رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
بدأت القوى السياسية المصرية تتجه نحو تشكيل كيانات جديدة تعتمد على آلية التكتل وبناء تحالفات بين القوى المتشابهة في خلفياتها ومرجعياتها الفكرية والأيديولوجية وهو ما يؤشر لبدايات مرحلة مغايرة في التفاعلات السياسية داخل المحروسة تنهي حالة التشظي والانقسام التي سادتها بعد نجاح ثورة الخامس والعشرين من يناير والتي سرعان ما تفتت القوى الشبابية والثورية والسياسية التي شكلت وقودها بعد إسقاط رؤوس النظام مما أدى إلى تأخر شديد في إنجاز أهداف الثورة الرئيسية المتمثلة في العيش والكرامة والعدالة الاجتماعية على نحو يكاد يهدد مكانة ومكان الثورة ذاتها .
وشهدت ساحة المحروسة في الآونة الأخيرة بروز عدد من الكيانات التي تراوحت مرجعياتها بين ليبرالية ويسارية وقومية ناصرية وغيرها وثمة ملاحظات رئيسة لدي عليها تتمثل في التالي:
أولا: إن بعض هذه الكيانات تبلور بهدف القضاء على ما بات يطلق عليه في مصر ب"أخونة" الدولة من قبل جماعة " الإخوان المسلمون " التي تعد الحاكمة الآن عبر ذراعها السياسي المتمثل في حزب الحرية والعدالة وقناعتي أن ثمة مبالغة في الأمر فهذا الحزب ليس هو الحاكم ولا يمتلك الأغلبية في البرلمان الذي تم حله وإن كانت هناك توقعات بعودته إلى ممارسة عمله غير أن قرار المحكمة الإدارية العليا أمس الأول تأجيل النظر في مسألة حله إلى الخامس عشر من أكتوبر المقبل يجعل من هذه الإمكانية غير قابلة للتحقق في ظل الالتباسات المحيطة بالمشهد السياسي المصري ومن الممكن أن تتحول هذه العودة إلى مصدر قلق وليس مبعثا على استقرار أو تمكين .
ثانيا: إن بعض هذه الكيانات تشكل من باب المكايدة أو المعاندة للإخوان وفق تعبير الكاتب الصحفي المصري وائل قنديل دون أن تتقدم بمشروع بديل لمشروع الإخوان المسلمين وحزب الحرية والعدالة واللافت أنها – أي بعض هذه القوى – يسعى فقط إلى إجهاض حركة الجماعة وذراعها السياسي بينما هو يفتقر إلى المبادرة والقدرة على الفعل المؤثر الذي من شأنه أن يطمئن الواقع المصري بأنه يمتلك برنامجا وخيارات أخرى خاصة عندما يصل إلى موقع السلطة سواء برلمانية أو تنفيذية وقد لاحظت من خلال متابعتي لمفردات المشهد المصري تصاعد حالة صراع غير موضوعية تندد بما يطلق عليه حكم المرشد وكأنه معادل موضوعي لحكم العسكر والمناداة بإسقاط الرئيس مرسي رغم أنه جاء إلى الانتخابات عبر آلية الديمقراطية المتعارف عليها والمتمثلة في صناديق الاقتراع في ظل رقابة قوية من السلطة القضائية ومنظمات المجتمع المدني وجهات دولية وقد دعا ممثلو هذه القوى إلى المشاركة في السلطة الحالية التي يقودها الرئيس محمد مرسي سواء في حكومة الدكتور هشام قنديل أو عبر الفريق الرئاسي فلم يستجيبوا للدعوة وأظن أنهم لو أقدموا على خطوات إيجابية على هذا الصعيد لخففوا مما يطلقون عليه أخونة الدولة ومؤسساتها .
ثالثا: ثمة كيانات تشكلت لا يمكن للمرء أن يشكك في نواياها ومهارة كوادرها ورجالاتها ولكني أخشى ما أخشاه أن يكون اندماجها فيما بينها لم يتأسس على منطلقات موضوعية وشفافة بهدف الدخول في تحالفات انتخابية فحسب استعدادا للانتخابات البرلمانية المرتقبة أو الرئاسية التي يحاول أن يروج لإجرائها في أعقاب الانتهاء من الدستور الجديد أو حتى بعد أربع سنوات وفق الإعلان الدستوري الذي ما زال يحكم العملية السياسية في المحروسة وبالتالي فإن هذه الكيانات التي ما زالت في طور التشكل والبناء مطالبة بأن تجعل نصب أعين قادتها ومنظريها ومسؤوليها مستقبل مصر وكيفية صياغة وطن جديد وفق المحددات التي صاغتها ثورة الخامس والعشرين من يناير والتي تمثل السياق الشرعي لجميع القوى المؤمنة بها .
