رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
إن التطورات التي تشهدها منطقتنا وما تمر به من تحولات عميقة يدفعنا للوقوف عند حصاد إيران على مدى 35 سنة الماضية وحتى إبرامها للاتفاق النووي، خصوصا أن هذه الفترة وما صاحبها من إنفاق وهدر على برامجها النووية والتسلح وإهمال للتنمية كانت بلا نتيجة، وبالتالي فإن ما نشهده من تصوير لانتصارات كبيرة ونزول الإيرانيين للشوارع لا يعدو كونه تنفيسا ونتيجة للحسرة والاحتقان الذي عاشه المجتمع الإيراني طيلة هذه السنوات الماضية، وتطلعه لمرحلة جديدة عنوانها التنمية والابتعاد عن سياسات العسكرة وتوجيه مقدرات الدولة وطاقاتها في جهود بعيدة عن التنمية وتحسين مستوى معيشة المواطن الإيراني الذي يتطلع للعيش كما يعيش جيرانه من رغد العيش في مدن عصرية تتباهى كل يوم ببناء يناطح السحاب ويحقق أرقاما قياسية فالمنافسة هي في البناء لا الهدم وفي التعمير لا التدمير فتدمير مقدرات المنطقة وخاصة في الفترة الأخيرة بلغ مستويات تفوق كل ما يمكن أن يتصوره إنسان وكل هذا لبناء أضغاث أحلام الإمبراطوريات القديمة والتي لم يعد لها مكان في هذا العصر والمكان، اليوم تقاس الأنظمة والأمم بما تقدم لشعوبها من كرامة وعزة ورغد العيش، أما المكابرات والتكبر فلم تعد مقياسا ولكن بعض الأمم لا تزال تعيش في مخيلة لا تمت لهذا العصر من قريب أو بعيد وبعد كل هذا الجهد الجهيد وحرمان المواطن الإيراني انتهى الموضوع بتفكيك المفاعلات وفرح الكل برضا أمريكا والتي كانت كل الشعارات في وسائل الإعلام هي "الموت لأمريكا" اليوم "رضا أمريكا كاف"، فكل مقدرات الشعب وأرواحه وإمكاناته لرضا أمريكا هكذا كان الثمن، أما الاقتصاد والبنية التحتية وخطوط الطيران والمواني والمطارات والشوارع وسكك الحديد والتعليم والصحة والأمن فهي فدى لأمريكا، وبالتالي فإن هذا الاتفاق أنهى هذا البرنامج النووي بنتيجة واحدة وهي إرضاء الغرب خاصة أمريكا، وهذا يعني ضياع 35 سنة من الجهود والأموال التي صرفها النظام الإيراني في مغامرات خارج الحدود وخطط وتوجهات توسعية، والنتيجة دمار في المنطقة وتخلف في إيران بشكل عام.
اليوم المواطن الإيراني يتطلع لبنية متطورة إلى نظام تعليمي وصحي متقدم وإلى قطاع نقل متقدم من وسائل وبنية تحتية كالمطارات وخطوط الطيران على مستوى عالمي وإلى بنية تحتية في مجال النقل البري والبحري، وهذا يعني أنه خلال الفترة القادمة لابد لأي نظام إيراني مهما كانت طبيعته أن يركز جهوده في الداخل وتعويض الشعب الإيراني عن هذه الفترة الكبيرة الضائعة والتي خسر فيها الشعب عقود دون تنمية، في الوقت الذي يتم تصوير إنجازات الطرف المقابل في الخليج العربي دول الخليج في وسائل الإعلام الإيرانية وبعض وسائل الإعلام الدولية بأن هذه الفترة لم تكن مثمرة، لكن الحقائق على الأرض تثبت وبالأرقام والإنجازات عكس ذلك، إن دول الخليج العربي حققت إنجازات هائلة لخدمة شعوبها وتطورها، حيث إن دولنا الخليجية، اتجهت خلال هذه الفترة لدعم جهود التنمية والعمل على تنمية وتطوير بلداننا، حيث إن مستويات البنية التحتية اليوم في دولنا وصلت لمستويات تعتبر الأفضل عالميا وتم الاستثمار بقوة في القطاعات التي تخدم الإنسان مثل الصحة والتعليم، والاستثمار في البنية التحتية من مطارات وموانئ وشبكة طرق برية حديثة وكذلك في مجال السكك الحديدية، وتم رفع مستوى دخل المواطن الخليجي إلى أعلى مستوى دخل في العالم، اليوم كل العالم يتطلع للمنطقة لقيادة العالم وتتطلع بقية الأمم لشعوب المنطقة على أنها حققت ما لم تحققه أي دولة أخرى في الشرق أو الغرب ولذلك فهي تتطلع لحلول للعالم ولمنطقة الشرق الأوسط، والعالم العربي اليوم في أشد الإعجاب بالمنطقة وقدرتها على تحقيق أعلى مستويات التنمية وإذا ما قورن أي نظام إدارة في بلدان المنطقة يجب أن يقارن بما حقق من إنجازات في مجال التنمية وليس في قدرته على الخراب والهدم، وهذا دليل على أن المنطقة حققت نتائج مذهلة خلال 35 سنة الماضية، ومن هذه النتائج أن مطارات المنطقة هي أكثر المطارات إشغالا واستقطاب للمسافرين، وآخر الإحصاءات تشير إلى أن مطارات مثل مطار حمد الدولي ومطار دبي تجاوزت في الطاقة الاستيعابية مطار هيثرو بلندن والذي كان يتربع على عرش أكثر المطارات إشغالا في العالم.
