رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
من يشاهد مدى تمسّك بعض الحكام بكراسيّهم في الحكم حتى بعد ثورة شعوبهم عليهم كما في مصر وتونس وليبيا واليمن.. يكاد يجزم بأن هؤلاء لم يلعبوا لعبة الكراسي يوماً ما في طفولتهم عندما يجري الأطفال حول مجموعة من الكراسي حتى إذا انتهت الموسيقى جلس الجميع عليها فإذا ظل أحدهم بلا كرسي يجلس عليه فإنه يخرج من اللعبة وهكذا دواليك حتى يخرج الجميع من اللعبة ويتبقى الفائز "الأول" بالكرسي "الأخير" حتى تنتهي اللعبة فيعاود الأطفال اللعبة من جديد وسط سعادة ولهو وضحك، أما من شاهد ولا يزال يشاهد حكام تلك الدول فيكاد يجزم بأنهم في طفولتهم كانوا عدوانيين وأنانيين ومكروهين ومنبوذين من بقية الأطفال.. فلا يصلحون لأن يلعبوا مع غيرهم من الأطفال الأسوياء الأبرياء.. ولا يصلحوا كذلك للعبة الكراسي.. لأنهم يؤمنون بوجود كرسي واحد فقط.. فلا تعددية عندهم في الجلوس على الكرسي الواحد.. وإنما هو شخص واحد.. لا شريك معه في هذا الكرسي.. إنه الحاكم.
مؤسف جداً أن نرى هؤلاء الطغاة المحسوبين على الأمة العربية والإسلامية ممن يدينون بدين الإسلام – من المفترض - ويعتقدون اعتقاداً جازماً – من المفترض أيضاً – أن الدنيا دار فناء لا دار بقاء، وأنها دار ممر لا دار مقر، وأنها لا تسوى عند الله جناح بعوضة، وأنها دار زرع والآخرة دار حصاد، فكيف بهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثاً ولا قولاً.. فهاهم يتمسكون بها ويتشبثون بمفاتنها وملذاتها الزائلة حتى آخر لحظاتهم بل وآخر أنفاسهم.. ولسان حالهم يقول بأنهم لا يؤمنون بأن هناك دار آخرة وأن وراءهم يوماً ثقيلاً سيُسألون فيه عن كل درهم أو دينار أو ريال جمعوه دون وجه حق أو اغتصبوه عنوة من الضعفاء والمساكين.. بل إن كل شبر من ممتلكاتهم وقصورهم وأراضيهم التي سدت الأفق سيحاسبهم عليها الله تعالى بعد أن يذوقوا أنواع الحسرة قبل ذلك، بأنهم باعوا ما عند الله من النعيم الخالد واستبدلوه بخراب الدنيا وحطامها الزائل مهما بدا متلألئاً متوهجاً لامعاً.. كبريق السراب يحسبه الظمآن ماءً حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً..
إن الذي يستمع لخطابات معمر القذافي.. الرجل المجنون المعتوه الكذاب الدجّال المتمسك بالحكم حتى آخر أنفاسه يجد أنه يستمع إلى كلام مبتذل بلا هدف وبلا مبادئ وبلا أيدلوجية وبلا خطط ولا هم يحزنون، وكذلك حال صديقه في الطرف الآخر في اليمن.. علي عبدالله "صالح" الذي استبدل الصلاح بالإفساد في الأرض.. فاستحق أن ينعته أبناء شعبه بالسفّاح.. فمن يستمع لخطاباته كذلك يجد أن عروقه تنتفخ ودماؤه تغلي في وجهه غضباً وحنقاً على من أرادوا زحزحته من كرسي الحكم الذي لم يشبع من البقاء عليه بعد، فهاهو يريد سنة أخرى.. ثم يقلّصها إلى ستة أشهر أخرى في استجداء واضح ومهين كي يشتري بذلك بقايا ماء وجهه الذي تلطّخ بدم الأبرياء.. تماماً مثل صاحبه سيء الذكر القذافي الذي طغى وتكبر بمجرد رغبة شعبه في انتزاعه من كرسيّه الذي " قعمز " وجلس عليه أكثر من أربعين سنة.. سرق ونهب وظلم وطغى وتجبر.. وعدد ما شئت من الأفعال الدنيئة فيها هو وصاحبه.