رابعا: الملاحظ أن هناك قوى تنتمي إلى الماضي البعيد بشقيه: الحزب الوطني الذي كان حاكما قبل سقوط نظام مبارك وبعض الأحزاب الورقية التي تشكلت بمباركة من رجال هذا النظام ضمن عملية تجريف واسعة للمشهد السياسي المصري آنذاك بحيث لايظل فيه إلا المرتبطون بالولاء ليس لمبارك الأب وإنما لجمال مبارك والذي كان يتعامل خلال العقد الأخير بحسبانه الرئيس القادم بل كان رجال والده ينادونه ب"االريس "وهي اللفظة العامية لمفردة الرئيس بالفصحى والمفارقة أنه كان هو يناديهم قبل سنوات ب" أونكل " أي العم قبل أن يصعد نجمه سياسيا بدعم من والدته سوزان وأركان نظام والده ثم والده شخصيا في السنوات الأخيرة .
وهذا النمط من الكيانات السياسية لن يكون له هدف سوى السعي بكل قوة لإعادة إنتاج الماضي وهو ما يتجلى فيما يسمى بحزب الحركة الوطنية الذي يقوده أحمد شفيق المرشح السابق للانتخابات الرئاسية ويضم مجموعة من الشخصيات التي تنقل ولاءها حسب ما يتحقق لها من أرباح ومكاسب وليس وفق قناعات وطنية حقيقية وجوهرية ومن يقرأ أسماء مؤسسي حزب شفيق سيفاجأ بحجم الراغبين في العودة إلى الماضي القريب وهدم أي تحرك باتجاه المستقبل وقد انتابني ارتياح لأن بعض الأسماء أعلنت بقوة انسحابها من هذا الحزب الطفيلي النشأة من أمثال جمال الغيطاني ومكرم محمد أحمد وغيرهما لأنه رغم اختلافهما مع جماعة الإخوان فلا يمكن أن يقبلا بالتعامل مع محاولة كريهة لإعادة إنتاج ماض أشد كراهة .
خامسا: إن بعض التيارات التي تم تدشينها من قبيل المؤتمر المصري بقيادة عمرو موسى والتيار الشعبي بزعامة حمدين صباحي إلى جانب حزب الدستور برئاسة الدكتور محمد البرادعي والموصوف دوما بأنه روح الثورة المصرية والذي أتمنى أن يتحالف مع الشعبي ومع حزب مصر القوية بقيادة الدكتور عبد المنعم أبو الفتوح بوسعها أن تشكل البديل السياسي القادر على قيادة المرحلة المقبلة في المحروسة وحتى ذلك الحين فإنها يمكن أن تقوم بممارسة المعارضة النزيهة والقوية لجماعة" الإخوان المسلمين " وترشيد أداء حزب الحرية والعدالة السياسي خاصة على صعيد التعامل مع القضايا الداخلية والقيام بمهمة تقويم اعوجاج حكومة الدكتور هشام قنديل التي يبدو أنها مازالت غضة في بعض المناحي بالذات فيما يتصل بالتعاطي مع الأزمات المشتعلة والتي ما زالت تشتعل تجلياتها الشديدة السلبية في أنحاء المحروسة شمالا وجنوبا وهو ما رصدته بقوة خلال زيارة هذا الأسبوع لمدينتي – للأقصر- من قبيل نقص أنابيب الغاز وغياب السولار عن محطات بيعه واستمرار بعض مظاهر الانفلات الأمني فضلا عن استمرار الإضرابات عن العمل في قطاعات حيوية ذات تماس مباشر مع متطلبات الناس اليومية لاسيَّما أن قادة هذه الأحزاب والكيانات يتمتعون بشعبية جارفة فضلا عن صدقية سياسية وقدرات وخبرات واسعة .
