رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
قبل أن ينطلق بالأولاد إلى المدرسة نظر الزوج إلى زوجته الجميلة "قطر" نظرة حزن وشفقة، فقد أعياها المرض وأضاف إلى عمرها الحقيقي عدة سنين، حتى بدت وكأنها تخطت الأربعين، وهي لم تبلغ الثلاثين من عمرها حتى الآن. فهي عانت وتعاني من انسدادات مستمرة في بعض الأوردة والشرايين، أدت بها إلى إجراء عدة عمليات قسطرة حتى اليوم.
كانت شعلة من النشاط قبل إصابتها بالمرض، كانت بالإضافة لقيامها بمهامها كَرَبَّة بيت من الطراز الأول، تشتري احتياجات الأسرة الصغيرة، وتشارك بنشاط في خدمة أحد مراكز التأهيل الاجتماعي، وتعطي دروس تقوية لطلاب المدرسة القريبة من المنزل. واليوم لا تستطيع أن تركز على إنجاز شيء واحد في اليوم.
ودَّعت زوجها واحتضنت الأولاد وهي تلبس عباءتها، فموعدها اليوم مع طبيب استشاري زائر، قد يرى فيها ما قد يكون خفي على الأطباء الآخرين. فرغم أن المسافة للمستشفى لا تبعد أكثر من 3 كيلومترات (حوالي 10 دقائق بالسيارة) فإن "قطر" كانت حريصة على ألا يفوتها الموعد، فخرجت من المنزل قبل الموعد بـ 45 دقيقة.
دخلت على الطبيب على استحياء، فقد كانت متأخرة عن موعدها بأكثر من نصف ساعة، بسبب زحمة المواصلات، ولصعوبة الحصول على موقف للسيارة، كما قالت. أغلق الطبيب ملفها بعد قراءته، وألقى عليها نظرة فاحصة، فعرف بعين الخبير، وعلى الرغم من مساحيق التجميل ومحاولتها التظاهر بأنها متماسكة، أن علتها أنهكتها.
طلب منها الجلوس ليستمع إليها، وهو يجس نبض تدفق الدم في عروق يدها البارزة، كان كما توقع ضعيفاً يتدفق بوتيرة أقل من الطبيعي. قالت: إنها تعاني من أزمات يومية في الصباح والمساء، تسبب لها ضيقاً في الصدر مع ألم في الرأس، وأحيانا تحس بتنمل في الأطراف، وإنها على الرغم من زيارتها لعدد من الأطباء، ومداواتها بعمليات القسطرة، وبعدد من العقاقير، فإن أياً منهم لم يستطع علاجها بشكل كامل، وإن ما تحصل عليه الآن أشبه بمسكنات لا تجدي نفعاً، وإنما تهدئها لفترات قصيرة، لتعود العلة بعدها بأشد منها مع مرور الأيام والشهور.
وضع الطبيب سماعته على قلبها، فتأكد له أن العلة قد تكون أكبر مما شخصه لها الأطباء في ملفها. قرر أن يجري لها فحصاً كاملاً، فيخضعها لجهاز رسم القلب، ليتعرف على مسببات ضعف تدفق الدم. أمضت جل ما تبقى من يومها بين المختبر وأقسام الأشعة المختلفة، لتنجز المطلوب منها. فموعدها القادم بعد يومين، وتحتاج إلى النتائج قبل أن ترى الطبيب مرة أخرى.
خرجت من المستشفى وهي منهكةٌ ومرهقةٌ، إلى درجة أنها نسيت أين أوقفت سيارتها. اتصلت بزوجها ليسعفها، فجاءها بعد حوالي الساعة ليوصلها للمنزل. شكرت زوجها واعتذرت له عن إخراجه من العمل، واضطراره للعودة مرة أخرى إليه. طمأنها بأن صحتها أولى من كل شيء، وأنه لن يرجع للمكتب نظراً لعدم جدوى قضاء ساعة أو ساعتين في الطريق، ثم الوصول إلى العمل على نهاية الدوام.
بعد يومين، كانت مع زوجها في عيادة الطبيب مرة أخرى.. جلست تستمع بإسهاب لما يقوله الطبيب، الذي بدأ بقوله: إنه يرغب أن يكون صريحاً معها في شرح علتها، والخيارات المتاحة لها للعلاج. العلة الأولى ـ كما قال ـ : أنها تعاني من التصلب العصيدي للشرايين أدى إلى عدة انسدادات في الأوردة الدموية، والثانية أن الأوردة الموصلة للقلب والخارجة منه تعاني من ترسبات دهنية، جعلت من الصعوبة للدم في الوصول للأجزاء الحيوية للجسم، بالمقدار الذي يحتاجه من الدم النقي، وهذا كان سبب صداع الرأس، وخاصة في الصباح، وإعياء شديداً في المساء، وتنمل الأطراف في بعض الأحيان.