اليوم النتائج الحقيقية على الأرض تؤكد أن التوجهات الإستراتيجية لدول الخليج كانت تنموية بامتياز وهدفها خدمة مجتمعاتها وتطورها وكانت داعمة للوطن والمواطن، وكل الأنظمة يجب أن يكون مبرر وجودها هو خدمة المواطن، وبالتالي فمن المفروض أن يكون مقياس النجاح هو ما تقدمه الأنظمة لمواطنيها، واليوم أي شخص خير في الإقامة في إحدى ضفتي الخليج العربي، فإنه سيختار الإقامة والحياة في إحدى مدن دول مجلس التعاون الخليجي بما فيها الإيرانيون أنفسهم وذلك نظرا للخدمات المتطورة، خصوصا أننا سنشهد خلال السنتين القادمتين استكمال مشاريع إستراتيجية وعملاقة في قطر مثلا مثل مشاريع القطارات وقطارات الأنفاق والربط الكهربائي في المنطقة والربط المائي، وكذلك ربط المواصلات بين دول المجلس خاصة في مجال السكك الحديدة.
لذلك، المنطقة مقبلة خلال السنوات القادمة على تطورات هائلة ترفعها إلى مصاف الدول المتقدمة وهذا بشهادة أكبر المطورين العالميين وأكثر الناس خبرة ودراية، وفي الوقت الذي تتجه فيه الدول العربية للتنمية والانفتاح على العالم نتهم بالإرهاب، وفي الوقت الذي يتجه فيه الآخر لتطوير الأسلحة بأنواعها والبرامج النووية يقال إنه يسعى للسلم وهم متحضرون وغيره من الصفات الحميدة، أما العرب ومهما بذلوا من جهود في التنمية فإلصاق الإرهاب ومحاولات تشويه منجزاته في العالم ولدى شعوبه عمل قائم على قدم وساق، ولا يقف من قبل وسائل الإعلام العالمية، وواجبنا أن نطلع العالم على منجزاتنا ورسم الصورة الحقيقية لأهل المنطقة، حيث إن منطقتنا تتجه لأن تكون من أكثر الدول تقدما وحداثة، وهناك تحولات إستراتيجية بالمنطقة تخدم توجهاتنا ورؤيتنا المستقبلية، فالاقتصاد العالمي يمر بمنعطفات مصيرية وتطورات بنيوية خاصة في تحوله من اقتصاد تقليدي وصناعات تقليدية إلى صناعات حديثة ستحدث تحولات في الاقتصاد العالمي قد يحدث قطيعة مع البنى التقليدية والتي تعودت عليها الإنسانية، وتلك التطورات ستغير الأسس التي تكون عليها اقتصادات العالم من الطباعة ذات الأبعاد الثلاثية إلى النانو تكنولوجي إلى الروبوت إلى الحاسوب الكمي إلى الطاقة الذرية النظيفة وهي دمج ذرات الهيدروجين وغيرها من التقنيات مثل الإنترنت، وهذه كلها تحتاج لاستثمارات كبيرة وعلى مدى طويل.