سادسا: المفارقة في هذا الشأن تكمن في غياب كيان أو تنظيم يمثل بحق شباب ثورة الخامس والعشرين ويبدو أنهم الخاسرون في المعادلة السياسية الراهنة في المحروسة وربما يعود ذلك إلى ما أصابهم مبكرا من انقسام في تكوينهم مما أثر على فعاليتهم السياسية والحركية وبعضهم للأسف أصيب بشراهة الظهور والتنقل من فضائية لأخرى دون أن يمتلك القدرة على الدخول في مواجهة مع الواقع والارتباط بالجماهير فتحولوا إلى مجرد ظاهرة صوتية والآن ينددون بالأخونة وحكم المرشد بينما كان في وسعهم لو تحركوا مثلما كان رجال وكوادر جماعة الإخوان يتحركون أن يحققوا مراكز متقدمة في المعركة البرلمانية التي جرت العام المنصرم وأظن أنه بات عليهم أن يتعلموا الدرس ويتركوا التنظير إلى الانخراط في التعاطي مع مفردات الواقع وإلا فإنهم يحكمون على مستقبلهم السياسي الذي تترقبه جماهير المحروسة بالغموض إن لم يكن بالإهدار.
السطر الأخير:
في العتمة
أترقب وجهك أيا ضوئي المسافر
فعودي لتكويني
دثريني بدفء عينيك
بحقولك الحبلى
بفتنة الأساطير
منتظرا هطولك على قلبي
فيشرق نبضه بعد صمت وثلج ونار
علميني حروف العشق
اكتبيني في دفاترك قمحا وشمسا ونهارا
باركي خطوتي الأولى
في كتابة القصيدة
وغزل الأشعار
انتفاضة أم هبة في فلسطين..؟
ثمة من يحاول أن يقلل من الحراك الشعبي المدهش في الأراضي العربية الفلسطينية المحتلة بوصفه مجرد هبة جماهيرية... اقرأ المزيد
395
| 11 يناير 2016
أحوال الأمة في العام 2016
بعد ساعات قليلة، نعانق العام الجديد 2016 وثمة تساؤل يدق الرؤوس: هل سنشهد أحوالا مغايرة لأحوالنا في العام... اقرأ المزيد
449
| 28 ديسمبر 2015
ليبيا .. الخروج من دائرة الوجع
ينطوى الاتفاق السياسي الذي وقع عليه الفرقاء الليبيون بمدينة الصخيرات المغربية يوم الخميس الماضي, على رغبة حقيقية في... اقرأ المزيد
322
| 21 ديسمبر 2015
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
خطاب ليس ككل الخِطابات، بل كان مصارحة وطنية صريحة من حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى ورسالة حازمة تستوجب من كل مواطن ومقيم أن يتوقف عندها طويلًا، وأن يدرك أن المرحلة التي نعيشها ليست كسابقاتها، وأن ما ينتظر العالم من تحديات وتقلبات لا يترك مجالًا للاستهانة أو التراخي أو الاتكال على المكتسبات. لقد خاطب سموه شعبه بوضوح القائد الذي لا يجامل في الحقائق، ولا يخفي التحديات، بل يراهن على وعي شعبه ونضجه وحسه بالمسؤولية. وهذا ما عهدناه من قيادتنا، صراحة في الخطاب، وشفافية في الموقف، ومصارحة مباشرة للمواطن، إيمانًا بأن الشعوب الواعية شريكة في حماية أوطانها. إننا أمام عالم مضطرب، تتبدل فيه الموازين، وتتصاعد فيه الأزمات، وتضيق معه مساحة المنطق والعقل. ولم يعد أحد يستطيع الجزم بمآلات الأحداث، أو كيف ستأتي الأزمات وتنتهي. وحتى الدول التي عاشت عقودًا من الرخاء والاستقرار لم تعد بعيدة عن هذه التحولات. وقطر، رغم ما تنعم به من أمن وازدهار، ليست