رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
قبل أيام اُختتمت في جزيرة مارغريتا بفنزويلا القمة الـ17 لحركة عدم الانحياز مكللة أشغالها بوثيقة تضمنت 198 صفحة. الحركة التي تضم 120 دولة أصبحت موضوع نقاش وجدال كبيرين حول أهميتها ودورها في العلاقات الدولية وفي مسرح الأحداث التي يشهدها العالم ويعاني منها الكثير من أعضاء الحركة، مثل ليبيا والعراق وسوريا واليمن ومصر، والقائمة قد تطول. لقد مرت 61 سنة على إنشاء المنظمة في باندونغ بإندونيسيا والظروف والأهداف التي تأسست فيها الحركة وجاءت من أجلها قد تغيرت بدرجة كبيرة جدا. فهل غيرت الحركة من إستراتيجيتها وطريقة عملها؟ وهل كيّفت نفسها مع ظروف جديدة من أهمها انهيار الشيوعية والكتلة الشرقية وظهور القطبية الأحادية ثم ظهور أقطاب جديدة على الساحة الدولية إلى جانب روسيا (الاتحاد السوفييتي) سابقا وأمريكا؟.
فالحركة، التي تأسست في أوج الحرب الباردة بين المعسكر الرأسمالي والمعسكر الاشتراكي، قامت أساسا على مبادئ تؤمن بعدم الانحياز أو المشاركة مع أي طرف عسكري في إطار الحرب الباردة، والمحافظة على استقلال الدول المحايدة مع التعاون الكامل لكلا المعسكرين الشرقي (الاتحاد السوفيتي ودول حلف وارسو) والمعسكر الغربي (الولايات المتحدة الأمريكية ودول حلف الناتو). كما تعمل الحركة جاهدة على مساندة الشعوب غير المستقلة من أجل تحريرها، ودعم الدول المستقلة في المشاركة في حلّ المشاكل والأزمات الدولية، ودعم منظمة الأمم المتحدة ومساعدتها في تنفيذ قراراتها لصالح هذه الدول. وفي هذا السياق سارعت الدول الحديثة الاستقلال إلى المطالبة بأسس جديدة للعلاقات الدولية للحدّ من الهيمنة الأجنبية بعد تحرّرها من الاستعمار، وإلى محاولة فرض وجودها على الساحة الدولية، وكمحاولة للتضامن فيما بينها بشكل مشروع على الصعيد الدولي لتحافظ على استمرارية وجودها، فعُقدت عدّة مؤتمرات قبل الحرب العالمية الأولى وخلال الحربين العالميتين وبعدهما، إلا أن دول عدم الانحياز لم تظهر إلى الوجود إلا بعد الحرب العالمية الثانية، وأخذت عدّة مواقف سلبية وإيجابية حتى تثبت دورها كدول غير منحازة للدخول بأي حرب تحت أي ضغوط أو ظروف إقليمية أو دولية وحتى داخلية.
السؤال الذي يطرح نفسه هو: هل استطاعت دول عدم الانحياز تغيير قرارات مجلس الأمن لصالحها؟ وهل استطاعت تفعيل قرارات منظمة الأمم المتحدة في حلّ النزاعات داخلها وفي بلدان العالم الثالث والبلدان الأفرو-آسيوية وبلدان الشرق الأوسط؟ في سنة 1955 تبنى مؤتمر باندونغ فكرة عدم الانحياز امتدادا للحركة الأفرو-آسيوية، إذ شارك في تأسيسه 29 دولة. ومن أشهر الزعماء الذين وضعوا أسس ومبادئ الحركة جمال عبد الناصر وجواهر لال نهرو وأحمد سوكارنو وجوزيب بروز تيتو وكوامي نكروما وشو أون إن لاي، وأسفر هذا المؤتمر عن أهمّ 10 بنود عُرفت بـ "مبادئ باندونج العشرة"، والتي تحوّلت لأهداف محورية للحركة. تبنّت دول عدم الانحياز سياسة التوازن النووي بعد الحرب العالمية الثانية لتأكيد التعايش السلمي والحفاظ على السلام العالمي كأهمّ أهدافها، رغم تأثّر هذه الدول بسياسة الحرب الباردة، والتكتّل العالمي العسكري، والصراع بين المعسكريْن الرأسمالي والشيوعي، واحتمالات نشوء حرب عالمية ثالثة، فاتخذت دول عدم الانحياز مبدأ الحياد من المعسكريْن سياسةً إيجابيةً تحدّ من التوجّه نحو الحرب، وعدم الدخول بينها كطرف وسيط أو منحاز لأي معسكر، وذلك طلبًا لاستقرار الأمن وتحقيق غاياتها القومية، ومرت هذه السياسة بعدّة مراحل مبرزة تخوفها من عجز منظمة الأمم المتحدة في احتواء مشاكلها وسيطرة الدول الكبرى على قرارات مجلس الأمن، وتكتّل الدول المستقلّة بهدف الحياد عن المعسكرين، وتفاقم الصراع بين المعسكريْن وممارسة الضغوط عليهما من قِبل دول عدم الانحياز بهدف السلام والأمن الدولييْن.