وعلى العموم هناك صياغة جديدة للتحالفات فرغبة الغرب الجامحة في الدخول للسوق الإيرانية واضحة ومطامعهم.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
3426
| 02 أكتوبر 2026
كنا نخاف على أبنائنا من الغريب والبعيد فأتين لهم بالغريب والبعيد داخل منزلهم وغرف نومهم.. في بعض بيوتنا الخادمة تعرف أبناءنا أكثر منا والسائق يقضي معهم وقتا أكثر من آبائهم، والخادمة تعرف متى يستيقظ الطفل وماذا يحب أن يأكل ومتى يغضب وكيف يرضى وماذا يخيفه وأين ملابسه وماذا يريد …. ويعرف السائق مدرسته وأصدقاءه ومواعيده وأحاديثه ومزاجه ومشكلاته والأخطر أسراره التي يخفيها عن الجميع وربما يعينه عليها الخدم، أما الأب والأم فقد يحصلان في نهاية اليوم على تقرير مختصر مضمونه: أكل؟ نعم رجع من المدرسة؟ نعم نام؟ نعم وبكل بساطة تتحول الأبوة والأمومة من معايشة وتربية إلى مجرد متابعة وتمويل، وهذه ليست مبالغة عاطفية هذا واقع يعيشه المجتمع وإليكم بعض الأرقام اللي تنبه على خطورة هالشي ومنها: معهد البحوث الاجتماعية والاقتصادية المسحية بجامعة قطر اجرى مسحا وشمل 607 أسر قطرية كان نحو ثلثي الأسر التي شملها المسح لديها عاملان منزليان أو أكثر !!! وفي تقرير منفصل ذُكر فيه أن العمالة المنزلية في قطر بلغ 170 ألف تقريبا وأغلبهم من العنصر النسائي … إذن الموضوع ليس حالات فردية، الموضوع متغلغل في كل المجتمع نحن أمام ظاهرة اجتماعية تستحق أن نتحدث عنها بصراحة. وسؤال صريح: ما حجم المساحة التي أعطيناها للخدم داخل حياة أبنائنا وبيوتنا؟ فالخادمة ليست المشكلة، والسائق ليس المشكلة.. المشكلة تبدأ عندما نطلب منهما من حيث ندري أو لا ندري أن يؤديا وظائفنا بدلاً عنا.. الخادمة جاءت لتساعد الأسرة لا لتصنع شخصية الطفل وتكون المسؤولة عن اكل ولبس وغرفة الزوج، والسائق جاء ليقود السيارة لا ليصبح الرفيق اليومي للابن والعائلة وسأقف هنا ولن أتعمق اكثر لانني خصصت هذا المقال عن الابناء. دعونا نرتبها بشكل أبسط: الخادمة توقظه الخادمة تطعمه الخادمة تلبسه السائق يوصله السائق يعيده الخادمة تستقبله الهاتف يسليه الألعاب الإلكترونية تبعده ثم يأتي الأب والأم في آخر المساء ويسألان: ليش عيالنا ما يجلسون معنا؟ والسؤال الحقيقي ربما يجب أن يكون: متى جلسنا نحن معهم أصلًا؟ نحن أمام جيل يتوفر له كل شيء ماديًا، لكنه يعاني فقرًا في الاحتكاك الأسري والاجتماعي غرفة مستقلة هاتف حديث ألعاب مدارس ممتازة خادمة سائق ملابس مصروف كل شيء موجود إلا شيء واحد: الأب والأم في التفاصيل اليومية وهنا لا أتحدث فقط عن العاطفة، بل عن الهوية فالطفل القطري أو الخليجي أو العربي لا يولد وهو يعرف تلقائيًا كيف يسلم على الكبير، وكيف يستقبل الضيف، وكيف يجلس في المجلس، وكيف يحترم كبار السن، وكيف يصل رحمه، وكيف يعرف أبناء عمه وخاله، وكيف يتحدث مع الناس، وكيف يؤدي واجبه في الأفراح والأتراح. هذه ليست معلومات تُحمّل في رأسه كما نحمل تطبيقًا على الهاتف. هذه ثقافة تُعاش يرى أباه فيقلد يرى أمه فيتعلم منها يجلس مع جده يسمع حديث أقربائه يستقبل الضيوف يسلم يسمع يخطئ فيُصحح له وهكذا تتشكل الشخصية لكن إذا أخرجنا الطفل من هذه الدائرة، ثم وضعناه سنوات طويلة بين غرفة مغلقة وهاتف وخادمة وسائق، فلا ينبغي أن نتفاجأ عندما يصبح غريبًا عن