جزيرة معزولة عن العالم، ولا استقرارها مبررًا للغفلة عما يدور حولها. والحقيقة أن الدولة منذ سنوات لم تتوقف عن التنبيه إلى التحديات والاستعداد للمستقبل، والتأكيد على أن قطر تستحق الأفضل من أبنائها. فقد استثمرت في الإنسان القطري، ووفرت له من الأمن والتعليم والصحة والرفاه والخدمات ما وضعه في مصاف أكثر شعوب العالم رفاهية في وقت قصير جداً. ولم يكن ذلك امتيازًا بلا مسؤولية، بل رهانًا على مواطن يكون عند الشدائد بحجم وطنه، وعند المسؤولية بمستوى ما أُودع فيه من ثقة وإمكانات. وهنا يجب أن نواجه أنفسنا بسؤال لا يحتمل المجاملة: ماذا قدمنا نحن لقطر مقابل كل ما قدمته لنا؟ وهل أدينا واجباتنا بالقدر نفسه الذي نطالب فيه بحقوقنا؟ وهل نحن مستعدون حقاً لكل ما يجري حولنا؟ انتهت مرحلة مواطن يكتفي بالانتفاع من مكتسبات وطنه دون صيانته، ولا بموظف يرى في وظيفته راتبًا وساعات حضور وانصراف، ولا بمسؤول يؤجل القرارات ويتنصل من المسؤوليات. فالتقصير اليوم ليس مجرد خلل إداري، بل ثغرة في جدار امن الوطن وامانه. ولا تقتصر المسؤولية على المواطن وحده، بل تشمل كل مقيم يعيش على أرض قطر وينعم بأمنها واستقرارها. فالمقيم شريك في البناء والإنتاج، والإخلاص في العمل واحترام القانون وصيانة الممتلكات العامة واجبات لا تستثني أحدًا. وإذا كان المواطن يحمل مسؤولية الانتماء والمصير، فإن المقيم يحمل أمانة تجاه بلد فتح له أبواب العيش والعمل والاستقرار. فنهضة قطر مسؤولية كل يد تعمل على أرضها. وليعلم الجميع أن الدفاع عن الوطن لا يكون بالبندقية وحدها؛ فكل موقع عمل ثغر، وكل أمانة مسؤولية، وكل تقصير خسارة. المعلم يدافع بعلمه، والطبيب بإخلاصه، والموظف بإتقانه، والمسؤول بنزاهته، والإعلامي بكلمته. فالكلمة الصادقة سلاح، والموقف المسؤول سلاح، وحماية المال العام سلاح، والإنتاج والانضباط والإخلاص أسلحة تحمي مستقبل الوطن. لقد مرت على الأمم عصور رخاء وشدة، وهذه سنة الحياة، لكن التاريخ لا يخلد من استمتعوا بالنعم فحسب، بل يسجل من حافظوا عليها حين اشتدت الظروف، ومن سهروا وتعبوا وضحوا براحتهم ليبقى وطنهم قويًا عزيزًا. إن قطر اليوم لا تحتاج منا مزيدًا من عبارات الحب والولاء بقدر ما تحتاج ترجمتها إلى وقفة صادقة وعمل وإنجاز ومسؤولية. فالولاء الذي لا يظهر في إتقان العمل، والانتماء الذي لا يترجم إلى عطاء، كلمات لا تحمي المكتسبات. لقد أعطتنا قطر الكثير، وحان الوقت الذي لا نسأل فيه ماذا نريد منها، بل ماذا تستحق منا. فالأوطان لا تضعف حين تقل مواردها فقط، بل حين يتراجع شعور أبنائها بالمسؤولية. والمرحلة لا تحتمل متفرجين، والتاريخ لن ينتظر المتقاعسين.
12138
| 20 أكتوبر 2026