إن هؤلاء الطغاة لا يحكمون من أجل برنامج رئاسي معين كما في باقي الدول المتقدمة أو من أجل خطة عمرانية ونهضوية تهتم بشأن دولهم وترفع من قدرها وسط الدول أو من أجل استراتيجية واضحة المعالم والملامح، كلا.. إنهم يكذبون.. لأن الناظر إلى عقود الزمن التي أظلتهم تحتها حكاماً على شعوبهم سيعلم علم اليقين بأن لا يُرجى من وراء جلوسهم على الكراسي إلا مزيد من الخسائر في ميزانيات الدولة والمزيد من المظلومين والمضطهدين بل والمزيد من الضحايا والقتلى.. كل ذلك من أجل زيادة مدخراتهم وأرصدتهم وأرصدة أبنائهم وأحفادهم، وما تأخّرهم في الهروب من أمام زحف الثوّار تجاههم كما حدث في مصر وتونس.. إلا من أجل تحويل سرقاتهم إلى أرصدة أخرى في بنوك أو دول أخرى كي لا تمسّها يد التجميد أو المطالبة باستردادها من قبل أصحابها الشرعيين.. الشعوب.
إن هؤلاء الطغاة لا يشبعون من النهب والسلب والسرقة حتى آخر لحظاتهم، تماماً كجهنم عندما يقال لها هل امتلأت؟ فترد قائلة : هل من مزيد!!، وهم كذلك يفعلون ويريدون المزيد والمزيد، ومن أجل ذلك لا يهمهم إن سقط في سبيل ذلك المزيد والمزيد من الضحايا والقتلى.. فهم لم ينتهوا بعد من عملية النهب والسطو التي بدأوها منذ اعتلائهم الحكم في أول يوم.. ولا يزالون يطالبون بالمزيد من الوقت.. لا من أجل المصالحة كما يكذب هؤلاء الدجّالون.. وإنما لتشبثهم ببقايا أحلام نائم.. كاد يصحو ويستيقظ من جراء صراخ شعبه من حوله له أن " استيقظ يا هذا.. واخرج أو ارحل من بلادنا ".. ورغم ذلك الصراخ، فإنهم لا يزالون يُكّذبون كل ما يجرى حولهم.. ويقولون في قرارة أنفسهم " هل انتهى هذا الحلم الجميل بهذه السرعة؟! "، ولهذا نراهم في قمة غضبهم وحزنهم وندمهم على كل دقيقة مرّت من مدة بقائهم في الحكم.. لم يضاعفوا فيها من سرقاتهم أو من جرائمهم، حتى إذا أزاحتهم شعوبهم عن سدّة الحكم.. تراهم في حسرة وألم شديدين على فراق ذلك الكرسي "الحقير" الذي سيلعنونه قريباً جداً.. كما سيلعنون تلك اللحظة التي جلسوا فيها عليه في هذه الحياة الدنيا.. في حين أن البعض الآخر منهم.. لا يزال يلعب "لعبة الكراسي".
صنائع المعروف
بين الخير والشر مسافات، لا يميزها إلا من يعرف حقيقتها، فالخير حالة خاصة يعيشها الإنسان مع ربه ويتفانى... اقرأ المزيد
51
| 16 مايو 2026
ببغاوات الثقافة
هناك إشكالية واضحة لدى بعض مثقفي العرب في التعامل مع الثقافات الغربية، وذلك عندما يقومون بدور الببغاوات ويعملون... اقرأ المزيد
81
| 16 مايو 2026
السودان الذي سقط من الذاكرة
عام 2026 يوشك أن ينتصف وأزمة السودان التي تفجرت منذ 15 إبريل 2023 وحتى الآن تتفاقم ولم تجد... اقرأ المزيد
48
| 16 مايو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
ثقافةُ الترند ليست موجةَ ترفيهٍ عابرة، بل عاصفة أعادت ترتيب القيم، حتى صار التافهُ مشهوراً، والمشهورُ التافه مؤثراً، والمؤثرُ التافه مرجعاً يُسمَع له ويُقتدى به. قبل 10 سنواتٍ فقط كان الإنسان يستحي أن يُرى في مواضع كثيرة مما نرى اليوم، وكانت بعض الأفعال تُخفى خجلاً وخوفاً، أما اليوم فقد أصبح كثيرٌ منها يُعرض على الملأ طلباً للتصفيق، وكأن الحياء صار ضعفاً، والوقار صار تخلّفاً، والصخب صار موهبةً ورسالة. لقد حوّلت ثقافة الترند الشهرةَ من