رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
يوم السبت الماضي صادف الذكرى المئوية لميلاد الكاتب الصحفي الكبير مصطفى أمين الذي كان بحق أستاذاً عظيماً، ومعلماً كبيراً، وقامة هائلة لها قدرها واقتدارها حتى الآن وسيظل اسماً لا ينسى، وصاحب مكارم وأخلاق جميلة لا تحصى، كان حبيباً وقريباً من الغلابة والموجوعين، وحُمّال الهم والمرض والفقر، لم يعش في برج الصحافة العاجي الذي يفضله البعض، وإنما عاش مع الناس، وللناس، لم يوصد بابه أمام أحد بل كان على موعد مع (الغلابة) أمام باب أخبار اليوم كل يوم، كانوا ينتظرونه، وكل منهم ينتظر فرجاً على يديه، وفرحاً بعد كربة، وابتسامة بعد شلال دموع، كان يجمع أوجاعهم المكتوبة في رسائل فيها شرح مطول لمشاكلهم وآلامهم، كانوا يتعشمون فيه خيراً، ولم يخذل أحداً، أحب الناس فأحبوه، وخفف بقلبه الطيب عن آلاف الموجوعين من أصحاب الحاجات فأنشأ أبواباً إنسانية كثيرة فكانت (ليلة القدر) حيث يتحقق أمل، وكان (أسبوع الشفاء)، حيث يشفى بإذن الله مريض، وكانت (نفسي) وكم للنفس من أمنيات، (ولست وحدك)، حيث يفتح شباك أمل أمام يائس ظن أنه في محنته وحده، وكلل كل هذه الإنسانية الضافية بتأسيس دار 6 أكتوبر للأيتام التي ظل سكانها يلهجون بالدعاء له طويلاً، وقد أدركوا أن رجلاً رحيماً كريماً كان صاحب فكرة إيوائهم تحت مظلة للرعاية والحنان، هذا بعض ما قدمه للناس كإنسان نبيل كانت تعذبه آلام الناس، وتوجعه دموعهم، ويستشعر سعادة قصوى في خدمتهم والتخفيف عنهم حتى أصبح (مصطفى أمين) عنواناً للنبالة والإنسانية الضافية يقف إلى جانبه توأمه (علي أمين)، حيث كانا عملاقين في تاريخ الصحافة المصرية، أسّسا (أخبار اليوم) بكل وهجها وألقها وقربها من القارئ وقد تعدت الاهتمام بالسياسة إلى الاهتمام أيضاً بالإنسان بكل اهتماماته، واجتماعياته، ومشاكله، وكل ما يمس حياته ونبضه، وعاش بقلمه وقلبه متصدياً للدفاع عن أي حق سلب، أو اغتصب، عن أي ظلم أو جور وقع على إنسان، ومع ذلك عرف (مصطفى أمين) الألم، وعانى الوجع وقد أمضى سنوات في السجن بسبب خلافات في الرأي مع الزعيم (جمال عبدالناصر) وصلت إلى تهمة التخابر مع أشخاص يعملون بدولة أجنبية!
ولم يضع وقته في الحبس إذ سرب كتابين (سنة أولى سجن) وآخر عن ثورة 19 حتى حاز العفو من السادات، وخرج من سجنه.
* ونظرة إلى صحفي يعد (بصمة) في تاريخ الصحافة العربية من حيث أفكاره، وقناعاته، ولطالما نطق عموده (فكرة) بصهيل نفسه، وأحلامه، وتوقه، وأمنياته في حياة أفضل لكل مصري، ولعل أجمل ما قرأته لهذا العبقري قوله: متعتي في هذه الحياة أن أعرف الناس، أعرفهم من الخارج ومن الداخل، أن أدرسهم، وأحبهم، أحببت الكثيرين ولم أكره أحداً، كنت أعامل الذين يكرهونني على أنهم مرضى وادعو لهم بالشفاء، وكنت أعذر الفاشل الذي يحقد على الناجح، وأعذر الضعيف الذي يكره القوي، وأجد مبرراً للفئران عندما عضت السباع، وعرفت أقزاماً كالعمالقة، وعمالقة كالأقزام، عاشرت الملوك، والصعاليك وعرفت صعاليك لهم طباع الملوك، وملوكاً لهم أخلاق الصعاليك.. أستمتع بأفكار الأستاذ العبقري والصحفي المرموق واختار من كتاباته وقفات في كلمات لها معنى يقول مصطفى أمين.