هناك قضية أراها مهمة جدًا، ولا ينبغي غضّ الطرف عنها، تتعلق بالتعليم الجامعي لأبناء المقيمين في دولة قطر، وما تتحمله أسرهم من أعباء مالية قد تحول بين هؤلاء الشباب وبين استكمال دراستهم وبناء مستقبلهم. المقيمون جزء أساسي من مجتمعنا، ويشكّلون النسبة الأكبر من سكان دولة قطر، ويشاركوننا العمل والبناء، ويسهمون في تسيير شؤون الحياة في مختلف المجالات الإدارية والمهنية والخدمية، في القطاعين العام والخاص. وما داموا يعيشون بين ظهرانينا، ويشاركوننا مسيرة التنمية، فإن معاناتهم تستحق أن تجد آذانًا صاغية، خصوصًا حين تتعلق بتعليم أبنائهم ومستقبلهم. كثير من هؤلاء الأبناء وُلدوا وترعرعوا في قطر، وتلقّوا تعليمهم في مدارسها، حتى وصلوا إلى أبواب الجامعة. وهنا تبدأ المعاناة؛ فالقبول في الجامعات الوطنية تحكمه شروط ومنافسة، وقد لا تتاح الفرصة لكل طالب، فتتجه الأسرة إلى خيارات جامعية أخرى، لتجد نفسها أمام رسوم تفوق قدرتها المالية. وحتى حين يتاح القبول، قد تبقى تكلفة الدراسة عائقًا أمام استكمالها. ولنتصور أسرة يبلغ دخلها الشهري خمسة عشر أو ثمانية عشر ألف ريال، تدفع منه إيجار السكن، وتغطي مصاريف المعيشة وتعليم الأبناء والتزامات الحياة اليومية. كيف تستطيع تحمّل رسوم جامعية مرتفعة، خصوصًا إذا وصل اثنان أو ثلاثة من أبنائها وبناتها إلى الجامعة في وقت واحد؟ هنا يجد الأب نفسه أمام معادلة صعبة بين تأمين احتياجات أسرته وتمويل دراسة أبنائه. والتقسيط، وإن كان يخفف العبء، يحتاج هو الآخر إلى مراجعة؛ فتوزيع الرسوم على دفعتين خلال الفصل الدراسي قد لا يحل المشكلة. المطلوب ترتيبات أكثر مرونة، تراعي الدخل الشهري والالتزامات الفعلية، وتمنح الأسرة قدرة واقعية على الوفاء. أقول ذلك لأنني أرى هذه المعاناة لدى أسر قريبة مني، وأسمع ما يؤلم القلب من آباء وأمهات يشغلهم مستقبل أبنائهم. شباب لديهم الرغبة والاستعداد والاجتهاد، لكن الإمكانات المالية تقف أمام طموحاتهم. ومن المؤلم أن يتوقف مسار شاب أو شابة عند الثانوية لعجز الأسرة عن تحمّل تكلفة الجامعة. ومن هنا، أرفع هذه الرسالة إلى وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي، وإلى الجامعات والجهات المعنية، نحتاج إلى خطة واضحة توسّع فرص التعليم الجامعي الميسّر لأبناء المقيمين في القطاعين العام والخاص، من خلال مراجعة الرسوم، وتوفير منح جزئية تراعي دخل الأسرة وعدد أبنائها الملتحقين بالجامعة، وتقديم خصومات للأشقاء، واعتماد أقساط شهرية مريحة. كما يستحق الأمر دراسة تسهيل إنشاء مؤسسات جامعية وطنية تقدم تعليمًا جيدًا لأبناء المقيمين برسوم معقولة، وتشجيع الشراكات التي تسهم في تمويل دراسة الطلبة المستحقين، وتمنح الأسر خيارات تتناسب مع إمكاناتها. قطر التي جعلت التعليم ركيزة أساسية في نهضتها، قادرة على إيجاد حلول تحفظ جودته وتوسّع فرص الوصول إليه. وتعليم هؤلاء الشباب يفتح أمامهم أبواب العمل والعطاء، ويعزز إسهامهم في المجتمع الذي نشأوا فيه. معاناة هذه الأسر تستحق الالتفات والعمل؛ فلا ينبغي أن يبقى الوالدان قلقين كلما اقترب أبناؤهما من إتمام المرحلة الثانوية، ولا أن تتحول فرحة النجاح إلى سؤال موجع: كيف سندفع رسوم الجامعة؟ إنه ملف جدير بالاهتمام، ويستحق التعامل معه بجدية.
