رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
قبل أن ينطلق بالأولاد إلى المدرسة نظر الزوج إلى زوجته الجميلة "قطر" نظرة حزن وشفقة، فقد أعياها المرض وأضاف إلى عمرها الحقيقي عدة سنين، حتى بدت وكأنها تخطت الأربعين، وهي لم تبلغ الثلاثين من عمرها حتى الآن. فهي عانت وتعاني من انسدادات مستمرة في بعض الأوردة والشرايين، أدت بها إلى إجراء عدة عمليات قسطرة حتى اليوم.
كانت شعلة من النشاط قبل إصابتها بالمرض، كانت بالإضافة لقيامها بمهامها كَرَبَّة بيت من الطراز الأول، تشتري احتياجات الأسرة الصغيرة، وتشارك بنشاط في خدمة أحد مراكز التأهيل الاجتماعي، وتعطي دروس تقوية لطلاب المدرسة القريبة من المنزل. واليوم لا تستطيع أن تركز على إنجاز شيء واحد في اليوم.
ودَّعت زوجها واحتضنت الأولاد وهي تلبس عباءتها، فموعدها اليوم مع طبيب استشاري زائر، قد يرى فيها ما قد يكون خفي على الأطباء الآخرين. فرغم أن المسافة للمستشفى لا تبعد أكثر من 3 كيلومترات (حوالي 10 دقائق بالسيارة) فإن "قطر" كانت حريصة على ألا يفوتها الموعد، فخرجت من المنزل قبل الموعد بـ 45 دقيقة.
دخلت على الطبيب على استحياء، فقد كانت متأخرة عن موعدها بأكثر من نصف ساعة، بسبب زحمة المواصلات، ولصعوبة الحصول على موقف للسيارة، كما قالت. أغلق الطبيب ملفها بعد قراءته، وألقى عليها نظرة فاحصة، فعرف بعين الخبير، وعلى الرغم من مساحيق التجميل ومحاولتها التظاهر بأنها متماسكة، أن علتها أنهكتها.
طلب منها الجلوس ليستمع إليها، وهو يجس نبض تدفق الدم في عروق يدها البارزة، كان كما توقع ضعيفاً يتدفق بوتيرة أقل من الطبيعي. قالت: إنها تعاني من أزمات يومية في الصباح والمساء، تسبب لها ضيقاً في الصدر مع ألم في الرأس، وأحيانا تحس بتنمل في الأطراف، وإنها على الرغم من زيارتها لعدد من الأطباء، ومداواتها بعمليات القسطرة، وبعدد من العقاقير، فإن أياً منهم لم يستطع علاجها بشكل كامل، وإن ما تحصل عليه الآن أشبه بمسكنات لا تجدي نفعاً، وإنما تهدئها لفترات قصيرة، لتعود العلة بعدها بأشد منها مع مرور الأيام والشهور.
وضع الطبيب سماعته على قلبها، فتأكد له أن العلة قد تكون أكبر مما شخصه لها الأطباء في ملفها. قرر أن يجري لها فحصاً كاملاً، فيخضعها لجهاز رسم القلب، ليتعرف على مسببات ضعف تدفق الدم. أمضت جل ما تبقى من يومها بين المختبر وأقسام الأشعة المختلفة، لتنجز المطلوب منها. فموعدها القادم بعد يومين، وتحتاج إلى النتائج قبل أن ترى الطبيب مرة أخرى.
خرجت من المستشفى وهي منهكةٌ ومرهقةٌ، إلى درجة أنها نسيت أين أوقفت سيارتها. اتصلت بزوجها ليسعفها، فجاءها بعد حوالي الساعة ليوصلها للمنزل. شكرت زوجها واعتذرت له عن إخراجه من العمل، واضطراره للعودة مرة أخرى إليه. طمأنها بأن صحتها أولى من كل شيء، وأنه لن يرجع للمكتب نظراً لعدم جدوى قضاء ساعة أو ساعتين في الطريق، ثم الوصول إلى العمل على نهاية الدوام.