كما أن الغدد المسماة "بالوكالات" تنتج وتفرز صفائح دموية أكثر بكثير من قدرة استيعاب الشرايين والأوردة. وأن علاجها يكمن في إجراء عمليات قسطرة لعدد من الشرايين، كما يحتاج الجسم لتوصيلات جديدة لتخطي الاختناقات في بعض الأجزاء من الجسم، وخاصة ما يتعلق بأضخم شريان بالجسم وهو الشريان الأميري الممتد بين أذين الوكرة وبطين الخور. واسترسل الطبيب ـ وهو يتحدث للزوج بصوت خافت حتى لا تسمع الزوجة ـ: التدخل الجراحي لعلاج زوجتك بات ضرورياً لتفادي احتمال إصابتها بذبحة صدرية مميتة أو جلطة دماغية، قد تسبب شللاً لبعض أجزاء الجسم.
نظر الزوج إلى زوجته الحبيبة ثم إلى الطبيب، وهو يقول: لقد كنت أقول للأطباء الآخرين: إن الادوية والمهدئات والقسطرات لا تجدي شيئاً، إلا أنهم كانوا مصرين على رأيهم، وكانت نظرتهم قصيرة في عدم التفكير بعلاج جذري للمشكلة، وكان جل تركيزهم على إزالة الاختناقات باستخدام القسطرة، مع أن الإزالات السابقة لم تأتِ بالنتيجة المرجوة.
طمأن الطبيب الزوجين بقوله: إن العلاجات الحديثة لهذا النوع من الأمراض باتت متوافرة، فكل ما نحتاجه هو تسليك مرور الدم عبر الصمامات، لتكون أحادية الاتجاه وتركيب شرايين تاجية تتخطى مواقع الاختناقات والترسبات الدهنية، لتساعد في إبقاء جريان الدم بتدفقاته الطبيعية بدون أي عوائق. ثم إن هناك حلولاً إضافية؛ تتمثل في تسليك وتوسيع الشعيرات الدموية الأخرى، لتساعد على إيصال الدم بالكميات التي تحتاجها الأطراف المعنية.
ابتسم الزوج في وجه زوجته قبل أن يقطع ابتسامته الطبيب بقوله: إنه لن يستطيع أن يجري الجراحة اللازمة، حيث إن فترة انتدابه وزيارته للمستشفى ستنتهي بنهاية الأسبوع، وإن عليه مراجعة المسؤولين والأطباء للاتفاق على الخطوة التالية بشأن العلاج.
الحكاية لم تنتهِ بعد، وأنا لا أعرف نهايتها للأسف. وأرجو أن تكونوا فهمتم المقصد فيما كتبته سابقاً، وإلا أعيدوا القراءة، وفي بالكم أن المريضة هي "قطر" وأن الشرايين والأوردة هي شوارع قطر، وما تعانيه من ازدحامات مرورية يومية، تكاد تخنق الدولة، وتسبب لها جلطة اقتصادية.
للأسف ليس في الأفق ـ حتى الآن ـ أي حل لهذه المشكلة المرشحة للاستفحال بشكل أكبر مع ازدياد عدد السكان. وإذا اعتقد المسؤولون أن الانتهاء من توسيع الاختناقات المرورية، وتحويل الدوائر إلى إشارات، أو إن شبكة المترو ستكون حلاً للمشكلة، فعليهم أن يعيدوا التفكير مرة أخرى قبل أن يفاجئهم المستقبل المنظور.
فحسب معلومات من ادارة المرور فإن عدد السيارات الجديدة التي يتم تسجيلها شهريا أكثر من 4 آلاف سيارة، أي 48 ألف سيارة سنويا. فهل لشوارعنا القدرة على استيعاب هذا العدد سنويا.
لا ينكر أحد حجم الاستثمار الذي قامت به الدولة في قطاعات تطوير الغاز والبترول وبناء المطار والميناء والمدارس والمستشفيات والكثير غيرها، والتي ستعود بالخير على المواطن ورفاهيته، إلا أنها — برأيي الشخصي — لم تدرك أهمية المواصلات، في ربط كل هذه الاستثمارات باستفادة الوطن والمواطن منها..