9489
| 22 أكتوبر 2026
تصلك الدعوة رسمية الصياغة، تحمل عبارة "مؤتمر صحفي"، وتصل إلى المدربين رسائل تبشّرهم بـ"التكريم" و"الاعتماد"، فيحضر الجميع متوقعين أن يعرفوا ماذا سيُعلن، ومن سيُكرَّم، وعلى أي أساس، ثم يخرجون دون أن يعرفوا شيئًا من ذلك. والمشكلة ليست في ضعف التنظيم وحده، بل في غموض يحيط بالمنصة نفسها، فلا تعرف إن كنت أمام إطلاق مبادرة، أم إعلان سياسة، أم احتفال بروتوكولي لالتقاط الصور. في القاعة طاولة وكرسيان، المشهد المألوف لأي مؤتمر صحفي. لكن الكرسيين بقيا فارغين، فلم يجلس عليهما أحد، ولم يُفتح باب للأسئلة، ولم تكن في القاعة صحافة أصلًا. والمؤتمر الصحفي ليس ديكورًا، بل عقد ضمني تقول فيه المؤسسة: هذا ما نفعله، واسألونا عنه. فإذا غاب السؤال غابت المساءلة، وصار "المؤتمر الصحفي" مجرد اسم على بطاقة دعوة. أما المدربون، فقد دُعوا إلى ما قيل إنه حفل تكريمهم. ترك كثير منهم أعمالهم وحضروا، ثم جلسوا على الكراسي طوال الفعالية دون أن تُنادى أسماؤهم، وفي النهاية وُجّهوا إلى مبانٍ مختلفة ليستلموا شهاداتهم بأنفسهم. والتكريم رسالة اعتراف قيمتها في علنيتها، ومن يُستدعى من عمله ليُكرَّم ثم يُصرف إلى مكتب آخر، لا يشعر بالتقدير، بل يشعر بأنه رقم في قائمة الحضور. والمفارقة أن من عوملوا بهذه الطريقة هم المدربون أنفسهم، أي من يُفترض أن تقوم عليهم السياسة المعلنة كلها. والأغرب من طريقة التسليم هو مضمونه. فقد حصل المدربون على تصنيفات دون أن يُعلَن على أي أساس صُنِّفوا، وكثير منهم يتساءلون: لماذا وُضعنا في هذا التصنيف؟ وما الفائدة التي ستعود علينا منه؟ فالتصنيف بلا معايير معلنة يشبه أن يتسلم طالب درجته النهائية دون أن يعرف كيف وُزّعت الدرجات ولا ماذا تعني لمستقبله؛ قد تكون عادلة، لكنه لن يثق بها ولن يعرف كيف يتحسن. والتصنيف العادل يجيب قبل تطبيقه لا بعده عن ثلاثة أسئلة: 1. ما المعايير: الخبرة، أم الساعات التدريبية، أم المؤهلات، أم التقييم الميداني؟ 2. ما المستويات، وما الفرق بينها؟ 3. ما الأثر: فرص تدريبية، أم أولوية في التكليف، أم مسار للترقي؟ ثم عُرضت سياسة للتعليم المستمر والتعلم مدى الحياة (Lifelong Learning) كأنها توجه حديث. والحقيقة أن اليونسكو جعلت هذا المفهوم حجر الأساس في السياسات التعليمية منذ تقرير "تعلّم لتكون" (Learning to Be) عام 1972، ثم نصّ عليه الهدف الرابع من أهداف التنمية المستدامة عام 2015. أي أننا أمام مفهوم عمره أكثر من خمسين عامًا، فأين كانت الجهة المعنية بالتعليم والتدريب طوال هذه العقود؟ لا عيب في أن تتبنى مؤسسة سياسة متأخرة، فالتأخر خير من الغياب. العيب أن تُقدَّم المتأخرة على أنها سابقة، وأن يُغلَّف اللحاق بالركب بلغة الريادة. الحوكمة أولًا ما جرى ليس أخطاء تنظيمية منفصلة، بل عَرَض لخلل في الحوكمة، وهي في أبسط معانيها: أن يعرف الناس ما الذي يُقرَّر، وعلى أي أساس، ومن المسؤول عنه. وحين يغيب السؤال عن المؤتمر، والمعايير عن التصنيف، وتتوزع المسؤولية بين مبانٍ وإدارات لا يجمعها أحد، فنحن أمام غياب لهذه الأسس الثلاثة معًا. وقد يكون وراء ذلك خوف من السؤال، أو تقديم للصورة على المضمون، أو ضعف في التنسيق الداخلي، ولا شيء من ذلك يبرر النتيجة. والمؤسسة التي تطالب المدربين بالجودة والمعايير، أولى بأن تطبّقها على نفسها أولًا. والمطلوب ليس كثيرًا: • سَمِّ الحدث باسمه، فالمؤتمر الصحفي تحضره الصحافة ويُفتح فيه السؤال. • أعلن بوضوح: مبادرة أم سياسة أم إطار عمل، بجدول زمني ومؤشرات قياس. • كرّم المدعوين على المنصة، لا في ممرات المباني. • انشر معايير التصنيف وآثاره وآلية التظلم قبل التطبيق. • اعترف بالمرجعية الدولية، فهي تمنح السياسة مصداقية ولا تنتقص منها. الوضوح ليس ترفًا إداريًا، بل احترام للجمهور وأساس للثقة. والمدرب الذي لا يعرف لماذا دُعي، ولا لماذا صُنِّف، ولا ماذا يُنتظر منه، لن يكون شريكًا في أي سياسة، مهما كان عنوانها لامعًا.
3453
| 22 أكتوبر 2026