التفاصيل التي صنعت مجتمعنا نحن ربما لا نخسر بعض العادات فقط، بل نخسر طريقة انتقالها من جيل إلى جيل البحوث في الخليج ناقشت بالفعل تأثير الاعتماد على الخادمات بوصفهن مقدمات رعاية للأطفال. دراسة منشورة في Journal of Early Childhood Research تناولت هذا النمط في الخليج وأشارت إلى مخاوف وآثار على النمو الاجتماعي والعاطفي عندما تحل الخادمة محل مقدم الرعاية المؤهل أو الأسرة لفترات واسعة. ودراسات أحدث في الإمارات تبحث اليوم حتى أثر وجود الخادمات والمربيات في البيئة اللغوية المبكرة للطفل، لأن من يقضي مع الطفل ساعات طويلة يصبح، طبيعيًا، جزءًا من البيئة التي يكتسب منها لغته وسلوكه وثقافته وهنا يجب أن نكون منصفين ليس كل طفل لديه خادمة سيعاني مشكلة وليس وجود السائق سببًا في فساد التربية وليس كل رعاية غير أبوية سيئة المشكلة في الإفراط في التفويض أن يتحول المساعد إلى بديل نشتكي: عيالنا ما يعرفون الناس ولا الناس تعرفهم طيب هل أخذناهم معنا؟ أبناؤنا انعزاليون ولكن من الذي صنع لهم حياة يستطيعون فيها قضاء يوم كامل داخل غرفة دون حاجة إلى أحد؟ نحن السبب وهناك سؤال أكثر إحراجًا: هل أصبحنا نستخدم الخادمة والسائق أحيانًا كي نتخلص من مشقة الأبوة والأمومة، ثم نشتكي لاحقًا من نتائج غيابنا؟ الأبوة ليست دفع الفواتير والأمومة ليست متابعة كاميرا المنزل عن بُعد لا توجد خادمة، مهما بلغت أمانتها وحبها للأطفال، تستطيع أن تؤدي الدور الثقافي والعاطفي والاجتماعي للأم فلا نظلم الخادمة ونحمّلها مسؤولية تربية لم نمارسها نحن ولا نلوم السائق لأنه أصبح قريبًا من أبنائنا، إذا كنا نحن الذين منحناه ساعات لم نمنحها لهم الحل أن نعيدهما إلى مكانهما الطبيعي في المنزل: مساعدين للأسرة، لا بديلين عنها الطفل الذي لا نعطيه هويته في البيت، سيبحث عن هوية في مكان آخر والطفل الذي لا نعطه وقتنا، سيعطي وقته لمن يمنحه الاهتمام والطفل الذي لا نملأ ذاكرته بنا، سيملؤها غيرنا وربما بعد سنوات نجلس في مجلس ونشتكي: (( عيال اليوم تغيّروا )) الحقيقة الأكثر إيلامًا قد تكون: ليسوا هم فقط الذين تغيّروا.. نحن أيضًا تغيّرنا في طريقة تربيتهم. شكراً ميري.. شكراً كومار
3192
| 06 أكتوبر 2026
التوظيف بين وزارات الدولة وشركات الوساطة بات اليوم سؤالًا مشروعًا يحتاج إلى إجابة واضحة. فدولة صغيرة بعدد سكانها مثل قطر لا يمكن أن تكتفي بالكوادر الوطنية وحدها لتغطية كل التخصصات والمهن، ومن الطبيعي أن تستعين بالمقيمين والوافدين لسد النقص، خصوصًا في الوظائف التي قد لا يقبل عليها المواطن لاعتبارات مهنية أو ثقافية. لكن ما يحدث في الواقع أن بعض الوزارات والجهات الحكومية، بحكم القوانين والإجراءات التنظيمية، لا تستطيع التعاقد المباشر مع المقيمين رغم وجود حاجة فعلية لهم، فتضطر إلى اللجوء لشركات توظيف خاصة تقوم بدور الوسيط؛ فتوقّع العقود مع الموظفين ثم تعيرهم للوزارات، لكنها تقتطع من رواتبهم أحيانًا ما يقارب النصف تحت مسمى “عمولة” أو “رسوم إدارية”. وهنا يبرز الخلل: الوزارة تدفع ميزانيتها كاملة، والشركة تستحوذ على النصيب الأكبر، والموظف، الذي يقوم بالعمل فعليًا، لا يحصل إلا على النصف أو أقل، في بلد ترتفع فيه تكاليف المعيشة. فيبقى السؤال: كيف يعيش؟ وكيف يعيل أسرته؟ وكيف يدرّس أبناءه؟ والمفارقة أن كل جهاز حكومي لديه أصلًا إدارة متكاملة للتوظيف والموارد البشرية، تضم موظفين مختصين ومؤهلين للقيام بمهام الاستقطاب والاختيار والتعيين. فما الحكمة إذن من وضع التحكم في يد طرف ثالث، بينما الجهة الحكومية مؤهلة وقادرة على القيام بمهامها؟ ولماذا يُترك الموظف والمجتمع ليتحملا الكلفة، بينما المستفيد الأكبر هم أصحاب هذه الشركات؟ والأكثر إثارة للتساؤل أن شركات التوظيف التي تدور في هذا المجال محدودة ومعروفة، وهنا يحق للناس أن يسألوا: من أصحاب هذه الشركات؟ ومن المستفيد من بقاء هذا الباب مفتوحًا؟ وهل نحن أمام تنظيم إداري يخدم المصلحة العامة، أم أمام منفذ ربحي يستفيد منه قلة على حساب حاجة الدولة وجهد الموظف؟ وهذه العقود لا تظلم الموظف في الراتب فقط، بل تمتد إلى حقوقه الأساسية؛ فقد يُخصم من راتبه إذا مرض رغم تقديم شهادة طبية معتمدة، لأنه لا يتمتع بإجازات مرضية أو سنوية مدفوعة، ولا بضمانات وظيفية واضحة، ولا زيادات سنوية، ولا مكافأة نهاية خدمة، بل قد يتأخر راتبه أحيانًا إلى ما بعد بداية الشهر. والأخطر أن بعض الجهات الحكومية تستفيد من خبرات وكفاءات تعمل داخل مؤسساتها وتتحمل مسؤوليات كبيرة، لكنها تتركها تحت رحمة مكاتب وشركات وسيطة، تحقق أرباحًا عالية من جهد الموظف وخبرته، بينما يتحمل هو وحده مخاطر الخصم وعدم الاستقرار والاستبدال. ومن الناحية الشرعية والأخلاقية، فإن هذا النوع من العقود يثير تساؤلات جدية؛ فالوسيط من حقه أن يأخذ أجرًا معلومًا ومحددًا مقابل خدمته، لكن أن يتحول الأمر إلى اقتطاع مستمر من راتب الموظف طوال سنوات خدمته، فهذا يقترب من شبهة أكل أموال الناس بغير وجه حق، ويفتح بابًا واسعًا للاستغلال. والمسؤولية هنا لا تقع على الشركة وحدها، بل تشمل أيضًا الجهة الرسمية التي سمحت بهذا النموذج أو تغاضت عنه. أما من ناحية التخطيط، فالمنطق يقول إن الهدف من هذه الإجراءات هو إعطاء الأولوية للمواطن، وهذا هدف مفهوم ومشروع، لكن لا يجوز أن يتحول الأمر إلى التفاف إداري يرهق المقيم، ويضر بصورة العدالة، ويكلف الدولة أحيانًا أكثر مما لو تم التعاقد المباشر بشفافية ووضوح. نحن لسنا ضد التعاقدات، ولا ضد القطاع الخاص، ولا ضد ربح الشركات، لكننا ضد أن يكون الربح على حساب كرامة الإنسان وحقوقه الأساسية. فالكفاءة والخبرة ليست سلعة في مناقصة، والإنسان ليس رقمًا في فاتورة شهرية، يتم الاستغناء عنه أو استبداله متى انتهت الحاجة إليه. الحل ليس معقدًا: التعاقد المباشر مع المقيمين في الوظائف التي لا يتوافر لها مواطنون، ضمن عقود واضحة تحفظ الحقوق، مع تقييد دور شركات الوساطة بحيث تكتفي بأجر مقطوع ومعلوم لمرة واحدة، بدلًا من الاقتطاع الدائم من رواتب الناس. وهذا المقال موجّه إلى وزارة العمل، وديوان الخدمة المدنية والتطوير الحكومي، ووزارة المالية، وديوان المحاسبة، ومجلس الشورى، وكل جهة معنية بمراجعة عقود التوظيف، وحماية المال العام، وصون حقوق العاملين. فالمسألة في جوهرها تحتاج إلى مراجعة قانونية وشرعية وإدارية، حتى يكون التوظيف في قطر قائمًا على العدل لا على الالتفاف، وعلى الاستقرار لا على الاستغلال، وبما يحفظ حق الدولة، وحق الشركة، وحق الموظف، لأن الاستثمار الحقيقي لأي مؤسسة يبدأ من احترام الإنسان وخبرته واستقراره.
1233
| 01 أكتوبر 2026