رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تلقيت دعوة كريمة من وزارة الداخلية للمشاركة في ملتقـى السـلامة المـرورية الذي انعقد يـوم 24/1/2012 بفندق شيراتون الدوحة، تحت عنوان "السلامة المرورية مسؤولية مشتركة". وقد نشرت جريدة "الشرق" تفاصيل اللقاء في عددها الصادر بتاريخ 26 يناير الماضي.
وكان للحضور الكبير في القاعة دلالة على الاهتمام والمسؤولية التي يرتجيها الجميع في إيجاد حلول جذرية للحد من الحوادث المرورية التي تشهدها طرقنا بشكل يومي. وقد تخلل اللقاء من خطابات ومداخلات من الحاضرين ولقاءات جانبية، بعض الأفكار والتساؤلات التي ارتجيت كتابتها هنا لتعميم الفائدة.
كما يدل عليه عنوان اللقاء، فالمسؤولية بالفعل مشتركة بين إدارات ومؤسسات الدولة كإدارة المرور بوزارة الداخلية وهندسة الطرق بالهيئة العامة للاشغال ووزارة البلدية ممثلة في الهيئة الوطنية للسلامة المرورية وهيئات وافراد المجتمع.
وبرأيي ان لدينا تقصيراً من الجميع في الحد من الحوادث والاستنزاف البشري للثروة الاغلى والاسمى، التي تتصدر خيارات الاستثمار الاستراتيجي التي نوه بها سمو أمير البلاد المفدى الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني.
والطرفان "الحكومي والمواطنون" مقصران في واجباتهما تجاه المجتمع. فإدارة المرور مقصرة في فرض هيبتها على شوارعنا، وقد ادى ذلك الى بروز فئة في المجتمع تنظر بازدراء للآخرين وحقوقهم على الطرق. واصبحت وقاحتها في القيادة سمة سائدة هذه الايام.
تقود سيارتك على الطرق السريعة بالسرعة القصوى المسموح بها في الشارع وتفاجأ بسائق خلفك يلصق سيارته بسيارتك ويضيء مصابيح السيارة ويضغط على المنبه يريد ان يزيحك عن الطريق بدون ان يمنحك ثواني للتصرف الصحيح مروريا لإفساح المجال له ليتجاوزك، مع ان هناك صفاً من السيارات عن يمينك ورصيفاً بارتفاع متر عن يسارك. لا اعرف ماذا يتوقع منا هذا الوقح ان نفعل.. هل نصعد الرصيف ام نصدم السيارات الاخرى حتى يستطيع حضرته ان ينطلق بسرعة.
وآخر يرى السيارات تقف الواحدة خلف الاخرى بنظام والكل ينتظر دوره للمرور من التقاطع، وتفاجأ بمن يصعد الارصفة او يتخطى الآخرين ليزاحمك بمقدمة سيارته وهو ينظر اليك نظرة احتقار وازدراء وعينه تقول: انا أو يا ويلك!!
وشخص اوقف سيارته في الطريق امام احد المطاعم وتسبب بإغلاق احدى حارتي المرور انتظاراً لاستلام وجبة العشاء. ورغم تسببه في زحمة واختناق مروري وتنبيه الآخرين له ليتزحزح قليلاً لتمكين السيارات من المرور الا انه اعطى ظهره للجميع وكأنه يقف على ملك خاص به!!
وقاحة أخرى من بعض مرتادي المساجد لأداء الصلاة وبالأخص صلاة الجمعة، اذ يقوم البعض للاسف بإيقاف سياراتهم في الشوارع واحيانا يغلقونها بالكامل امام الآخرين. لا ادري ما هو رأي علماء الدين في هؤلاء؟ وهل تقبل صلاتهم وهم يناقضون حديث رسول الله، صلى الله عليه وسلم، الذي يحث على إماطة الاذى عن الطريق وهم يؤذون الناس بإغلاقهم للطرق أو إيقاف سياراتهم خلف الآخرين خلال اوقات الصلوات!!
