رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
حالة من التشاحن داخل مصر حول ثورة 23 يوليو 1952، وكأن ثورة 23 يوليو كانت يوما وليست هي ستين عاما منذ ذلك اليوم. الجدل حول توصيف اليوم، ومن هو القائد؟ أو التغني بإنجاز كان، أو لم يتحقق، هو هروب من واجب الإدراك والتعلم والمسؤولية.
الذين يهاجمون، يمارسون ذات الأداء الذي استمر طوال الستين عاما الماضية، حرب نفسية القصد الرئيسي فيها ألا تتحرر مصر من التبعية وألا تملك إرادتها. وأن كل ما مضى كان كابوس ليل بهيم، وأنه أكاذيب وتاريخ للتعذيب وإعدام للديمقراطية، ولأنهم وحدهم يملكون الحقيقة، فعبد الناصر ليس هو قائد تنظيم الضباط الأحرار، وليسوا هم من جاءوا باللواء محمد نجيب، ولكن العكس، نجيب هو الثورة، وعبد الناصر هو من انقلب عليه، وهكذا يستمر الهجوم من البدايات عن تعمد جاهل بالتاريخ ووقائعه، ويقلبون الحقائق، ثم الاعتماد على مجرد الكلام لنقد ونقض وقائع جرت فوق الأرض لا يستطيع الكلام أن ينفيها من الوجود أو التاريخ أو يلغي ما ترتب عليها من آثار مجتمعية.
23 يوليو ليست يوما انقضى، ولكنها حركة مجتمع على مدى ستين عاما، وسط عالم ما بعد الحرب العالمية الثانية لينتهي إلى عالم العولمة، وحصار المنطقة واختراقها والسيطرة على مقدراتها.
وهذا ما يجب على المدافعين عن ثورة يوليو إدراكه، فهم أحد احتمالين، إما أنهم يدافعون عما كان، وهم بذلك يحاولون تبرير وجودهم وعجزهم الآني بادعاء الانتماء لما جرى إنجازه بحركة مجتمع كامل، دفع فيها من العرق والدم والصبر ما يتجاوز قدرة الأفراد وبعقيدة وطنية جسدتها إرادة الفعل بنجاحاته وإخفاقاته، ومع ذلك وجد المجتمع ذاته تتحقق.
والخيار الثاني، امتلاك روح الثورة، وعلى منهاج الاستقلال الوطني والتحرر الاجتماعي والاقتصادي والسياسي وباتجاه الأمة العربية، رغم الرياح التي عصفت بهذه المفاهيم والمعاني، من الداخل قبل الخارج، ومن الأنظمة التي أعلنت ذات الشعارات والمعاني وهي في الحقيقة كانت تبحث عن وراثة دور، والثورات ليست أدوارا تورث، وحركة المجتمع ليست تجارة سلع.
قال الأستاذ خالد محيي الدين عضو الضباط الأحرار وزعيم حزب التجمع المصري: "لقد استطاع جمال عبد الناصر أن يجمع مجموعة من الضباط الشباب من مختلف الاتجاهات السياسية حول أهداف الثورة الست"، والتي تحددت في التالي:
1. القضاء على الإقطاع.
2. القضاء على الاستعمار.
3. القضاء على سيطرة رأس المال على الحكم.
4. إقامة حياة ديمقراطية سليمة.
5. إقامة جيش وطني قوي.
6. إقامة عدالة اجتماعية.
وقبل السعي إلى تأسيس تنظيم الضباط الأحرار، كانت الفكرة الحاكمة هي أن الجيش عصا الملك في مواجهة الشعب، وأن انتزاع العصا من يد الملك هو الطريق لتحقيق أهداف الثورة.
الأمم لا تصنع تاريخها بالعرق والدم والفكر والإرادة، لتهدره أو تقع فريسة التجمد عند مرحلة من مراحله. وعندما تحدد الأمم أهداف نضالها، وتقرر أن هذه الأهداف هي مبررات الوجود، تصنع منها معيار مرجعيتها لقبول أو رفض كل ما يواجه مسيرتها سواء كان من الداخل أو من الخارج.