بعد يومين، كانت مع زوجها في عيادة الطبيب مرة أخرى.. جلست تستمع بإسهاب لما يقوله الطبيب، الذي بدأ بقوله: إنه يرغب أن يكون صريحاً معها في شرح علتها، والخيارات المتاحة لها للعلاج. العلة الأولى ـ كما قال ـ : أنها تعاني من التصلب العصيدي للشرايين أدى إلى عدة انسدادات في الأوردة الدموية، والثانية أن الأوردة الموصلة للقلب والخارجة منه تعاني من ترسبات دهنية، جعلت من الصعوبة للدم في الوصول للأجزاء الحيوية للجسم، بالمقدار الذي يحتاجه من الدم النقي، وهذا كان سبب صداع الرأس، وخاصة في الصباح، وإعياء شديداً في المساء، وتنمل الأطراف في بعض الأحيان.
كما أن الغدد المسماة "بالوكالات" تنتج وتفرز صفائح دموية أكثر بكثير من قدرة استيعاب الشرايين والأوردة. وأن علاجها يكمن في إجراء عمليات قسطرة لعدد من الشرايين، كما يحتاج الجسم لتوصيلات جديدة لتخطي الاختناقات في بعض الأجزاء من الجسم، وخاصة ما يتعلق بأضخم شريان بالجسم وهو الشريان الأميري الممتد بين أذين الوكرة وبطين الخور. واسترسل الطبيب ـ وهو يتحدث للزوج بصوت خافت حتى لا تسمع الزوجة ـ: التدخل الجراحي لعلاج زوجتك بات ضرورياً لتفادي احتمال إصابتها بذبحة صدرية مميتة أو جلطة دماغية، قد تسبب شللاً لبعض أجزاء الجسم.
نظر الزوج إلى زوجته الحبيبة ثم إلى الطبيب، وهو يقول: لقد كنت أقول للأطباء الآخرين: إن الادوية والمهدئات والقسطرات لا تجدي شيئاً، إلا أنهم كانوا مصرين على رأيهم، وكانت نظرتهم قصيرة في عدم التفكير بعلاج جذري للمشكلة، وكان جل تركيزهم على إزالة الاختناقات باستخدام القسطرة، مع أن الإزالات السابقة لم تأتِ بالنتيجة المرجوة.
طمأن الطبيب الزوجين بقوله: إن العلاجات الحديثة لهذا النوع من الأمراض باتت متوافرة، فكل ما نحتاجه هو تسليك مرور الدم عبر الصمامات، لتكون أحادية الاتجاه وتركيب شرايين تاجية تتخطى مواقع الاختناقات والترسبات الدهنية، لتساعد في إبقاء جريان الدم بتدفقاته الطبيعية بدون أي عوائق. ثم إن هناك حلولاً إضافية؛ تتمثل في تسليك وتوسيع الشعيرات الدموية الأخرى، لتساعد على إيصال الدم بالكميات التي تحتاجها الأطراف المعنية.
ابتسم الزوج في وجه زوجته قبل أن يقطع ابتسامته الطبيب بقوله: إنه لن يستطيع أن يجري الجراحة اللازمة، حيث إن فترة انتدابه وزيارته للمستشفى ستنتهي بنهاية الأسبوع، وإن عليه مراجعة المسؤولين والأطباء للاتفاق على الخطوة التالية بشأن العلاج.
الحكاية لم تنتهِ بعد، وأنا لا أعرف نهايتها للأسف. وأرجو أن تكونوا فهمتم المقصد فيما كتبته سابقاً، وإلا أعيدوا القراءة، وفي بالكم أن المريضة هي "قطر" وأن الشرايين والأوردة هي شوارع قطر، وما تعانيه من ازدحامات مرورية يومية، تكاد تخنق الدولة، وتسبب لها جلطة اقتصادية.