فما مدى استفادة الطالب من التعليم، وهو يقوم الساعة الرابعة صباحاً، ليركب الباص، فيدور فيه، أكثر من ساعتين قبل الوصول للمدرسة، ثم مثلهما في العودة؟ ما استفادة الدولة من موظف يصل إلى العمل، وهو مرهق و"منرفز" من قيادة السيارة ومجاراة السائقين في الحصول على أحقية المرور أمام الدوارات والإشارات؟ كم ساعة تتطلبها الشاحنة في انتقالها من الميناء إلى المنطقة الصناعية، مع احتساب أوقات حظر دخولها في ساعات الذروة؟ ما القيمة الاقتصادية للأوقات المهدورة بالاختناقات المرورية التي تشهدها الدولة يومياً صباحاً ومساءً؟
لا يوجد أدنى شك أن هناك تكلفة باهظة تتحملها الدولة جراء الاختناقات المرورية، وتشمل جوانب عديدة؛ اقتصادية، واجتماعية، وصحية وبيئية. فعلى سبيل المثال: أثبتت دراسة أجراها معهد تكساس للنقل، أن خسارة الولايات المتحدة الأمريكية من وقود السيارات من جراء ازدحام الطرق، يقدر بـ 67 بليون دولار سنوياً. كما أن تقدير تكلفة الاختناقات المرورية في كندا 6 بلايين دولار سنوياً. والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: هل تستطيع جهة ما أن تحسب تكلفة الاختناقات المرورية على اقتصاد الدولة؟
الموضوع ـ باختصار ـ أن المواصلات أصبحت ألماً ووجع رأس الوطن والمواطن، حتى بات الحديث عن المرور والازدحامات وأعمال الطرق هي الحديث الدائم في مجالس قطر. وأن الدوحة تحتاج إلى شبكة طرق سريعة، تقطع العاصمة من شرقها إلى غربها، ومن شمالها إلى جنوبها بدون دوارات، وبدون إشارات، وبدون رجال شرطة يقفون لتنظيم المرور، فإما هذا وإلا فلا.. وسلامتكم.
◄ فاصلة أخيرة:
أصبح من المتعارف عليه عالمياً عن البريطانيين، أن أي لقاء يبدأ عادةً بالحديث عن الطقس. في قطر.. يبدأ أي لقاء بالاعتذار عن التأخر، بسبب الزحمة والاختناقات المرورية!!!!
من يحمي حقوق المواطنين في اللؤلؤة؟
لم أكن أرغب فى ان استرسل فى هذا الموضوع الذى تطرقت له فى مقالين سابقين فى 3 و12... اقرأ المزيد
2249
| 30 يناير 2012
"الهيبة تقضي على الوقاحة"
تلقيت دعوة كريمة من وزارة الداخلية للمشاركة في ملتقـى السـلامة المـرورية الذي انعقد يـوم 24/1/2012 بفندق شيراتون الدوحة،... اقرأ المزيد
857
| 29 يناير 2012
بوسمرة القطري وسلوى السعودي
في السبعينيات والثمانينيات كان كل من اراد ان يسافر بسيارته يفكر في المنافذ البرية التي سيمر عليها ويحسب... اقرأ المزيد
4096
| 08 نوفمبر 2011
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
(ضاعوا عيالنا) عبارة أصبحت تقال كثيرًا في المجالس واللقاءات ومواقع التواصل يقولها الآباء والأمهات وهم يتحدثون عن أبنائهم، وهي عبارة تختصر حجم المشكلة التي نعيشها اليوم. فالأبناء لم يضيعوا منا لأنهم بعيدون عن بيوتنا واعيننا، بل المؤلم أنهم بين أيدينا، وأمام ناظرينا، ويجلسون معنا تحت سقف واحد، ومع ذلك نشعر بأنهم مختطفون منا. لقد سُلبت حرية أبنائنا، وتم السطو على أوقاتهم وتفكيرهم وسلوكهم، حتى أصبحنا نرى آثار ذلك داخل بيوتنا بأشكال كثيره: ضعف في التركيز، وضعف في الحفظ، وحالة من عدم الانتباه والإدراك لما يدور حولهم، وعصبية، وعزلة عن الأسرة، وضعف في الحوار والتواصل، حتى أصبح الجهاز في بعض البيوت المهدئ لهذا الادمان وفقده يجعل الطفل في حالة استنفار وغضب. والمؤلم أننا كأولياء أمور نشعر بالعجز وهذه حقيقه لا نكابر فيها. لقد حاولت الأسر المنع، وحاولت