* إن معنى الحرية والديمقراطية وسيادة القانون هو ألا نخاف، الخائفون يستسلمون والأحرار يقاومون.
* إن مهمة الكاتب الحقيقية هي أن يمشي أمام الرأي العام، يقوده إلى النور، ولا يمشي خلفه إلى الظلام، يصارحه بالحقيقة التي تغضبه، ولا يخدعه بالكذب الذي يسعده.
* إذا شعرت أيها الكاتب المبتدئ بالضربات تنهال على رأسك فلا تحزن، ولا تيأس فإن هذه طلقات المدافع تعلن مولد كاتب عظيم.
* في الصحافة نحن لا نكتب بأيدينا، وإنما نكتب بنبضات قلوبنا، الكلمات لا تسطر بالحبر، وإنما تسطرها أنفاس محترقة.
* المرأة العربية في حاجة إلى أن تعصرها الحياة، والصدمات، والمتاعب سوف تعلمها كيف تصمد وكيف تشق طريقها في الصخور.
* في ظل الإرهاب والخوف يخالف الذين حول الطاغية أبسط قواعد العدالة والقانون.
* إن العبقرية ليست أن تجعل شعبا يركع على ركبتيه، وإنما العبقرية أن تجعله يقف على قدميه.
* القيود لا تقيد الجريمة وإنما تطلق سراحها، والرشوة لا تنتشر إلا مع صوت السلاسل والأغلال.
* مهمة المعارضة أن تضيء الفوانيس أمام الحاكم لا أن تحطم الفوانيس ليضل الطريق، مهمتها أن ترشده لا أن تضلله.
* قلم الصحفي لا يقصف في الزنزانة وإنما يتحول إلى مدفع رشاش.
* أي ضربة توجه للحرية من الخلف لا توقعها، إنما تدفعها.
* لا تظلم الخنجر وإنما عليك أن تعرف أولاً من الذي أدار ظهرك للخنجر.
* إقبال الشعب كله على التصويت يخيف ويرعب الذين يحاولون تزوير الانتخابات أو تلفيق إرادة الأمة.
* لا يكفي أن نطلق الزغاريد لانتصار العدالة، بل يجب أن نبحث لماذا وقع الظلم على المظلومين!
* إن مصر تنتظر نواباً لا يتجرون بالنيابة، ولا يستفيدون منها، ولا يضعفون أمام الإغراء، ولا يتخاذلون أمام التهديد والوعيد.
* ما رأيت ظالما نجا بظلمه، ولا رأيت طاغياً أفلت من لعنة الله.
هذه كلمات لها معنى كتبها عملاق الصحافة العربية (مصطفى أمين) رحمه الله، وكم من أسماء كبيرة تعلمت كتابة العمود من قراءة (فكرة) العمود الذي مازال حتى اليوم في قلوب الناس بكل ما حمل من صدق، ونبض، وآمال في الحرية والعدالة الاجتماعية، وتوق لأجمل الأماني لمصر الغالية.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
لم يعد السؤال في الخليج اليوم متعلقًا بما تحقق من منجزات، بل بكيفية تقديم هذه المنجزات للعقل العام بصيغة واحدة، قادرة على تثبيت المعنى قبل الصورة، والهوية قبل التفاصيل. فالتكامل الذي يتقدم اقتصاديًا وتنمويًا، يحتاج في المقابل إلى إعلام يوازيه في القوة والاتساق، ويمنع تشتت الرواية بين المنصات وتعدد الزوايا. في هذا الإطار، استضافت العاصمة السعودية الرياض “ملتقى المكتسبات الخليجية”، بوصفه مساحة لإعادة التفكير في دور الإعلام داخل مشروع التكامل الخليجي، لا كمجرد ناقل للحدث، بل كعنصر يصنع الوعي المشترك ويعيد ترتيب العلاقة بين المواطن الخليجي ومنجزاته. فالملتقى الذي نظمته الأمانة العامة لمجلس التعاون بالتعاون مع جهاز إذاعة وتلفزيون الخليج، ينطلق من سؤال مركزي: كيف يمكن للإعلام أن