تأسست حركة عدم الانحياز في بيئة اتسمت بخصوصيات ومميزات محددة ونتيجة ظروف معينة في فترة معينة ما بعد الحرب العالمية الثانية. أما اليوم فإن هذا المفهوم لم يعد ممكنا تحقيقه أو تطبيقه بشكل كامل في بيئة دولية جديدة وفي ظروف وتحولات سياسية واقتصادية واتصالية يتميز بها القرن 21. والتي تفرض على جميع دول العالم الاختيار والانحياز إلى قضية أو إلى طرف على حساب طرف آخر بطريقة مباشرة أو غير مباشرة. فإذا لم يكن ذلك التحيز لحساب مصلحة طرف ما، فإنه على أقل تقدير تحيز لمصالح الدولة نفسها على حساب بقية أطراف الصراع في السياسة الدولية. في ظل العديد الصراعات والأزمات الدولية وفي ظل الحرب على الإرهاب ومختلف القضايا الدولية الشائكة والعالقة والمعقدة ستثبت صحة مقولة "نهاية عقود الحياد أو عدم الانحياز" على حساب "التحيز والانحياز"، والذي يفرض بدوره ضرورة الاستعداد لتقبل فكرة التحيز والمشاركة المباشرة أو غير المباشرة في الصراعات والتجاذبات الدولية العابرة للقارات. فالعالم اليوم يعيش نهاية عقود الحياد الدولي أو مفهوم عدم الانحياز، وهو من المفاهيم التي تصور إمكانية بقاء بعض الدول التي تحاول النأي بنفسها بعيدا عن دائرة الصراعات والتجاذبات الدولية، فعلى سبيل المثال: هل تمكنت دول عدم الانحياز من التملص أو عدم المشاركة في الحرب العالمية الكبرى على الإرهاب؟ هذه الحرب التي تدار وتوجه وفق رؤية وإستراتيجية أمريكية ووفق مصالح محددة، والتي أدخلت مختلف دول العالم بطريقة أو بأخرى في حرب لا نهاية لها ضد العديد من القوى الدولية والمنظمات التي أطلقت عليها أمريكا ووفق معاييرها الخاصة اسم المنظمات الإرهابية. وماذا يعني وجود قواعد عسكرية للقوى الدولية كروسيا والولايات المتحدة الأمريكية في العديد من دول عدم الانحياز؟ ماذا يعني انحياز بعض دول عدم الانحياز إلى التكتلات والتحالفات الدولية على حساب دول وتكتلات أخرى؟، وماذا نفهم من وقوف بعض دول حركة عدم الانحياز وتحيزها مع دول بعينها وقضايا معينة ووفق مرئيات متحيزة لفكرة أو اتجاه أو قضية من قضايا ثورات الربيع العربي في بعض دول الربيع العربي؟
من جهة أخرى يرى البعض أن استمرار انعقاد مؤتمرات دول عدم الانحياز على مختلف المستويات القيادية عامل إيجابي يمكّن هذه الدول من تنسيق العديد من مواقفها حتى على مستوى اللقاءات الجانبية التي تعقد على هامش المؤتمرات، وبالتالي فإن المطلوب هو استمرار مجموعة عدم الانحياز وعدم التوقف عن أنشطنها مهما كانت التغيرات على المستوى الدولي، مع الحرص على عقد اجتماعاتها باستمرار لأن العديد من دولها تملك من الإمكانات الاقتصادية تمكنها من التأثير في مجريات الأحداث الدولية الاقتصادية منها والسياسية، وبالتالي فإن قرارات أو توصيات مؤتمرات قمم دول عدم الانحياز تأخذ أهميتها لو قامت دولها بالالتزام بها أولًا والتعامل مع الدول الكبرى بموجبها ووفق مصالحها الوطنية.