تحديد الساعات، وحاولت سحب الأجهزة، وحاولت الترغيب والترهيب، ولكننا أمام حرب أكبر من قدرة الأب والأم وحدهما، اصبح الواقع السباحة عكس التيار. ولذلك نسمع في كل مجلس تلك العبارة المؤلمة: (ضاعوا عيالنا). والمفارقة أننا في الماضي كنا نخاف على أبنائنا من الشارع، ومن اللعب بعيدًا عن البيت، ومن الخروج دون اذن، وكنا نطمئن عندما يعود الطفل إلى المنزل ونغلق عليه الباب، معتقدين أنه أصبح الان في المكان الأكثر أمانًا. أما اليوم فقد انقلبت المعادلة، وأصبح الخطر يدخل عليه ويأتيه وهو في بيته، بل وهو في غرفته. قد لا يخرج الطفل أو الشاب من المنزل يومًا كاملًا، وربما لا يغادر غرفته لساعات طويلة، فنظن أنه أمام أعيننا وفي أمان، بينما هو عبر هاتفه يتجول في أماكن أبعد وأخطر من الشارع الذي كنا نخاف عليه منه. يستطيع في دقائق أن يعبر حدود الوطن، وأن يدخل مجتمعات افتراضية لا نعرف عنها شيئًا، وأن يتعرف إلى أشخاص من دول وثقافات وأفكار مختلفة. وليس الخوف هنا من اختلاف الثقافات في حد ذاته، وإنما ممن قد يستغل براءة الطفل أو اندفاع الشاب، أو يستدرجه ويبتزه أو يدفعه إلى سلوكيات وأفعال خطرة، وقد يصل الأمر إلى استغلاله في جرائم أو إقناعه بتصوير أفعال مجّرمه ونشرها عبر مواقع ومنصات محظورة. وهنا يصبح الخطر أكبر، لأن الأب يكون جالسًا في الغرفة المجاورة معتقدًا أن ابنه في أمان، بينما ابنه موجود فعليًا في عالم لا يعرف الأب عنه شيئا. لقد كنا نسأل أبناءنا في الماضي: أين ذهبت؟ ومع من كنت؟ ومتى ستعود؟ أما اليوم فعلينا أن نسأل سؤالًا أصعب: أين كنت وأنت جالس معي وأمامي؟ والخطير ان العالم اليوم قد بدأ يخشى من خروج الذكاء الاصطناعي عن السيطرة، واجتمعت الدول والشركات الكبرى لمناقشة مخاطره ووضع الضوابط والحدود لقدراته، فلماذا لا نتوقف نحن أيضًا أمام ما يحدث لأطفالنا؟ وإذا كانت دول قد بدأت بالفعل في وضع قيود وضوابط على بعض البرامج والمواقع ومنصات الإنترنت بالنسبة للأطفال، فلماذا نترك الأسرة وحدها تخوض هذه الحرب؟ وهي حرب غير متكافئة. ومن هنا فإننا نطلق نداء استغاثة، وليس مجرد اقتراح، إلى الوزارات والمؤسسات والجهات المعنية في الدولة: تدخلوا قبل أن نفقد أبناءنا أكثر. نحتاج إلى آلية واضحة وحقيقية تساعد الأسرة على حماية أبنائها، وإلى قيود وضوابط على البرامج والمواقع والتطبيقات التي يصل إليها الأطفال، وإلى حلول تقنية وتشريعية ورقابية تعيد للأب والأم شيئًا من القدرة على حماية أبنائهم. فالأسرة حاولت كثيرًا، لكنها اليوم تقف بوجه تيار لا تستطيع مواجهته بمفردها. نحن لا نتحدث عن مشكلة عابرة، بل عن جيل كامل يتعرض يوميًا لسيل لا يتوقف من المقاطع والصور والألعاب والرسائل والمحتويات، يدخل إلى عقله وغرفته وبيته دون استئذان حتى منه. إنه تلوث جديد ينساب ببطء إلى فلذات أكباد هذا المجتمع، وقد لا نرى نتائجه كاملة اليوم، لكننا نرى مقدماته واضحة في بيوتنا ومدارسنا ومجالسنا. ولهذا فإن صرخة (ضاعوا عيالنا) التي تتكرر على ألسنة الآباء والأمهات يجب ألّا تبقى شكوى حبيسةً داخل المجالس بل يجب أن تصل إلى أصحاب القرار والجهات المختصة لتتدخل الدولة فالأسرة اليوم تطلب المساندة، وتطلب التدخل، وتطلب حلًا سريعًا. لأن أبناءنا ما زالوا أمام أعيننا، ولكننا نخشى أن يأتي يوم يكونون فيه أمامنا أجسادًا.. بينما عقولهم ووعيهم وحياتهم تخدم أجندة أخرى وربما عدوه.