هل يدرك المهاجمون أو المدافعون معنى الاحتلال البريطاني لمصر؟ هل عاشوا تحت الحصار للمنازل، وترويع الأسر، ومطاردة الشباب واعتقالهم؟
هل يدركون معنى شعار "على الاحتلال أن يحمل عصاه على كتفه ويرحل أو يقاتل دفاعا عن وجوده"! كانت لغة جديدة، لم تكن حديث ساسة وسياسة وقصر وصراع على السلطة، ولكنها كانت لغة قرار للفعل، بدأ قبل 23 يوليو واستمر بعدها في موجات توافقت مع الحركة الشعبية لمقاومة الاحتلال البريطاني، حتى تحقق الجلاء.
وماذا يعني قانون الإصلاح الزراعي، هل هو تنفيس عن حقد تجاه كبار الملاك، أم أنه تحقيق للقضاء على الإقطاع، ألم تبقى المواجهة مع الإقطاع حتى منتصف الستينيات؟، فالظواهر الاجتماعية لا تنتهي لمجرد الرغبة في إنهائها، ولكنها تستغرق زمن إيجاد البديل ثقافة وسلوكا وإمكانية.
وماذا يعني تمصير المصالح الأجنبية في مصر، والمعنى ليس فقط في امتلاك مقدرات وطن، ولكن المعنى يشمل أيضاً كيف جرى إتمام ذلك. فقد خرجت التقارير من السفارات الأجنبية في مصر تقول إن المصريين الذين يدخلون إلى مكاتب الشركات الأجنبية فجأة ودون سابق إنذار، يعلمون كل شيء عنها، ويتجهون إلى ما يريدون حيث مكانه بمجرد دخولهم ودون إرشاد من أحد من هذه الشركات.
وهو ما جرى عند تنفيذ قرار تأميم قناة السويس، لم يكن الأمر مجرد اتخاذ قرار سياسي وإعلانه، ولكن واكبت ذلك دراسة القدرة على التنفيذ وتوفير الإمكانات لها، وتقدير الموقف قبل القرار وبعد إنجازه، ولعل أزمة المرشدين الذين أضربوا عن العمل بعد التأميم لإحراج الإدارة المصرية وإثبات عجزها، ولكن تم التعامل مع الموقف وإدارة الأزمة وتجاوزها مما يعني أن المواقف لم تكن عنتريات ولكنها إدارة وإرادة سياسية تدرك معنى القرار وتبعاته.
وإذا أردنا إدراك معنى البناء، فقصة النصر للتصدير والاستيراد والسيد محمد غانم ما يؤكد أنه لم يكن هناك شيء يتم بالصدفة، فقد طلب عبد الناصر من محمد غانم معايشة شركات التصدير والاستيراد والعمل بها ثم طلب منه تأسيس الشركة وبرأسمال 80 ألف جنيه، ولتصبح شركة النصر هي البوابة إلى الدائرة الإفريقية، وليست مجرد شركة للتجارة، بل تخطت ذلك إلى دعم الحركات التحررية في إفريقيا، وكانت أفرعها محطة ارتكاز لتفجير الحفار الذي استأجرته إسرائيل للتنقيب في خليج السويس بعد حرب 67.
ورغم الجهود العظيمة التي بذلت لبناء السد العالي، والتخطيط والتنفيذ، وتحقيق الهدف في توقيته، إلا أن علامة فارقة كانت الرابط بين خبرة البناء في السد وبين حرب 1973 حيث تمت الاستفادة من مدافع المياه التي كانت تستخدم للتجريف في السد كي تستخدم في فتح الثغرات في خط بارليف. ثم الموقف من الدائرة الإسلامية، لم يكن أبداً دعوة للخلافة الإسلامية مجهولة المصدر والمضمون والمقصد، ولكن التعامل مع الدائرة كان تعاملا مع الشعوب، ليتحول الأزهر إلى منارة علمية لعلوم الدين وعلوم الهندسة والطب وغيره من العلوم الإنسانية، ولم يكن الموقف من الأزهر يعني الخصومة مع الكنيسة، ولكن مشهد افتتاح الكاتيدرائية المرقصية بالعباسية كان ترجمة واضحة لمعنى هتاف "عاش الهلال مع الصليب" وهو ما أجهض كل محاولات الفتنة في ثورة 1919.