يعكس واقع المكتسبات الخليجية بوضوح واتساق، ويحوّلها إلى خطاب موحد يعزز الهوية المشتركة، ويوحّد الرسائل الإعلامية، ويدعم مسيرة التكامل بين دول المجلس، بما يواكب تطلعات المرحلة ويستشرف مستقبلها. منذ بدايات التجربة الإعلامية الخليجية المشتركة، كان الرهان على بناء مساحة إعلامية تتجاوز الحدود إلى معنى الوحدة، وهو ما عمل عليه جهاز إذاعة وتلفزيون الخليج عبر مسار طويل من التقريب بين الخطابات الإعلامية وصياغة مشترك مهني وثقافي يعكس وحدة الاتجاه الخليجي. ويظل مهرجان الخليج للإذاعة والتلفزيون أحد أبرز تجليات هذا المسار؛ فمنذ انطلاقه لأول مرة في الكويت عام 1980، لم يكن مجرد فعالية للاحتفاء بالإنتاج الإعلامي، بل منصة لتبادل الخبرات ورفع جودة المحتوى وتعزيز التقارب بين المؤسسات الإعلامية الخليجية. كما أسهم في تكريم نخبة من نجوم الفن والدراما في الخليج، باعتبارهم جزءًا من صناعة الوعي البصري والثقافي، وعنصرًا فاعلًا في تشكيل الذاكرة الجماعية للمجتمع. كما امتد الدور إلى البعد التوثيقي والمعرفي، عبر إصدار “نشرة المعلومات” في يوليو 1980، التي رصدت النشاط الإعلامي التلفزيوني خليجيًا وعربيًا وعالميًا من خلال التقارير الفنية والإخبارية والبرامجية والهندسية والإدارية. واستمر صدورها حتى تحولت لاحقًا إلى مجلة فصلية تعنى بتوثيق تطور العمل الإعلامي ومواكبة تحولات المشهد الإذاعي والتلفزيوني. ومع اتساع الإعلام الرقمي اليوم، لم يعد التحدي في إنتاج الرسالة، بل في قدرتها على البقاء متماسكة داخل فضاء سريع، تتعدد فيه المنصات وتتصادم فيه الروايات. وهنا تصبح قضية توحيد الرسائل الإعلامية الخليجية جزءًا من حماية الوعي العام، لا مجرد خيار مهني، في بيئة تعيد تشكيل الرأي العام لحظة بلحظة. على هذا الأساس، يبرز الملتقى كفرصة لإعادة ضبط البوصلة الإعلامية الخليجية نحو مزيد من الاتساق، وتعزيز الهوية المشتركة، ودعم مسيرة التكامل بين دول المجلس، بما يجعل الإعلام شريكًا في صناعة المعنى، لا مجرد ناقل له. وبرأيي أنه لا تُقاس قوة الإعلام بما يعرضه من أحداث، بل بما يثبته من معنى في الوعي، وبقدرته على تحويل المنجز إلى هوية، والهوية إلى إدراك مشترك.
5838
| 13 مايو 2026
ثقافةُ الترند ليست موجةَ ترفيهٍ عابرة، بل عاصفة أعادت ترتيب القيم، حتى صار التافهُ مشهوراً، والمشهورُ التافه مؤثراً، والمؤثرُ التافه مرجعاً يُسمَع له ويُقتدى به. قبل 10 سنواتٍ فقط كان الإنسان يستحي أن يُرى في مواضع كثيرة مما نرى اليوم، وكانت بعض الأفعال تُخفى خجلاً وخوفاً، أما اليوم فقد أصبح كثيرٌ منها يُعرض على الملأ طلباً للتصفيق، وكأن الحياء صار ضعفاً، والوقار صار تخلّفاً، والصخب صار موهبةً ورسالة. لقد حوّلت ثقافة الترند الشهرةَ من ثمرةِ جهدٍ إلى ضربةِ حظ، ومن مكافأةٍ للكفاءة إلى جائزةٍ للإثارة. في الماضي كان العالِم يبني اسمه بسنواتٍ من التعب، والأديب ينضج ببطء، والفنان يتقن قبل أن يظهر، أمّا اليوم فيكفي أن يصرخ أحدهم أمام الكاميرا، أو يفتعل