؤية شاملة تعالج بناء الدولة ووحدتها واقتصادها وتنميتها، وتعيد للإنسان اليمني ثقته بمستقبله، فسنبقى ندور في دائرة إدارة الأزمات بدل الخروج منها. كما أن اتساع المشكلات والانقسامات الداخلية يفتح الأبواب أمام التدخلات الخارجية. وهنا لا بد من كلمة صريحة إلى أهل اليمن أنفسهم: إن مستقبل اليمن لا يصنعه الآخرون، والمسؤولية الأولى تبقى على اليمنيين؛ أن يقدموا اليمن على ما عداه، وأن يتحرروا من الارتهان والارتباط بالأجنبي أيًّا كان، وأن يجعلوا وحدتهم الوطنية فوق اختلافاتهم. فالارتهان للخارج وصفة داء لا دواء؛ إذ يستعين بك ما دامت له فيك حاجة، فإذا انقضت حاجته انقضى اهتمامه بك، وبقي الوطن وحده يدفع الثمن. وليس المطلوب أن يختلف اليمنيون أقل، بل ألا يجعلوا من اختلافاتهم أبوابًا تعبر منها مصالح الآخرين. فالوحدة الوطنية لا تلغي التنوع، وإنما تحميه وتحمي اليمن معه. وفي المقابل، تقع على محيط اليمن مسؤولية لا تقل أهمية. فلا ينبغي أن ننظر إلى اليمن بوصفه عبئًا ينبغي تحمله، أو مشكلة أمنية ينبغي احتواؤها. اليمن، إذا استقر وأحسن استثمار طاقاته، مكسب كبير للجزيرة العربية: بثروته البشرية، وموقعه، وأرضه، وإمكاناته الاقتصادية والزراعية والسياحية، وتاريخه وحضارته. والخطر ليس في اليمن، وإنما في أن نتركه للفقر والانقسام والاضطراب والتدخلات الأجنبية. ومن بين دول المنطقة تبقى المملكة العربية السعودية الأكثر اتصالًا باليمن جغرافيا وتاريخًا، والدولة المركزية في مجلس التعاون، واستقرار اليمن من استقرارها وأمنه من أمنها. وقد قدمت المملكة لليمن الكثير، لكنني أتطلع إلى أن يأخذ هذا الدور بعدًا استراتيجيًا أبعد؛ فلا يقتصر على التعامل مع الأزمات حين تقع، بل يقود، بالشراكة مع اليمنيين ودول المنطقة، مشروعًا طويل المدى يدعم وحدة اليمن واستقراره، ويساعد في تنميته وبناء مؤسساته، ويهيئه للاندماج المتدرج في محيطه الطبيعي في الجزيرة العربية. وإذا كنا نتطلع إلى المملكة العربية السعودية لتقف إلى جانب اليمن وتأخذ بيده نحو الاستقرار والاندماج، فمن حقها أيضًا أن تجد من اليمنيين تقديرًا لذلك، وأن تُقابل اليد الممدودة بيد ممدودة، والثقة بالثقة. لقد آن لنا أن نفكر في اليمن بمنطق المستقبل لا بمنطق الأزمة. ولِمَ يبقى اليمن، إذا استعاد استقراره وتماسكت دولته، خارج منظومة مجلس التعاون؟ ولماذا لا يكون الأفق الاستراتيجي هو تهيئته يومًا ليصبح جزءًا كاملًا من هذه المنظومة؟ عندها لن يكون الأمر مجرد إضافة دولة إلى مجلس قائم، وإنما خطوة نحو إطار أكثر تعبيرًا عن جغرافية المنطقة ووحدة مصالحها. وقد يأتي يوم نتساءل فيه: إذا أصبح اليمن جزءًا من هذه المنظومة، أفلا يكون «مجلس التعاون لدول الجزيرة العربية» اسمًا أصدق تعبيرًا عن حقيقتها الجديدة؟ هذه ليست دعوة عاطفية، ولا حلمًا يتجاهل صعوبات الواقع. إنها رؤية تنطلق من درس كررته الأحداث: اليمن مكسب كبير إذا احتُضن واستقر وأصبح جزءًا فاعلًا من محيطه، وخطر جسيم على الجميع إذا أُهمل وترك نهبًا للانقسام والفقر والتدخل الخارجي. لقد ظللنا طويلًا نسأل ماذا نستطيع أن نفعل لليمن. وربما حان الوقت لنطرح السؤال بصورة أخرى: ماذا نستطيع أن نفعل مع اليمن من أجل مستقبل الجزيرة العربية كلها؟ فاليمن لم يكن يومًا هامشًا في تاريخها، ولا ينبغي أن يبقى هامشًا في مستقبلها. لا تكتمل الجزيرة العربية دون اليمن..