للأسف ليس في الأفق ـ حتى الآن ـ أي حل لهذه المشكلة المرشحة للاستفحال بشكل أكبر مع ازدياد عدد السكان. وإذا اعتقد المسؤولون أن الانتهاء من توسيع الاختناقات المرورية، وتحويل الدوائر إلى إشارات، أو إن شبكة المترو ستكون حلاً للمشكلة، فعليهم أن يعيدوا التفكير مرة أخرى قبل أن يفاجئهم المستقبل المنظور.
فحسب معلومات من ادارة المرور فإن عدد السيارات الجديدة التي يتم تسجيلها شهريا أكثر من 4 آلاف سيارة، أي 48 ألف سيارة سنويا. فهل لشوارعنا القدرة على استيعاب هذا العدد سنويا.
لا ينكر أحد حجم الاستثمار الذي قامت به الدولة في قطاعات تطوير الغاز والبترول وبناء المطار والميناء والمدارس والمستشفيات والكثير غيرها، والتي ستعود بالخير على المواطن ورفاهيته، إلا أنها — برأيي الشخصي — لم تدرك أهمية المواصلات، في ربط كل هذه الاستثمارات باستفادة الوطن والمواطن منها..
فما مدى استفادة الطالب من التعليم، وهو يقوم الساعة الرابعة صباحاً، ليركب الباص، فيدور فيه، أكثر من ساعتين قبل الوصول للمدرسة، ثم مثلهما في العودة؟ ما استفادة الدولة من موظف يصل إلى العمل، وهو مرهق و"منرفز" من قيادة السيارة ومجاراة السائقين في الحصول على أحقية المرور أمام الدوارات والإشارات؟ كم ساعة تتطلبها الشاحنة في انتقالها من الميناء إلى المنطقة الصناعية، مع احتساب أوقات حظر دخولها في ساعات الذروة؟ ما القيمة الاقتصادية للأوقات المهدورة بالاختناقات المرورية التي تشهدها الدولة يومياً صباحاً ومساءً؟
لا يوجد أدنى شك أن هناك تكلفة باهظة تتحملها الدولة جراء الاختناقات المرورية، وتشمل جوانب عديدة؛ اقتصادية، واجتماعية، وصحية وبيئية. فعلى سبيل المثال: أثبتت دراسة أجراها معهد تكساس للنقل، أن خسارة الولايات المتحدة الأمريكية من وقود السيارات من جراء ازدحام الطرق، يقدر بـ 67 بليون دولار سنوياً. كما أن تقدير تكلفة الاختناقات المرورية في كندا 6 بلايين دولار سنوياً. والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: هل تستطيع جهة ما أن تحسب تكلفة الاختناقات المرورية على اقتصاد الدولة؟
الموضوع ـ باختصار ـ أن المواصلات أصبحت ألماً ووجع رأس الوطن والمواطن، حتى بات الحديث عن المرور والازدحامات وأعمال الطرق هي الحديث الدائم في مجالس قطر. وأن الدوحة تحتاج إلى شبكة طرق سريعة، تقطع العاصمة من شرقها إلى غربها، ومن شمالها إلى جنوبها بدون دوارات، وبدون إشارات، وبدون رجال شرطة يقفون لتنظيم المرور، فإما هذا وإلا فلا.. وسلامتكم.
◄ فاصلة أخيرة:
أصبح من المتعارف عليه عالمياً عن البريطانيين، أن أي لقاء يبدأ عادةً بالحديث عن الطقس. في قطر.. يبدأ أي لقاء بالاعتذار عن التأخر، بسبب الزحمة والاختناقات المرورية!!!!