موقفاً سخيفاً، أو ينطق ببذاءةٍ بثقة، حتى تُفتح له أبواب الشهرة، وتتهافت عليه الشركات، وتُسلّط عليه الأضواء. وهكذا انفصلت الشهرة عن الاستحقاق، فصار البريق يسبق العمق، والصوت يعلو على المعنى. والترند في جوهره لا يعرف خيراً ولا شراً، بل يعرف شيئاً واحداً: الانتباه. فالخوارزميات لا تفرّق بين احترامٍ وازدراء، ولا بين حكمةٍ وسخرية، فكل تفاعلٍ وقود، وكل ضجةٍ رصيد. لذلك ازدهر “اقتصاد التفاهة”، حيث ينتصر المحتوى الأسرع لا الأعمق، والأكثر إثارة لا الأكثر قيمة. ومع التكرار يبدأ التطبيع؛ فما كان صادماً بالأمس يصبح مضحكاً اليوم، ومألوفاً غداً، ثم يتحوّل إلى سلوكٍ يُقلَّد بلا تردد. وهنا تكمن الخطورة، فالانحدار لا يأتي دفعةً واحدة، بل يتسلّل خطوةً خطوة، حتى يعتاد الناس ما كانوا يستعظمونه. ولأن الإنسان ابنُ بيئته، خائفٌ من العزلة، صار كثيرون ينساقون خلف الترند لا اقتناعاً بل خوفاً من أن يكونوا خارج القطيع. حتى أصبح بعض الناس يذهب إلى مطعمٍ يعلم في داخله أنه عادي أو رديء، لكنه مزدحم لأن "الترند قال ذلك"، ويشتري سلعةً أو سلةً يدرك أنها لا تستحق، لكنه يخشى أن يبدو مختلفاً عن الآخرين. بل قد يفعل الإنسان أموراً لا يقتنع بها أصلاً، ويضحك على ما لا يراه مضحكاً، ويُصفّق لما لا يحترمه، فقط لأن التيار يمضي في ذلك الاتجاه. وهنا يتحول الفرد من صاحب رأي إلى صدى، ومن إنسانٍ يختار إلى إنسانٍ يُقاد. والأسوأ أن الكبار قبل الصغار دخلوا هذا السباق؛ فترى الأب والأم بل وحتى الجدّ يلهثون خلف الرقصة الرائجة والعبارة السطحية، وكأن الوقار عبءٌ يجب التخلص منه. وحين يفقد الكبير هيبته، يفقد الصغير بوصلته، وتسقط منظومة التربية من داخلها. هذه الترندات تسرق الحياء الذي كان سوراً يحفظ للإنسان كرامته وللمجتمع تماسكه. ثم تأتي الكارثة الكبرى: تهميش أهل العلم والأدب والأخلاق، لا لأنهم غائبون، بل لأن الضجيج أعلى من الحكمة، ولأن السوق يطلب الإثارة لا البصيرة. نحن بحاجة إلى تربيةٍ تُعلّم الطفل منذ صغره أن القيمة ليست في عدد المتابعين بل في مقدار الأثر، وأن الشهرة ليست مجداً إذا خلت من الخُلُق والمعنى. وبحاجةٍ أيضاً إلى أسرةٍ لا تُسلّم أبناءها للشاشة ثم تشتكي من ضياعهم، بل تُشاركهم الحوار، وتغرس فيهم شخصيةً تعرف كيف تقول "لا" حين يركض الجميع نحو العبث. كما أن أهل العلم والأدب مدعوون إلى دخول المنصات لا الهروب منها؛ فالساحة التي يتركها العقل يملؤها الضجيج. وليس المطلوب أن يتحولوا إلى مهرّجين، بل أن يُحسنوا عرض الفكرة بلغة العصر دون أن يتنازلوا عن جوهرها. فالكلمة العميقة لا يعني أن تكون معقدة، والرسالة الراقية لا يشترط أن تكون مملّة. إن المعركة الحقيقية ليست ضد تطبيقٍ أو منصة، بل ضد فراغٍ داخلي يجعل الإنسان يبحث عن قيمته في تصفيق الغرباء. وحين يمتلئ الإنسان بالمعنى، يقلّ افتتانه بالضجيج. فالحضارات لا يحفظها المال وحده، بل يحفظها وعيٌ يعرف الفرق بين من يبني العقول ومن يسرقها، بين من يصنع الإنسان ومن يصنع الترند.