هذه مشاهدات شبه يومية لفئة اصبحت للأسف بوقاحتها واستهتارها بأنظمة المرور تسبب الكثير من الحوادث وتسيء لأفراد المجتمع بشكل خاص ولاسم قطر بشكل عام. فئة أمنت العقوبة فأساءت الادب. فئة تعرف ان رجال المرور في الطرق ممثلون في جهاز الرادار فقط. فئة استشرى داؤها فأصبحت بأفعالها مثال يحتذيه السائقون الآخرون.
نحن نحتاج من وزارة الداخلية ورجال المرور ان يفرضوا وجودهم في الطرق وبالاخص الطرق السريعة، وان يفرضوا هيبتهم المنتهكة من قبل القلة المستهترة بالانظمة وبسلوكيات احترام الدولة والناس. ما الذي يمنع قيام الشرطة بإيقاف المخالفين وإصدار المخالفات المرورية اسوة بما هو معمول به في امريكا والدول الاوروبية، وحتى يرى الآخرون ان الشرطة حاضرة وان المخالف سيتم ايقافه؟ لماذا لا نرى الشرطة تتجول بسيارات عادية لضبط المخالفين؟ وبهذه الطريقة سنجعل من تسول له نفسه التفكير 100 مرة قبل ان يقدم على مخالفة انظمة المرور. ففي نظره ستكون كل سيارة من الممكن ان تكون سيارة لشرطة المرور.
والهيئه الوطنية للسلامة المرورية مقصرة في عدم استجابتها بشكل سريع لوضع حلول مناسبة للحد من حوادث الطرق وبالاخص انشاء معابر للمشاة في المناطق ذات الكثافة المروريه وكأنهم ينتظرون وقوع ضحايا اولا. بعض شوارع الدولة قديمة ومتهالكة وتحتاج لإعادة تخطيط مروري نظراً لتغير الطبوغرافيا السكانية للمناطق. ونحن نحتاج لإجابات عن اسئلة من نوع: لماذا لا نبدأ تطبيق مفهوم الطرق ذات الاتجاة الواحد. لماذا تمنح الدولة ترخيصاً لبناء مجمعات تجارية وما حولها من طرق لا يتحمل سيارات بذات الكثافة التي يحتاجها المجمع التجاري.
وفي المقابل لدينا للاسف تقصير من افراد المجتمع (ما ذكرت اعلاه نماذج منها )، وهنا اخص الآباء في المقام الاول واستهتارهم بأرواح ابنائهم ونشأتهم الصحيحة. بعضهم للاسف يسمح لابنه بقيادة السيارات في سن مبكرة وبدون حصوله على رخصة قيادة وكأن قيادة السيارة أحد مستلزمات الرجولة المطلوبة اجتماعياً. وتجد ذلك الاب آخر من يعلم عن سلوكيات ابنه في الشوارع. فهو لا يعلم او يتجاهل العلم ان ابنه يتسكع في الشوارع بالنهار والليل. ففي النهار تجدهم في الاسواق التجارية جلوساً في المقاهي وفي الليل يتسكعون في الطرق. والادهى ان البعض لا يسأل عن ابنه اطلاقا وهو يعلم انه يسهر الليل بطوله ولا يعود الى البيت الا بعد ان يفطر في احد المطاعم المشهورة. ولا استطيع ان اخمن كيف يستطيع هذا المتسكع ان يستوعب شيئا في المدرسة وهو قد سهر الليل كله.
كنت مرة في زيارة الى احدى الدول الاوروبية واحتجت لشراء حاجة لي، فدخلت احد المجمعات التجارية بعد الساعة العاشرة صباحا، وخلال تجوالي رأيت اثنين من الشرطة يستجوبان ثلاثة شباب بشأن عدم وجودهم في مدارسهم. وحسب ما فهمته لاحقا ان القانون هناك يجيز للشرطة القبض على الطلاب اذا تخلفوا عن الالتحاق بمدارسهم لأسباب غير مقبولة. هل رأيتم كم عدد هؤلاء الطلبة يتسكعون في المجمعات التجاريه صباحاً؟!