الجزائر ... من أحداث 5 أكتوبر 1988 إلى حراك 2019
بعد مرور أكثر من 7 شهور على الحراك يتساءل المواطن الجزائري عن مصير الانتخابات الرئاسية التي تأجلت مرتين... اقرأ المزيد
2829
| 12 أكتوبر 2019
إعلام "الشو بيز" وأفول الفضاء العام
يمثل الفضاء العام حركة إدماج وتمجيد الحريات الفردية والتعبير عن الآراء وتمكين الفاعلين السياسيين والاجتماعيين والدينيين والثقافيين من... اقرأ المزيد
2144
| 28 سبتمبر 2019
الصراعات والأزمات وصناعة الواقع
يتساءل الكثيرون عن واقعية وموضوعية مخرجات الوسائل الإعلامية وإلى أي مدى تعكس هذه الرسائل الواقع كما هو أم... اقرأ المزيد
1350
| 29 يونيو 2019
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
خطاب ليس ككل الخِطابات، بل كان مصارحة وطنية صريحة من حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى ورسالة حازمة تستوجب من كل مواطن ومقيم أن يتوقف عندها طويلًا، وأن يدرك أن المرحلة التي نعيشها ليست كسابقاتها، وأن ما ينتظر العالم من تحديات وتقلبات لا يترك مجالًا للاستهانة أو التراخي أو الاتكال على المكتسبات. لقد خاطب سموه شعبه بوضوح القائد الذي لا يجامل في الحقائق، ولا يخفي التحديات، بل يراهن على وعي شعبه ونضجه وحسه بالمسؤولية. وهذا ما عهدناه من قيادتنا، صراحة في الخطاب، وشفافية في الموقف، ومصارحة مباشرة للمواطن، إيمانًا بأن الشعوب الواعية شريكة في حماية أوطانها. إننا أمام عالم مضطرب، تتبدل فيه الموازين، وتتصاعد فيه الأزمات، وتضيق معه مساحة المنطق والعقل. ولم يعد أحد يستطيع الجزم بمآلات الأحداث، أو كيف ستأتي الأزمات وتنتهي. وحتى الدول التي عاشت عقودًا من الرخاء والاستقرار لم تعد بعيدة عن هذه التحولات. وقطر، رغم ما تنعم به من أمن وازدهار، ليست جزيرة معزولة عن العالم، ولا استقرارها مبررًا للغفلة عما يدور حولها. والحقيقة أن الدولة منذ سنوات لم تتوقف عن التنبيه إلى التحديات والاستعداد للمستقبل، والتأكيد على أن قطر تستحق الأفضل من أبنائها. فقد استثمرت في الإنسان القطري، ووفرت له من الأمن والتعليم والصحة والرفاه والخدمات ما وضعه في مصاف أكثر شعوب العالم رفاهية في وقت قصير جداً. ولم يكن ذلك امتيازًا بلا مسؤولية، بل رهانًا على مواطن يكون عند الشدائد بحجم وطنه، وعند المسؤولية بمستوى ما أُودع فيه من ثقة وإمكانات. وهنا يجب أن نواجه أنفسنا بسؤال لا يحتمل المجاملة: ماذا قدمنا نحن لقطر مقابل كل ما قدمته لنا؟ وهل أدينا واجباتنا بالقدر نفسه الذي نطالب فيه بحقوقنا؟ وهل نحن مستعدون حقاً لكل ما يجري حولنا؟ انتهت مرحلة مواطن يكتفي بالانتفاع من مكتسبات وطنه دون صيانته، ولا بموظف يرى في وظيفته راتبًا وساعات حضور وانصراف، ولا بمسؤول يؤجل القرارات ويتنصل من المسؤوليات. فالتقصير اليوم ليس مجرد خلل إداري، بل ثغرة في جدار امن الوطن وامانه. ولا تقتصر المسؤولية على المواطن وحده، بل تشمل كل مقيم يعيش على أرض قطر وينعم بأمنها واستقرارها. فالمقيم شريك في البناء والإنتاج، والإخلاص في العمل واحترام القانون وصيانة الممتلكات العامة واجبات لا تستثني أحدًا. وإذا كان المواطن يحمل مسؤولية الانتماء والمصير، فإن المقيم يحمل أمانة تجاه بلد فتح له أبواب العيش والعمل والاستقرار. فنهضة قطر مسؤولية كل يد تعمل على أرضها. وليعلم الجميع أن الدفاع عن الوطن لا يكون بالبندقية وحدها؛ فكل موقع عمل ثغر، وكل أمانة مسؤولية، وكل تقصير خسارة. المعلم يدافع بعلمه، والطبيب بإخلاصه، والموظف بإتقانه، والمسؤول بنزاهته، والإعلامي بكلمته. فالكلمة الصادقة سلاح، والموقف المسؤول سلاح، وحماية المال العام سلاح، والإنتاج والانضباط والإخلاص أسلحة تحمي مستقبل الوطن. لقد مرت على الأمم عصور رخاء وشدة، وهذه سنة الحياة، لكن التاريخ لا يخلد من استمتعوا بالنعم فحسب، بل يسجل من حافظوا عليها حين اشتدت الظروف، ومن سهروا وتعبوا وضحوا براحتهم ليبقى وطنهم قويًا عزيزًا. إن قطر اليوم لا تحتاج منا مزيدًا من عبارات الحب والولاء بقدر ما تحتاج ترجمتها إلى وقفة صادقة وعمل وإنجاز ومسؤولية. فالولاء الذي لا يظهر في إتقان العمل، والانتماء الذي لا يترجم إلى عطاء، كلمات لا تحمي المكتسبات. لقد أعطتنا قطر الكثير، وحان الوقت الذي لا نسأل فيه ماذا نريد منها، بل ماذا تستحق منا. فالأوطان لا تضعف حين تقل مواردها فقط، بل حين يتراجع شعور أبنائها بالمسؤولية. والمرحلة لا تحتمل متفرجين، والتاريخ لن ينتظر المتقاعسين.
12147
| 20 أكتوبر 2026
هناك قضية أراها مهمة جدًا، ولا ينبغي غضّ الطرف عنها، تتعلق بالتعليم الجامعي لأبناء المقيمين في دولة قطر، وما تتحمله أسرهم من أعباء مالية قد تحول بين هؤلاء الشباب وبين استكمال دراستهم وبناء مستقبلهم. المقيمون جزء أساسي من مجتمعنا، ويشكّلون النسبة الأكبر من سكان دولة قطر، ويشاركوننا العمل والبناء، ويسهمون في تسيير شؤون الحياة في مختلف المجالات الإدارية والمهنية والخدمية، في القطاعين العام والخاص. وما داموا يعيشون بين ظهرانينا، ويشاركوننا مسيرة التنمية، فإن معاناتهم تستحق أن تجد آذانًا صاغية، خصوصًا حين تتعلق بتعليم أبنائهم ومستقبلهم. كثير من هؤلاء الأبناء وُلدوا وترعرعوا في قطر، وتلقّوا تعليمهم في مدارسها، حتى وصلوا إلى أبواب الجامعة. وهنا تبدأ المعاناة؛ فالقبول في الجامعات الوطنية تحكمه شروط ومنافسة، وقد لا تتاح الفرصة لكل طالب، فتتجه الأسرة إلى خيارات جامعية أخرى، لتجد نفسها أمام رسوم تفوق قدرتها المالية. وحتى حين يتاح القبول، قد تبقى تكلفة الدراسة عائقًا أمام استكمالها. ولنتصور أسرة يبلغ دخلها الشهري خمسة عشر أو ثمانية عشر ألف ريال، تدفع منه إيجار السكن، وتغطي مصاريف المعيشة وتعليم الأبناء والتزامات الحياة اليومية. كيف تستطيع تحمّل رسوم جامعية مرتفعة، خصوصًا إذا وصل اثنان أو ثلاثة من أبنائها وبناتها إلى الجامعة في وقت واحد؟ هنا يجد الأب نفسه أمام معادلة صعبة بين تأمين احتياجات أسرته وتمويل دراسة أبنائه. والتقسيط، وإن كان يخفف العبء، يحتاج هو الآخر إلى مراجعة؛ فتوزيع الرسوم على دفعتين خلال الفصل الدراسي قد لا يحل المشكلة. المطلوب ترتيبات أكثر مرونة، تراعي الدخل الشهري والالتزامات الفعلية، وتمنح الأسرة قدرة واقعية على الوفاء. أقول ذلك لأنني أرى هذه المعاناة لدى أسر قريبة مني، وأسمع ما يؤلم القلب من آباء وأمهات يشغلهم مستقبل أبنائهم. شباب لديهم الرغبة والاستعداد والاجتهاد، لكن الإمكانات المالية تقف أمام طموحاتهم. ومن المؤلم أن يتوقف مسار شاب أو شابة عند الثانوية لعجز الأسرة عن تحمّل تكلفة الجامعة. ومن هنا، أرفع هذه الرسالة إلى وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي، وإلى الجامعات والجهات المعنية، نحتاج إلى خطة واضحة توسّع فرص التعليم الجامعي الميسّر لأبناء المقيمين في القطاعين العام والخاص، من خلال مراجعة الرسوم، وتوفير منح جزئية تراعي دخل الأسرة وعدد أبنائها الملتحقين بالجامعة، وتقديم خصومات للأشقاء، واعتماد أقساط شهرية مريحة. كما يستحق الأمر دراسة تسهيل إنشاء مؤسسات جامعية وطنية تقدم تعليمًا جيدًا لأبناء المقيمين برسوم معقولة، وتشجيع الشراكات التي تسهم في تمويل دراسة الطلبة المستحقين، وتمنح الأسر خيارات تتناسب مع إمكاناتها. قطر التي جعلت التعليم ركيزة أساسية في نهضتها، قادرة على إيجاد حلول تحفظ جودته وتوسّع فرص الوصول إليه. وتعليم هؤلاء الشباب يفتح أمامهم أبواب العمل والعطاء، ويعزز إسهامهم في المجتمع الذي نشأوا فيه. معاناة هذه الأسر تستحق الالتفات والعمل؛ فلا ينبغي أن يبقى الوالدان قلقين كلما اقترب أبناؤهما من إتمام المرحلة الثانوية، ولا أن تتحول فرحة النجاح إلى سؤال موجع: كيف سندفع رسوم الجامعة؟ إنه ملف جدير بالاهتمام، ويستحق التعامل معه بجدية.
10161
| 22 أكتوبر 2026
تصلك الدعوة رسمية الصياغة، تحمل عبارة "مؤتمر صحفي"، وتصل إلى المدربين رسائل تبشّرهم بـ"التكريم" و"الاعتماد"، فيحضر الجميع متوقعين أن يعرفوا ماذا سيُعلن، ومن سيُكرَّم، وعلى أي أساس، ثم يخرجون دون أن يعرفوا شيئًا من ذلك. والمشكلة ليست في ضعف التنظيم وحده، بل في غموض يحيط بالمنصة نفسها، فلا تعرف إن كنت أمام إطلاق مبادرة، أم إعلان سياسة، أم احتفال بروتوكولي لالتقاط الصور. في القاعة طاولة وكرسيان، المشهد المألوف لأي مؤتمر صحفي. لكن الكرسيين بقيا فارغين، فلم يجلس عليهما أحد، ولم يُفتح باب للأسئلة، ولم تكن في القاعة صحافة أصلًا. والمؤتمر الصحفي ليس ديكورًا، بل عقد ضمني تقول فيه المؤسسة: هذا ما نفعله، واسألونا عنه. فإذا غاب السؤال غابت المساءلة، وصار "المؤتمر الصحفي" مجرد اسم على بطاقة دعوة. أما المدربون، فقد دُعوا إلى ما قيل إنه حفل تكريمهم. ترك كثير منهم أعمالهم وحضروا، ثم جلسوا على الكراسي طوال الفعالية دون أن تُنادى أسماؤهم، وفي النهاية