الأندية الرياضية وبناء الإنسان (1)
بعد أن رسّخت دولة قطر حضورها العالمي في مجال الرياضة، ونجحت في بناء منظومة رياضية متقدمة على مستوى... اقرأ المزيد
135
| 27 مايو 2026
... يبقى الأهل عزوة صلة لا تنقطع
ليس كل ما يحدث داخل العائلة يُحكى، فهناك مشاعر تُخفى احترامًا للعِشرة، وأوجاع نصمت عنها لأن الطرف الآخر... اقرأ المزيد
177
| 27 مايو 2026
حرب أم هيمنة؟
حاولت الابتعاد قليلا عما يحدث بين أمريكا وإيران، خاصة أن دولا مثل باكستان والصين وقطر والسعودية ومصر وتركيا،... اقرأ المزيد
198
| 27 مايو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
في عالم الأعمال والإدارة، كثيرًا ما تُعزى نجاحات المؤسسات إلى استراتيجياتها الطموحة، أو مواردها المالية، أو قدرتها على مواكبة التطورات التقنية. غير أن التجارب الإدارية المتراكمة تؤكد أن العامل الأكثر تأثيرًا في نجاح المؤسسات أو تعثرها لا يكمن في الأنظمة والإجراءات وحدها، بل في نوعية القيادة التي توجهها. فالقادة لا يديرون الموارد فقط، بل يصنعون الثقافة التنظيمية، ويحددون طبيعة العلاقات داخل المؤسسة، ويرسمون الحدود بين بيئة عمل تُطلق الطاقات البشرية وأخرى تُقيدها. ومن هنا تبرز أهمية الحديث عن ظاهرة باتت تحظى باهتمام متزايد في الأدبيات الإدارية الحديثة، وهي ظاهرة “المدير السام”. فهذه الظاهرة لا تقتصر آثارها على الأداء المؤسسي فحسب، بل تمتد إلى ثقافة المنظمة، وصحة العاملين النفسية، وقدرتها على الاحتفاظ بأفضل الكفاءات. عندما تصبح الكفاءة مصدر قلق المدير السام ليس بالضرورة شخصًا محدود الخبرة أو ضعيف الكفاءة. بل قد يكون ناجحًا في إدارة الملفات التشغيلية، ومتمكنًا من عرض الإنجازات أمام الإدارة العليا، وقادرًا على بناء صورة إيجابية لنفسه في المحافل الرسمية والإعلامية. إلا أن مشكلته الحقيقية تكمن في نظرته إلى الآخرين. فبينما يرى القائد الواثق في الموظف المتميز فرصة لتعزيز قوة المؤسسة، قد يرى المدير السام في الشخص الموهوب أو واسع الحضور المهني منافسًا محتملًا لمكانته. وقد كانت Jean Lipman-Blumen من أوائل الباحثين الذين تناولوا مفهوم القيادة السامة بصورة منهجية، موضحة أن بعض القادة ينجحون في الوصول إلى مواقع السلطة رغم السلوكيات المدمرة التي يمارسونها، مستفيدين من قدرتهم على التأثير وصناعة صورة إيجابية لأنفسهم، بينما تبقى الآثار الحقيقية لممارساتهم خفية داخل أروقة المؤسسة. وحين يشعر المدير السام بأن أحد العاملين تحت إدارته يمتلك خبرة أعمق، أو قدرة تحليلية أعلى، أو تأثيرًا اجتماعيًا ومهنيًا أوسع، يبدأ التوجس بالتسلل إلى قراراته. وهنا تتحول الكفاءة من قيمة مضافة إلى مصدر تهديد. ثمن الغيرة المهنية في بعض الحالات لا يتوقف الأمر عند حدود التهميش أو التجاهل، بل يمتد إلى التأثير في المسار الوظيفي للكفاءات المتميزة. فتُحجب فرص الترقية، وتُستبعد بعض الكفاءات من المشاريع المهمة، وقد تصل الأمور أحيانًا إلى إنهاء خدمات أفراد لم يكن ذنبهم سوى أنهم كانوا أكثر نجاحًا أو تأثيرًا أو قدرة على الإنجاز. والمفارقة المؤلمة أن المؤسسة تخسر