ونأتي للطامة الكبرى، حين ترى الاب يحمل ابنه في احضانه وهو يقود السيارة، ولا يدري هذا الجاهل ان ابنه سيكون الضحية الاولى لو حدث حادث. فالمعلوم ان السيارة اذا تعرضت لحادث وهي تسير بسرعة ٦٠ كيلومترا بالساعة تدفع من بداخلها — اذا لم يربطوا الاحزمة — الى النافذة بقوة تحطم جمجمة الطفل والسائق وزجاج السيارة.
لدينا حقيقة نتفق عليها وهي مسلسل الوفيات شبه اليومية من جراء الحوادث المرورية ولدينا الاسباب التي ذكرتها إدارة المرور في مؤتمرها والمتمثلة في عدم الالتزام بالإرشادات المرورية، واستخدام الجوالات أثناء القيادة، وعدم ربط حزام الأمان وانشغال السائق بغير الطريق، وتجاوز السرعة المقررة. ولدينا الاسباب الاخرى التي ذكرناها والتي نرى ان علاجها سيقلل من نسبة الحوادث.
وعلينا جميعا ان نتكاتف ونعمل من أجل رفعة مستويات السلامة المرورية لدى الدولة من خلال نشر الوعي العام المروري والاخلاقي بين كافة شرائح المجتمع بهدف المحافظة على مقومات الدولة البشرية والاقتصادية.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
يفترض أن يشعر الموظف بالاطمئنان عندما يدخل المدقق الداخلي إلى إدارته؛ فهو لا يأتي لإدانة أحد، بل للتأكد من سلامة الإجراءات، وحماية المؤسسة من المخاطر، ومساعدة المسؤولين على اكتشاف الخلل وتصحيحه قبل أن يتحول إلى أزمة. لكن هذا الاطمئنان يتبدل إلى خوف عندما يفقد التدقيق استقلاله، ويتحول من عين تحمي المؤسسة إلى عصا غليظة في يد الرئيس التنفيذي، يلوّح بها في وجه مَن لا يرتاح إليهم. لا يحدث ذلك عادة بقرار معلن، بل يبدأ بهدوء؛ إدارة تخضع لعمليات تدقيق متكررة، بينما تبقى إدارات أخرى بعيدة عن خططه، وملاحظة بسيطة تُضخّم هنا، في حين تمر ملاحظات أكبر هناك، وملفات قديمة تُفتح فجأة، وأسئلة توحي بأن الحكم قد صدر قبل بدء التدقيق. عندها لا تعود المشكلة في وجوده، بل في اختيار مَن يُدقَّق عليه، ومتى، ولماذا، وكيف تُفسر الوقائع وتُعرض النتائج. يحتاج الرئيس التنفيذي إلى تدقيق داخلي قوي؛ لأنه يساعده على رؤية ما قد لا يصل إليه عبر التقارير الإدارية. لكنه لا ينبغي أن يمتلك سلطة توجيهه نحو أشخاص بعينهم، أو إبعاده عن آخرين، أو التأثير في صياغة ملاحظاته. فعندما يختار مَن يخضع للتدقيق، ويتابع تفاصيله، ثم يستخدم نتائجه في قراراته تجاه الموظفين، تختلط الإدارة بالرقابة، وتضيع المسافة التي تمنح التدقيق صدقيته. وقد لا يحتاج الرئيس التنفيذي إلى إصدار توجيه صريح؛ فمدير التدقيق قد يقرأ ميوله، ويدرك مَن ينسجم معهم ومَن لا يرتاح إلى آرائهم، ثم يوجه التدقيق نحو الطرف غير المرغوب