وُجّهوا إلى مبانٍ مختلفة ليستلموا شهاداتهم بأنفسهم. والتكريم رسالة اعتراف قيمتها في علنيتها، ومن يُستدعى من عمله ليُكرَّم ثم يُصرف إلى مكتب آخر، لا يشعر بالتقدير، بل يشعر بأنه رقم في قائمة الحضور. والمفارقة أن من عوملوا بهذه الطريقة هم المدربون أنفسهم، أي من يُفترض أن تقوم عليهم السياسة المعلنة كلها. والأغرب من طريقة التسليم هو مضمونه. فقد حصل المدربون على تصنيفات دون أن يُعلَن على أي أساس صُنِّفوا، وكثير منهم يتساءلون: لماذا وُضعنا في هذا التصنيف؟ وما الفائدة التي ستعود علينا منه؟ فالتصنيف بلا معايير معلنة يشبه أن يتسلم طالب درجته النهائية دون أن يعرف كيف وُزّعت الدرجات ولا ماذا تعني لمستقبله؛ قد تكون عادلة، لكنه لن يثق بها ولن يعرف كيف يتحسن. والتصنيف العادل يجيب قبل تطبيقه لا بعده عن ثلاثة أسئلة: 1. ما المعايير: الخبرة، أم الساعات التدريبية، أم المؤهلات، أم التقييم الميداني؟ 2. ما المستويات، وما الفرق بينها؟ 3. ما الأثر: فرص تدريبية، أم أولوية في التكليف، أم مسار للترقي؟ ثم عُرضت سياسة للتعليم المستمر والتعلم مدى الحياة (Lifelong Learning) كأنها توجه حديث. والحقيقة أن اليونسكو جعلت هذا المفهوم حجر الأساس في السياسات التعليمية منذ تقرير "تعلّم لتكون" (Learning to Be) عام 1972، ثم نصّ عليه الهدف الرابع من أهداف التنمية المستدامة عام 2015. أي أننا أمام مفهوم عمره أكثر من خمسين عامًا، فأين كانت الجهة المعنية بالتعليم والتدريب طوال هذه العقود؟ لا عيب في أن تتبنى مؤسسة سياسة متأخرة، فالتأخر خير من الغياب. العيب أن تُقدَّم المتأخرة على أنها سابقة، وأن يُغلَّف اللحاق بالركب بلغة الريادة. الحوكمة أولًا ما جرى ليس أخطاء تنظيمية منفصلة، بل عَرَض لخلل في الحوكمة، وهي في أبسط معانيها: أن يعرف الناس ما الذي يُقرَّر، وعلى أي أساس، ومن المسؤول عنه. وحين يغيب السؤال عن المؤتمر، والمعايير عن التصنيف، وتتوزع المسؤولية بين مبانٍ وإدارات لا يجمعها أحد، فنحن أمام غياب لهذه الأسس الثلاثة معًا. وقد يكون وراء ذلك خوف من السؤال، أو تقديم للصورة على المضمون، أو ضعف في التنسيق الداخلي، ولا شيء من ذلك يبرر النتيجة. والمؤسسة التي تطالب المدربين بالجودة والمعايير، أولى بأن تطبّقها على نفسها أولًا. والمطلوب ليس كثيرًا: • سَمِّ الحدث باسمه، فالمؤتمر الصحفي تحضره الصحافة ويُفتح فيه السؤال. • أعلن بوضوح: مبادرة أم سياسة أم إطار عمل، بجدول زمني ومؤشرات قياس. • كرّم المدعوين على المنصة، لا في ممرات المباني. • انشر معايير التصنيف وآثاره وآلية التظلم قبل التطبيق. • اعترف بالمرجعية الدولية، فهي تمنح السياسة مصداقية ولا تنتقص منها. الوضوح ليس ترفًا إداريًا، بل احترام للجمهور وأساس للثقة. والمدرب الذي لا يعرف لماذا دُعي، ولا لماذا صُنِّف، ولا ماذا يُنتظر منه، لن يكون شريكًا في أي سياسة، مهما كان عنوانها لامعًا.
3477
| 22 أكتوبر 2026