في هذه الحالات أفضل عقولها، لا بسبب ضعف الأداء، بل بسبب قوة الأداء. وقد أشار الباحثان Robert Hogan وRobert B. Kaiser إلى أن بعض السمات الشخصية مثل النرجسية المفرطة، والحاجة المستمرة إلى السيطرة، والحساسية تجاه المنافسة، قد تساعد بعض الأفراد على الوصول إلى المناصب العليا، لكنها تصبح لاحقًا سببًا في تعثرهم القيادي وإضعاف المؤسسات التي يقودونها. ثقافة الخوف من أبرز سمات المدير السام أيضًا اعتماده على الشك بدل الثقة. فهو يفسر الرأي المختلف باعتباره تحديًا لسلطته، والنقد المهني باعتباره استهدافًا شخصيًا، والاستقلالية الفكرية باعتبارها تمردًا على السلطة. ومع مرور الوقت يسود الصمت داخل المؤسسة. لا يعود الموظفون يسألون: ما القرار الصحيح؟ بل يسألون: ما القرار الذي لن يزعج المدير؟ وهنا تبدأ المؤسسة بفقدان أهم مصادر قوتها: الأفكار الجديدة. وقد وصف المفكر الإداري Warren Bennis القيادة بأنها القدرة على تحويل الرؤية إلى واقع من خلال كسب ثقة الآخرين لا من خلال فرض السيطرة عليهم. فالثقة هي العملة الأساسية للقيادة الفعالة، وعندما يفقد العاملون ثقتهم بقائدهم يبدأ التراجع التنظيمي حتى وإن ظلت المؤشرات التشغيلية تبدو مستقرة لبعض الوقت. ولا يقتصر أثر هذا المناخ على تراجع الروح المعنوية فحسب، بل يمتد إلى جودة القرارات نفسها. فكلما ازداد الخوف داخل المؤسسة، تراجعت احتمالات ظهور الأفكار الجديدة أو الاعتراضات المهنية التي قد تمنع وقوع الأخطاء. ولهذا تؤكد أبحاث Amy Edmondson أن المؤسسات الأكثر نجاحًا ليست تلك التي تخلو من الأخطاء، بل تلك التي يشعر فيها العاملون بالأمان النفسي الكافي للتعبير عن آرائهم ومناقشة الأخطاء والتعلم منها دون خشية العقاب أو الإقصاء. كما يشير Patrick Lencioni إلى أن غياب الثقة يمثل الخلل الأول الذي يقود إلى سلسلة من المشكلات التنظيمية تبدأ بالخوف من إبداء الرأي، ثم ضعف الالتزام، وانخفاض المساءلة، وانتهاءً بتراجع النتائج. عندما يصبح المظهر أهم من الحقيقة ومن السمات المتكررة لدى بعض المديرين السامين اهتمامهم المبالغ فيه بالمظهر على حساب الجوهر. فالجوائز، والألقاب، والتغطيات الإعلامية، والعروض التقديمية اللامعة قد تصبح أولوية تتقدم على معالجة المشكلات الحقيقية أو تطوير الكفاءات البشرية أو بناء ثقافة مؤسسية صحية. ويصبح السؤال الذي يحكم كثيرًا من قراراته: كيف نبدو أمام الآخرين؟ بدلاً من كيف نصبح أفضل فعليًا؟ ونتيجة لذلك تتسع الفجوة بين الصورة الخارجية للمؤسسة وواقعها الداخلي، فتبدو ناجحة في التقارير والعروض الرسمية بينما يعاني العاملون فيها من مشكلات لم تجد من يتعامل معها بجدية وشفافية. وتشير العديد من الدراسات والمقالات المنشورة في Harvard Business Review إلى أن أحد أخطر مؤشرات ضعف القيادة هو اتساع الفجوة بين الصورة التي تعرضها المؤسسة للعالم الخارجي والواقع الذي يعيشه موظفوها في الداخل. فالمؤسسات القوية تبني سمعتها من خلال ثقافتها وأدائها، لا من خلال حملات العلاقات العامة وحدها. الضغوط النفسية تبدأ من هنا كثير من الضغوط النفسية التي يعاني منها