ثمرةِ جهدٍ إلى ضربةِ حظ، ومن مكافأةٍ للكفاءة إلى جائزةٍ للإثارة. في الماضي كان العالِم يبني اسمه بسنواتٍ من التعب، والأديب ينضج ببطء، والفنان يتقن قبل أن يظهر، أمّا اليوم فيكفي أن يصرخ أحدهم أمام الكاميرا، أو يفتعل موقفاً سخيفاً، أو ينطق ببذاءةٍ بثقة، حتى تُفتح له أبواب الشهرة، وتتهافت عليه الشركات، وتُسلّط عليه الأضواء. وهكذا انفصلت الشهرة عن الاستحقاق، فصار البريق يسبق العمق، والصوت يعلو على المعنى. والترند في جوهره لا يعرف خيراً ولا شراً، بل يعرف شيئاً واحداً: الانتباه. فالخوارزميات لا تفرّق بين احترامٍ وازدراء، ولا بين حكمةٍ وسخرية، فكل تفاعلٍ وقود، وكل ضجةٍ رصيد. لذلك ازدهر “اقتصاد التفاهة”، حيث ينتصر المحتوى الأسرع لا الأعمق، والأكثر إثارة لا الأكثر قيمة. ومع التكرار يبدأ التطبيع؛ فما كان صادماً بالأمس يصبح مضحكاً اليوم، ومألوفاً غداً، ثم يتحوّل إلى سلوكٍ يُقلَّد بلا تردد. وهنا تكمن الخطورة، فالانحدار لا يأتي دفعةً واحدة، بل يتسلّل خطوةً خطوة، حتى يعتاد الناس ما كانوا يستعظمونه. ولأن الإنسان ابنُ بيئته، خائفٌ من العزلة، صار كثيرون ينساقون خلف الترند لا اقتناعاً بل خوفاً من أن يكونوا خارج القطيع. حتى أصبح بعض الناس يذهب إلى مطعمٍ يعلم في داخله أنه عادي أو رديء، لكنه مزدحم لأن "الترند قال ذلك"، ويشتري سلعةً أو سلةً يدرك أنها لا تستحق، لكنه يخشى أن يبدو مختلفاً عن الآخرين. بل قد يفعل الإنسان أموراً لا يقتنع بها أصلاً، ويضحك على ما لا يراه مضحكاً، ويُصفّق لما لا يحترمه، فقط لأن التيار يمضي في ذلك الاتجاه. وهنا يتحول الفرد من صاحب رأي إلى صدى، ومن إنسانٍ يختار إلى إنسانٍ يُقاد. والأسوأ أن الكبار قبل الصغار دخلوا هذا السباق؛ فترى الأب والأم بل وحتى الجدّ يلهثون خلف الرقصة الرائجة والعبارة السطحية، وكأن الوقار عبءٌ يجب التخلص منه. وحين يفقد الكبير هيبته، يفقد الصغير بوصلته، وتسقط منظومة التربية من داخلها. هذه الترندات تسرق الحياء الذي كان سوراً يحفظ للإنسان كرامته وللمجتمع تماسكه. ثم تأتي الكارثة الكبرى: تهميش أهل العلم والأدب والأخلاق، لا لأنهم غائبون، بل لأن الضجيج أعلى من الحكمة، ولأن السوق يطلب الإثارة لا البصيرة. نحن بحاجة إلى تربيةٍ تُعلّم الطفل منذ صغره أن القيمة ليست في عدد المتابعين بل في مقدار الأثر، وأن الشهرة ليست مجداً إذا خلت من الخُلُق والمعنى. وبحاجةٍ أيضاً إلى أسرةٍ لا تُسلّم أبناءها للشاشة ثم تشتكي من ضياعهم، بل تُشاركهم الحوار، وتغرس فيهم شخصيةً تعرف كيف تقول "لا" حين يركض الجميع نحو العبث. كما أن أهل العلم والأدب مدعوون إلى دخول المنصات لا الهروب منها؛ فالساحة التي يتركها العقل يملؤها الضجيج. وليس المطلوب أن يتحولوا إلى مهرّجين، بل أن يُحسنوا عرض الفكرة بلغة العصر دون أن يتنازلوا عن جوهرها. فالكلمة العميقة لا يعني أن تكون معقدة، والرسالة الراقية لا يشترط أن تكون مملّة. إن المعركة الحقيقية ليست ضد تطبيقٍ أو منصة، بل ضد فراغٍ داخلي يجعل الإنسان يبحث عن قيمته في تصفيق الغرباء. وحين يمتلئ الإنسان بالمعنى، يقلّ افتتانه بالضجيج. فالحضارات لا يحفظها المال وحده، بل يحفظها وعيٌ يعرف الفرق بين من يبني العقول ومن يسرقها، بين من يصنع الإنسان ومن يصنع الترند.