43539
| 14 سبتمبر 2026
في نهاية كل عام، تعقد المؤسسات اجتماعاتها، وتراجع أرقامها، وتحدد أهدافها، ثم تصدر وثيقة أنيقة تضم المبادرات ومؤشرات الأداء. وبعد اعتمادها، يعود الموظفون إلى مكاتبهم، وتعود المؤسسة تدريجيًا إلى أسلوب عملها المعتاد. وعندما يحين موعد المراجعة، يتبين أن جزءًا كبيرًا من الخطة لم يُنفذ. غالبًا ما يوصف ذلك بأنه ضعف في التنفيذ، مع أن الخلل قد يبدأ من الخطة نفسها. فبعض الخطط تُعد لتبدو مقنعة عند عرضها، لا لتساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات واضحة. وقد تتحدث عن تحسين الكفاءة، ورفع رضا العملاء، وتسريع التحول الرقمي، من دون أن تحدد المشكلة الأساسية، أو الخيارات التي ستتبناها المؤسسة، أو الأعمال التي ستتوقف عنها. يرى المفكر الاستراتيجي ريتشارد روملت أن الاستراتيجية الجيدة تبدأ بتشخيص التحدي، ثم اختيار النهج المناسب للتعامل معه، وتحويل هذا النهج إلى أعمال مترابطة. لذلك لا تكفي قائمة طويلة من الأهداف لصنع خطة جيدة. فعندما تعلن المؤسسة أن لديها عشر أولويات، فهي غالبًا لم تحسم أولوياتها بعد؛ لأن التخطيط الحقيقي يعني تقديم بعض الملفات وتأجيل ملفات أخرى. وتبدأ المشكلة أحيانًا من طريقة إعداد الخطة. فقد تُكتب داخل إدارة التخطيط، أو بمساعدة مستشارين، ثم تُرسل إلى الإدارات الأخرى للتنفيذ. تبدو افتراضاتها منطقية على الورق، لكنها عند التطبيق تصطدم بإجراءات بطيئة، أو نقص في المهارات، أو أنظمة لا توفر المعلومات المطلوبة، أو أهداف متعارضة بين الإدارات. بل إن تضخم إدارات التخطيط والاستراتيجية قد يصبح جزءًا من المشكلة. فعندما يزيد عدد العاملين فيها على الحاجة الفعلية، تزداد الاجتماعات والنماذج والتقارير التي لا تضيف قيمة إلى القرار ولا تسهل التنفيذ. ومع الوقت، قد تنشأ وظائف وإجراءات هدفها تغذية منظومة التخطيط نفسها، فتتوسع بسبب المتطلبات التي تنتجها، لا بسبب حاجة العمل. وفي المقابل، تنشغل الإدارات التشغيلية بإعداد البيانات وحضور الاجتماعات بدلًا من التركيز على مهامها. وجود إدارة للتخطيط ضروري، لكن دورها ينبغي أن يكون تبسيط القرار وتحديد الأولويات، لا إضافة طبقات جديدة من التعقيد. ولا تعني المشاركة في التخطيط فتح القرار أمام الجميع، بل الاستماع في الوقت المناسب إلى من يعرفون تفاصيل العمل. هؤلاء يستطيعون كشف العقبات مبكرًا واقتراح وسائل أكثر واقعية للتنفيذ. كذلك يجب تحويل كل هدف إلى مسؤولية واضحة: من يملكه؟ وما الصلاحيات والميزانية المتاحة له؟ وما أول نتيجة يفترض أن تظهر؟ إذا بقيت هذه الأسئلة بلا إجابة، أصبح الهدف عبارة يرددها الجميع ولا يتحمل مسؤوليتها أحد. وقد تكون المسؤوليات واضحة داخل كل إدارة، ثم تضيع عند انتقال العمل من إدارة إلى أخرى. في مصانع البتروكيماويات مثلًا، تسعى إدارة الإنتاج إلى تشغيل الوحدات بأقصى طاقة، بينما تطلب إدارة الصيانة إيقاف وحدة لمعالجة مؤشرات مبكرة على تدهور معدة رئيسية. وفي الوقت نفسه، تؤجل الإدارة المالية بعض المصروفات، وتحاول المشتريات الحصول على قطع الغيار بأقل سعر. وقد يتزامن ذلك مع خطة لخفض التكلفة تعتمد على تقليص