5751
| 12 مايو 2026
كتبت مرة قصة قصيرة عن مؤلف وجد نفسه على جبل الأوليمب، وحوله كل شخصيات قصصه ورواياته من النساء. حين أنظر حولي هذه الأيام أفكر، هل يمكن حقا الصعود إلى جبل الأوليمب، وأرى حولي كل من كتبت عنهم رجالا ونساء، ونعيش بعيدا عن هذا الصخب والعبث الذي لا ينتهي؟ وهل لن يندهش زيوس من وجودي، ويعطيني صندوق باندورا هدية، فأفتحه غير مدرك أنه ستنطلق منه كل الشرور، فهو الزعيم الأوحد! رغم ذلك تخايلني هذه الرغبة وأنا أرى المعارك العابرة، حولي تشغل مساحة أكبر من المعارك الحقيقية. نرى ما تفعله إسرائيل وأمريكا بمنطقتنا العربية، والمقاومة التي بها سيتغير حال البلاد، ولا أبتعد عن الكتابة عنها، لكنها تضيع بين المعارك الصغيرة. يريحني يقيني أن معاركنا مع العدو الصهيوني على صعوبتها، سيأتي اليوم الذي يتبخر فيه هذا العدو. ويشتتني ما أراه على السوشيال ميديا من معارك وألفاظ، لا تليق أبدا بكتابها، فقفز خيالي بصعود جبل الأوليمب. آخرها والذي شغل مساحة كبيرة جدا، الخلاف الذي وقع بين الشاعرة المصرية الرائعة نجاة علي، والكاتب والفنان خالد سليمان الناصري، صاحب دار المتوسط للنشر. تحدثت نجاة علي عن حقوقها المالية الضائعة مع الدار. أصدر خالد الناصري بيانا أوليا خانه التوفيق في ألفاظه، وهو يوضح خطأ الشاعرة، ثم عاد في بيان تالٍ يعتذر عن ألفاظ البيان الأول، ويوضح عدد النسخ التي طبعت، وما وصل الشاعرة من مال، لكن لم ينتهِ الأمر. تتالت الاتهامات والشتائم له، وبدت المسألة كأن مصر كلها ضده. ولأني أعتز جدا بالاثنين، الشاعرة نجاة علي وخالد الناصري، لم أساهم في النقاش. لم أقل حتى حقيقة علاقتي بدار المتوسط، التي هي مختلفة تماما. نشرت بدار المتوسط أربع روايات حتى الآن، لم تتأخر قط في دفع ما اتفقنا عليه، من مال أو نسخ لي من الكتاب. أقول هذا ليس دفاعا عن خالد الناصري، لكن نصيحتي لكل كاتب، أنه حين تختلف مع ناشر ما، قم بتغييره في صمت، والأهم أنه حين تنشر في دار نشر خارجية، اتفق على مبلغ نهائي تحصل عليه عند النشر، ولا تنتظر حسابا سنويا وتشغل نفسك بذلك. هكذا فعلت في السنوات الأخيرة مع دار المتوسط، ودار ماسكيلياني التونسية، وأخيرا دار جداول اللبنانية. في مصر مثلا لا تحاسبني سنويا على مبيعات أعمالي غير دارين للنشر، هما الشروق المصرية، والدار المصرية اللبنانية، فلديهما نظام دقيق لذلك، ثم إنهما ليستا بعيدتين عني. هذه المعركة بين الكتّاب وخالد الناصري، جاءت بعد معركة أخرى بين المصريين ولا تزال، حول مسألة "نظام الطيبات" في الغذاء والعلاج، الذي اخترعه الدكتور ضياء العوضي، والذي توفي رحمه الله. كم تتالت فيها من ألفاظ لا تليق بكتابها، رغم أن الرد العلمي أجمل. يغطي هذا كله على الحقائق الأولى بالحديث كما ذكرت، لكن الحمد لله أتذكر رواية "بعيدا عن الزحام المجنون" التي كتبها توماس هاردي، وصارت فيلما عظيما لجولي كريستي وتيرانس ستامب شاهدته سنوات الستينات. رغم موضوع الفيلم البعيد عن أحوالنا، يطاردني عنوان هذه الرواية دائما، حين تزدحم الدنيا من حولي بالبشر، والقضايا الفكرية العابرة. وأعرف يائسا أنه لن ينتهي بالابتعاد، حتى لو فعلت ما قاله سورين كيركجارد، الفيلسوف الوجودي، وبنيت سلما لا ينتهي إلى السماء. للأسف الصعود على جبل الأوليمب ليس متاحا لنا، رغم أن زيوس قد يكون أرحم، من هواة الشتائم والقذف على السوشيال ميديا.
1752
| 13 مايو 2026