ثم تعبير انقلاب العسكر وحكم العسكر، فأين هم العسكر - الانكشارية والمماليك - الذين ينزعون عصا الملك من يده ويرفعون أهداف الشعب ويتجهون لتحقيقها واستطاب منزوعو العلاقة مع التاريخ وتطوره ترديد هذه العبارات دون أن يبذلوا جهدا لتحقيق أهداف الثورة، ولكن حركة المجتمع كانت أقوى بعد يونيو 1967 وجرت الوقائع التالية:
الأولى تظاهرات عمال حلوان وطلبة الجامعة فبراير 1968، وتم إصدار بيان 30 مارس كدليل عمل لفترة التحرير، ولعل البعض يعود لقراءة ماذا قالت حركة المجتمع.
الثانية أن النكت الشعبية نالت من رجال القوات المسلحة ووقف عبد الناصر وبوضوح ومكاشفة ليقول إن النكت تنال من معنويات الرجال وقدرهم، وأنها تمثل جانبا من حرب نفسية تستهدف مصر، لتتوقف النكت ويسود تيار شعبي رافض لأي نكتة تنال من القوات المسلحة، هكذا كان فعل الرجال وهكذا كانت حركة المجتمع.
الثالثة أن هذه الفترة شهدت وضع رؤية للعلاقة بين القوات المسلحة وبين الدولة، وأن القرار السياسي بيد السلطة السياسية، وليست هناك دولة داخل الدولة، تم هذا وفي أولى اللحظات بعد يونيو 1967 ولتكون هذه هي قاعدة العمل حتى حرب التحرير.
والنقطة الرابعة في استيعاب معنى العسكرية المصرية، تتمثل في الإجابة عن السؤال الأهم في معركة الإرادة واسترداد الشرف العسكري، من كان يقاتل في حرب الاستنزاف وحرب 1973؟ ألم يكونوا خريجي الجامعات المصرية وبلا استثناء؟ أي كل مصر، هل يعلم أحد ممن يتحدثون عن العسكر معنى هذا الاندماج وأثره على مصر، وأثره على القدرة القتالية للجيش المصري.
إن ذلك كله هو حركة مجتمع وليست حركة فئة أو جماعة أو أفراد. إن الاتصال في الأهداف بين ثورة يوليو وثورة يناير يؤكد أن حركة المجتمع تسعى لاستكمال أهدافها.
إن شعار "عيش حرية عدالة اجتماعية" كان دلالة على ما جرى إهداره بعد حرب التحرير 1973 ابتداء من سياسة الباب المفتوح الاقتصادية "الانفتاح"، وانتهاء إلى تسليم الإرادة الوطنية لأمريكا لأنها تملك 99% من أوراق اللعبة.
حركة المجتمع وليست الرؤية الاشتراكية لعبد الناصر هي التي استدعت قاعدة الـ50% عمالا وفلاحين كأعضاء بالمجالس المنتخبة، هذا تعبير عن حقيقة القوى الاجتماعية التي لا تستطيع منافسة مالكي الأموال على المقاعد النيابية، ليضمن لهم حقهم في التمثيل النيابي، إنه حركة مجتمع أيضاً يحاول من لا يملك الآن ومن لا يستحق سلب العمال والفلاحين هذا الحق.
والفارق كبير بين إلغاء نسبة الـ50% من العمال والفلاحين وبين وضع ضوابط وضمانات تنفيذها، ولقد عاصرت هذا الأمر عندما تقدم بعض المهندسين بطلب شطبهم من النقابة لأنهم سيخوضون الانتخابات بصفة "فلاحين"! ونزف القلب دماً عندما تجد مهندسا شابا يريد شطب اسمه من عضوية النقابة حتى يستطيع أن يسافر للخارج في مهنة أقل درجة ولأنها هي المتوفرة أمامه وتوفي احتياجه للعمل ولقمة العيش.