أعداد الموظفين ذوي الخبرة والاستعانة بعمالة المقاولين حتى في بعض أعمال الصيانة الأساسية. الاستعانة بالمقاولين قد تكون ضرورية ومفيدة، لكن الخطر يبدأ عندما يصبح السعر المنخفض هو المعيار الأهم، من دون التحقق الكافي من خبرة العمال وتدريبهم وقدرتهم على الالتزام بإجراءات العمل والسلامة. بهذا الأسلوب، قد تنجح كل إدارة وفق مؤشراتها الخاصة: يحقق الإنتاج الكميات المستهدفة، وتخفض المالية المصروفات، وتحصل المشتريات على سعر أقل، وتقلص الموارد البشرية عدد الموظفين. ومع ذلك، يصبح المصنع أكثر عرضة لضعف الصيانة، وتكرار الأعطال، وأخطاء قد تمس السلامة. وقد يسبب توقف مفاجئ واحد خسائر تتجاوز جميع الوفورات. الخلل هنا ليس في أداء إدارة بعينها، بل في خطة جزأت أهداف المؤسسة ولم توازن بين خفض التكلفة والمحافظة على الخبرة وجودة الصيانة وسلامة الأصول. وتتعثر الخطط أيضًا عندما تضيف المؤسسة مبادرات جديدة من دون إيقاف أعمال قديمة، فتتوزع الموارد على عدد كبير من المشروعات ولا يحصل أي منها على ما يكفي. التخطيط الجاد لا يحدد ما ستفعله المؤسسة فقط، بل يحدد أيضًا ما ستتوقف عن فعله، ثم يوجه المال والكفاءات والوقت الإداري إلى الملفات الأهم. وتدعم ذلك دراسة حديثة لماكنزي شملت أكثر من أربعمائة شركة. فقد ظهر أن الفارق الأبرز لدى المؤسسات المتفوقة كان في تهيئة المنظمة للتنفيذ، ولا سيما تحويل الاستراتيجية إلى مبادرات محددة، وتوزيع المسؤوليات، وإعادة تخصيص المال والكفاءات والاهتمام الإداري. لذلك تظل الخطة التي لا تغير طريقة توزيع الموارد مجموعة من النوايا الجيدة مهما بدا عرضها مقنعًا. كذلك قد تُبنى الخطة على افتراضات غير مكتوبة، مثل استمرار الطلب أو توافر التمويل أو قدرة الأنظمة على دعم التنفيذ. ولهذا ينبغي تحديد الافتراضات الأساسية ومراقبتها من خلال مؤشرات مبكرة. فإذا تغيرت الظروف، يصبح تعديل الخطة تصحيحًا طبيعيًا للمسار، لا اعترافًا بالفشل. ولا تكفي لوحة مؤشرات ملونة لضمان التنفيذ. فكثير من اجتماعات المتابعة تنشغل بنسبة الإنجاز، لكنها تتجنب الأسئلة التي تحتاج إلى قرار: لماذا تأخر العمل؟ ما العائق الذي لا يستطيع الفريق إزالته؟ وهل ما زال المشروع يخدم الأولوية الأساسية؟ الاجتماع المفيد لا يراقب التنفيذ فقط، بل يزيل عوائقه ويتخذ القرارات اللازمة لاستمراره. ولتحويل الخطة إلى أداة عمل، يمكن اختصار كل مبادرة في صفحة واحدة تجيب عن سبعة أسئلة: ما النتيجة المطلوبة؟ لماذا تُعد مهمة؟ من يملكها؟ ما القرارات والموارد اللازمة؟ ما الإدارات التي يعتمد عليها التنفيذ؟ ما العلامات المبكرة للتقدم أو التعثر؟ ومتى نراجع قرار الاستمرار أو التعديل أو الإيقاف؟ الخطة الجيدة لا تتنبأ بالمستقبل بدقة، فهذا مستحيل، لكنها تساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات متناسقة في ظل مستقبل غير مؤكد. وهي لا تُقاس بجمال عرضها أو بعدد مبادراتها، بل بما تغيره فعليًا في توزيع الوقت والمال والمسؤوليات. فإذا لم يعرف الموظف ما الذي سيفعله بصورة مختلفة في صباح اليوم التالي لاعتماد الخطة، فالأرجح أن المؤسسة لم تنته من التخطيط بعد.