4722
| 12 مايو 2026
لم يعد السؤال في الخليج اليوم متعلقًا بما تحقق من منجزات، بل بكيفية تقديم هذه المنجزات للعقل العام بصيغة واحدة، قادرة على تثبيت المعنى قبل الصورة، والهوية قبل التفاصيل. فالتكامل الذي يتقدم اقتصاديًا وتنمويًا، يحتاج في المقابل إلى إعلام يوازيه في القوة والاتساق، ويمنع تشتت الرواية بين المنصات وتعدد الزوايا. في هذا الإطار، استضافت العاصمة السعودية الرياض “ملتقى المكتسبات الخليجية”، بوصفه مساحة لإعادة التفكير في دور الإعلام داخل مشروع التكامل الخليجي، لا كمجرد ناقل للحدث، بل كعنصر يصنع الوعي المشترك ويعيد ترتيب العلاقة بين المواطن الخليجي ومنجزاته. فالملتقى الذي نظمته الأمانة العامة لمجلس التعاون بالتعاون مع جهاز إذاعة وتلفزيون الخليج، ينطلق من سؤال مركزي: كيف يمكن للإعلام أن يعكس واقع المكتسبات الخليجية بوضوح واتساق، ويحوّلها إلى خطاب موحد يعزز الهوية المشتركة، ويوحّد الرسائل الإعلامية، ويدعم مسيرة التكامل بين دول المجلس، بما يواكب تطلعات المرحلة ويستشرف مستقبلها. منذ بدايات التجربة الإعلامية الخليجية المشتركة، كان الرهان على بناء مساحة إعلامية تتجاوز الحدود إلى معنى الوحدة، وهو ما عمل عليه جهاز إذاعة وتلفزيون الخليج عبر مسار طويل من التقريب بين الخطابات الإعلامية وصياغة مشترك مهني وثقافي يعكس وحدة الاتجاه الخليجي. ويظل مهرجان الخليج للإذاعة والتلفزيون أحد أبرز تجليات هذا المسار؛ فمنذ انطلاقه لأول مرة في الكويت عام 1980، لم يكن مجرد فعالية للاحتفاء بالإنتاج الإعلامي، بل منصة لتبادل الخبرات ورفع جودة المحتوى وتعزيز التقارب بين المؤسسات الإعلامية الخليجية. كما أسهم في تكريم نخبة من نجوم الفن والدراما في الخليج، باعتبارهم جزءًا من صناعة الوعي البصري والثقافي، وعنصرًا فاعلًا في تشكيل الذاكرة الجماعية للمجتمع. كما امتد الدور إلى البعد التوثيقي والمعرفي، عبر إصدار “نشرة المعلومات” في يوليو 1980، التي رصدت النشاط الإعلامي التلفزيوني خليجيًا وعربيًا وعالميًا من خلال التقارير الفنية والإخبارية والبرامجية والهندسية والإدارية. واستمر صدورها حتى تحولت لاحقًا إلى مجلة فصلية تعنى بتوثيق تطور العمل الإعلامي ومواكبة تحولات المشهد الإذاعي والتلفزيوني. ومع اتساع الإعلام الرقمي اليوم، لم يعد التحدي في إنتاج الرسالة، بل في قدرتها على البقاء متماسكة داخل فضاء سريع، تتعدد فيه المنصات وتتصادم فيه الروايات. وهنا تصبح قضية توحيد الرسائل الإعلامية الخليجية جزءًا من حماية الوعي العام، لا مجرد خيار مهني، في بيئة تعيد تشكيل الرأي العام لحظة بلحظة. على هذا الأساس، يبرز الملتقى كفرصة لإعادة ضبط البوصلة الإعلامية الخليجية نحو مزيد من الاتساق، وتعزيز الهوية المشتركة، ودعم مسيرة التكامل بين دول المجلس، بما يجعل الإعلام شريكًا في صناعة المعنى، لا مجرد ناقل له. وبرأيي أنه لا تُقاس قوة الإعلام بما يعرضه من أحداث، بل بما يثبته من معنى في الوعي، وبقدرته على تحويل المنجز إلى هوية، والهوية إلى إدراك مشترك.