العاملون لا تنشأ من طبيعة العمل نفسها، بل من طبيعة العلاقة مع المدير المباشر. فالموظف يستطيع تحمل ساعات عمل طويلة عندما يشعر بالاحترام والإنصاف والتقدير. لكنه يجد صعوبة كبيرة في العمل داخل بيئة يسودها الخوف أو التحيز أو التشكيك المستمر. ويؤكد Daniel Goleman أن الذكاء العاطفي يمثل أحد أهم عناصر القيادة الفعالة. فالقائد الذي يتمتع بالوعي الذاتي والقدرة على إدارة مشاعره والتعامل باحترام مع الآخرين يخلق بيئة أكثر استقرارًا وإنتاجية. أما عندما تغيب هذه المهارات، فإن السلطة الإدارية قد تتحول إلى مصدر دائم للتوتر والصراعات والاستنزاف النفسي. وقد أظهرت أبحاث Gallup أن المدير المباشر يمثل أحد أهم العوامل المؤثرة في اندماج الموظفين وإنتاجيتهم واستمرارهم في العمل. ومن هنا جاءت العبارة الشهيرة في أدبيات الإدارة: الناس لا يتركون المؤسسات، بل يتركون المديرين. ما الذي تحتاجه المؤسسات؟ المؤسسات الحديثة لا تحتاج إلى مزيد من السيطرة، بل إلى مزيد من القيادة. تحتاج إلى قادة يمتلكون الثقة بالنفس الكافية للاحتفاء بالكفاءات لا محاربتها، ويعتبرون نجاح الآخرين نجاحًا لهم لا تهديدًا لمكانتهم. فالقائد الحقيقي لا يقاس بعدد الأشخاص الذين يخضعون لسلطته، بل بعدد الأشخاص الذين ساعدهم على النجاح. وقد أشار Jim Collins في دراسته الشهيرة Good to Great إلى أن المؤسسات العظيمة يقودها أشخاص يجمعون بين التواضع الشخصي والإرادة المهنية الصلبة. فهم لا يجعلون المؤسسة امتدادًا لذواتهم، ولا يرون في نجاح الآخرين تهديدًا لمكانتهم، بل يعتبرون بناء القيادات والكفاءات جزءًا من مسؤوليتهم الأساسية. كما يؤكد Peter Drucker أن المهمة الجوهرية للقيادة ليست إدارة الأشخاص بقدر ما هي تمكينهم من تحقيق أفضل ما لديهم. فالمؤسسة القوية لا تُقاس بعدد التعليمات التي تصدرها الإدارة، بل بقدرتها على تحويل المعرفة والخبرة والموهبة إلى نتائج مستدامة. بعد الرحيل من المفارقات التي تتكرر في كثير من المؤسسات أن الأثر الحقيقي للمدير السام يظهر بعد مغادرته المنصب أكثر مما يظهر أثناء وجوده فيه. فبمجرد رحيله تبدأ الاجتماعات باستعادة روح الحوار، وتتحسن العلاقات بين الإدارات، وتظهر مبادرات كانت مؤجلة، ويزداد استعداد الموظفين للمشاركة والتعبير عن آرائهم. وقد لا تُذكر هذه الحقيقة في التقارير الرسمية، إلا أن حالة الارتياح التي تسود المؤسسة بعد رحيل بعض القيادات تمثل أحيانًا أصدق مؤشر على حجم العبء الذي كانت تشكله تلك القيادة. الخلاصة المؤسسات العظيمة لا تُبنى بالخوف، ولا تنمو بالشك، ولا تزدهر بإقصاء الكفاءات أو محاربة أصحاب المواهب. إنها تُبنى بالثقة، والعدالة، واحترام الإنسان، وإطلاق الطاقات الكامنة في الأفراد. فالقائد الحقيقي لا يخشى أن يكون من حوله أكثر معرفة أو خبرة في بعض المجالات، لأنه يدرك أن نجاحهم هو نجاح المؤسسة بأكملها. أما المدير السام فيرى في كل موهبة تهديدًا، وفي كل رأي مستقل تحديًا، وفي كل نجاح لغيره انتقاصًا من مكانته. الخوف قد يفرض الطاعة مؤقتًا، لكنه لا يصنع ولاءً، ولا يطلق إبداعًا، ولا يبني مؤسسة عظيمة.