فيه، وينتقي من الوقائع ما ينسجم مع توجه الرئيس، أملاً في كسب ثقته وتعزيز موقعه. وهنا لا يعود مدير التدقيق خاضعاً للتأثير فحسب، بل يصبح شريكاً في صناعة الصورة التي يرغب الرئيس التنفيذي في رؤيتها. وكلما قدّم تقريراً يضعف شخصاً لا يرتاح إليه الرئيس، ازداد قرباً ونفوذاً، حتى تصبح قوته مستمدة من رضا الرئيس، لا من استقلاله المهني أو ثقة لجنة التدقيق. وقد يبدأ بقياس أهميته بقدرته على العثور على الملاحظات التي يريدها الرئيس التنفيذي، لا بقدرته على تقديم الحقيقة المتوازنة، فتختلط المصلحة الشخصية بالمسؤولية المهنية، ويصبح التدقيق وسيلة يستخدمها مدير التدقيق لتعزيز موقعه وإثبات ولائه. فأخطر مدير للتدقيق ليس مَن يستجيب للضغط فقط، بل مَن يسبقه، ويتوقع رغبة صاحب السلطة، ثم يستخدم صلاحياته لتحقيقها. ويكفي أن يعرف الموظف أن اختلافه مع الرئيس التنفيذي قد يعقبه تدقيق مفاجئ، أو فتح ملفات قديمة، أو تضخيم هفوة صغيرة، حتى يفهم الرسالة من دون أن ينطق بها أحد: الصمت أكثر أماناً من إبداء الرأي، والموافقة أقل كلفة من الاعتراض. ولا يتوقف الخطر عند اختيار مَن يخضع للتدقيق، بل يمتد إلى قراءة الوقائع وعرضها. فالمعلومة الواحدة قد تُكتب بوصفها ملاحظة إجرائية قابلة للتصحيح، وقد تظهر، إذا أُخرجت من سياقها، كمخالفة جسيمة. وربما يُهمَل ما يبرر القرار، أو تُقتطع مراسلة من سياقها، أو تُستخدم عبارات لا تتناسب مع حجم الملاحظة، فيبدو الخطأ البسيط كأنه تقصير متعمد. وهنا يصبح التقرير أداة لصناعة الانطباع، لا لكشف الحقيقة. فليس ضرورياً أن يتضمن معلومة كاذبة حتى يكون ظالماً؛ قد تكون وقائعه صحيحة، لكن ترتيبها، وانتقاء بعضها وإهمال الآخر، والمبالغة في تفسيرها، قد تصنع صورة مختلفة عن الواقع. فالحقيقة لا تُشوَّه بالكذب وحده، بل عندما يُقال جزء منها ويُحجب ما يفسرها. ومن أخطر صور ذلك استخدام لغة غير متوازنة؛ فيُوصف الخطأ غير المقصود بأنه «تجاوز»، والاجتهاد الإداري بأنه «مخالفة»، والاختلاف في التقدير بأنه «عدم تعاون». ثم تتحول الملاحظة الصغيرة إلى قضية تمس كفاءة الموظف ونزاهته وسمعته المهنية. ولا يقع الضرر على الموظف المستهدف وحده، بل يمتد إلى المؤسسة. فعندما يرى الموظفون زميلاً كفؤاً تُفتح ملفاته لأنه اختلف مع الرئيس التنفيذي، يتعلمون أن السلامة ليست في الالتزام بالنظام، بل في تجنب الاختلاف. ويصبح الولاء للشخص أهم من الولاء للمؤسسة، وتختفي المبادرة، وتصمت أصوات كان يمكن أن تنبه إلى أخطاء حقيقية. وهنا تظهر مسؤولية المدقق الداخلي. فالمهنية لا تعني تنفيذ كل ما يُطلب منه بلا سؤال. عليه أن يسأل: هل تستند المهمة إلى تقييم موضوعي للمخاطر؟ هل تُطبق المعايير نفسها على الجميع؟ هل نحاول اكتشاف الحقيقة، أم نبحث عن أدلة تؤيد حكماً اتُّخذ مسبقاً؟ إن استقلال المدقق يُختبر عندما يستطيع القول إن الوقائع لا تبرر الاستهداف، أو إن الخلل مؤسسي ولا يتحمله شخص واحد. والتدقيق العادل لا يبحث عما يدين الموظف، بل عما يفسر الواقعة كاملة. يستمع إلى جميع الأطراف، ويفرق بين الخطأ الفردي والخلل المؤسسي، وبين سوء النية وضعف الإجراء، ويوازن بين الملاحظة وأثرها. فالتقرير المهني لا يضخّم ليرضي مَن طلب التدقيق، ولا يخفف لحماية صاحب النفوذ؛ بل يضع الحقيقة كما هي، لا أكبر ولا أصغر. لكن مطالبة المدقق بالشجاعة لا تكفي؛ فالشجاعة الفردية تحتاج إلى نظام يحميها. ومن الصعب أن يكون المدقق مستقلاً إذا كان الرئيس التنفيذي يستطيع التأثير في تعيينه وتقييمه ومكافآته وميزانيته ومستقبله. ولهذا لا تكون الاستقلالية شعاراً، بل ترتيبات واضحة تجعل الارتباط الوظيفي لمدير التدقيق الداخلي بلجنة التدقيق المنبثقة عن مجلس الإدارة. فهي التي تعتمد ميثاقه وخطته وموارده، وتتابع أداءه، وتحمي وصوله إلى المجلس، وتلتقي به بعيداً عن الإدارة التنفيذية. ولا يعني ذلك عزل التدقيق عن الرئيس التنفيذي؛ فالتعاون بينهما ضروري، لكن التعاون شيء والتبعية شيء آخر. للرئيس التنفيذي أن يطلب فحص خطر أو ملاحظة، لكن لا ينبغي له تحديد النتيجة، أو تقييد نطاق التدقيق، أو منع وصول التقرير إلى لجنة التدقيق، أو تحويله إلى أداة لمعاقبة مَن يختلفون معه. كما يجب ألا تبدأ خطط التدقيق بالأسماء، بل بالمخاطر، وأن تكون هناك معايير واضحة لاختيار مهامه، وحق عادل للجهة الخاضعة له في تقديم ردها وأدلتها، ومراجعة مستقلة لجودة عمله. فمَن يراجع الآخرين يجب أن يكون مستعداً لأن تُراجع منهجيته وأحكامه أيضاً. إن التدقيق القوي قد يكشف أخطاء مؤلمة، لكنه يفعل ذلك بعدالة. أما استخدامه لتخويف الموظفين، فقد ينجح في إسكات الأصوات، لكنه يفشل في حماية المؤسسة. وربما يمنح الرئيس التنفيذي شعوراً مؤقتاً بالسيطرة، ومدير التدقيق نفوذاً مؤقتاً، لكنه يترك ثقافة خائفة وموظفين يتجنبون قول الحقيقة. التدقيق الداخلي لم يُنشأ ليكون سيفاً في يد الإدارة، ولا سلماً يصعد به مديره نحو مزيد من النفوذ، بل ضميراً مهنياً للمؤسسة. والضمير لا يختار مَن يحاسبه بناءً على القرب أو الخصومة، ولا يغيّر صوته بحسب قوة الأشخاص. فأخطر ما يصيب التدقيق ليس أن يفشل في اكتشاف الأخطاء، بل أن يتحول إلى أداة لتخويف الموظفين، ولَيِّ الحقائق، وتضخيم الهفوات، وإسكات الحقيقة.