8781
| 20 سبتمبر 2026
في عام 1997، كان السيد فيصل محمد السويدي يخوض المفاوضات مع الشركات اليابانية بصفته نائب رئيس مجلس إدارة شركة قطر للغاز. ولم يعتمد على الخبرة العملية وحدها، بل اهتم بدراسة الطريقة التي يفكر بها اليابانيون ويديرون بها مفاوضاتهم. وكان كتاب The Japanese Negotiator، للمؤلف روبرت مارش، من الكتب التي استعان بها لفهم ذلك الأسلوب. وقد أهداني نسخة منه آنذاك، كما أهدى نسخًا منه إلى آخرين. وكان، من واقع تجربته المباشرة معهم، يشرح لي أسلوب اليابانيين في التفاوض، وكيف يستعدون ويتشاورون ويتأنون قبل اتخاذ القرار. ولم يكن ذلك مجرد حديث عابر، بل كان يعكس حرصه على ألا تبقى خبرته حبيسة غرف المفاوضات، وأن ينقل ما تعلمه إلى الجيل الذي يليه. بقي هذا الكتاب معي، وبقيت معه تلك الشروح، لكن قيمته لم تكن في وصف المفاوض الياباني وحده، بل في السؤال الذي أثاره لديّ: هل يمكن الحديث، في المقابل، عن أسلوب مميز للمفاوض القطري؟ وإذا كان الياباني يدخل غرفة التفاوض مستندًا إلى الإعداد الدقيق والعمل الجماعي والصبر، فما الذي يميز المفاوض القطري؟ وما الذي يمكن أن يتعلمه كل طرف من الآخر؟ لا تعني هذه المقارنة أن كل مفاوض قطري أو ياباني يتصرف بالطريقة نفسها؛ فالأفراد والمؤسسات والظروف تختلف. ويشير الباحث بيتر بيرتون إلى أن كثيرًا من الممارسات المنسوبة إلى اليابانيين توجد بدرجات مختلفة في ثقافات أخرى، ولذلك لا ينبغي اعتبارها صفات ثابتة. يبين روبرت مارش في كتابه The Japanese Negotiator، ويشرح كازو نيشياما في كتابه Doing Business with Japan، أن الاجتماع الرسمي ليس دائمًا المكان الذي يُصنع فيه القرار. فكثير من العمل يتم قبله، من خلال جمع المعلومات ودراسة المخاطر والتشاور بين الإدارات، وصولًا إلى قدر واسع من التوافق داخل المؤسسة. ولذلك قد يبدو المفاوض الياباني بطيئًا أو متحفظًا، بينما هو يتأكد من أن مؤسسته تستطيع الوقوف خلف القرار. ولا يتعامل أعضاء الفريق الياباني عادةً مع المفاوضات باعتبارها مناسبة لإظهار المهارات الفردية. وقد لا يكون أكثرهم حديثًا هو صاحب القرار، كما أن الصمت لا يعني بالضرورة الرفض، والتأخر في الإجابة لا يدل دائمًا على عدم الاهتمام. فقد يكون المطلوب مزيدًا من التشاور الداخلي قبل تقديم موقف تستطيع المؤسسة الالتزام به. وتقدم مفاوضات الغاز بين قطر واليابان مثالًا عمليًا على ذلك. ففي أواخر الثمانينيات كانت قطر تمتلك احتياطيات هائلة من الغاز، لكنها لم تكن قد بنت بعد سجلًا في تصدير الغاز الطبيعي المسال. وكان نجاح المشروع يتطلب مشتريًا رئيسيًا يلتزم بكميات كبيرة ولفترة طويلة، بما يمنحه الأساس التجاري اللازم لجذب الشركاء والتمويل. ويروي مايكل توسياني وآن ماري جونسون، في كتابهما From Black Gold to Frozen Gas، تفاصيل الطريق الصعب الذي سبق انطلاق أول مشروع قطري للغاز الطبيعي المسال، والدور الذي أدته السوق اليابانية في توفير الركيزة التجارية اللازمة لانطلاقه. وفي عام 1991 وقّعت شركة تشوبو اليابانية خطاب نوايا لشراء أربعة ملايين طن سنويًا لمدة خمسة وعشرين عامًا، رغم ظروف حرب الخليج. ولكن عندما