4671
| 13 مايو 2026
كتبت مرة قصة قصيرة عن مؤلف وجد نفسه على جبل الأوليمب، وحوله كل شخصيات قصصه ورواياته من النساء. حين أنظر حولي هذه الأيام أفكر، هل يمكن حقا الصعود إلى جبل الأوليمب، وأرى حولي كل من كتبت عنهم رجالا ونساء، ونعيش بعيدا عن هذا الصخب والعبث الذي لا ينتهي؟ وهل لن يندهش زيوس من وجودي، ويعطيني صندوق باندورا هدية، فأفتحه غير مدرك أنه ستنطلق منه كل الشرور، فهو الزعيم الأوحد! رغم ذلك تخايلني هذه الرغبة وأنا أرى المعارك العابرة، حولي تشغل مساحة أكبر من المعارك الحقيقية. نرى ما تفعله إسرائيل وأمريكا بمنطقتنا العربية، والمقاومة التي بها سيتغير حال البلاد، ولا أبتعد عن الكتابة عنها، لكنها تضيع بين المعارك الصغيرة. يريحني يقيني أن معاركنا مع العدو الصهيوني على صعوبتها، سيأتي اليوم الذي يتبخر فيه هذا العدو. ويشتتني ما أراه على السوشيال ميديا من معارك وألفاظ، لا تليق أبدا بكتابها، فقفز خيالي بصعود جبل الأوليمب. آخرها والذي شغل مساحة كبيرة جدا، الخلاف الذي وقع بين الشاعرة المصرية الرائعة نجاة علي، والكاتب والفنان خالد سليمان الناصري، صاحب دار المتوسط للنشر. تحدثت نجاة علي عن حقوقها المالية الضائعة مع الدار. أصدر خالد الناصري بيانا أوليا خانه التوفيق في ألفاظه، وهو يوضح خطأ الشاعرة، ثم عاد في بيان تالٍ يعتذر عن ألفاظ البيان الأول، ويوضح عدد النسخ التي طبعت، وما وصل الشاعرة من مال، لكن لم ينتهِ الأمر. تتالت الاتهامات والشتائم له، وبدت المسألة كأن مصر كلها ضده. ولأني أعتز جدا بالاثنين، الشاعرة نجاة علي وخالد الناصري، لم أساهم في النقاش. لم أقل حتى حقيقة علاقتي بدار المتوسط، التي هي مختلفة تماما. نشرت بدار المتوسط أربع روايات حتى الآن، لم تتأخر قط في دفع ما اتفقنا عليه، من مال أو نسخ لي من الكتاب. أقول هذا ليس دفاعا عن خالد الناصري، لكن نصيحتي لكل كاتب، أنه حين تختلف مع ناشر ما، قم بتغييره في صمت، والأهم أنه حين تنشر في دار نشر خارجية، اتفق على مبلغ نهائي تحصل عليه عند النشر، ولا تنتظر حسابا سنويا وتشغل نفسك بذلك. هكذا فعلت في السنوات الأخيرة مع دار المتوسط، ودار ماسكيلياني التونسية، وأخيرا دار جداول اللبنانية. في مصر مثلا لا تحاسبني سنويا على مبيعات أعمالي غير دارين للنشر، هما الشروق المصرية، والدار المصرية اللبنانية، فلديهما نظام دقيق لذلك، ثم إنهما ليستا بعيدتين عني. هذه المعركة بين الكتّاب وخالد الناصري، جاءت بعد معركة أخرى بين المصريين ولا تزال، حول مسألة "نظام الطيبات" في الغذاء والعلاج، الذي اخترعه الدكتور ضياء العوضي، والذي توفي رحمه الله. كم تتالت فيها من ألفاظ لا تليق بكتابها، رغم أن الرد العلمي أجمل. يغطي هذا كله على الحقائق الأولى بالحديث كما ذكرت، لكن الحمد لله أتذكر رواية "بعيدا عن الزحام المجنون" التي كتبها توماس هاردي، وصارت فيلما عظيما لجولي كريستي وتيرانس ستامب شاهدته سنوات الستينات. رغم موضوع الفيلم البعيد عن أحوالنا، يطاردني عنوان هذه الرواية دائما، حين تزدحم الدنيا من حولي بالبشر، والقضايا الفكرية العابرة. وأعرف يائسا أنه لن ينتهي بالابتعاد، حتى لو فعلت ما قاله سورين كيركجارد، الفيلسوف الوجودي، وبنيت سلما لا ينتهي إلى السماء. للأسف الصعود على جبل الأوليمب ليس متاحا لنا، رغم أن زيوس قد يكون أرحم، من هواة الشتائم والقذف على السوشيال ميديا.
1545
| 13 مايو 2026