رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

الدكتورة حصة حامد المرواني

مساحة إعلانية

مقالات

411

الدكتورة حصة حامد المرواني

حين يحزن الوطن

24 مارس 2026 , 01:57ص

هناك حزنٌ لا يحتاج إلى تفسير، حزن يمرّ على القلوب بهدوء، لكنه يترك فيها أثراً واضحاً، كأنه يذكّرنا بشيء كنا نعرفه دائماً، ثم ننساه في زحمة الأيام، في مثل هذه اللحظات، لا يكون السؤال عمّا حدث بقدر ما يكون عمّا نشعر به نحن، وكيف نقترب من بعضنا أكثر دون أن نتفق مسبقاً على ذلك.

هذا النوع من الحزن لا يفرّق بين الناس، بل يجمعهم، يذيب المسافات التي صنعتها الحياة اليومية، ويعيد ترتيب العلاقات الإنسانية على أساس أبسط وأصدق: أننا نشعر ببعضنا، فجأة يصبح التعاطف لغة عامة، لا تحتاج إلى تعليم أو توجيه، نظرة عابرة، رسالة قصيرة، دعاء صادق، كلها تتحوّل إلى جسور صغيرة تربط القلوب ببعضها.

ولعل ما يلفت في مجتمعنا العربي، أن هذا التماسك العاطفي ليس حالة طارئة، هو جزء من تكويننا الإنساني، من ذاكرتنا الجماعية، من تربيتنا التي تعلّمنا أن الحزن ليس شأناً فردياً، بل مسؤولية وجدانية مشتركة، حين يتألم أحدنا، نشعر (بطريقة أو بأخرى) أن شيئاً في داخلنا يتألم معه، ليس بدافع الواجب فقط، بل بدافع الانتماء الذي نشأنا عليه.

في لحظات الفقد أو الوجع العام، يظهر هذا التماسك كقوة هادئة، لا يرفع صوته، ولا يسعى لإثبات نفسه، لكنه حاضر بوضوح في تفاصيل كثيرة، في قدرة الناس على أن يكونوا أكثر لطفاً، أكثر تفهّماً، وأكثر استعداداً لأن يمنحوا من وقتهم ومشاعرهم دون انتظار مقابل، كأن المجتمع كله يتحوّل إلى مساحة احتواء، يتقاسم فيها الجميع عبء الشعور حتى لا يبقى أحد وحيداً مع حزنه.

هذا التماسك العاطفي هو ما يمنح الأوطان قدرتها على العبور، ليس لأنه يلغي الألم، بل لأنه يخفّف وطأته، ويحوّله من تجربة فردية إلى تجربة مشتركة، حين نشعر أننا لسنا وحدنا، يصبح الحزن أقل قسوة، وتصبح القدرة على الاستمرار أقوى، وهنا تحديداً تتجلّى قيمة الروابط الإنسانية التي تربطنا، والتي لا تظهر حقيقتها إلا في أوقات الاختبار.

ربما لا نستطيع أن نمنع لحظات الحزن من المرور في حياة مجتمعاتنا، لكننا نستطيع أن نحافظ على هذا الإرث العاطفي الذي يميّزنا، إرث يجعلنا نلتقي حول المعنى قبل أن نلتقي حول الحدث، ونمنح بعضنا شعوراً بالأمان حتى في أصعب الظروف.

حين يحزن الوطن، لا يكتشف فقط حجم الفقد، بل يكتشف أيضاً حجم ما يملكه من قلوب متماسكة، قلوب تعرف بالفطرة أن الإنسانية، حين تتقدّم، تصنع من الألم مساحة أوسع للتقارب، ومن الصمت لغة أعمق للفهم، وفي هذا التماسك تحديداً، يبقى الأمل حيّاً، ويبقى المجتمع قادراً على أن ينهض كل مرة، أكثر قرباً من ذاته وأكثر وفاءً لمعناه.

مساحة إعلانية