انسحبت شركة BP من المشروع، أثار ذلك مخاوف اليابانيين، وأعادوا تقييم المخاطر، فتأجل توقيع العقد النهائي. وبعد استمرار الاتصالات ومعالجة المخاوف، وُقّع العقد عام 1992، ووصلت أول شحنة من الغاز القطري إلى اليابان في يناير 1997. تكشف هذه القصة أن الجانب الياباني في تلك المفاوضات لم يمنح ثقته بسهولة، لكنه عندما اطمأن إلى قدرة المشروع، التزم بعلاقة امتدت لعقود. كما تكشف جانبًا من التجربة القطرية؛ فلم يكن الفريق القطري يفاوض على سعر الغاز وشروط توريده فقط، بل كان مطالبًا ببناء الثقة في قدرة قطر، التي لم يسبق لها حينذاك تصدير الغاز المسال، على إنجاز مشروع ضخم والوفاء بالتزامات تمتد لعقود. وهنا يظهر اختلاف مهم بين المدرستين: المفاوض الياباني يصنع جزءًا كبيرًا من القرار قبل دخول غرفة التفاوض، عبر الدراسة والتشاور الداخلي، بينما ظهرت قوة الفريق القطري في هذه التجربة داخل عملية التفاوض، من خلال سرعة التواصل وبناء العلاقة وفهم مخاوف الطرف الآخر والبحث عن حلول تحفظ مصالح الطرفين. ومن الناحية العملية، نتعلم من التجربة اليابانية أن الاستعداد لا يقتصر على معرفة السعر والشروط، بل يبدأ بفهم الطريقة التي يتخذ بها الطرف الآخر قراره: من أصحاب التأثير داخل مؤسسته؟ ومن يملك الموافقة النهائية؟ وما المعلومات التي يحتاج إليها ليقنع زملاءه؟ وما المخاطر التي يخشى أن يتحمل مسؤوليتها لاحقًا؟ قد ننجح في إقناع الجالس أمامنا، لكن الصفقة تتعثر لأنه لم يستطع إقناع مؤسسته. فالمفاوض الجيد يسير في مسارين متوازيين: يفاوض الشخص الجالس أمامه، ويساعده في الوقت نفسه على بناء الحجة التي يحتاج إليها لإقناع مؤسسته. وفي المقابل، تكشف التجربة القطرية عن قيمة سرعة التواصل، وبناء القنوات المباشرة، والقدرة على التكيف مع الظروف المتغيرة. فالنجاح ليس في اختيار أحد الأسلوبين ورفض الآخر، بل في الجمع بين دقة الإعداد وسرعة الاستجابة. وتعيدنا تجربة فيصل السويدي إلى درس إداري مهم: فالمعرفة التي تتكون خلال المفاوضات الكبرى يجب ألا تغادر المؤسسة مع أصحابها، بل يجب أن تتحول إلى دراسات حالة وأدلة عمل وبرامج تدريب يستفيد منها المفاوضون الجدد، بدل أن يبدأ كل جيل من الصفر. وقد تجددت الشراكة في فبراير 2026، عندما وقّعت قطر للطاقة وشركة JERA اليابانية للطاقة عقدًا لتوريد ثلاثة ملايين طن من الغاز الطبيعي المسال سنويًا لمدة سبعة وعشرين عامًا، ابتداءً من عام 2028. وبعد أكثر من ثلاثة عقود على الاتفاق الأول، دخلت العلاقة مرحلة جديدة من الالتزام طويل الأجل. إن أهم ما تعلمناه من هذه التجربة ليس أن المفاوض القطري يجب أن يصبح يابانيًا، بل أن التفاوض الناجح يبدأ قبل الجلوس إلى الطاولة: بدراسة الطرف الآخر، وفهم طريقة اتخاذ القرار داخل مؤسسته، والاستعداد لمخاوفه قبل أن يعبّر عنها. أما الدرس الأهم لمؤسساتنا، فهو ألا تبقى خبرات المفاوضين الكبار حبيسة الذاكرة أو غرف الاجتماعات، بل يجب أن تتحول إلى معرفة موثقة تنتقل من جيل إلى آخر. فالصفقة الجيدة تحقق مكسبًا اليوم، أما المعرفة المتراكمة فتصنع مفاوضين قادرين على تحقيق المكاسب لسنوات طويلة.
7167
| 15 سبتمبر 2026