10536
| 06 سبتمبر 2026
ليس المطلوب أن نضع الحكم الوطني في منطقةٍ محرَّمة لا يجوز الاقتراب منها بالنقد، كما أن المطلوب، في المقابل، ألا يتحول الخطأ في قرارٍ تحكيمي إلى مبررٍ للنيل من الحكم أو التشكيك في قدراته ومكانته. وبين الموقفين مساحةٌ واسعة من الإنصاف، هي التي نحتاج إليها حين نتحدث عن حكامنا الوطنيين. الحكم جزءٌ من منظومة كرة القدم، يخطئ ويصيب، ويخضع قراره للتقييم كما يخضع اللاعب والمدرب والإداري. لكن الفارق أن تقييم القرار ينبغي ألا يتحول إلى محاكمة للشخص، خصوصًا حين يكون الحديث عن حكامٍ وصلوا إلى مستويات متقدمة، وأثبتوا حضورهم في البطولات الخليجية والقارية والدولية. وجود تقنية الـVAR منح المنظومة التحكيمية أدواتٍ أكثر دقة للمراجعة والتدقيق، لكنه لم يُلغِ الاجتهاد البشري، ولم يجعل القرار التحكيمي آليًا. فما زالت هناك قراءة للواقعة، وتقدير للحالة، وفهمٌ للقانون، ثم قرارٌ يتحمل الحكم مسؤوليته. ولذلك فإن حماية الحكم نفسيًا لا تعني إعفاءه من المسؤولية، وإنما تعني أن نختلف معه دون أن نهدم ثقته بنفسه. وهنا تأتي مسؤولية الإعلام والأندية والإداريين. من حق النادي أن يحتج، ومن حق الإعلام أن ينتقد، لكن من واجب الجميع أن يضعوا النقد في إطاره الصحيح، وأن تكون القنوات الرسمية هي الطريق الطبيعي للاعتراض، لا التصريحات التي تُقال تحت تأثير الانفعال. وفي تقديري، فإن النقد المقبول هو الذي يناقش القرار التحكيمي ويبيّن الخطأ وأسبابه، أما حين يتجاوز النقد القرار إلى التشكيك في الحكم وقدراته ومكانته، فإنه يفقد قيمته ويتحول من نقدٍ للقرار إلى إساءةٍ للشخص. وأرى أن مشروع الحكم الوطني لا يمكن أن يتطور من دون بيئة تمنحه الثقة، وفي الوقت نفسه لا تعفيه من النقد والمساءلة. فهو يحتاج إلى دعمٍ مستمر، وإلى نقدٍ يطوّر ولا يهدم، وإلى لجنة حكامٍ تؤكد ثقتها في حكامها وتدافع عن حقهم في الاحترام. نحن لا نطالب بأن يكون الحكم فوق النقد، بل نطالب بأن يكون النقد بحجم الخطأ، وأن تبقى كرامة الحكم محفوظة. فحكامنا الوطنيون ليسوا خصومًا لأنديتنا، بل شركاء في نجاح كرتنا، والاختلاف معهم لا ينبغي أن يجرّدهم من حقهم في الاعتزاز بما حققوه، ولا نحن من حقنا أن نتخلى عن الاعتزاز بهم.
3663
| 10 سبتمبر 2026
اجتماعٌ لا يحتاج إلى رسائل تذكير، ولا دعوات رسمية، ولا بصمة حضور، ولا إذن انصراف. يأتي إليه المسلم مقبلًا بإرادته، يغتسل ويتطيب ويأتي ثم يجلس منصتًا لا يتحدث لأنه جاء ليستمع فقط. إنها صلاة الجمعة، ذلك الاجتماع الإيماني والاجتماعي والإنساني العظيم، وأحد أكبر التجمعات الأسبوعية المنتظمة في العالم. ولكن ماذا نقدم للمسلم في هذه الدقائق الثمينة؟ المسلم يأتي إلى الجمعة ليُذكَّر بدينه، ولكن أيضًا ليجد من ينير بصيرته، ويفهم واقعه، ويلامس همومه، ويحدثه عن أسرته وأبنائه ومجتمعه، وعن المتغيرات التي تحيط به، ثم يربط كل ذلك بالقرآن والسنة وقيم الإسلام. ولهذا فإن خطيب الجمعة ليس مجرد شخص يتحدث من فوق المنبر ويلقي خطابًا. نحن بحاجة إلى خطيب فصيح، متمكن، حاضر الذهن، حسن الإلقاء، سليم اللغة، يعرف كيف ينطق العربية ويستخدم مفرداتها، ويعرف المجتمع الذي يخاطبه وقضاياه وتحدياته. ومن هنا أقولها بكل وضوح: من غير المقبول أن نجد في بعض مساجدنا خطباء لا يتقنون اللغة العربية إتقانًا يليق بمنبر الجمعة، وتظهر في ألسنتهم أخطاء لغوية واضحة، أو تكون لغتهم وإلقاؤهم ضعيفين إلى درجة يفقد معها المنبر جانبًا كبيرًا من هيبته وتأثيره. وهنا يقع السؤال مباشرة على وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية: كيف يُكلف خطيب للجمعة وهو غير متمكن من اللغة التي سيخاطب بها الناس أو لسانه أعجمي؟ المسألة هنا لا علاقة لها بجنسية الخطيب أو أصله، فالعلم والفضل والكفاءة لا تحمل جواز سفر، وكم من عالم غير عربي خدم العربية والإسلام خدمة عظيمة. ولكن عندما تكون المهمة خطابة، والأداة الأولى للخطيب هي اللغة فلا يمكن أن تصبح سلامة العربية وفصاحة اللسان أمرًا ثانويًا في الاختيار. نحن نتحدث عن جمهور عربي يستمع وينتظر كلمة واضحة مؤثرة. فكيف نقبل بخطيب يتعثر في العربية أو يخطئ فيها، بينما لدينا في قطر شباب قطريون متخصصون في الشريعة والعلوم الإسلامية واللغة العربية والجامعات تخرج كل سنة أعدادًا كبيرة!! ومنهم من حقق مراكز متقدمة في مسابقات القرآن والعلوم الشرعية والخطابة؟ هذه مفارقة تستحق من وزارة الأوقاف وقفة حقيقية. ومن حقنا أن نسأل: ما معايير اختيار خطباء الجمعة؟ أم أن امتلاك المعرفة الشرعية وحده يكفي للصعود إلى المنبر؟ فليس كل صاحب علم خطيبًا، كما أن حفظ النص أو قراءته لا يصنع خطيبًا. الخطيب يحتاج إلى العلم نعم، ولكنه يحتاج كذلك إلى لغة سليمة، وصوت حاضر، وقدرة على الإقناع، وفهم للمجتمع، ومعرفة بما يشغل الناس. لأن الخطبة ليست امتحانًا في الحفظ، وإنما رسالة يراد لها أن تصل. ووزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية تبذل جهودًا كبيرة ومقدرة في خدمة المساجد والدعوة، وهذا لا يمنع من نقد موضع الخلل، بل إن الحرص على هذه الجهود هو ما يدفعنا إلى السؤال: لماذا لا يكون هناك مشروع وطني واضح لاكتشاف وتأهيل الخطيب القطري وتحفيزه؟ لماذا لا نرى خريجي الشريعة والدراسات الإسلامية من شبابنا على جميع المنابر، ونؤهل أصحاب الأصوات واللغة والحضور منهم، ونفتح أمامهم المنابر، ونصنع جيلًا من الخطباء القطريين القادرين على مخاطبة مجتمعهم؟ ابن البلد يعرف مجتمعه، ويعيش تحولاته، ويفهم لغة شبابه، ويعرف القضايا التي تدخل بيوتنا وتؤثر في أسرنا، وإذا اجتمع لديه العلم الشرعي مع الفصاحة والموهبة والتأهيل، فإنه قادر على أن يجعل المنبر أقرب إلى الناس وأكثر تأثيرًا فيهم. لدينا كل يوم جمعة فرصة استثنائية لا تملكها كثير من المؤسسات: آلاف الناس يجلسون بإرادتهم ليستمعوا وفيهم المسؤول والمدير والوزير والمؤثر والقاضي والمعلم والعسكري والرياضي … إلخ. فلا يجوز أن نهدر هذه الفرصة بخطبة ضعيفة أو لغة مكسرة أو أداء لا يصل إلى القلوب. إن منبر الجمعة أكبر من أن يكون مجرد وظيفة تُسد بها حاجة مسجد، والخطابة أكبر من أن تكون قراءة ورقة لمدة دقائق. فإذا كنا نختار بعناية من يتحدث باسم مؤسسة أمام عشرات الأشخاص، أفلا يستحق أن نختار من يتحدث من فوق منبر الجمعة أمام آلاف المسلمين كل أسبوع أن يكون اختياره أكثر دقة؟ هذه مسؤولية، وهذه أمانة، والمنبر يستحق الأفضل.
2532
| 08 سبتمبر 2026