2058
| 23 مايو 2026
لا يُعدّ معرض الدوحة الدولي للكتاب مجرد حدثٍ ثقافي موسمي يتكرر في أجندة الفعاليات القطرية كل عام، بل هو مساحة حيوية تلتقي فيها الأفكار ويتحرر فيها الخيال، ليصبح تظاهرة حضارية تتقاطع عندها كافة أطياف المعرفة وثقافات الشعوب. لقد تجدد المشهد في هذه النسخة بثوبٍ أنيق يتسم بالاحترافية، في معرض الدوحة للكتاب تزاحمت دور النشر بالإصدارات المتنوعة، وهو ما يحمل في طياته رسائل عميقة؛ فالتنظيم المتقن والأنشطة المتعددة ليست سوى انعكاس لأهداف سامية تستهدف بناء الإنسان، كباراً وصغاراً، وتغرس في نفوسهم شغف القراءة كنهج حياة. إننا حينما نطالع الكتب، لا نكتفي برؤية العالم من خلالها فحسب، بل إننا نرى أنفسنا أيضاً؛ نرى ذاتنا وأحلامنا وتاريخنا في تلك الحروف التي يخطها كتابنا ومثقفونا وشعراؤنا. فالكتاب بصفة عامة هو حيزٌ إنساني رحب، يخاطب الإنسان حيثما كان وبأي لغةٍ نطق، وعندما يخطو الكتاب نحو العالمية، فإنه يُقرأ بعيون مختلفة وثقافات متباينة، مما يعزز قيم التواصل الإنساني. ولا ننسى في هذا المقام أن نشير الى إن العرب كانوا من أوائل صنّاع خريطة العلوم والأدب العالمي، ولنا في تراثنا أمثلةٌ شاخصة؛ منها مؤلفات ابن حيان التي وضعت لبنات العلوم، وصولاً إلى الحكايات العربية التي عبرت الحدود، كقصة "الفارس الملثم" مثلاً التي انتقلت من الأدب العربي لتترجم وتُصاغ عالمياً في شخصيات مثل "روبن هود" و"زورو"، في دلالة واضحة على تأثير الإبداع العربي الممتد عبر العصور. ختاماً، تبقى الثقافة خط الدفاع الأول في وجه مسببات الفرقة والفتنة والشرور؛ فهي الملاذ الآمن لفهم الإنسان، وكما قيل: "إذا أردت أن تفهم إنساناً، فاقرأ أدبه". ومعرض الدوحة للكتاب يظلُّ، في كل عام، منارةً تؤكد أنَّ درب الثقافة هو الطريق الأمثل لمد جسور المحبة بين البشر، وبناء إنسانٍ واعٍ قادر على التغيير والارتقاء بوطنه وأمته.