إن الصراع الذي تخوضه حركة المجتمع المصري من أجل التقدم في مواجهة أعداء الخارج والانتهازيين في الداخل، هي قصة ثورة يوليو أو الحقبة بين ثورتين، لتنفجر إرادة الشعب من جديد في ثورة يناير 2011.
إن ثورة يوليو ليست خطابا يلقى في مناسبة عيد قومي بارد لا ينتمي للثورة بأي معنى، كما أنها ليست زيارة لضريح عبد الناصر، إنها قصة عمل ونضال وبناء، هي قصة شعب وأمة، هي قصة حركات التحرر الوطني في كل مكان، والشعوب الساعية إلى الحرية والتنمية والعدالة الاجتماعية.
الرئاسة .. طموح ورغبة أم مسؤولية؟
دارت عجلة استفتاء المصريين على الدستور الجديد، ويركن البعض إلى حسابات نسب الحضور والموافقة للقول بأن الشعب المصري... اقرأ المزيد
883
| 14 يناير 2014
تخوُّف مشروع لصديق... من يدير؟
كتب الصديق إلهامي الميرغني، وهو باحث في شؤون النقابات وتاريخها، منبها لتسلل عناصر الفساد قبل يناير إلى المشهد... اقرأ المزيد
640
| 07 يناير 2014
الشعب يواجه الإقطاع السياسي
ردد الجميع تعبير أن الدستور عقد اجتماعي يتوافق عليه أبناء الوطن وقواه الاجتماعية، وعندما واتتهم الفرصة اتخذوا منه... اقرأ المزيد
540
| 10 ديسمبر 2013
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز لوحدة شعوب دول مجلس التعاون، ولصِلات الأخوة التي تربطنا باليمن والعراق. وأنها قمة شعبية نتحاور فيها، خليجيًا، بلغة كرة القدم. ولعل دور الإعلام هو الدور الأهم في ترسيخ مفاهيم وحدة المصير والعيش المشترك، وسأناقشه في نقاط كالتالي: 1 - على الخطاب الإعلامي أن يكون رياضيًا مطلقًا، فالَّلعبُ أداءٌ يُـظْهِـرُ مدى تقدُّم كرة القدم في الدول المشاركة. ولذلك، ينبغي أن يرتكز التحليل الرياضي على تبيين الجوانب الفنية، وعوامل القوة والضعف، والحالات التي أخطأ فيها المدربون واللاعبون والحكام، بحيث يُستفاد من ذلك في زيادة الوعي الرياضي وتثقيف العقل الجمعي للناشئة والشباب. 2 - لا أحد يستطيع منع التعصب المعتدل في تشجيع الجماهير لفرقها الوطنية، إلا أن دور الصحافة ووسائل الإعلام لا ينبغي أن يُمارس بهذه الصورة، وإنما يكون الرافعة التي يُستند إليها في تهذيب النفوس، وتقوية الروح الرياضية، والتقريب بين الشعوب. والملاحظ في بعض صحافتنا الخليجية أنها تُقوّي النزعات التعصبية بعناوينها ومقالاتها الرنانة التي لا تخدم إلا زيادة توزيعها، لكنها تُسهم في إضعاف الروح الرياضية وتؤثر سلبًا في نفوس بعض قرائها. 3 - حبذا لو استثمر الإعلام البطولة في الدعاية للاستثمار، وتشجيع التجارة البينية، والسياحة من خلال مقالات تستخدم خطابًا بسيطًا يتحدث عن الدول المشاركة واقتصاداتها وقوانينها التشجيعية لغير مواطنيها، فهذا مجال يخدم ما تسعى إليه الشعوب وقياداتها الحكيمة في دول مجلس التعاون. 4 - ما أروع لو تبنّى الإعلاميون الخليجيون خطابًا مرافقًا للخطاب الرياضي، فيه دعوة للمشاركة في البنى الرياضية الأكاديمية في دولنا، وتشجيع الهيئات الرياضية الرسمية على إيفاد الشباب للدراسة فيها، كأسباير على سبيل المثال، لأن الدارسين هم القادة الرياضيون والمجتمعيون في بلادهم، وستكون دراستهم مجالًا لتمتين الروابط بين شعوبنا مستقبلًا. كلمة أخيرة: نتمنى لمنتخبنا الوطني والمنتخبات المشاركة التوفيق، وتقديم صورة مشرقة عن كرة القدم في بلداننا، تُسهم في استكمال الصورة الحضارية التي ترسمها الجماهير.