4836
| 23 أغسطس 2026
ما دفعني إلى كتابة هذا المقال هو حاجة المؤسسات المستمرة إلى قيادات جديدة، في وقت لا يكفي فيه انتظار ظهور قائد جاهز. فهل القيادة موهبة فطرية، أم قدرة يمكن بناؤها وتطويرها؟ ولفهم ما إذا كان القائد يُولد أم يُصنع، لا بد أولاً من التعرف إلى الصفات التي تقوم عليها القيادة. ومن أبرزها وضوح الرؤية؛ فالقائد يرى الاتجاه قبل أن ينشغل بالتفاصيل، ويستطيع أن يحوّل رؤيته إلى هدف واضح يفهمه الناس ويعرف كل منهم دوره فيه. وعندما يحين وقت القرار يستمع، ويجمع المعلومات، ويدرس البدائل، ثم يحسم اختياره ويتحمل نتائجه. فإذا تعثرت الأمور، لا يسارع إلى إلقاء اللوم على الآخرين أو البحث عن موظف يدفع ثمن قراره؛ بل يعترف بالخطأ، ويصحح المسار، ويحمي فريقه من الاتهام غير العادل. فالقيادة لا تعني أن يكون القائد مصيباً دائماً، بل تعني القدرة على الاختيار وتحمل المسؤولية والتعلم والتصحيح. غير أن القرارات وحدها لا تكفي لقيادة البشر. فالقائد يحتاج إلى فهم نفسه وضبط انفعالاته وإدراك مشاعر الآخرين، وهو ما وصفه عالم النفس دانيال جولمان بالذكاء العاطفي. وقد تهدم كلمة قاسية في لحظة غضب ثقة بُنيت خلال سنوات، بينما يستطيع القائد المتزن أن يختلف ويحسم من دون أن يهين أو يجرح. وتمنح النزاهة هذه الصفات معناها؛ فالناس قد تعجب بذكاء المسؤول، لكنها لا تثق به إذا طبّق المعايير بحسب الأشخاص. لذلك يكون القائد عادلاً، واضحاً في قراراته، بعيداً عن المحاباة. كما يحسن الاستماع، ولا يخشى أصحاب الكفاءة، بل يختار من يكمله ويمنحه فرصة للمبادرة وتحمل المسؤولية. وعندما يصبح القرار الصحيح غير مريح أو غير شعبي، تظهر شجاعته الأخلاقية في تقديم المصلحة العامة على رغبته في إرضاء الجميع. هذه الصفات ليست حكراً على أشخاص يولدون باستعدادات فطرية، بل يمكن تنمية معظمها بالتعلم والتجربة. ويرى الباحث وارن بنيس أن «القادة يُصنعون ولا يولدون». ولا يعني ذلك تجاهل الاستعداد الفطري؛ فبعض الأشخاص يمتلكون الجرأة أو قوة الحضور وسهولة التواصل، لكن هذه المزايا تحتاج إلى التهذيب. فالجرأة بلا حكمة قد تصبح تهوراً، والثقة بلا وعي قد تتحول إلى غرور، والحزم بلا عدل قد ينتهي إلى تسلط. ووفقاً لنموذج مركز القيادة الإبداعية (CCL)، وهو مؤسسة دولية متخصصة في أبحاث وتطوير القيادات، فإن معظم التعلم القيادي يأتي من المهام والتجارب الصعبة، ثم من العلاقات المهنية والتوجيه، بينما تمثل الدورات الرسمية الجزء الأصغر. وهذا يفسر لماذا لا تُصنع القيادة في قاعة التدريب وحدها. فحين تكلف المؤسسة موظفاً واعداً بإدارة مشروع يتطلب تعاون عدة إدارات، وتمنحه صلاحية حقيقية، ثم تراجع معه قراراته ونتائجها، فإنها تدربه عملياً على التنسيق وحل الخلافات وتحمل المسؤولية، وبذلك تتحول القيادة من معرفة نظرية إلى ممارسة حقيقية. لهذا تبدأ صناعة القادة باكتشاف من يمتلكون القيم والاستعداد للتعلم، ثم منحهم مسؤوليات متدرجة، وإشراكهم في قرارات حقيقية، وتعريضهم لمواقف تتطلب الاختيار وتحمل النتائج. وهم يحتاجون إلى توجيه صادق يكشف نقاط القوة والضعف، وإلى بيئة تسمح بالخطأ المسؤول، لكنها لا تتسامح مع الإهمال. إن إعداد القادة ليس ترفاً إدارياً، بل ضرورة تضمن استمرار المؤسسة وتجددها. فالمؤسسة التي تنتظر قائداً جاهزاً قد تنتظر طويلاً، أما التي تستثمر في موظفيها وتختبر قدراتهم، فإنها تصنع خياراتها بنفسها. قد يبدأ القائد بموهبة، لكنه يكتمل بالتعلم والتجربة والمحاسبة. ولذلك فالسؤال الأجدر بالمؤسسات ليس: أين نجد قائد الغد؟ بل: ما الذي نفعله اليوم لصناعته؟
2253
| 23 أغسطس 2026