1134
| 21 مايو 2026
كثيرة هي الكتب الفلسفية التي كتبت عن اليوتوبيا أو المدينة الفاضلة منذ جمهورية أفلاطون. قبل أفلاطون عرف المصريون القدماء والأشوريون والبابليون، أن المدينة الفاضلة لا تتحقق على الأرض بل في السماء. من هنا جاءت كثير من آثارهم، مثل المسلات المصرية والأهرامات، التي ترتفع مثلثة النهاية، دليلا على الانطلاق إلى السماء. في الوقت نفسه وضعوا كثيرا من القوانين، مثل قوانين حمورابي البابلي من أجل الحياة الأفضل. هل حققت القوانين اليوتوبيا؟ لم تحققها كاملة، ومن ثم يظل اجتهاد الإنسان في البحث عن عالم أفضل. رغم كثرة ما كُتب عن اليوتوبيا، أو تأليفه عن جزر أو بلاد خيالية، فإن الأدب والرواية في المقدمة، ترى في الديستوبيا أو المدينة الفاسدة مجالا أكثر. الجانب الخفي في هذا أن الأدب يُعنى بما هو جانح، أكثر مما هو سويّ. في الكتابة عن الجانح قد يرى البعض، أنه حافز للبحث عن الأجمل، لكن في رأيي أن القارئ العادي وهو يقرأ ذلك، يشعر بالإزاحة عن نفسه، ثم ينطلق يمارس حياته، وتبقى معه متعة القراءة. دائما أقول إن الأدب لا يغير العالم. الأدب يصنع إنسانا سويا. تغيير العالم يتم بالفكر والعلم والحروب للأسف. حين تنظر إلى اكتشاف أمريكا وما فعله المستعمرون الجدد، من إقامة مدن أو أماكن لهم، باعتبارها أرض الميعاد، التي تسربت فكرتها من اليهودية إلى بعض المذاهب المسيحية ذلك الوقت، تدرك ما فعلوه من إبادة للهنود الحمر السكان الأصليين، أو ما ظلوا يفعلونه عبر الزمان بالزنوج الذين كان يتم جلبهم من أفريقيا، في رحلات شهدت عليها الكتب فيما بعد والأفلام، وهكذا فما تصوروا أنهم يفعلونه من يوتوبيا، رآه الإبداع بأنه ديستوبيا وقام بتخليده في الروايات والأفلام فلم تضع الحقيقة. وهكذا سيكون مصير ما تفعله أمريكا والدولة الصهيونية بالشرق الأوسط الآن. رغم أن اليوتوبيا حلم لا يتحقق، وأن الطريق إليه يحقق جمالا كثيرا لكن غير نهائي، فهناك أنظمة سياسية عرفها العالم اعتبرت ما تفعله هو اليوتوبيا، وتم حرق الكتب والكتاب المعارضين، أو سجنهم أو نفيهم من البلاد، وهرب الكثيرون من دول مثل المانيا النازية وإيطاليا الفاشية والاتحاد السوفييتي بعد الثورة البلشفية والصين بعد الثورة الشيوعية. وحدث ذلك في دول عربية رفعت شعار الجمهورية مثل مصر أو سوريا أو العراق أو ليبيا. طبيعة الإبداع التي لا يفهمها كثيرون ممن بيدهم الأمر، من أنه يُعنى بما هو جانح، ومن هنا تأتي الدراما والحركة في العمل، والمتعة من قراءته أو رؤيته فيلما أو مسرحية، جاء القصور في فهمها سببا رئيسيا في عذاب المبدعين. وصل القصور إلى درجة أن الكثيرين يتصورون أن ما تقوله شخصيات الرواية، هو رأي المؤلف، وليس السبب فيه هو الصدق الفني في تصوير الشخصية، بين أحلامها وكوابيسها وقدرتها على التعبير. وزاد الأمر تعقيدا الآن مع الثورة الرقمية. مئات المنصات تقدم ما تراه نهائيا في تقدير الأمور، والإقبال عليها أكثر مئات المرات من الإقبال على الكتب، خاصة حين تستخدم ألفاظا غير مألوفة في الفضاء العام أو حركات مثيرة. وصارت المنصات الرقمية مجالا واسعا لحرب جديدة. يظل بينها الإبداع محاصرا، وقد تصيب الكآبة أصحابه، وقد تدفع البعض إلى محاولة استخدام هذه المنصات بنفس الطريقة الجذابة، لكن المبدع الحقيقي يعرف أن ساعات وأيام الخلوة مع ما يبدع من أحداث وشخصيات، هي العالم الحقيقي. هي اليوتوبيا الضائعة يشعر بها وحده مع الله، وإن جاء الإبداع ديستوبيا، وليس دعاية لأحد أو هجوما عليه.
1128
| 21 مايو 2026