5817
| 23 سبتمبر 2026
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
3882
| 29 سبتمبر 2026
جميل هذا التعاون الذي بدأته مؤسسة حمد الطبية في تحويل المواطنين للعلاج في مستشفيات القطاع الخاص، وهي خطوة تستحق الإشادة؛ لما تحققه من تخفيف الضغط على المستشفيات الحكومية، وتسهيل حصول المواطنين على الخدمات العلاجية، فضلًا عن دعم القطاع الصحي الخاص وتنشيط الحركة الاقتصادية. إنها منظومة يستفيد منها الجميع: الدولة والمواطن والمستشفى. منذ أيام، كانت لي تجربة شخصية بعد تحويلي من مؤسسة حمد الطبية إلى مستشفى «ذا فيو» لمتابعة حالتي مع أحد الأطباء. والحقيقة أن المستشفى يتمتع بمستوى راقٍ من حيث المبنى والتجهيزات والخدمات، لكنني خرجت بملاحظتين مهمتين أتمنى أن تأخذهما مؤسسة حمد الطبية بعين الاعتبار. الأولى: ربط الملفات الطبية. لا يُعقل أن يدخل المريض على الطبيب في المستشفى الخاص ليبدأ بسرد تاريخه المرضي من الصفر، وكأنه يروي قصة قصيرة! فقد ينسى بعض التفاصيل، أو يعجز عن شرح حالته بدقة، خصوصًا إذا كانت لديه أمراض مزمنة أو عمليات سابقة أو يتناول أدوية متعددة. المريض المحوَّل من مؤسسة حمد الطبية إلى القطاع الخاص يجب أن ينتقل بملفه الطبي وتاريخه العلاجي، لا أن يبدأ رحلته العلاجية من الصفر. لذلك، من الضروري أن تتضمن اتفاقيات التعاون ربطًا إلكترونيًا آمنًا يتيح للطبيب المعالج الاطلاع على الملف الصحي للمريض، بما يشمل تاريخه المرضي ونتائج فحوصاته وعملياته السابقة والأدوية التي يتناولها، وفق الضوابط المعتمدة لحماية خصوصية المرضى. فهذا الربط لا يضمن استمرارية الرعاية وسلامة المريض فحسب، بل يوفّر أيضًا وقت الطبيب، الذي قد تكون عيادته مزدحمة بالمراجعين، ويساعده على فهم الحالة بصورة أشمل وأدق، واتخاذ القرار العلاجي المناسب دون إضاعة الوقت في استعادة معلومات يفترض أن تكون متاحة أمامه منذ البداية. الثانية: توفير خدمة الترجمة الطبية ليس كل المواطنين يجيدون اللغة الإنجليزية، وليس كل من يتحدث بها قادرًا على فهم المصطلحات الطبية الدقيقة. ومع وجود أطباء لا يتحدثون العربية، تصبح الترجمة الطبية المتخصصة ضرورة لضمان فهم المريض لتشخيصه وخطته العلاجية وتعليمات الطبيب، لا مجرد خدمة إضافية. ومن المهم أن تتوافر هذه الخدمة عند الحاجة، من خلال مترجمين مؤهلين قادرين على نقل المعلومات الطبية بدقة، حتى لا يؤدي سوء الفهم إلى أخطاء في تناول الأدوية أو اتباع التعليمات العلاجية. إن نجاح هذه المبادرة لا يقتصر على تحويل المريض إلى مستشفى خاص، بل يتطلب ضمان استمرارية الرعاية الطبية وسهولة التواصل بين الطبيب والمريض. شكرًا لمؤسسة حمد الطبية على هذه الخطوة، وأتمنى أن تؤخذ هاتان الملاحظتان بعين الاعتبار لاستكمال منظومة التعاون وتحقيق الفائدة المرجوة منها للجميع.
3123
| 24 سبتمبر 2026